مقدمة: 

        تمثل البرتغال من أوائل الدول الأوروبية التي حققت وحدتها القومية في العصر الحديث، وتزعمت ما يعرف اصطلاحا "الكشوف الجغرافية" وهي الموجة الاستعمارية المرتبطة بالنهضة الأوروبية في بداية القرن الخامس عشر بزعامة البرتغال وإسبانيا، والتي انطلقت باحتلال مدينة سبتة في المغرب الأقصى سنة 1415م، وتزايدت أطماعها للتوسع في سواحل الجزائر (المرسى الكبير 1505م، ثم الثاني على وهران سنة 1509، لكن المنافسة الإسبانية، ثم تدخل الكنيسة الكاثوليكية باعد بين البرتغال والجزائر خاصة بعد انعقاد مؤتمرطورديسيلاسفي السابع من جوان 1494م الذي مثل حلقة من حلقات مسلسل الحروب الصليبية الجديدة في المغرب العربي، حيث توصل المؤتمرون -  بمباركة الكنيسة المسيحية الكاثوليكية بزعامة البابا " إسكندر السادس، وأكدها البابا " جوان الثاني -  إلى اتفاقية تقسيم العالم غير المسيحي، فاتجه النشاط الصليبي  المسيحي الإسباني شرق سواحل المغرب الأقصى، وانحدر الغزو البرتغالي غرب المغرب الأقصى على طول المحيط الأطلسي، بتقسيم دولي على أساس خط وهمي.

      وطبعت العلاقات بين الجزائر العثمانية والبرتغال بالتوتر والعداء المستمر، باستثناء مراحل قصيرة ومتقطعة من السلم بوساطة ولمصالح بريطانية سنتي 1798م و 1813م.

* فما هي أهم مظاهر العلاقات السلمية بين الجزائر والبرتغال؟

* وما هي أخطر الحملات والحروب البحرية البرتغالية الجزائرية؟

أولا: العلاقات السلمية بين الجزائر والبرتغال

 عقدت بين الجزائر والبرتغال في عهد الملكة ماريا الأولى (1734 – 1816م)  خمس اتفاقيات وهي:

1/ معاهدة هدنة سنة 1785م: بين الداي محمد عثمان والملكة ماريا الأولى بوساطة بريطانية بهدف دفع الجزائر للحرب ضد الولايات المتحدة الأمريكية، لهذا وصفت ب: "كارثة" "مفزعة" ضدها وضد فرنسا، لكنها لم تدم أكثر من سنة، حيث كان الجهاد البحري الجزائري في أوجه على عهد "الرايس حميدو" .

2/ معاهدة هدنة سنة1793م بين الداي "حسن" والملكة "ماريا الأولى":

         في إطار التنافس الإنجليزي الفرنسي أواخر القرن 18م، حاولت إنجلترا فرض هيمنتها على البحر المتوسط، وأخذ مكانة فرنسا وامتيازاتها في السواحل الجزائرية ، فرأت أنه من الحكمة أن تنهي الحرب بين الجزائر والبرتغال حتى يتمكن الأسطول الجزائري من التغلغل إلى مياه المحيط الأطلسي ليعرقل نشاط الأسطول الأمريكي، الذي كان يزود موانئ فرنسا بالمواد الغذائية، مما أفشل خطة الحصار الإنجليزي المضروب على فرنسا بين (1792 – 1794م)، حيث نجحت الدبلوماسية الإنجليزية في إقناع الجزائر والبرتغال لعقد هدنة سنة 1793م ، وهو ما أشعل فعلا الحرب بين الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية.

سنة 1794م انتهت الهدنة بين البرتغال والجزائر ونشبت الحرب بينهما، وأرسلت البرتغال أسطولها إلى جبل طارق لقطع الطريق على السفن الجزائرية ومنعها من الوصول إلى المحيط الأطلسي ، بالمقابل عقدت معاهدة سلام بين الجزائر والو.م.أ. في سبتمبر 1795م أطلق على إثرها مائة أسير مقابل فدية قدرها 64500 دولار أمريكي، وصادق مجلس الشيوخ الأمريكي على المعاهدة مع الجزائر في 2 مارس 1796م تعهدت بموجبه الو.م.أ. دفع 21600 دولار سنويا في شكل تجهيزات بحرية .

3/ معاهدة سلم 28 سبتمبر 1795م: مرة أخرى نجحت بريطانيا في عقد هدنة بين حليفيها الجزائر والبرتغال، لافتداء الأسرى بين الجانبين، وفرض حرية التجارة بين البلدين.

4/ معاهدة هدنة سنة 1810م:

        وفي نفس هذا الإطار التنافسي الإنجليزي الفرنسي مع بداية القرن التاسع عشر، وبعد احتلال فرنسا للبرتغال سنة 1808م، واستنجاد البرتغال ببريطانيا، التي حررتها سنة 1810 م، فحاولت إنجلترا استغلال مكانتها الأولى في الجزائر لصالح حليفتها البرتغال وخدمة مصالحها، فقربت بين الجزائر والبرتغال لعقد هدنة بينهما لمدة سنتين مقابل دفع 690 ألف دولار، تتكون شروط الهدنة من ثمانية مواد، تتمحور حول مسألة افتداء الأسرى (615) أسير برتغالي مقابل 337 ألف دولار، وحرية التجارة بين البلدين.

5/ معاهدة سلم 14 جويلية 1813م: ساهم ارتياح البلدين للهدنة السابقة، وجهود الوزير البريطاني المفوض لدى دول المغرب إلى عقد معاهدة سلم أخيرة قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر، بين الداي "الحاج علي" والملكة "ماريا الأولى، تضمنت (16) مادة في صالح الجزائر بالتزام البرتغال بدفع نصف مليون دولار و(24) ألف دولار سنويا بالإضافة إلى الهدايا القنصلية كل سنتين، وتكليف قنصل بريطانيا بمهام قنصلية البرتغال في الجزائر.

ثانيا: أخطر الحملات والحروب البحرية البرتغالية على الجزائر

ورثت البرتغال نفس حساسيات الحرب الصليبية ضد الجزائرخاصة والمغرب العربي عامة، بدأت أطماعها في موانئ المغرب الأوسط منذ 14 أوت 1415م مباشرة بعد احتلال مدينة سبتة المغربية، باحتلال المرسى الكبير حتى سنة 1437م ، ونجح بعده الملك البرتغالي "ألفونسو الخامس" (1438 - 1481م)من احتلال مدينة وهران سنة 1471م لمدة ست سنوات حتى 1476م ، كما فشلت محاولة هجوم برتغالي آخر سنة 1491م على المرسى الكبير، ليؤكد تقرير جاسوسها إلى الأمير البرتغالي صعوبات الاستيلاء على مدينة الجزائر بعدما أصبحت حصنا مدججا بالمدافع والقلاع ، قبل أن تلتزم باتفاقية طورديسيلاس في 1494م، وتكتفي بدعم ومساندة إسبانيا لاحتلال وهران سنة 1509م  .

عادت البرتغال للحرب ضد الجزائر في أواخر القرن 18م، حيث فشلت محاولتها سنة 1785م في تشكيل حلف عسكري لحرب الجزائر ، خاصة بعد النجاح الكبير الذي عرفته القرصنة الجزائرية بقيادة الرايس

"محمد بن علي إلياس ابن تابلك" المعروف ب"الرايس حميدو" الذي أجمعت المصادر على أنه من أعظم البحارة في تاريخ البحرية العالمية، والذي قاد عدة مواجهات بحرية ضد السفن البرتغالية طيلة عقد من الزمن بين (1799- 1809م) أخطرها سبعة مشهورة وهي:

1/ 30 أوت 1799م: احتجز سفينة برتغالية وأسر (79) تسعة وسبعين برتغاليا، وغنم 385 و29 ف 

2/ 28 ماي 1802م: حجز سفينة برتغالية وسجن  282 أسير، و(44) وأربعة وأربعين أسيرا  .

3/ سنة 1803م: تمكن من أسر (12) اثتي عشر من كبار البحارة الضباط البرتغال.

4/ 19 مارس 1806م: احتجز سفنا برتغالية وغنم قيما مالية ثمينة 

5/ سنة 1807م: غنيمة برتغالية في سواحل المحيط الأطلسي، باعها في المغرب بقيمة 11787 فرنك فرنسي .

6/ أكتوبر 1808م:غنم سفينتين برتغاليتين بشحنتين من القمح والفحم، و(74) أسير، بلغت قيمتها المالية 475 ألف و20سنتيم .

7/ سنة 1809م: احتجز ثلاث سفن برتغالية، واحدة كانت آتية من كوبا في أمريكا مشحونة بالتبغ .

صال الرايس حميدو وجال في المحيط الأطلسي وختم حروبه ضد البرتغال باستعراض دهائه وحيله ومغامراته ومناوراته البحرية البطولية . 

خلاصة: تفوق وسيطرة جزائرية على البرتغال طيلة العهد العثماني في السلم والحرب، خصوصا في عهد أميرال البحر الجزائري " الرايس حميدو" (1770 – 1815م).



[1]مولود قاسم نايت، بلقاسم، ج1، مرجع سابق، ص. ص 92 – 93.[1]

[2]      عبد القادر فكاير ، العلاقات الجزائرية البرتغالية خلال الفترة العثمانية، دورية كان التاريخية،

العدد 18، ديسمبر 2013، ص. ص 24-30.

Nettement ( Alfred), Histoire de la conquête d’Alger Ecrite sur des documents inédits,[3]

Et authentiques, Nouvel édition, Paris 1867, P 123

[4]أرزقي شويتام ، نهاية الحكم العثماني في الجزائر وعوامل انهياره(1800-1830)، دار الكتاب العربي، الجزائر 2011 ، ص134

[5]وليام سينسر ، مرجع سابق، ص 156.

[6]ألبير دييفو ، الرايس حميدو، ترجمة الزبيري محمد العربي، ط1، المؤسسة الجزائرية للطباعة، الجزائر ، ص90.

[7]عبد الحميد زوزو، هدنة 1810 ومعاهدة 1813 بين الجزائر والبرتغال، مجلة التاريخ، المركز الوطني للدراسات التاريخية،

العدد 11 الجزائر 1971، ص. ص: 21-43،                            

[8]وليامشالر ، مذكرات وليام شالر قنصل أمريكا في الجزائر(1816-   1824)، ترجمة وتعليق إسماعيل العربي،

                                         ط1،  الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1982،ص 136.

[9]عبد الحميد زوزو، هدنة 1810 ومعاهدة 1813 بين الجزائر والبرتغال، مقال سابق، ص. ص 33-41.

Antonio Mendes, Le Portugal et l’Atlantique, Expansion, Esclavages et race en  perspective -     [10]

 (14-16 siècles), In Rives Méditérranéennes, Paris 2014,  PP139-157.

 Fréderic Mauro, Le Portugal et l’Atlantique (1570-1670), PUF, Paris 1960      [11]

[12]الجمل عطا الله شوقي، المغرب العربي الكبير، ط 1، المكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة 1977، ص42

جون وولف، مرجع سابق، ص 149.[13]

 Henri-Leon Fey, Histoire d’Oran , avant , pendant et après la domination Espagnole,[14]

                                                Typographie Adolphe , Perrier éditeur, Oran 1858, P53

[15]وليام سينسر ، مرجع سابق، ص 156.

[16]علي تابليت ، الرايس حميدو أميرال البحرية الجزائرية(1770-1815)، منشورات تالة، الجزائر 2006، ص. ص 3-  5.

[17]ألبير دييفو ، مرجع سابق، ص95.

[18]نفسه، ص 97.

[19]ألبير دييفو ، مرجع سابق، ، ص98.

[20]نفسه، ص98.

[21]جون بابتيستوولف ، مرجع سابق، ص204 و ص 431.

[22]وليام شالر ، مصدر سابق، ص18.

[23]نفسه.ص18.

[24]أحمد الشريف الزهار ، مصدر سابق، ص 106.



آخر تعديل: الأحد، 1 مارس 2026، 1:21 PM