بنية الإيقاع في الشعر العربي القديم

إن بنية الإيقاع تمثل العنصر الأساس في بنيات العمل الشعري لما تكسبه تميزه عن كل قول آخر وتكسبه صفة الإنشاد والغناء، وتعطيه تحديد للشعرية يحاول الوصول إلى قدر من الدقة والشمول، ينبغي لـه أن يكون في إطار معطيات علائقية، من هنا كان من غير الدقيق النظر إلى الشعرية أو محاولة تحديدها على أساس الظاهرة المفردة كالصورة أو الإيقاع الداخلي أو الوزن أو القافية ذلك لأن أي عنصر من هذه عاجز عن الوصول إلى الشعرية إلا في إطار النص، وقد تواضع الدرس النقدي الحديث على عد اللغة المادة الأولى التي يطرحها النص الشعري للتحليل كونها" وجوده الفيزيائي المباشر على الصفحة أو في الفضاء الصوتي المباشر، ومن هنا كانت الإمكانية الوحيدة، لتحليل الشعرية في النص، هي اكتناه طبيعة المادة الصوتية الدلالية أي نظام العلامات التي هي جسده وكينونته الناضجة والتي هي شرط وجوده أيضاً"(
وقد جاء الشعر الجاهلي نشيداً في أول ظهوره، بسبب من المرحلة الشفاهية، أي مغنى غير مكتوب، كان الانسجام الصوتي الممتد والمنسق عبر الزمن عند النطق هو ما يشكل مقوم الشعرية المبرز، وهذا الأمر أدى إلى خلق حالة من التوافق والانسجام العميقين بين قيم الشعر الصوتية ومحتواه الانفعالي العاطفي، حتى صار الأمر إلى الصلة العضوية بين الشعر والغناء عند العرب، فصارت، تزن الشعر بالغناء(  لأن الأوزان عندها قواعد الألحان، والأشعار معايير الأوتار(  وكتاب الأغاني في سبب تأليفه ومنهجه مثال حي في هذا الاتجاه.
وقد قال ابن خلدون: "كان الغناء في الصدر الأول، من أجزاء الفن، لأنه تابع للشعر إذ الغناء إنما هو تلحينه... وتلحين الأشعار الموزونة، بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة"
فالقدماء وبعض المحدثين ينظرون للنظام الصوتي للغة العربية، متأملين خصوصيته ناظرين إلى الأصوات المجردة التي تتوفر عليها العربية مضافاً إليها طريقة انتظامها عند تكوين الكلمات ثم تركيب الخطاب، والحيز الذي يشغله الإيقاع في الشعرية العربية متأتٍ من خصوصية اللغة العربية، ذات الطابع الكمي القياسي وليس النبري النسبي، وفي الشعرية العربية بعض صفات "لسانية ـ صوتية" مثل الأوزان والقوافي، وقد أولى العرب هذا المنحى جل عنايتهم، وقد أشار محمد العمري إلى أن المقوم الصوتي الإيقاعي في الشعر العربي يتكون من ثلاثة عناصر رئيسية هي:
1ـ الوزن المجرد القائم على المقاطع أو التفعيلات، سواء أكانت منتظمة أم حرة، وهذا مجال الدراسة العروضية، وهو يقع بين اللغة الطبيعية والموسيقى، وهو هنا فضاء المكونات الصوتية المجسدة المكونة للتوازن.
2ـ التوازن أو الموازنات ويتألف من عناصر لغوية مشخصة، كونه عبارة عن تردد الصوامت "التجنيس" والصوائت "الترصيع" اتصالاً وانفصالاً.
3ـ الأداء وهو عملية التجسيد الشفوية، حيث يقوم القارئ أو المنشد بتأويل العناصر الوزنية والتوازنية، وما يقع بينهما من انسجام واختلاف في تفاعل مع الدلالة اتساقاً واختلافاً، وهنا تدخل مباحث التنغيم والنبر والوقف ..
تكمن في المادة الصوتية إمكانيات تعبيرية هائلة "فالأصوات وتوافقاتها، وألعاب النغم والإيقاع والكثافة والاستمرار والتكرار والفواصل الصامتة، كل هذا يتضمن بمادته طاقة تعبيرية فذة، إلا أنها تظل في طور القوة والكمون ما دامت الدلالة والظلال العاطفية للكلمات مناهضة لها... وهكذا فإلى جانب علم الصوتيات اللغوية، يمكن أن يقوم علم الصوتيات التعبيرية الموسيقية ليلقي ضوءاً غامراً على العلم الأول، بتحليل ما امتدت إليه غرائزنا الفطرية منذ وقت طويل وهو العلاقة الوثيقة بين المشاعر والمؤثرات الحسية التي تنتجها اللغة بأصواتها.
إلا أن العرب لم ينتبهوا إلى (علم الأصوات التعبيري) سوى ما نقرؤه من إشارات متفرقة من قبيل قول ابن سنان: بأن أصوات الألفاظ "دالة على جهات الكلام كحروف الشيء وجهاته"(والنظر النقدي في الشعر حين يغفل (علم الأصوات التعبيري) ولاسيما في النقد التطبيقي يقع في مؤاخذات على الشعراء، كان يمكن ألا يقع فيها، مثل تخطيئه امرئ القيس في قوله(

غدَائرُها مُسْتَشزَراتٍ إلى العُلا

 

تَضلّ المَدارى في مُثَنّى وَمُرْسَلِ

فقد رسم صورة لشعر المرأة التي يصفها، مبيناً كثافته وصعوبة انسياب المشط فيه بلفظ كثيف الأصوات متقاربها يصعب على اللسان أن يجري منساباً عند النطق به، مما جعل صورة اللفظ الصوتية (الزمانية) منسجمة تعبيرياً مع صورة المعنى، الواقعية (المكانية).
وكذلك أنكروا على زهير بن أبي سلمى ـ مع ما قاله فيه عمر بن الخطاب (رض) ـ بأنه "لا يتتبع حوشي الكلام" قوله: لفظة (حقلَّد) الذي يعني: السيء الخلق

نَقَيٌ تَقَيٌ لَمْ يُكَثِّرْ غَنيمَةً

 

بِنَهكةَ ذي قُربى وَلا بِحَقَلَّدِ

فاستشنعوا (حقلَّد) هنا. وهل هناك لفظة يمكن أن تحل محلها فتكون معبرة فنياً من جهتي صورتها، الصوتية (الزمانية) والمعنوية (المكانية) عن الفرد السيء الخلق؟ وكذلك أنكروا على الأعشى الكبير (شلشلته) واستشنعوها

وَقَدْ أرُوحُ إلى الحانوتِ يَتْبَعُني

 

شَاوٍ مُشِلٌ شَلُولٌ شَلْشَلٌ شُولُ

ألا يبدو التعبير عن الرواح إلى الحانوت أو منه موصوفاً بحالة سكر على نحو معين لا ينسجم معه إلا هذا التعبير الذي هو (في حالة سكر عند النطق به)!! ويمكن قراءة ما جاء في (سلسلة) مسلم بن الوليد، و(قلقلة) المتنبي  في هذا الاتجاه.
ويبدو أن النقاد العرب القدماء ينظرون إلى مدى الانسجام المنسق لحركة أصوات اللفظ في الزمان، ويتطلبون أن يكون ذلك الانسجام متناسباً حتى عدوا الخروج على ذلك التناسب من قبيل المعاظلة في اللفظ أو التركيب، اتباعاً لتصوراتهم عن غرابة اللفظ ووحشيتهِ وهم في هذا يغفلون ما يحققه ذلك اللفظ من أثر دلالي، لكن النظر إلى هذا المنحى من جهة (علم الأصوات التعبيرية) يفيد أمرين: أولهما ما تؤديه البنية الصوتية في بعدها الزماني من أثر دلالي/ جمالي، وثانيهما ما تحققه من أثر أسلوبي صوتي، يشير إلى تصورات موضوعية، لأنساق صوتية، يقصد المرسل إثارتها في كلامه الفني لأحِداث قدر من الانسجام بين الدلالة والإيقاع.
وقد بدا واضحاً أن القيم الصوتية في الإيقاع الشعري، أوسع من الوزن والقافية واشتراطات العروض ومعطياته، وأقرب إلى التشكيل النغمي في الخطاب، وقبله في التشكيلات الحرفية، في الكلمة الواحدة أي في أسلوبية الاختيار، بالشكل الذي تؤدي فيه "شدة التأثر بالباعث الصوتي على توليد الكلمات، إلى ما يكاد أن يكون اعتقاداً غامضاً في وجود مطابقة خفية بين الصوت والمعنى"(
ودراسة الأثر السمعي ومعطياته، في منحى أثر الانطباع الصوتي على السامع وفي منحى تعبيرية الصوت التي تربط بين الدال ومدلوله، في تشكيل (بنية صوتية ـ دلالية)(  أدى إلى بلورة منهج في "دراسة المتغيرات الصوتية للسلسلة الكلامية، واستخدام بعض العناصر الصوتية لغايات أسلوبية") وهو ما اصطلحت عليه الدراسات الأسلوبية المعاصرة بـ(الأسلوبية الصوتية).
ـ الاشتراطات النحوية:
هناك نظام داخلي (ضمني) تستمد بعض القصائد منه إيقاعها، وهو مستقل بشكل أو بآخر عن التناسب التركيبي/ النحوي الوضعي)، وهو متصل بالقواعد القياسية للخطاب من جهة التزام تلك القواعد أو الخروج عليها حد التعقيد، كأن الشاعر هو القاعدة التي تحدد في ضوء سياق الخطاب الشعري، حدود ذلك التناسب الذي نظر القدماء إلى الخروج عليه من باب التعقيد، وعدوا ذلك عيباً في الصياغة الشعرية، وسمة ضعف كبير في الشاعر، لأنهم يتوخون موافقة القاعدة العرفية في سياق الخطاب الشعري، ولم ينظروا إلى الخروج على هذا السياق النحوي القاعدي من باب أسلوبي، لأن التعقيد سمة حسنة في الشعر، حين يشي بعمق فني ويوحي بدلالة فنيةٍ مضافة، بحيث لا تفهم إلا في سياقها، كون بنية اللغة الشعرية بنية وظيفية، لا يفهم كل عنصر فيها إلا في سياقه، ولا يمكن النظر فيها بمنظار القاعدة المسبقة على نحو صارم فهي "تجنح إلى استبعاد عنصر الآلية والمراتبية المسبقة، كاشفة عن نوع خاص من الدلالة الشعرية"(
ومن أمثلة التعقيد في الأسلوب الشعري التي نقصدها قول الفرزدق([7]):

إلى مَلِكٍ ما أمهُ من مُحاربٍ

 

أبوهُ وَلا كانَتْ كليبُ تُصاهِرُهْ

إذ عد القدماء هذا مثالاً على التعقيد إلا ابن جني الذي يقول: "إن هذا البيت مستقيم ولا ضبط فيه، وذلك إنه أراد: إلى ملك أبوه، ما أمه من محارب، فقدم خبر الأب عليه، وهو جملة، كقولك: قام أخوها هند ومررت بغلامها أخوك"([18]).
ومثل هذا قول الفرزدق أيضاً:

ومَا مِثْلُهُ في الناسِ إلاّ مُمَلّكَاً

 

أبو أمّهِ حَيٌ أَبوهُ يُقارِبُهْ

وهو هنا يمدح إبراهيم بن هشام. خال هشام بن عبد الملك، قاصداً ذكر "خئولة الخليفة، ورحمه به الماسة، ويمدحه بذلك"(  فيقول: ما في الناس حي، يقارب خال هشام إلا هشام الذي أبو أمه أبوه، يعني أن جد هشام لأمه هو أبو هذا الممدوح"(  
والنظر النقدي في هذا الكلام الشعري الخارج على (عرف القاعدة النحوية) ينبغي أن ينظر إليه بوصفه محاولة من الشاعر في "البحث عن العلل الروحية التي نشط التعبير في البحث عنها، وتتحصل بها القيمة الفكرية
ولما كان جل اهتمام الشاعر منصباً على إظهار (تلك الخئولة) التي تصل الممدوح بالخليفة ناسباً إليها كل حسنات هذه الحياة، وهو أمر ظاهر التعقيد، أليس من التعقيد بمكان أن تأخذ صلة النسب وبين الممدوح والخليفة كل هذا التبجيل، وأن ينظر إليها على أنها ميزة أولى في الشرف الممدوح؟ وقد يكون من التعقيد بمكان أن يحكم هذا الأمر وحده الحياة بمنطقه!! ولو عبر الفرزدق عنه بشعر مباشر، لكان الأمر غير لافت للنظر، ولكنه لما قدم وأخر في تركيب البيت حد مخالفة العرف اللغوي/ النحوي العام، فقد انسجم تعبيره الشعري فنياً مع حالة التعقيد التي عليها واقع الحال الذي وصفه على صعيد السلوك الاجتماعي في الحياة.
ويبدو أن المشافهة وأفق الحياة البدوية المفتوح قد ساعدا على تعلق العرب بالموسيقى الشعرية، أو بالتلوين الصوتي الصادر عن الكلمات، في سياق الخطاب الشعري وهذا التعلق بالحسي الملموس زمانياً على صعيد الدال، قادهم إلى توخي الكلام الذي يسابق لفظه معناه على صعيد المدلول، ولهذا كان أمامهم على صعيد الإيقاع التنويع في مصادر البنية الإيقاعية، وعلى صعيد المعنى حرصوا أحياناً ـ كما عند الفرزدق والمتنبي بعده ـ على التقديم والتأخير في بنية الخطاب الشعري، على صعيد التركيب، وكأن الأمر (معادل موضوعي) للبناء المجازي العميق.
وهذا الذي جاء عند الفرزدق مثال، يدلل على هيمنة المقوم الحسي على بنية التركيب الشعري، وقد اتضح في الدراسات الأسلوبية الحديثة، إن درجة الحسية أو التحسس "تتعلق إيجابياً بدرجتي: الإيقاع والنحوية، فكلما كان الإيقاع خارجياً واضحاً، والنحوية مستكملة مستوفاة، كانت الحسية أبرز، فإذا أمعن الإيقاع في التلاشي الظاهري، وشارف عوالمه الداخلية المستكنة، وتضاءلت درجة النحوية، بغلبة وجوه الانحراف على السياق، في مستوياته المختلفة، مال الخطاب الشعري إلى تناقص ظواهره الحسية، واقترابه من التجريد، وعلى العكس من ذلك، نجد تعلق درجة الحسية بدرجتي الكثافة والتشتت، يمضي بشكل متخالف عكسي، فزيادة الكثافة والتشتت يؤديان إلى وضع مجانس للتجريد إلى حد ما بينما تسمح الكثافة والتماسك الواضح للخطاب الشعري، بأن يتجسد في نسقه الحسي الملموس، من دون صعوبات لافتة"(
قد تكون قراءة التعبيرات الشعرية، متصلة بالتصنيف الموضوعي، للتوزيعات أو الأنساق الأسلوبية حين تؤدي وظيفتها في تشكيل الدلالة الشعرية، سواء في سياقها الذاتي (الدلالة الذاتية) المتكون من المحتوى (الإعلامي المنطقي) الخاص بالإشارة اللغوية، أم في سياق الدلالة الحافة المتكون من مجموع الأنساق والأنظمة الدالة التي يشير إليها الخطاب، تلك الدلالة التي تعرف على الإجمال بوصفها معنى إضافياً تشي به كلمة معينة إضافة إلى معناها المتواضع عليه في أصلها التداولي.
وكل هذا متصل عند الشعراء العرب ببنية المتلقي العربي، العقلية أو الجمالية وما يشكلها من مقومات وما تتحد به في إطارها الزماني والمكاني من مكونات، ومتى تغيرت تلك المقومات أدى ذلك التغير إلى مستوى من الخطاب الشعري يصحبه مستوى من التلقي يتأثر بذلك التغير ويؤثر فيه على نحو ما، يجدد أو يضيف، وهو ما يخص البنية الحسية والذهنية، ومتى ما "تغيرت البنية الذهنية لقوم من دون أن تتغير ألفاظ لغتهم وأصواتها فإنك تجدهم يركبون كلامهم، على نحو مختلف عن نحوهم الماضي، أو نحو إخوانهم الذين لم تتغير لديهم البنية الذهنية التي كانوا لهم فيها شركاء" )، وهو ما يفسر التباين في مستويات البنية المجازية للغة الخطاب الشعري من جيل لآخر، ومن عصر لآخر، ثم التباين في الأخذ بالقواعد القياسية للغة، وطبيعة ذلك الأخذ ووظيفته، واشتراطات الالتزام بالقواعد القياسية للغة، ودلالة الخروج على ذلك الالتزام، وما يؤديه من وظيفة فنية في سياق الخطاب الشعري، وطبيعة الخروج على العرف المتواضع عليه بوصفه قاعدة تؤدي وظيفة إيضاح المعنى أو إيصاله، وما تكشف عنه تلك الطبيعة من مظاهر التعقيد في الإيصال أي عدم وضوح المعنى عند المتلقي، الأمر الذي يقتضي النظر إلى أنموذج قياسي تصدر القاعدة عنه، لأن العرف يأخذ به، وهنا فإن طبيعة الأنموذج تكشف عن اشتراطاته التي إذا ما أخذ بها الخطاب على نحو تعبيري فني، كان متصفاً بمجاراة العرف النحوي.
ـ الواقع:
الواقع معطى حسي، قد يهدف الخطاب الشعري إلى تثبيته، فيتصف بالحسية غالباً، وقد ينأى عنه متخذاً منه رمزاً فيقع في فلسفة التجريد، وقد يتباين في التعامل معه أو التعبير عنه فيكون إلى الحسية أقرب منه إلى (وهم الحسية) ولكن الشعراء الذين يذهبون إلى تعبير الواقع شعرياً، يمكن النظر إلى خطابهم في سياق فلسفة الواقع أو الوجود.
وقد يبدو الشاعر الجاهلي ملتصقاً بالطبيعة، تراب، نبات، حيوان، إنسان،... من جهة الواقع، ومنتمياً إلى لسانه (لغته) انتماءً فطرياً، لذا كان يستمد بوساطة الحواس أو العلم المركوز من جهة الطبع، أكثر مما يستمد من جهة الفكر أو التأمل العقلي المجرد. ومن هنا كان يقال لمن يحسن في التشبيه: "أصاب التشبيه" بحكم ما أقام من علاقة دلالية بين الشيء في الحياة الطبيعية، وبين الشيء بمعنى الصورة في البنية الشعرية، وكأنه يأخذ بإجراء المسموع مجرى المنطوق، أي القصيدة مجرى المرئي، في محاولة منه لإظهار شكل من التناسب العلامي أو الإشارة بين السمع (الأذن) والرؤية (العين).
وقد كان الشاعر الجاهلي ينظر إلى أشياء الحياة من حوله، فيقولها أو يكتبها في خلال قصيدته، بوصفها معادلاً موضوعياً، سواء أكان ذلك من جهة المحاكاة أم التخييل أم الرؤية، وهو ما ينوع في المؤشرات الأسلوبية التي ينفرد بها بعض الشعراء. ثم إن وعي الشاعر بأشياء الحياة من حوله هو ما يمنحها وجودها الفعلي، في حياة الواقع المرئي وفي حياة القصيدة المتخيلة. أي إن الشاعر الجاهلي لم يكن ينظر على أشياء الحياة بوصفها جسراً لأفكار فلسفية أو شطحات صوفية أو تخييلات شعرية، كما حصل عند المحدثين ولا سيما العباسيين منهم(
على أن هناك من يتلقى الخطاب الشعري، محتكماً على مقوم (تعليمي أو إخباري أو أخلاقي...) مما يقع خارج أسئلة الشعر، وإن كان الاستغراق في مفردات الحياة اليومية يضع الفرد في عالم من الأقوال الجاهزة عن الأشياء كل الأشياء، وهو ما يضيق على الذات خصوصيتها أو تفردها، لأنه يضعها في سياق معد مسبقاً وهذا ما يتصل بقضية العلاقة بين الأدب والوقائع الخارجية عن نطاقه.
ولعل علماء اللغة كانوا أول من أخذ بالتلقي التعليمي لفن الشعر، فقد كان أبو عمرو ابن العلاء، يستجيد قصيدة المثقب العبدي لقوله فيها(

فأمّا أنْ تكونَ أخي بِحَقٍ

 

فَأعْرف مِنكَ غَثّي مِن سَمِيْنِي

وإلاّ فَاطَّرَحْني واتَّخِذْني

 

عَدواً أتّقيكَ وَتَّتقِينِي

وكان يقول: لو كان الشعر مثل هذا لوجب على الناس أن يتعلموه!!
أي أنه قرأ الصورة التي تعنى بالفائدة المعنوية على نحو بارز، وهذا قد يفسر كيف أن ابن قتيبة حين قرأ الأبيات الآتية، لم يجد تحتها معنى:

وَلَمّا قَضَينا مِن مِنَىً كلّ حاجَةٍ

 

وَمَسّحَ بالأركانِ مَن هوَ ماسِحُ

وَشدّتْ على حُدْب المَهارى رِحالُنا

 

ولمْ يَنْظُرْ الغادِي الذي هوَ رائِحُ

أخَذْنا بأطرَافِ الأحادِيثِ بَيْنَنَا

 

وَسَالتْ بأعْناقِ المَطي الأباطِحُ

فهذه عنده مما حسن لفظه وحلا معناه، فإذا أنت فتشته لم تجد فائدة في المعنى( ).
وقد يبدو النقد الموضوعي في أول مسيرة النقد العربي صادراً عن أهل اللغة والنحو الذين عدوا الشعر الجاهلي أصلاً ومركزاً، لا يجوز الخروج عليه، فكان المعيار الأول معياراً لغوياً، فانسحب عدم الخروج على الأصل اللغوي ـ لأنه يحقق فائدة معنوية من خلال الالتزام بالقاعدة ـ إلى عدم الخروج على الشكل الفني في إطاره الموضوعي وليس الذاتي الجمالي، فكانوا أقرب إلى الموضوعية التي هي أوثق بالمعنى النفعي منهم إلى الذاتية الجمالية التي هي أوثق بالمعنى المجازي.
والفهم التعليمي الإخباري متصل بالأنموذج الواقعي الموصوف، قبل اتصاله بلغة الوصف، أي العناية بالشيء قبل العناية بأداة التعبير عنه، وفي هذا نلحظ رؤيتين في تكوين مقومات عمود الشعر:
ـ        مطابقة الوصف للموصوف في سائر صفاته، أو في المقاربة بين المشبه والمشبه به، أو في المناسبة بين المستعار منه والمستعار له، وهكذا.
ـ        نظرهم في الحكم النقدي لا إلى لغة التعبير الشعري، بل إلى محاكاة الشيء المعبر عنه شعرياً، وفي هذا السياق، لم تحكم (أم جندب) للغة وصف الفرس (كيفية التعبير الشعري) بل للفرس الموصوف، وفي هذا الاتجاه كانت أسلوبية التعبير الشعري التي يمتدحها القدماء، متمثلة في دراسة علاقات الشكل مع التفكير العرفي، وليس في علاقات الشكل الشعري بوصفها أسلوبية فردية خاصة.
ـ الانزياح:
يشكل الانزياح مقوماً من مقومات الشعرية، حتى إن بعض الدارسين نظر في الشعرية على أنها انزياح، ولما كان الانزياح بنية علائقية صادرة عن كيفية استخدام اللغة مجازياً فإن النظر إلى اللغة بوصفها إنتاجاً فردياً واجتماعياً في آن واحد، شكلاً ومضموناً، وآلة وموضوعاً، ونظاماً ثابتاً وسيرورة متطورة، وظاهرة موضوعية، وحقيقة ذاتية، يؤكد ضرورة قراءة الشعر بوصفه خلقاً فنياً بواسطة اللغة من دون التغاضي عن السياق العام ولحظة الإبداع أو الاكتفاء بالمستوى الخارجي للعلاقة، لأن التغاضي عن كل هذا أو بعضه قد "جر البلاغيين والنقاد في غير قليل من المواطن إلى أحكام لم تأخذ في الاعتبار إلا العرف الشائع وما يليق وما لا يليق، مما فتح للتقويم الأخلاقي سرباً إلى الشعر، فالتبست المقاييس واختلطت معايير التقويم(.
وهذا ما يحصل عند الشعراء المعتمدين أسلوبياً على السببية الصريحة أو النظر العقلي المباشر في خلال علاقات حضورية تقليدية. كون اللغة لا ترتبط بعملية تسمية الأشياء وحدها فالعلاقة اللغوية بين الدال بوصفه صورة صوتية أو كتابية والمدلول كونه صورة ذهنية لمرجع معين، إنما تربط الصورة الصوتية للدال والصورة الذهنية للمدلول، بعيداً عن الشيء أو الكيان الخارجي.
ولما كانت الشعرية ظاهرة لغوية في جوهرها، وما من سبيل إلى النظر فيها سوى سبيل اللغة، فإن هذا يكشف عن صدورها عن فهم للغة ونظر فيها ينحوان إلى كون العلائق هي التي تدفع اللفظ إلى معنى متواضع عليه، وهنا فإن تعاقب تلك العلائق بنسب متساوية وخاضعة لصورة انفعال متواضع عليها، يفرغها من المنبهات الأسلوبية التفردية كون الشعرية "ليست خصيصة في الأشياء، بل في تموضع الأشياء في فضاء من العلاقات.
ومن الدارسين المعاصرين من خص الشعرية باتجاهين رئيسين: "الأول، فن الشعر وأصوله التي تتبع للوصول إلى شعر يدل على شاعرية ذات تميز وحضور".)، والاتجاه الثاني يشير إلى الشعرية كونها "الطاقة المتفجرة في الكلام المتميز بقدرته على الانزياح والتفرد وخلق حالة من التوتر.
وهذان الاتجاهان يشيران إلى الشعرية، من خلال: القواعد المتواضع عليها ومدى قدرتها عل تحقيق أدبية الأدب حيناً، وأحياناً، من خلال: التفرد الأسلوبي في التعبير الشعري عبر الانزياح ومدى قدرته على تحقيق أدبية الأدب.
ولا شك في أن الاتجاه الذي يرى أن التفرد الصادر عن أسلوب الانزياح هو ما يخلق الشعرية إنما هو فهم حديث يمكن تلمس أصوله عند الفارابي وابن سينا وابن رشد الذي يرى "أن القول الشعري هو القول المغير"(. والمتغير عدول من الحقيقة إلى المجاز أو الأساليب البيانية.
وقد يبدو عبد القاهر الجرجاني أبرز ناقد عربي، حاول أن يقدم نظرية متكاملة عن مفهوم الشعرية، منطلقاً من درجات تحقق تلك الشعرية في الخطاب الشعري، ولم يسبقه سوى الجاحظ على نحو معين من خلال نظراته النقدية المتفرقة إلى الأساليب البيانية كالمجاز والتشبيه وغيرهما مما كان يضعه تحت مصطلح البديع، فقد قال حين قرأ قول الشاعر(.

هُمُ سَاعِدُ الدّهْرِ الذي يُتَّقى بهِ

 

ومَا خيرُ كفٍّ لا تَنُوءُ بِساعِدِ

قولـه: هم ساعد الدهر، إنما هو مثل، وهذا الذي تسميه الرواة البديع والمجاز هنا متصل بكيفية القول، أكثر من اتصاله بالمضمون، لصدوره عن الشكل الفني، من جهة أن "مختلف المظاهر التي يستوعبها عادة ما يسمى بـ(الشكل) إنما هي التي تولد شعرية الشعر، وإنها بمقتضى ذلك هي التي تمثل مضمون الكلام الشعري/ وأن ما دونها من أعراض وموضوعات ومعان، تمثل المضمون الفكري الذي لا يختص بكلام معين. ولكن من جاء بعد الجاحظ أخذ يتطلب في أساليب المجاز قرائن عقلية مباشرة، كما نقرأ عند عبد العزيز الجرجاني في الوساطة مستشهداً بقول الشاعر.

وَإنّي لَظلام لإشَعْثَ بائسٍ

 

عَرانا وَمَقْدُورٌ برى مَالهُ الدهرُ

وجارٌ قريبُ الدارِ أو ذي جِنايَةٍ

 

بَعيدُ مَحلِ الدارِ ليسَ لـهُ وَفْرُ

إذ يكون منطلق المجاز في البيتين كلمة (ظلام) ولو قال (نحار) لانعدم المجاز وسياق البيتين يقوم قرينة في الدلالة على إيضاح المعنى.
ومثل هذا قول الآخر.

بَلْ رُبَّ مُحوارٍ تَجاوزنَهُ

 

بِبَسطَةِ الهامةِ والمِشْفَرينْ

مأهولةٌ الأرضِ إذا أصبَحتْ

 

مُجدِبَة الحيزومِ والمرفَقَينْ

فيرى البيت الأول منكشف المعنى "أما الثاني فلا يعلم إلا وحياً وسماعاً، ولو بلغ طلبه في علم العرب كل مبلغ، وحمل على فكرة فوق الطاقة، وإنما معناه: أن هذه الناقة إذا أصبحت وانقادت، فإن رؤوس الإبل عن رجليها، لأنها أقوى على السير منها، وصدرها خال لم تلحق بها ناقة لقصورهن عنها".
حرص المتلقي العربي والمرسل ـ على نحو ما ـ على التعبير عن الامتلاك في القول والفعل، قاده إلى نظام البيت الشعري الواحد، ثم المعنى غير الشاذ أو الخارج على العرف، ثم استخدام اللفظ في غير وضعه الدلالي الأولي دالاً على معنى جديد، شرط علاقة تصل الجديد بالأول، وفي هذا السياق تواضعوا على حدود في المجاز، ورفضوا أخرى غيرها، أي أنهم وضعوا قاعدة أو قواعد لتكون حدوداً ولم يستخلصوا قواعد تكون أسس انطلاق أو تجاوز، وفي هذا الاتجاه نقرأ: أن ابن الخثعمي الشاعر قال: جن أبو تمام في قوله.

تَرُوحُ عَلينا كلّ يومٍ وَتَغْتَدي

 

خُطُوبٌ يكادُ الدهرُ مِنْهُنَّ يُصْرَعُ

أيصرع الدهر، فقيل له: هذا بشار يقول:

وَما كنتُ إلا كالزمانِ إذا صَحا

 

صَحَوتُ وإنْ ماقَ الزمانُ أَمُوقُ

وأبوك يقول:

وَليّنَ لي دَهري بأتباعِ جُودِهِ

 

فَكدْتُ لِلينِ الدهرِ أنْ أعْقِدَ الدّهْرا

أيعقد الدهر؟
نفهم من قول الجاحظ السابق، أنه يرى المجاز بديعاً، ناظراً إليه على أنه بحث في مجهول، بحث عما لا نعرفه، أما هذا الذي عاب أبا تمام فقد تطلب في قوله مقاصد معروفة سابقة متواضع عليها.
ويكشف المجاز عن حقيقة مفادها، أن الأشياء الموصوفة تتسم بالثبات فيما تكشف اللغة ذاتية مستعملها عندما تصف الأشياء بمنظار ذاتي، وهنا فإن إشارات اللغة وتراكيبها ينبغي قراءتها بمنظار ذاتي، لأنها تحمل أسلوبية مستعملها، في حين عملت الآراء التي حاولت تأطير المجاز على إشاعة الصلة المباشرة بين المعنى الوضعي والمعنى المجازي، لتمكين الثاني من الوصول إلى المتلقي بشيء من المنطق، وهو ما يفسر كيف أن البلاغة العربية، قد عملت على أن "كل ملفوظ بلاغي إنما وظيفته تكمن في" تمكين "المعنى بأساليب مختلفة أي جعل المعنى حالة مستقرة في الذات استقراراً ثابتاً".
Modifié le: samedi 8 novembre 2025, 21:12