المحاضرة الأولى: العولمة (النظام الدولي الجديد)
أهداف المحاضرة:
عناصر المحاضرة:
1- تعريف النظام الدولي
2- نشأة النظام الدولي الجديد
3- خصائصه
4- انعكاساته وأثاره على المجتمع الدولي
تمهيد: من سمات الفترة المعاصرة سرعة التحولات والتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الصعيد المحلي وكذا الصعيد العالمي، ولعلى أهم الوقائع والأحداث في القرن الماضي الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتـأسيس هيئة الأمم المتحدة، وكذا انتشار حركات التحرر في دول العالم الثالث والحرب الباردة في إطار الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي، وكذا التحولات التي طرأت على الاتحاد السوفياتي والتي انتهت بانهياره كذا تطورات دول أوروبا الشرقية وتغير إيديولوجية أحزابها وكذا غزو العراق للكويت ليفتح المجال للولايات المتحدة الأمريكية للهيمنة على العالم سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وثقافيا كقطب وحيد مسيطر في إطار مايسمى بالنظام العالمي الجديد.
في إطار هذا السياق نطرح الإشكالية التالية : فيما يتمثل النظام العالمي الجديد؟ كيف نشأ؟، ماهي خصائصه وانعكاساته على عناصر المجتمع الدولي ؟
ا العولمة هي: عملية تدويل شاملة للعمليات السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية، تمثل جوهر النظام الدولي الجديد بعد الحرب الباردة، حيث تتزايد العلاقات المتبادلة بين الدول، وتتحرك السلع ورؤوس
الأموال بحرية، مع تداخل القيم والثقافات.
وتلعب الشركات متعددة الجنسيات والدول الصناعية الكبرى دوراً محورياً في قيادة هذا التوجه
أبرز مرتكزات وتداعيات العولمة (النظام الدولي الجديد)
1-الركائز الاقتصادية والمالية: تعتمد على الليبرالية الجديدة، تحرير التجارة، وسوق واحد لرأس المال
تسيطر عليه الشركات العابرة للقارات والمؤسسات المالية الدولية
ثورة المعلومات والاتصال:مثل ركيزة أساسية عبر الأقمار الصناعية وشبكة الإنترنت، مما يسهل تبادل المعلومات والأفكار بسرعة فائقة.
اعادة تشكيل السيادة:يفرض النظام الجديد تحولاً في مفهوم الدولة الوطنية، حيث تتدخل المؤسسات الدولية في السياسات الاقتصادية والسياسية للدول.
الثقافة والقيم:بروز "ثقافة عالمية" ناشئة متصلة بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما يؤثر على القيم والتقاليد المحلية.
التفاوت والتحديات:تنتج عن هذا النظام تفاوتات كبيرة في التنمية بين الدول، حيث تعاني الدول النامية غالباً من قيود تحد من استقلاليتها في رسم سياساتها.
أولا: تعريف النظام الدولي:
عرف الدكتور رسلان شرف الدين النظام ب '' مجموعة من الضوابط والقواعد والمؤسسات الموجهة تبعا للغايات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لذلك النظام بل لرأسه المهيمن ''.
وهناك من عرفه بأنه كل فكرة أو مفهوم يبرز عن طريق الصلات والعلاقات التي تتألف من هذه الفكرة أو التصور، والنظام الدولي ماهو الا تعبير عن شبكة التفاعلات بين وحدات المجتمع الدولي من خلال منظور التغير والتكيف الناتج عن هذا التفاعل.
أما الأستاذ والمحلل السياسي حسن خلف موسى عرفه بأنه ''مجموعة الوحدات السياسية -سواء على مستوى الدولة أو ما هو أصغر أو أكبر- التي تتفاعل فيما بينها بصورة منتظمة ومتكررة لتصل إلى مرحلة الاعتماد المتبادل مما يجعل هذه الوحدات تعمل كأجزاء متكاملة في نسق معين، وبالتالي فإن النظام الدولي يمثل حجم التفاعلات التي تقوم بها الدول والمنظمات الدولية والعوامل القومية مثل حركات التحرر والعوامل عير القومية مثل الشركات المتعددة الجنسية وغيرها''.
ثانيا : نشأة النظام الدولي الجديد:
استند النظام الدولي القديم إلى الثنائية القطبية وقد شكلت مناطق العالم الثالث فضاء للتنافس والمواجهة بين القطبين ولكن التغيرات التي طرأت على الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي أدت إلى انهياره كقوة وكذا انهيار الأحزاب الشيوعية في دولها وقيام تعددية سياسية ونماذج من الديمقراطية الليبرالية والاقتصاد الحر وتدريجيا انفتحت على المعسكر الغربي كما انخرطت في الاقتصاد العالمي.
كانت هذه التحولات بالتداخل مع عوامل أخرى كفيلة بإنهاء النظام الدولي القديم ثنائي القطبية والانتقال إلى نظام عالمي جديد، وهناك من قال أن العالم أصبح يعيش في ظل هيمنة الولايات المتخذة الأمريكية لانفرادها بالقوة الاقتصادية والعسكرية، وهناك من رأى أن النظام العالمي الجديد يقوم على سيطرة ثلاثة قوى على الاقتصاد العالمي وسيطرة قوة أحادية عالمية على العالم.
وقد افرز هذا التحول تطورات خطيرة من منظور عملية العولمة:
1-تمدد دور الولايات المتحدة الأمريكية عالميا مما جعل البعض يضع مفردة الأمركة كمرادف للعولمة.
2-حدوث موجة نحو التحول الديمقراطي والاتجاه نحو اقتصاد السوق.
3-ثورة في المعلومات والاتصالات .
ولقد أتاح غزو العراق للكويت فرصة ذهبية للولايات المتحدة لتجربة القدرات العسكرية للأحادية القطبية وتحولت منطقة الخليج العربي سنة 1991 إلى مخبر مفتوح لإعادة صياغة التحالفات وتجربة الأسلحة والحصول على غنائم أكثر والسيطرة الكاملة على خزانات النفط وعودة الامبريالية.
وتم تحوير الإستراتيجية الأمريكية سنة 1993 لما دعى مستشار الأمن القومي الأمريكي في ذات السنة إلى إعادة النظر جذريا من خلال فرضيتين الأولى مواجهة صراعين في شبه الجزيرة الكورية والشرق الأوسط أما الثانية فهي منع ظهور منافس مساوي للولايات المتحدة الأمريكية .
وقد شكلت واقعة 11 سبتمبر 2001 لطمة خطيرة للولايات المتحدة الأمريكية بضرب رموز المال والسياسة والأمن مركز التجارة العالمي والبنتاجون في نيويورك وواشنطن وهذا يشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية هي القطب الواحد في عالم اليوم وهي تتزعمه اقتصاديا وماليا وتكنولوجيا وإستراتيجيا وأمنيا .
ثالثا:خصائص النظام الدولي الجديد:
1- القطبية الأحادية: أي سيطرة وهيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي من الناحية السياسية والعسكرية.
2-سياسيا: قامت أمريكا بدور المنظم للمجتمع الدولي، ومنذ أحداث 11 سبتمبر عملت على مواجهة بعض الدول بتهمة الإرهاب ووصفتها بالدول المارقة،وتحركت فرديا وشنت الحرب على أفغانستان واحتلت العراق الأمر الذي أظهر عجز أوروبا عن تشكيل قوى سياسة.
3- عسكريا: إنفردت بالقرارات العسكرية دون الالتزام بالشرعية الدولية،بحكم قوتها الاقتصادية والعلمية والعسكرية … ،بالمقابل تم حل الأحلاف العسكرية الاشتراكية كحلف وارسو، وإقامة القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط- كالكويت والسعودية وقطر والضغط على الدول المنتجة للسلاح .
4- ثقافيا : هيمنة العولمة الثقافية الغربية والأمريكية على وجه الخصوص، معتمدة على وسائل مختلفة اهمها الإعلام بالمقابل تهديد الثقافات والهويات المحلية.
5-اقتصاديا:نظام متعدد الأقطاب تبرز فيه قوى اقتصادية كبرى سواء في أوروبا وفي شرق آسيا ،لاسيما بعد الأزمة العالمية والتي كشفت مدى هشاشة الاقتصاد الأمريكي.
الثورة التكنولوجية الصناعية: لا جدال في أن الثورة الصناعية الثالثة هي العامل الرئيسي للمتغيرات الاقتصادية العالمية بما في ذلك تفوق القدرة الاقتصادية والتكنولوجية لتحالف الدول الرأس مالية وينقسم الفكر الاقصادي العربي إلى رأيين الأول يقول بامكانية الالتحاق بالثورة الاقتصادية الثالثة بشرط تبني اقتصاد قائم على الانتاج والتصدير وتحرير التجارة، أما الرأي الثاني فيرى استحالة الالتحاق بركب الدول الاقتصادية المتقدمة وذلك للقيود التي تفرضها
تعدد الفاعلين الدوليين: بتعدد وتوزع مصادر السلطة على مستوى العالم نتيجة تصاعد قوة الشركات المتعددة الجنسية والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية التي أصبحت تشكل تحدياً لسيادة الدولة وسلطتها، وكذا عولمة الإرهاب الذي خرج من رحم العولمة الأمريكية ليمثل نوعاً من العولمة المضادة.
إنشاء التكتلات الاقتصادية: يتجه النظام الدولي الجديد إلى إنشاء المزيد من التكتلات الاقتصادية بالمقابل تتضائل أهمية الاقتصاد الفردي عند رسم السياسات الاقتصادية التي تتعامل مع العالم الخارجي وبالتالي يحل محله الاقتصاد الكتلي للحصول على أكبر المكاسب وتؤثر هذه التكتلات على نوع الترابط بين وحداتها، ومن هذه التكتلات نذكر المجموعة الاقتصادية الأوروبية، التكتل الاقتصادي لأمريكا الشمالية، التكتل الاقتصادي في قارة آسيا
وجود السلاح النووي وسيادة مبدأ توازن الرعب النووي:
تبنت الولايات المتحدة العسكرية سياسة الردع والاحتواء، القائمة على إقناع العدو بضرورة الابتعاد عن تهديد الأمن والمصالح الأميركية خوفاً من اللجوء إلى الأسلحة النووية، وبعد انهيار المعسكر الشرقي اتجهت السياسة نحو التقليل من التدخل العسكري خارجيا مع بروز توجه نحو العمل على حل النزاعات سلميا.وتغيرت هذه الإستراتيجية بعد أحداث 11 سبتمبر حيث تم إعطاء الأولوية للحرب على ما تسميه إرهاب.
اضمحلال دور القانون الدولي وازدواجية المعايير:
تجاهل القانون الدولي العام، أو التناقض في تطبيقه سواء بالنسبة لحقوق الإنسان، أو حفظ السلام، أو حماية البيئة الطبيعية من التلوث والتدمير… ، حيث نجد إزدواجية في المعايير وتجاوزات عديدة في مفهوم حقوق الإنسان ، وأبرز مثال على ذلك حصار العراق لسنوات،وما نتج عن ذالك من ظروف جهنمية.
- تغير مفهوم القوة وظهور المنظمات الإقليمية:
تغيير معايير القوة من القوة العسكرية إلى القوى الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية حيث:
* أصبح هناك دول تمتلك قدرات عسكرية فائقة، ومع ذلك فإن أمنها مهدد مثل روسيا.
*وكذلك امتلاك دول قدرات عسكرية جبارة ومثالها اليابان، ومع ذلك فإن أمنها غير مهدد.
* تغيرت طبيعة التحالفات من تحالفات عسكرية إلى تحالفات ذات طبيعة اقتصادية ومثالها: النافتا، الاتحاد الأوروبي آسيان، وابيك…الخ.
- الميل نحو التكتلات الدولية الكبيرة:
فهذا العصر هو عصر التكتلات أو المجموعات السياسية الكبرى الذي تحتفظ فيه الدول القطرية بشخصيتها القانونية ومكانتها وسيادتها ، إلاّ أنها تسعى إلى الانضمام إلى تكتل معين تدور في فلكه، وأبرز مثال على ذلك المجموعة الاوروبية وأن هذه التكتلات لا تتوقف عند المصالح الاقتصادية بل تتعداها إلى ميادين عديدة.
- الثورة التكنولوجية:
الثورة التكنولوجية الهائلة في وسائل الاتصال ونقل المعلومات وسرعة تداولها عبر الدول، والتطور الكبير في مجالات الفضاء والمعلومات، والعقول الالكترونية، والهندسة الفضائية.
ونتج عن ذلك عولمة المشكلات والقضايا كالفقر والتخلف والتلوث البيئي والانفجارات السكانية وغيرها حيث لم تعد تقتصر نتائج هذه المشكلات على حدود جغرافية معينة بل تتعداه إلى أقاليم اخرى .
- خاصية اللاتجانس:
فالنظام السياسي الدولي يشكل نظاماً غير متجانس من خلال:
التباين الشديد بين وحدات المجنمع الدولي من حيث الحجم والقوة .
العلاقة غير المتوازنة بين دول الشمال ودول الجنوب، مثلا فيما يخص التجارة الدولية
إتساع الهوة التكنولوجية بين الشمال والجنوب، وما نتج عن ذلك من تبعية تكنولوجية .
- تصاعد التوترات والصراعات
تزايدت التحديات البيئية التي تواجه العالم كالاحتباس الحراري والتصحر والتغيرات المناخية والأعاصير والفيضانات والتلوث،مع تزايد الحروب الأهلية والإقليمية مثل باكستان،الصومال،رواندا بروندي،رواندا وحاليا العراق وأفغانستان…ثم تنامي الهجرة القسرية بسبب الحروب والفقر والكوارث الطبيعية…وتزايد التوتر السياسي في الشرق الأوسط والقوقاز والبلقان وإفريقياالوسطى.
كما تزايدت حملات الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية ضد بعض الدول العراق سنة 1991 ثم حصارها اقتصاديا إلى غاية سنة 2003فإحتلالها،كماتدخلت عسكريا في الصومال سنتي 1992-1994،وفي سنة 1999 أقحمت حلف شمال الأطلسي في حملتها العسكرية على يوغوسلافيا، وكذا الغزو العسكري بغطاء أممي لأفغانستان في سنة 2001 وفي الفترة الحالية تهديداتها ضد دول أخرى مثل سوريا،ومن أجل ذلك قامت الولايات المتحدة بتقسيم العالم إلى مناطق إقليمية وتسهيل قيادة هذه الاقاليم.
انعكاسات النظام الدولي الجديد:
*تفريغ مفهوم السيادة من معناه الحقيقي مثال على ذلك حدث الاختراق الاعلامي والثقافي، والإنكشاف الأمني للدولة بفعل الأقمار الصناعية والتهديدات النووية وتسارع حدة الاختراق الاقتصادي وتسارع خضوع المزيد من القطاعات السكانية لسيادة دول أخرى.
*الاضطرابات في الدول العربية التي كان لها علاقات أكبر معالاتحاد السوفياتي مع إحتمالات الاضطرابات في بقية الدول العربية الاخرى، فالاولى فقدت سندها وهو ما سيجبرها على تحويل وظيفتها مما يمثل مقدمة للاضطراب بينما تدعمت الثانية.
-استمرار التدخل الاسرائيلي في بنية المجتمع العربي لاعاقته على النهوض وهذا يعني استمرار الصراع مع تباين في درجة حدته.
-الاعتراف باسرائيل ورفع المقاطعة الاقتصادية مقدمة لبناء تكتل اقتصادي إقليمي يرتبط بالولايات المتحدة ويسهل عملية التلاعب بمتغيرات البنية العربية لصالح إيران، إسرائيل، تركيا.
-تجديد النخب السياسية الحاكمة في منطقة المغرب العربي .
-الرهان على خوصصة القطاع العام في الدول العربية لزعزعة أنظمتها، هذا القطاع الذي مثل إعتزاز الطبقة السياسية في سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي
-اكتساح الشركات متعددة الجنسيات للدول العربية بالمقابل كانت هذه الشركات منبوذة سابقا ففي الجزائر منذ 1991 أبرمت عدة عقود شراكة للتنقيب واستغلال البترول
الخاتمة:- في هذا النظام هيمنت الولايات المتحدة على العالم وذلك لامتلاكها القوة السياسية عن طريق هيئة الأمم المتحدة، وكذا قوتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية.
*إنعكس هذا النظام سلبا على دول العالم الثالث.
*خيوط التأثير الدولي كلها بيد الولايات المتحدة الامريكية، إلا أنها في الوقت نفسه تؤمن بضرورة إفساح المجال للقوى الصاعدة إقتصاديا لا لتزاحمها في مجال الصدارة بل لاحتوائها وطيها في ركابها .