الدرس:04          النظريات المعرفية والسلوكية في تفسير الجريمة

تنص نظرية التعلم، خاصة الاجتماعي والسلوكي، على أن السلوك الإجرامي ليس فطرياً بل يُكتسب من خلال الملاحظة والتقليد والتعزيز في البيئة الاجتماعية. تُعتبر هذه النظرية جزءاً أساسياً من علم النفس الجنائي لتفسير كيفية انتشار الجريمة عبر التفاعلات اليومية

1- نظرية التعلم

تعتمد نظرية التعلم الاجتماعي، التي طورها ألبرت باندورا، على فكرة أن الأفراد يتعلمون السلوكيات من خلال مراقبة الآخرين (النماذج) وتقليدها، خاصة إذا رافقها تعزيز إيجابي مثل المال أو الاحترام الاجتماعي. كما تندمج مع نظرية الارتباط التفاضلي لساذرلاند ونظرية التعلم التفاضلي لإيكرز، حيث يتعلم الفرد الجريمة من تفاعلاته مع مجموعات تدعمها.

تطبيقها على السلوك الإجرامي

في سياق الجريمة، يحدث التعلم عبر مراحل: التعرض للسلوك الإجرامي، التقليد للنماذج (مثل الأقران أو العائلة)، فهم التبريرات (مثل "الضحية يستحق ذلك")، ثم التعزيز الذي يثبت السلوك. على سبيل المثال، طفل يرى والده يسرق وينجو دون عقاب يميل إلى تكرار ذلك، مما يفسر انتشار الجريمة في بيئات معينة

التعزيز والعقاب

يلعب التعزيز دوراً حاسماً؛ التعزيز الإيجابي (مثل الربح المادي) أو السلبي (تجنب العقاب) يزيد من تكرار الجريمة، بينما العقاب يضعفها إذا كان متسقاً. هذا يجعل النظرية أداة للوقاية من خلال تغيير البيئات الاجتماعية

مثال

عامل

دور الجريمة

مثال

الملاحظة

اكتساب السلوك

مشاهدة أقران يسرقون

التقليد

تبني نمط

تقليد العائلة في العنف

التعزيز

تثبيت السلوك

مكاسب مالية أو إعجاب

التبرير

تقليل الشعور بالذنب

تقليل الشعور بالذنب

 

ما هي مراحل تعلم السلوك الإجرامي حسب باندورا

       وفقًا لنظرية التعلم الاجتماعي لألبرت باندورا، يتم اكتساب السلوكيات مثل السلوك الإجرامي من خلال عملية الملاحظة والتقليد، وليس التجربة المباشرة فقط.

مراحل التعلم حسب باندورا

حدد باندورا أربع مراحل رئيسية للتعلم بالملاحظة، والتي تنطبق على تعلم السلوك الإجرامي أو العدواني:

·         الانتباه (Attention): يركز الفرد على سلوك النموذج (مثل مجرم يُلاحظ)، ويعتمد على جاذبية النموذج ومستوى الدافعية.

·         الاحتفاظ أو التخزين (Retention): يحفظ الفرد السلوك في الذاكرة كصور ذهنية أو رموز لاستعادته لاحقًا

·         الإنتاج أو التكرار الحركي (Reproduction): يمتلك الفرد المهارات اللازمة لتقليد السلوك فعليًا، مع تنظيم الاستجابة وتصحيحها.

·         الدافعية (Motivation): يقوم الفرد بالسلوك بناءً على توقع التعزيز (مثل المكافأة) أو تجنب العقاب، سواء مباشر أو غير مباشر.

2- نظرية الاقتران الفارقي في تفسيرها للجريمة:

نظرية الاقتران الفارقي، المعروفة أيضًا باسم نظرية المخالطة الفارقة أو نظرية الارتباط التفاضلي (Differential Association Theory)، هي إحدى النظريات السوسيولوجية الرئيسية في علم الإجرام. طُورت بواسطة عالم الاجتماع الأمريكي إدوين ساذرلاند (Edwin Sutherland) في ثلاثينيات القرن العشرين، وتركز على كيفية تعلم السلوك الإجرامي من خلال التفاعلات الاجتماعية.

أساس النظرية

ترى النظرية أن الجريمة ليست صفة فطرية أو بيولوجية، بل سلوك يُتعلم عبر التواصل والاقتران مع الآخرين في مجموعات أولية مثل العائلة أو الأصدقاء أو الأقران. يحدث التعلم هذا من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، حيث يتعرض الفرد لتعاليم إجرامية (تعريفات مواتية للجريمة) أكثر من التعاليم غير الإجرامية]

مبادئ رئيسية

·         التعلم الاجتماعي: الجريمة تُكتسب مثل أي سلوك آخر، عبر التفاعل مع الآخرين، بما في ذلك التقنيات والتبريرات والدوافع.

·         التوازن التفاضلي: إذا تفوقت التفاعلات مع المجرمين (عددًا، مدةً، أو شدةً) على التفاعلات مع غير المجرمين، يصبح الفرد مجرمًا]

·         الطبيعة النسبية: لا فرق بين السلوكيات السوية والإجرامية في آلية التعلم؛ الفرق يكمن في التعريفات الاجتماعية المحيطة.

تطبيقها على الجريمة

تفسر النظرية الجريمة كنتيجة لضعف الروابط الاجتماعية مع النظم القانونية والأخلاقية، خاصة في البيئات ذات الكثافة الإجرامية العالية. على سبيل المثال، يتعلم الشاب السرقة من أقرانه الذين يبررونها كوسيلة للبقاء، مما يجعلها تبدو طبيعية.

انتقادات وأهمية

تواجه انتقادات مثل افتقارها لشرح "المجرم الأول" أو تجاهل العوامل البيولوجية، واتجاهها الحتمي الذي يقلل من الإرادة الحرة. رغم ذلك، تبقى أساسًا لنظريات لاحقة مثل نظرية التعلم الاجتماعي لأكرز، وتُستخدم في برامج الوقاية والتأهيل]

3- المنظور المعرفي في تفسير الجريمة:

يُعد المنظور المعرفي في علم نفس الجريمة أحد الإطارات الرئيسية لتفسير السلوك الإجرامي، حيث يركز على كيفية معالجة الفرد للمعلومات وتكوين معتقداته وأفكاره التي تؤدي إلى الفعل الإجرامي. يفترض هذا المنظور أن الجريمة تنبع من أنماط تفكير مشوهة أو غير عقلانية، مثل التحيزات المعرفية أو الافتراضات الخاطئة حول العالم والآخرين

أسس النظرية

يرتبط المنظور المعرفي بنظريات مثل نموذج "التفكير الإجرامي" ليالكو وموراي، الذي يصف سلسلة من المراحل المعرفية: الافتراضات الأساسية (مثل "العالم مكان عدائي")، ثم القواعد التي توجه السلوك، وأخيراً السرديات الذاتية التي تبرر الجريمة. يؤكد على دور العوامل المعرفية مثل الذاكرة الانتقائية، التركيز على التهديدات، والتفسيرات الخاطئة للنوايا، مما يجعل الفرد أكثر عرضة للانحراف بدلاً من العوامل البيولوجية أو الاجتماعية وحدها

تطبيقاته في تفسير الجريمة

في الجرائم العنيفة، يفسر المنظور كيف يُساء تفسير إشارات الآخرين كعدوانية، مما يؤدي إلى ردود فعل متهورة؛ أما في الجرائم المالية، فيبرز دور التحيزات التي تقلل من تقدير المخاطر أو تبرر الاحتيال. يتكامل مع النظريات السلوكية ليشكل نهجاً معرفياً-سلوكياً فعالاً في العلاج، كبرامج إعادة التأهيل التي تعدل الأنماط الفكرية


Modifié le: samedi 14 février 2026, 22:35