الموقف الأدبي

هو ارتباط الشخصية في المسرحية أو القصة بما حولها من أشخاص و بيئة و وقت و مكان و عدم العزلة عنها .

فالمسرحية أو القصة تجربة لا ينفرد فيها فرد أو حدث اجتماعي يجري في مجموعة تتصارع فيها قوى حيوية و من ثم فإن إنتاج المسرح و تقبله ليس عملية فردية و إنما هو كما يقول باتريس بافيس "إن النص الدرامي ليس له قارئ فرد ، و إنما قراءة جماعية"

فشخصية (كيلوباترا) في المسرحيات العالمية (العربية ، الإنجليزية ، الفرنسية) إذا تناولناها في لا تتضح من سلوكها وحدها ، و لكن من ارتباطها بالشخصيات الأخرى .

أما النموذج البشري :

فهو ما يصوره المؤلف ، و يجمعه في إنسان من الفضائل ، أو الرزائل ، أو العواطف المتفرقة في مختلف الأشخاص بحيث يجسدها فيه مثل : (شخصية كليوباترا) التي كانت مادة خصبة لخيال الكتاب ـ و الشعراء ، ومن ثم فالنموذج هو الشخصية التي يجسد فيها المؤلف ما يريد من صفات و نوازع و هذا لا يأتي إلا عن طريق دراسة عوامل انتقال هذه الموضوعات الأدبية عن طريق الاقتباس ، و التأثير و ملابساته .

                                        التأثيرات النظمية :

و هي تتبع القافية من خلال عاطفة الشعر ، و كذا الوزن ، و لهذا كان النظم عنصرا من عناصر التعبير .

و من ثم تبدو العلاقة وطيدة بين التشكيل الموسيقي و المحتوى الشعري فلا نرى انفصاما بين البناء الموسيقي و بين المحتوى الشعري أو بعبارة أخرى لا يمكن أن ننكر أن هناك علاقة بين التصوير و الموضوع فتصوير الشاعر لتجربة ما في إطار بحر الطويل ، و باستخدام وسائل بديعية معينة ، يختلف عن تشكيل نفس التجربة باستخدام بحر آخر ، و بوسائل تعبيرية أخرى و لا شك في أن تعدد الأبعاد للعملية الإبداعية يجعل كل بعد ، و كان هاهم الأبعاد أو أنه لا أهمية له مع هذا التعدد وفق تراكبه و توازنه مع غيره من الأبعاد و لعل ما يعنينا ملاحظته هنا أن لكل عاطفة ن أو معنى نغمة خاصة في الموسيقى ،و الغناء و هي أليق به ، و اقدر على تعبيره لأنها صوته الطبعي و صورته  الحسية الدقيقة فهل لكل عاطفة أو معنى شعري وزن خاص هو به أليق .

فنشأة الأوزان متأثرة بأذواق الشعراء و معيشتهم و تتأثر أيضا بأوزان الآداب الأخرى ، و لقد تأثر الأدب الفارسي بأوزان الأدب العربي ، فلقد أدخل الفرس وزنا جديد في الشعر الفارسي ، و هو (الدوبيت) و معناه بالفارسية (البيتان) لأنه يشتمل على أربع شطرات و الدبيت كلمة فارسية تتركب من (دو) و معناها اثنان ثم كلمة (بيت) و هي عربية و أوزان الدوبيت كثيرة ، و منها :

"فعلن متفاعلن فعولن فعلن"

و من أمثلته :

1) عملي و توجهي لربي دوما * سندي وعدتي أراها يوما

بغد وزن فيه فعلي حتما * فهناك يرى الفتى المصيب النعمى

2) لو صادف نوح عيني غرقا * أو صادف لوعتي الخليل احترق

أو حملت الجبال ما احمله * صار دكا و خر موسى صعقا

تقطيع البيت الأول :

                    عملي و توجهي لربي دوما

ع م ل ي      و ت وج هـ ي       ل ر ب ب ي          د و من

  فعلن            متفاعلن               فعولن                فعلن

                    سندي و عدتي أراها يوما

س ن د ي        و ع د د ت ي         آ ر ا ه ا       ي و م ن

   فعلن              متفاعلن               فعولن           فعلن

ملاحظة :

و مما تجدر ملاحظته بالنسبة لبحر الدوبيت أنه قد يكون متحد القوافي في شطراته الأربع ، و قد تختلف الشطرة الثالثة ، و عندئذ يسمى أعرج .

و من أمثلة الدوبيت الأعرج :

يا من في شدتي أنادي ربي * و له في ذلة يصلي قلبي

أدعوك موجها دواما وجهي * أن اسعد بالرضا ، و يمحي صدري

و قد أشار أحد الباحثين أن الدوبيت يستعمل مجزوءا و صورته

فعلن متفاعلن فعولن *** فعلن متفاعلن فعولن

و من أمثلته :

يا من هجرت فما تبالي *** هل ترجع دولة الوصالي

ما أطمع بعذاب قلبي *** أن ينعم في هواك بالي

و الدوبيت يمثل مستوى أعلى من مستوى البحور المهملة ، لكنه مع ذلك لا يرتقي إلى مستوى الأوزان الخليلية .

أما شعر الملاحم الذي انفردت به الآداب الفارسية ، و التزم بحر المتقارب المزدوج ، فهو يرجع في أصله إلى الأدب الإيراني القديم و من ثم وضح أن تأثر الأوزان العربية في القصيدة الفارسية أكثر مما وضح في الشعر الملحمي .

كما تأثرت الآداب الأوروبية بالموشحات و الأزجال العربية التي نشأت في الأندلس فظهرت في شعر (التروبادور)

فن الموشحات :

و هذا الفن اخترعه الأندلسيون للوفاء بحاجة الغناء و تنقسم من حيث أوزانها إلى قسمين :

1) ما وافق البحور الخليلة الموروثة و جاء على أوزان الشعر العربي .

و مثاله قول ابن الخطيب :

جادك الغيث إذا الغيث همى *** يا زمان الوصل بالأندلس

لم يكن وصلك إلا حلما *** في الكرى أو خلسة المختلس

و التقطيع :

                    جادك الغيث إذا الغيث همى

ج ا د ك ل غ ي         ث ا ذ ل غ ي       ث ه م ى

    فاعلاتن                   فعلاتن              فعلا     

                    يا زمان الوصل بالأندلس

ي ا ز م ا ن ل         و ص ل ب ل ا ن            دلس 

                                   ي

فاعلاتن                       فاعلاتن                   فعلا

فالموشحة من بحر الرمل ، و عروضها (ثهمي) مخبونة محذوفة ، و الضرب (دلسي) مخبون محذوف .

2) ما لم يوافق البحور الخليلية ، و جاء على غير أوزان أشعار العرب ، و هو الجم الغفير من الموشحات و قد وردت له عدة صور هي :

أ- المزج بين الأبحر الخليلة المستعملة .

و من أمثلته :

فما تسألني عنه *** و لا تبالي

                لقد حملتني منه *** فوق احتمالي

و الموشحات بأوزانها المتنوعة منها ما تستسيغه الأذن العربية ، و ترتاح إليها ، و لا ترى فيه خروجا عما ألفت من نغم موسيقي ، و منها ما كان مضطرب الوزن مهلهل النسج مفكك النظم ، لأنها لا تعطي إيقاعا موسيقيا ، أو تتجاوب الأنغام فيه .

أما الزجل :

و هو فن أندلسي أيضا اخترعه رجل يقال له ابن قزمان و قد عرف قديما بإمام الزجلين و إن كان يقال أن رجلا يسمى راشد سبقه في اختراع الزجل ، و لكن ابن قزمان غلب عليه ببراعته في تأليف الأزجال و أوزان الأزجال أكثر من أن تحصى في مثل هذا المجال ، لأنهم قالوا صاحب ألف وزن ليس بزجال ، و كانت نشأة الأزجال متأخرة في ظهورها عن الموشحات ، و لكن الفرق بين الزجل و الموشح ، أن الزجل عبارة عن أبيات كل منها يتكون من شطرة واحدة ، و عندما نتأمل ذلك فإننا نجد أن معظم شعراء الأغاني الشعبية في مصر قد كتبوا الزجل ، و وضعت له الألحان و تغنى به المغنون .

و من أمثلة هذه الأزجال الجميلة الهادفة ، ذلك الزجل

لبريم التونسي :

               شمس الأصيل ذهبت خوص النخيل يا نيل

               تحفة و متصورة في صفحتك يا جميل

               و الناي على الشط غنى و القدود تميل

               على هبوب الهوى لما يمر عليل

التقطيع :

               شمس الأصيل دهبت خوص النخيل يا نيل

ش م س ل ا ص ي ل     د هـ هـ ب ت     خ و ص ن ن خ ي ل     ي ا ن ي ل

         مستفعلان                 فاعلن               مستفعلان             فعلان

و قد تأثر شعراء (التروبادور) بالموشحات و الأزجال الأندلسية ، و نقلوا هذا التأثر إلى أوروبا .

و قد ظهر هؤلاء الشعراء في جنوب فرنسا في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي ، ثم أثروا بشعرهم في أوروبا كلها حتى القرن الرابع عشر الميلادي ، و كانوا يجوبون أوروبا يمدحون الملوك و الأمراء .

كما تأثر الأوروبيون بالأوزان اليونانية ، و اللاتينية ، و قد نشأ عن هذا وجود أوزان مختلفة في الأدب الأوروبي تقابل البحور العربية .

و نتيجة للاتصال بالغرب و التأثر بالمذهب الرمزي الغربي ظهرت دعوات تنادي إلى الإيحاء في الوزن ، و إلى التنويع الموسيقي و من ثم بدأ البعض يتحررون من موسيقى الشعر الموروثة ، و دعوا إلى الثورة عليها و إحداث تغيرات في شكل الصورة الموسيقية للقصيدة الموروثة .

و الشعر التجديدي أنواع :

1) نوع يهمل القافية ، و يلتزم بحرا واحدا هو الشعر المرسل ، و مع أن العقاد دافع عنه ، لأنه اعتبره اتساعا للشعر ، و فتح منافذ للقول و إعطاء طلاقة له إلا أنه يرى أن انتظام القافية متعة موسيقية ، و أن القافية حين تنقطع باختلافها من بيت إلى بيت تعطي شذوذ لا تستريح له الأذن و من أمثلة الشعر المرسل قول عبد الرحمن شكري :

و لسوف تبلغ بالسيوف مبالغا *** تدع الممالك في يديك بيادقا

لكن سيعقبك الزمان و صرفه *** زمنا يكون به الطليق أسيرا

      و القصيدة من بحر الكامل ، و أجزاءه :

متفاعلن متفاعلن متفاعلن *** متفاعلن متفاعلن متفاعلن

فالوزن واحد ، و القوافي متعددة

و قد انتهت المحاولات في الشعر المرسل بأن أهمل رواده فكرة الروي المرسل ، و أخذوا بفكرة القوافي المزدوجة ، و المتقابلة مع المحافظة على البحر .

2) نوع تلتزم فيه القصيدة بوحدة الإيقاع ، و حرف الروي دون ارتباط بعدد التفعيلات التي يفترق بها بيت عن آخر كقول الشاعر كيلاني سند :

لا تقلقي

إنا بذرنا دربنا بالزنبق

ستبصرينه غدا خميلة من عبق

أتعرفين جارتي . بثوبها الممزق

و كفها المشقق

كم قلت لي :

جارتنا ككومة من خرق

غدا ترينها في ثوبها المنمق

هنا الشاعر التزم بوحدة التفعيلة فقد جعل الشاعر السطر الشعري القائم على التفعيلة أساسا لموسيقاه الشعرية فقد استخدم تفعيلة بحر الرجز (مستفعلن) و لم يرتبط الشاعر بعدد معين من التفعيلات فمرة تأتي تفعيلى واحدة ، و مرة ثلاث تفعيلات و مرة أربع تفعيلات أما القافية فقد تنوعت في كل سطر و لم تلتزم رويا واحدا ، و غن كان يلتزم بها في بعض الأسطر مما يعطي نغما موسيقيا يجعل القصيدة أكثر انسجاما عن مثيلاتها في الشعر الحر و وزن القصيدة هكذا :

لا تقلقي                                                      مستفعلن

إنا بذرنا دربنا بالزنبق                                 مستفعلن  مستفعلن   مستفعلن

ستبصرينه غدا خميلة من عبق                        مسفعلن مسفعلن  مسفعلن   مستعلن

Modifié le: lundi 13 mars 2023, 23:18