أولا: الملاحظة: L’Observation
تعد الملاحظة من الوسائل التي عرفها الإنسان واستخدمها في جمع بياناته ومعلوماته عن بيئته منذ أقدم العصور،وهو لا يزال يستخدمها في حياته اليومية العادية وفي إدراك وفهم كثير من الظواهر الطبيعية والاجتماعية،إلى جانب استخدامها في دراساته وأبحاثه العلمية،فالملاحظة أداة جيدة في جمع البيانات خاصة إذا كان موضوع الدراسة سلوكيا إنسانيا معينا أو ظاهرة اجتماعية محددة.كملاحظة السلوك العدواني لعدد من الطلبة،سلوكيات الأطفال داخل المدرسة وخارجها،هذه الدراسات وغيرها تصلح فيها طريقة الملاحظة(السامرائي،2014،ص143)
1- تعريف الملاحظة:
يرى بول فراس(Paul Fraisse) أن الملاحظة العلمية هي البحث عن الجواب لأسئلة معينة.
كما يعرفها محمد طلعت عيسى بأنها:" النظر إلى الأشياء وإدراك الحالة التي هي عليها"
و تعرفها نبيهة السامرائي بأنها:" توجيه الباحث لحواسه وعقله إلى طائفة خاصة من الظواهر لكي يحاول الوقوف على صفاتها وخواصها سواء كانت هذه الصفات والخواص شديدة الظهور أم خفية يحتاج الوقوف عليها بعض الجهد،وحينئذ فليس من الممكن أن نقول بأن الملاحظة عملية حسية بحتة تقوم فيها الحواس وحدها بتسجيل الظواهر التي يراد دراستها ومعرفة القوانين التي تربط بينها،وذلك لأن العقل يقوم هو الآخر بنصيب كبير من إدراك الصلات الخفية التي توجد بين الظواهر،وهي الصلات التي تعجز الملاحظة الحسية عن إدراكها".
فالملاحظة عبارة عن معاينة مباشرة لأشكال السلوك الذي ندرسه،وهي مورد خصب للحصول على معلومات وبيانات حقيقية و واقعية مفيدة وقيمة عن السلوك الظاهر للأفراد (جبريل،2007،ص182)
من خلال هذه التعريفات يمكننا أن نستخلص مايلي:
- أن الملاحظة لا تقف عند حدود المعاينة البصرية المباشرة للأشياء والموضوعات والمواقف المدروسة،بل هي وسيلة تجمع بين الإدراك الحسي والإدراك العقلي،فالملاحظة تتم فعلا من خلال حاسة العين غير أن العقل يتدخل من خلال تفسيرها وتحليلها والربط بين جزئياتها.
- أن الملاحظة عملية مقصودة وهادفة ومحددة ومركزة ولا تتم بطريقة عشوائية.
- أن الملاحظة تتطلب باحثين معدين ومدربين عليها خاصة إذا كانت تتطلب استخدام بعض الأجهزة التقنية.
2- خطوات إجراء الملاحظة: تمر عملية الملاحظة بعدد من الخطوات التي تساعد في تحقيق الأهداف المتوخاة منها، وتتلخص هذه الخطوات فيمايلي:
(1) تحديد مجال الملاحظة، وفقا لأهداف الدراسة،ومكانها،وزمانها مثال: دراسة بعنوان "التفاعل اللفظي بين المعلمين والطلبة في حصص الرياضيات" فإن مجال الملاحظة هو التفاعل اللفظي بين المعلم والتلاميذ، المكان: غرفة الصف، الزمان: حصة الرياضيات
(2) إعداد بطاقة الملاحظة وتشمل: أنماط السلوك المتوقع ملاحظته؛ففي المثال السابق ستحتوي بطاقة الملاحظة على البيانات التالية:مدة كلام المعلم بالدقائق،ومدة كلام الطلاب بالدقائق،والتوجيهات التي يصدرها المعلم،وأنماط الثناء والعقاب التي يستخدمها...
(3) التأكد من صدق الملاحظة، ويتم ذلك عن طريق:
أ- إعادة الملاحظة أكثر من مرة وعلى فترات متباعدة.
ب- مقارنة ما يلاحظه الباحث مع ما يلاحظه باحث آخر في نفس المجال،حيث يعمد بعض الباحثين لتدريب مساعدين لهم على الملاحظة حتى يقارن ما يلاحظه المساعد مع ما يلاحظه هو.
(4) التسجيل أثناء الملاحظة:
ويفضل أن يتم وقت حدوث السلوك الملاحظ وما دامت الفترة المحددة للملاحظة قصيرة نسبيا فإنه يفضل استخدام أسلوب بسيط وسريع للتسجيل،ويتم ذلك عادة باللجوء إلى استخدام رموز(أرقام وحروف) للدلالة على السلوكيات النوعية المختلفة،بحيث تكون مفهومة ومتفق عليها عند الجميع.وفي حالات معينة يتم تحديد السلوكيات النوعية أو الفرعية للسلوك الكلي الملاحظ في القائمة،ويقوم الملاحظ بوضع إشارة جوار كل سلوك نوعي يحدث.
- تقييم ثبات الملاحظين حيث يجب أن تحظى الملاحظة بنسبة معقولة من الثبات وإلا فانه لا يعتد بنتائجها،و من بين أشكال الحصول على ملاحظات تتمتع بالثبات أن يكون هناك تناظر مقبول بين النتائج التي يحصل عليها أكثر من ملاحظ يشتركون في ملاحظة سلوك واحد،ويسمى هذا النوع بثبات سلوك الملاحظين.(سليمان سناء،2010،ص199)
وقد يعمد بعض الباحثين لاستخدام أدوات التسجيل أو الكاميرات إلا أن ذلك يجب أن يتم بموافقة الأشخاص المعنيين بالملاحظة وفي مواقف طبيعية.(عباس محمد وآخرون، 2012،ص255)
3- أنواع الملاحظة: للملاحظة أنواع متعددة هي:
1.3- الملاحظة البسيطة: Observation Simple
تعتمد على نزول الباحث ومعاونوه إلى المجتمع لمشاهدة أفراده،وهم يسلكون ويعملون،وجمع البيانات الكافية لوصف الجماعة و أوجه نشاطها المختلفة و وصف الظواهر الإنسانية و التربوية الراهنة،اعتمادا على ما يرى الباحث ويسمع،دون تدخل من القائم بالملاحظة،ودون مشاركة منه في أي نشاط للجماعة ودون استخدام أدوات،وهذه الملاحظة البسيطة لا تخضع للضبط العلمي،و لا تمكن الباحث من الإلمام بجوانب الموضوع إلماما تاما.(معاينة الظواهر كما تحدث تلقائيا،وفي ظروفها العادية)
و يتجه فيها الباحث إلى ملاحظة عدد كبير من المتغيرات في وقت واحد،كأن يلاحظ أسلوب الحياة في مجتمع ما،أو أنماط تفاعل أشخاص في جماعة وغيرها. (السامرائي،2014،ص146)
و تستخدم في الدراسات الاستكشافية،حيث يلاحظ الباحث ظاهرة أو حالة دون أن يكون لديه مخطط مسبق لنوعية المعلومات أو الأهداف أو السلوك الذي سيخضعه للملاحظة.
2.3- الملاحظة المنظمة (المضبوطة):Observation Stricte
وهي امتداد طبيعي للملاحظة البسيطة،إذا تصمم طبقا لأهداف محدودة وخطة مرسومة وتستخدم فيها الكثير من أدوات الضبط والإجراءات التنظيمية والتجريبية،وهي عادة تستخدم عندما يكون الهدف من الدراسة هو الوصف المنظم أو التشخيص.
تتم من خلال تخطيط وتحديد مسبقين لإجرائها ويشمل ذلك تحديد موضوعات الملاحظة والأسئلة المراد الإجابة عليها والبيانات المراد جمعها.(جبريل،2007،ص183)
ولكي تكون الملاحظة منظمة يجب أن تتوافر فيها عدة شروط نذكر منها:
1- يجب تحديد عينة الأفراد التي ستتم ملاحظتها،ويجب أن تكون العينة ممثلة للمجتمع الأصلي الذي ستعمم عليه النتائج.
2- يجب تحديد جوانب السلوك التي ستتم ملاحظتها،تحديدا دقيقا كما يجب تحديد المواقف التي تتم فيها الملاحظة وأنواع السلوك المعبرة عن تلك الجوانب.
3- لا يجب أن يعلم الفرد موضع الملاحظة أنه تحت الملاحظة حتى يسلك السلوك الطبيعي التلقائي.
4- يجب أن يشترك أكثر من باحث في عملية الملاحظة،فإذا أغفل أحدهما أمرا لا يغفله الآخر، ويكتفي بما هو موضع اتفاق من الملاحظين.
5- يجب استخدام الأدوات المساعدة التي تساعد على دقة وكفاءة وكفاية الملاحظة،ومن هذه الأدوات قوائم الشطب وسلالم التقدير والسجلات اليومية ومقاييس العلاقات الاجتماعية.(جبريل،2007،ص183).
3.3- الملاحظة بالمشاركة: Participant Observation
يندمج الباحث من خلال هذه التقنية وسط البيئة الملاحظة أو الجماعة موضوع الدراسة من خلال مزاولة كل النشاطات والعمليات الممارسة من طرف أفراد تلك الجماعة،ليتم بعد ذلك وصف تلك النشاطات والعمليات من طرف الباحث مع وصف متطلبات تلك النشاطات وما يحس به القائم بها؛أي يقوم الباحث بما يشبه الملاحظة الذاتية.
إن هذه التقنية ليست سهلة كما يتبادر إلى البعض،حيث قد يصاحبها صعوبة أساسية تتمثل في عملية إدماج الملاحظ وسط الجماعة،فعملية الإدماج يجب أن تتم بسرية حتى لا يتعامل أفراد الجماعة المُلاحظ بحذر من خلال اعتباره فردا غريبا وخارجيا عن الجماعة. غير أنه يمكن تجاوز هذه الصعوبة أو على الأقل التقليل من حدتها في حالة حسن اختيار المُلاحظ من خلال مراعاة بعض الشروط المتوفرة فيه كأن يكون ينتمي إلى نفس ثقافة المجموعة وأعرافها وتقاليدها.
ينصح في هذه التقنية بعدم استخدام بعض الأجهزة أثناء عملية الملاحظة؛ كآلة التصوير أو التسجيل مثلا و يعوض ذلك باعتماد المُلاحِظ على قوة و سعة ذاكرته فحسب.
إن هذا النوع من الملاحظة يتطلب إنفاق وقت طويل وجهد كبير في سبيل القيام بها،نظرا لكونها تعتبر ملاحظة مستمرة لكل ما يجري وسط الجماعة والإطلاع على كل ما يحدث بصفة عفوية من تصرفات وسلوكات من طرف أعضائها.(بشلاغم،2011،ص117).
4.3- الملاحظة بدون المشاركة: Non participant Observation
في هذا النوع من الملاحظات لا يكون الباحث جزءا من الموقف الذي تجرى مشاهدته،فهو لا يتدخل في مجريات ما يحدث أمامه،فمثلا يمكن للباحث ملاحظة السلوك العدواني لأطفال الروضة دون المشاركة فيه؛وذلك بتواجده قرب ملعب الروضة مثلا عندما يلعب الأطفال فيه (سليمان،2010،ص192)
و يلعب فيها الباحث الملاحظ دور المشاهد بالنسبة للظاهرة أو الحدث موضوع المشاهدة إذ يقوم بالنظر والاستماع إلى موقف اجتماعي معين دون المشاركة الفعلية فيه والملاحظ هنا يكون بعيدا عن الظاهرة موضوع البحث.فالباحث في هذا النوع من الملاحظة يكون مجرد مراقب لما يحدث من الظواهر أو السلوك أو التفاعل،وبذلك فإنه لا يحدث عملية تفاعل بين الملاحظ وأعضاء الجماعة،وقد يؤدي وجوده إلى تغيير في نمط السلوك والتصرفات لكونه حالة استثنائية غريبة عن الظاهرة والموقف وبذلك لا يتوصل إلى المكامن الحقيقية للظاهرة المدروسة،وهناك وسائل تعين الملاحظ على تحقيق وإجراء هذا النوع من الملاحظة فقد يقوم الباحث بالاختباء وراء شاشة بصرية يستطيع من خلالها أن يرى الأشخاص الذين تجرى عليهم عملية الملاحظة دون أن يتمكن هؤلاء من رؤيته،وقد يقوم برصد الظاهرة آليا كأن يقوم بتصويرها وتسجيلها على أشرطة تسجيل مرئي(فيديو) دون علم المُلاحَظين،وواضح أن هذا النوع من الملاحظة تمتاز بقلة تأثير الملاحظ على توجيه وتعديل السلوك الملاحظ،فالملاحظة بدون مشاركة تكمن ميزتها في تمكين الباحث من أن يلاحظ السلوك كما يحدث فعلا في الواقع بصورة طبيعية دونما أي تأثير خارجي.
4- مزايا الملاحظة: تتميز الملاحظة حسب عليان وغنيم(2000،ص117) بمايلي:
- تعتبر الملاحظة أفضل وسيلة لجمع المعلومات حول كثير من الظواهر والحوادث،كالظواهر الطبيعية،والدراسات المتعلقة بالحيوانات.
- تسجيل الملاحظة الحادثة والتصرفات و السلوكات في وضعها الطبيعي وخاصة إذا لم يشعر المبحوثين بأن الباحث يلاحظهم في وقت حدوثها.
- تسمح بالتعرف على بعض الأمور التي قد لا يكون الباحث قد فكر بأهميتها.
- يجمع الباحث معلوماته عن الظاهرة في ظروفها الطبيعية مما يزيد من دقة المعلومات.
- يتم تسجيل السلوك الذي يلاحظ في أثناء فترة الملاحظة حيث يضمن ذلك دقة التسجيل وبالتالي دقة البيانات.
- يمكن إجراء الملاحظة على عدد قليل من المفحوصين وليس من الضروري أن تكون العينة التي يلاحظها الباحث كبيرة الحجم.
- توفر معلومات عن السلوك الملاحظ في أوضاع واقعية.
- تنفرد في الحصول على معلومات لا يمكن توفيرها بطريقة أخرى،كما هو الحال في البحوث الميدانية.
5- عيوب الملاحظة: بالرغم من تلك المزايا للملاحظة كأداة بحثية فإن من عيوبها مايلي:
- تتطلب باحثا متدربا شديد الانتباه.
- قد تستغرق وقتا وجهدا وتكلفة مرتفعة في بعض الأحيان،خاصة إذا تطلب الأمر ملاحظة الظاهرة لفترات زمنية طويلة وفي ظروف صعبة.
- قد يتعرض الباحث للخطر في بعض الأحيان كما هو الحال في ملاحظة بعض الظواهر الطبيعية أو القبائل البدائية أو الأفراد العدوانيين وغير ذلك.
- التحيز من قبل الباحث في بعض الأحيان وخاصة عند تأثره بالظاهرة التي يلاحظها،والتحيز من قبل المبحوثين عند إدراكهم أنهم يخضعون للملاحظة.
- هناك بعض القضايا والمشكلات و السلوكات الخاصة بالأفراد والتي من الصعب وأحيانا من المستحيل ملاحظتها،كالعلاقة بين الزوجين مثلا.
- يغير الأشخاص الذين تتم ملاحظتهم سلوكاتهم ولا يظهرون سلوكيات حقيقية.
- تتطلب وقتا طويلا،فقد ينتظر الباحث أياما أو شهورا أو سنوات الظاهرة التي يرغب في ملاحظتها.
- قد يسهى على الباحث أو جامع البيانات ملاحظة موقف جزئي أو تسجيل ما يلاحظه بالكامل.
- قد تتأثر الملاحظة بعوامل وقتية تؤثر على نجاحها ودقة معلوماتها.