المحاضرة الثامنة: تتمة ميزان المدفوعات
ثامنا: آليات تصحيح الاختلال في ميزان المدفوعات:
إن تعديل الاختلال في ميزان المدفوعات، سواء كان في حالة فائض أو في حالة عجز، يكون إما تعديلا آليا (تلقائيا) أو عن طريق التدخل بتطبيق سياسة معينة:
1- التصحيح الآلي التلقائي:
يتم تعديل الاختلال في ميزان المدفوعات بصفة آلية دون أي تدخل من صناع قرار السياسة الاقتصادية وفق الآليات التالية:
§ آلية التعديل السعري في ظل نظام قاعدة الذهب 1870-1914:
ترتبط هذه الطريقة بمرحلة ما مر بها النظام النقدي الدولي، وبالتالي فهي لا يعتمد عليها بالضرورة في الوقت الحاضر. تخص هذه الآلية نظام قاعدة الذهب الذي كان معمول به في الفترة بين 1870 و 1914، الذي كان قائما على أن عرض النقود مغطى بالذهب، وأن مستوى الاسعار يتأثر بالتغير في كمية النقود، ومن ثم فإن أي تغير في وضعية ميزان المدفوعات (عجز أو فائض) يعدل آليا بالتغير في الاسعار الداخلية.
فحالة الفائض تعني دخول الذهب للاقتصاد المحلي والذي يحدث زيادة في عرض النقود، والذي يؤدي بدوره حسب نظرية كمية النقود إلى زيادة الطلب ومن ثم ارتفاع في المستوى العام للأسعار الداخلية، وهذا يؤدي إلى تراجع تنافسية الصادرات وقلة الطلب عليها، وفي المقابل تزايد الطلب على السلع والخدمات الأجنبية (الواردات) كبديل للسلع المحلية، الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى تلاشي الفائض في ميزان المدفوعات تدريجيا حتى العودة إلى حالة التوازن، ونفس الآلية في حالة العجز.
§ آلية التعديل السعري في ظل نظام الصرف المرن:
في ظل نظام الصرف المرن يتسبب العجز في ميزان المدفوعات في تراجع الطلب على العملة المحلية، وزيادة المعروض منها (في مقابل زيادة الطلب على العملة الأجنبية)، مما يدفع إلى تراجع قيمتها بشكل يزيد من التنافسية السعرية للصادرات التي يرتفع الطلب عليها في مقابل تراجع الواردات التي تصبع مرتفعة الاسعار، وهو ما يؤدي إلى تلاشي العجز في ميزان المدفوعات تدريجيا حتى العودة إلى حالة التوازن، ونفس الآلية في حالة الفائض
§ آلية التعديل عن طريق الدخل:
تعتمد هذه الآلية على النظرية الكينزية التي تهتم بالتغيرات الحاصلة في الدخول واثارها على الصرف الأجنبي، ومن ثم على وضعية ميزان المدفوعات؛ وأهم شروط هذه النظرية:
ü ثبات الاسعار (سعر الفائدة وسعر الصرف)؛
ü الاقتصاد يعمل عند مستوى أقل من التشغيل الكامل؛
ü الاعتماد على السياسة المالية وخاصة الانفاق العام للتأثير على الدخل تحت تأثير مضاعف الانفاق.
بناء على مفهوم آلية المضاعف فإن التغير في مستوى التجارة الخارجية يؤثر على مستوى الدخل القومي الذي بدوره يؤثر على طلب الواردات.
وعليه فإن زيادة قيمة الصادرات تؤدي إلى زيادة في قيمة الدخل القومي بقيمة تعادل ما يسمى ب "مضاعف التجارة الخارجية"، في حين أن زيادة الدخل القومي سوف تدفع عن طريق "الميل الحدي للاستيراد" إلى تزايد الطلب على الواردات (تزداد الواردات بزيادة الدخل القومي وتنخفض بانخفاضه)؛ إلا أن الزيادة في الدخل لا تتجه كلها إلى النفاق على الواردات، وإنما يخصص الافراد جزء أو نسبة معينة من الزيادة في دخولهم للإنفاق على السلع والخدمات المحلية؛ ما يدفع في الأخير إلى تلاشي الارتفاع السابق في قيمة الصادرات تدريجيا وعودة ميزان المدفوعات إلى حالته التوازنية.
وتسمى العلاقة بين مقدار التغير في الواردات (بالزيادة أو النقصان) ومقدار التغير في الدخل (بالزيادة أو النقصان) بالميل الحدي للاستيراد.
2- التعديل عن طريق أدوات السياسة الاقتصادية:
يمكن تصحيح الاختلال في ميزان المدفوعات عن طريق تطبيق سياسات معينة في حال عدم تحقق فعالية آلية التعديل (التصحيح) الآلي، لا سيما إذا لم تتوفر الافتراضات التي تبنى عليها.
ويعتبر تحقيق التوازن في ميزان المدفوعات بمثابة التوازن الخارجي لاقتصاد الدولة، في حين أن التوازن الداخلي يعنى بمؤشرات النمو، البطالة، وضعية الميزانية، معدل التضخم، وبالتالي في اطار السعي لتحقيق التوازن الاقتصادي العام يتوجب على صناع قرار السياسة الاقتصادية اختيار السياسات الملائمة التي تمكن من تحقيق كلا التوازنيين الداخلي والخارجي.
§ السياسة المالية:
في حالة الفائض تطبق السياسة المالية التوسعية لأنها تدفع إلى زيادة الطلب على الواردات مما يؤدي إلى تلاشي الفائض في الصادرات؛ أما في حالة العجز فتطبق السياسة المالية التقييدية مما يساهم في الحد من الطلب على الواردات إلى مستوى يساوي قيمة الصادرات لتوازن ميزان المدفوعات.
إن تطبيق السياسة المالية التوسعية لتحقيق التوازن الخارجي قد تكون فعالة في تحقيق التوازن الداخلي، وذلك إذا كان الاقتصاد المحلي يمر بحالة انكماش لأنها تساهم في دفع الطلب الكلي للارتفاع بما يساهم في انعاش الاقتصاد المحلي؛ إلا أنها لن تكون فعالة في تحقيق التوازن الداخلي إذا كان الاقتصاد المحلي يمر بحالة تضخم لأنها ستدفع إلى تزايد معدلات التضخم بمستويات مرتفعة.
في المقابل فإن تطبيق السياسة المالية التقييدية لتحقيق التوازن الخارجي قد تكون فعالة في تحقيق التوازن الداخلي، وذلك إذا كان الاقتصاد المحلي يمر بحالة تضخم لأنها تساهم في تراجع الطلب الكلي بما يساهم في انخفاض وكبح التضخم؛ إلا أنها لن تكون فعالة في تحقيق التوازن الداخلي إذا كان الاقتصاد المحلي يمر بحالة انكماش لأنها ستدفع إلى تراجع الطلب الكلي ومن ثم دخول الاقتصاد المحلي في حالة انكماش قصوى قد تصل إلى مرحلة الكساد
§ السياسة النقدية:
تساهم السياسة النقدية في تصحيح الاختلال في ميزان المدفوعات من خلا تعديل أسعار الصرف إذا كانت الدولة تتبع نظام أسعار الصرف الثابتة، أو من خلا تعديل أسعار الفائدة.
أ. تخفيض قیمة العملة : Dévaluation
في حالة تسجيل عجز في ميزان المدفوعات قد يلجأ البنك المركزي إلى تخفيض قيمة العملة لإعطاء ميزة تنافسية للصادرات لترتفع قيمتها في مقابل تراجع الطلب على الواردات التي تصبح مرتفعة الأسعار ومن ثم عودة ميزان المدفوعات لحالته التوازنية.
إن سياسة تخفيض سعر صرف العملة الوطنية قد لا تحقق الأهداف المرجوة منها، وقد يرجع السبب في ذلك لوجود اختلالات هيكلية في اقتصاد البلد المخفض. ولنجاح سياسة التخفيض يتطلب الأمر توفر مجموعة من الشروط أهمها:
- مرونة الطلب الخارجي على السلع والخدمات الوطنية القابلة للتصدير: إذا كان الطلب الخارجي على الصادرات الوطنية غير مرن، أي إذا لم يترتب على انخفاض أسعار السلع الوطنية المعدة للتصدير زيادة في الطلب الخارجي عليها، فهذا سيؤدي في الأخير إلى ازدياد عجز ميزان المدفوعات خاصة إذا كانت مدخلات السلع المحلية مستوردة.
-مرونة الجهاز الانتاجي الداخلي من السلع والخدمات القابلة للتصدير لمواجهة الطلب الخارجي.
- عدم اتباع الدول المنافسة لنفس الاجراء (تخفيض العملة).
- القدرة التنافسية للسلع الوطنية المعدة للتصدير (الجودة والمعاییر الصحية والأمنية الضرورية للتصدير).
- مرونة الطلب المحلي على الواردات: إذا كان الطلب على الواردات من السلع والخدمات غير مرن، فهذا يعني أن خفض قيمة العملة لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض الواردات وإنما ينتج عنه ارتفاع في المبالغ المنفقة على الاستيراد نتيجة ارتفاع أسعار السلع المستوردة بالعملة الوطنية وبالتالي حدوث عجز إضافي في رصيد ميزان المدفوعات.
ب. رفع قیمة العملة Surévaluation:
في حالة تسجيل فائض في ميزان المدفوعات قد يلجأ البنك المركزي إلى رفع قيمة العملة Surévaluation مقارنة مع العملات الأجنبية، تهدف هذه العملية أساسا إلى تخفيض الفائض التجاري، فالفائض المستمر في ميزان المدفوعات لمدة طويلة قد یشكل بالنسبة للدولة عدة مساوئ، باعتباره يؤدي إلى تدفق السيولة التي تعتبر من العوامل المؤدية إلى التضخم، إضافة إلى ذلك فالخطورة تزداد عندما تقود المضاربة في أسواق الصرف إلى اجتذاب رؤوس الأموال القصيرة الأجل التي تقیم على أنها دون قيمتها الحقيقية بانتظار رفع تلك القیمة لاحقا.
اما مصطلح ارتفاع قيمة العملة Appréciation فهو ارتفاع سعر صرف العملة الوطنية في سوق النقد الأجنبي دون تدخل من طرف السلطات النقدية، وإنما الارتفاع ناتج عن قوى العرض والطلب على العملة.
3- طرق اخرى:
§ بيع العقارات المحلية للأجانب للحصول على النقد الأجنبي،
§ استخدام الذهب والاحتياطات الدولية المتاحة لدى الدولة لتصيح الاختلال في ميزان المدفوعات،
§ استخدام أدوات السياسة التجارية المختلفة للضغط على الاستيراد مثل نظام الحصص أو الرسوم الجمركية.
§ اللجوء إلى القروض الخارجية من المصادر المختلفة مثل صندوق النقد الدولي، أو من البنوك المركزية الأجنبية أو من أسواق رأس المال الدولية،
§ بيع الاسهم والسندات التي تملكها السلطات العامة في المؤسسات الأجنبية لمواطني تلك الدول للحصول على النقد الأجنبي: