النقد اللغوي في أوضح تعريفاته، هو “القدرة على تلمس مواطن الصحة أو الخطأ أو الجمال والقبح في النص الأدبي. سواءٌ في اللفظة المفردة، أم في التركيب الكلي وفق مواضعات اللغة وسننها” ..

وقد كان النقد اللغوي عند العرب في بداياته ظاهرة تصويبية لمظاهر اللحن في اللغة. وتفيد بعض الروايات أن أقدم مظاهر اللحن في اللغة، عُرفت عند العرب في العصر الجاهلي؛ فقد “روي أن الشيخ المحترم في العرب كان إذا لحن لم يصوِّبوا كلامه احترامًا له. بل كانوا كثيرًا ما يقلدونه في الخطأ”.

وبذلك، فقد بدأت ممارسة النقد اللغوي عند العرب منذ الجاهلية. لا سيما تصويبهم ما يقع فيه الشعراء من أخطاء لغوية. وقد حفظت كتب الأدب العربي مواقف من هذا  التصويب. من ذلك قصة النابغة الذبياني مع أهل المدينة). وقصة النابغة الذبياني مع حسان بن ثابت(4). إذ تمثل هاتان القصتان أبرز البدايات للنقد اللغوي عند العرب.

وقد عني علماء اللغة بالتصويب والتصحيح اللغوي منذُ القدم، فألِفت فيه كتبٌ مختلفة، عُرفت بعناوين مختلفة. من مثل: “لحن العامة”، و”إصلاح المنطق”، و”تقويم اللسان”.، و”تثقيف اللسان”، وغيرها من الكتب التي نحت هذا المنحى . وتتناول مثل هذه الكتب الأخطاء اللغوية، على اعتبار أن الأخطاء اللغوية عيبٌ من العيوب التي تؤخذ على النص، و”الكشف عن العيوب كان إحدى مهمات النقد الكبرى”  .

وللدكتور عباس السوسوة، إسهامه في النقد اللغوي، سواء في ما يتعلق منه بالنقد اللغوي، أو التصحيح والتصويب اللغوي للغة التأليف والكتابة عند الباحثين والكتاب.

 : نقد النقد اللغوي

نقد النقد اللغوي، حقلٌ يتناول مناقشة الآراء النقدية اللغوية الموجهة إلى لغة الكتابة، والتأليف، واللغة الإبداعية شعرية ونثرية.

وهناك من يرى أن هذا الحقل (مدرسة) ذات معالم واضحة في تاريخ النقد اللغوي عند العرب، فالدكتور منصور عبد الرحمن في كتابه “اتجاهات النقد الأدبي في القرن الخامس”، يُطلِق مصطلح (مدرسة) على إسهامات اللغويين في النقد الأدبي في هذا القرن من الزمان، فيقول إننا في القرن الخامس الهجري: “نجد أن درس اللغة والنحو تتضح له معالم مدرسة جديدة أبرز معالمها الانتفاع بالتحقيق اللغوي والدرس النحوي على نحو ما عرف عند علماء اللغة والنحو، ثم مناقشة اللغويين والنحاة في آرائهم ومذاهبهم من خلال النص الأدبي”.

وقد استوقفت الدكتور عباس السوسوة عددٌ من رؤى النقد اللغوي. من مثل نقده لرؤية أن “قاموس الصحاح” مقصورٌ على الألفاظ الصحاح. ورؤية أن البدو يميلون إلى الشدة والحضر إلى اللين. وكذلك نقده لرؤىً من رؤى المجامع اللغوية، ورؤى المصوبين اللغويين.]: “الصحاح”، هل اقتصر على الصحاح؟

من رؤى النقد اللغوي التي تناولها الدكتور عباس السوسوة بالنقد والتفنيد، ما أسماه بأسطورة “اقتصار معجم الصحاح للجوهري على الصحاح دون غيره من المعاجم العربية القديمة” . فيقول إن هذه الأسطورة وهمٌ، ابتدأ من عند الجوهري نفسه، ثم تداولها مِن بعده الباحثون والكتاب:

“إن مصدر هذا الوهم يعود إلى الجوهري نفسه الذي يقول في مقدمة الصحاح: (فإني قد أودعت هذا الكتاب ما صح عندي من هذه اللغة (…) بعد تحصيلها بالعراق رواية وإتقانها دراية، ومشافهتي بها العرب العاربة في ديارهم البادية، ولم آل في ذلك نصحًا ولا ادخرت وسعًا)” .

وبعد أن يورد أقوالَ مَنْ يدافعون عن هذه الأسطورة ويتداولونها، يبدأ في تفنيدها، إذ يجد أن “الصحاح” لم يقتصر على الألفاظ الصحاح وحدها، بل جمع معها ألفاظًا عامية ومولدة، وألفاظًا خرجت عن نطاق الفصاحة التي حددها القدماء زمنيًّا ومكانيًّا، وجمع ألفاظًا دخيلة، وفسر ألفاظًا عربية بالفارسية.

ومما أورده من دلائل على خروج “الصحاح”، عن النطاق الزمني للاستشهاد بالشعر الفصيح، استشهاد الجوهري “بشعر الحسين بن مطير الأسدي (ت 170هـ)…”).

فاستشهاد الجوهري بشعر هذا الشاعر خروج عن النطاق الزمني للاستشهاد بالشعر الفصيح، الذي حدده علماء اللغة بموت الشاعر ابن هرمة (ت 162هـ)، أي منتصف القرن الهجري الثاني.

أما الخروج عن النطاق المكاني، الذي حدده علماء اللغة، بأن جعلوه “مقصورًا على قبائل بعينها. وهي: تميم، وقيس، وأسد، وهذيل، وبعض طيئ وبعض كنانة”)، فمثاله مجيء ألفاظ يمنية في “الصحاح”. منها: “الوثب: بمعنى الجلوس (21)”(.

ومن الأمثلة التي أوردها لمجيء الألفاظ المولدة في “الصحاح”: اللفظ “(عجج327): العُجّة بالضم، هذا الطعام الذي يتخذ من البيض، أظنه مولدًا”(13).

ومن الألفاظ العامية التي وردت في “الصحاح”:

اللفظ “(زيد482): أفعل ذلك زيادة والعامة تقول زائدة”).

أمّا الألفاظ الدخيلة في “معجم الصحاح”، فقد ذكر السوسوة أن الجوهري كان يشير إلى أن هذه الألفاظ معربة حينًا، ولا يشير إلى ذلك أحيانًا أخرى. ومن تلك الألفاظ التي لم يذكر الجوهري أنها معربة، لفظ (الفدان)؛ فهذا اللفظ دخيل ونص على تعريبه الجواليقي، ولم يفعل ذلك الجوهري.

ومن الألفاظ العربية التي فسرها الجوهري بألفاظٍ فارسية:

اللفظ “(قضب203) والقضبة والقضب: الرطبة، وهي الاسفست بالفارسية”.

وبذلك، فنّدَ أسطورة أن “الصحاح” قد اقتصر على الصحاح. فمن خلال استقرائه للمعجم، أثبت أن فيه غير الصحاح؛ إذ احتوى إلى جانب الصحاح، ألفاظًا متجاوزة للنطاق الزماني والمكاني للاستشهاد بالفصحى، وألفاظًا مولدة وعامية وأعجمية، بل وفسر ألفاظًا عربية بالفارسية.

وهذه الأدلة التي أوردها لتفنيد هذه الأسطورة كافية للقول بأن “معجم الصحاح” لم يكن مقصورًا على الصحاح وحدها، بل تضمن إلى جانبها ألفاظًا غير صحاح.

]: ميل البدو إلى الأصوات الشديدة، والحضر إلى الأصوات الرخوة

من رؤى النقد اللغوي، التي تناولها الدكتور عباس السوسوة بالتفنيد، رؤية الدكتور إبراهيم أنيس: في أن القبائل البدوية تميل إلى الأصوات الشديدة، وأن الحضر يميلون إلى الأصوات الرخوة.

ففي نقد السوسوة لبحث عبد العزيز موافي “نحو نظرية إيقاعية في موسيقى الشعر”، يعلق على هذه الرؤية التي أتى بها الباحث، مثله كمثل غيره من الباحثين الذين يتبعون رؤى المشاهير من دون فحصٍ وتدقيق لهذه الرؤى، فيقول:

“هذا من آراء المرحوم إبراهيم أنيس التي تمسك بها كثيرون منهم عبد العزيز مطر وأحمد علم الدين الجندي. وهذا غير صحيح، ففي الوحدات الصوتية في العربية (سواءٌ على المستوى الفصيح أو المستوى العامي) شديد ورخو أصلًا. ولم تثبت حكاية الميل هذه. بل فوجئ بها أنيس نفسه وتلميذه الجندي عندما كانا يجدان قبيلة بدوية(!!) تنطق بميل حضري والعكس صحيح فكانا يفسران ذلك بالتجاور بين قبيلتين من الصنفين! فالصنفان لا علاقة لهما بليونة أو قسوة”).

فهذه الرؤية يتبناها الباحثون كما هي، من دون إخضاعها للتأمل والفحص والتدقيق؛ كونها آتية من عَلَمٍ مشهور، وذلك مما يستوقف السوسوة، وله بحث سماه بـ “سطوة الشهرة”. تناول فيه سطوة آراء العلماء ذوي الشهرة على الباحثين، فيأتون بها من دون فحصٍ أو تدقيق، ومما جاء في هذا البحث حديثه عن هذه الرؤية.

 : رؤى المجامع اللغوية

إذا كانت المجامع اللغوية هي صاحبة القول الفصل في إجازة الظواهر اللغوية أو عدم إجازتها، فإن السوسوة يرى أن هذا الأمر نسبيٌّ. ذلك؛ لأن أعضاء المجامع اللغوية “يغلب عليهم البحث عن مسوغ لإجازة الظاهرة المعنية، حتى أنهم ليقولون بصواب بعض الظواهر اللغوية، وهي خطأ في العربية المعاصرة، لأن الكُتاب ــ في معظمهم ــ يتحاشون الوقوع فيها، وهناك طبعًا ما خطأه المجمع عن حق، وفي الوقت نفسه هناك ظواهر أفتى المجمع بخطئها وهي صوابٌ في العربية المعاصرة” ).

ويورد في هامش الصفحة مثالًا لتصويب أعضاء المجمع ظواهرَ لغوية، هي أصلًا خطأ في العربية المعاصرة، محيلًا على كتاب “الألفاظ والأساليب”، الصادر عن المجمع اللغوي بالقاهرة، فيقول:

“من ذلك إقرار لجنة الألفاظ والأساليب لفظي: المعمّر والمتوفى، بصيغة اسم الفاعل…” .


Modifié le: mardi 23 décembre 2025, 16:53