المحاضرة الأولى 1

 النقد االعربــــــي القديــــــم :قراءة في النشأة والتطور

توطئة:

النقد ممارسة انسانية   تحيط بالوجود الاجتماعي للإنسان الذي يصحح أخطاءه انطلاقا من خبرته وتجاربه وتجارب الآخرين من حوله بحثا عن الكمال وتطويرا للحياة، ومادام الأدب فعلا انسانيا صادرا عن هذه الذات للتعبير عن مكنوناتها وموقفها من الكون وافصاحا عن ما يجيش في صدرها بأشكال تعبيرية راقية فإن النقد أيضا تعبير عن درجات استحسان أو استهجان هذا التعبير اللغوي التصويري بلغة ثانية هي لغة النقد.

ومنذ أن عبّر الانسان عن خوالج ذاته بهذه القيم التعبيرية كان النقد مقابلا له ودافعا للناقد المتلقي عن طريق السماع والمشافهة في جميع  الآداب الانسانية في تاريخها الطويل.

أما عند العرب القدامى فإن  النقد الأدبي  ظهر على شكل أحكام انطباعية وذوقية وموازنات ذات أحكام تأثرية قيمية مبنية على الاستنتاجات الذاتية. وقد خلدت لنا كتب التراث العربي مجموعة من المساجلات التي كانت بمثابة التقويم النقدي لنتاج شعري حفظته الذاكرة الجماعية.

ومن هذه الخطرات النقدية التي دلت على هذه الممارسة المصاحبة للقول الشعري نجد مثلا النابغة الذبياني الذي وقف ناقدا للمتون الشعرية التي تلقى عل مسمعه ومسامع الحاضرين من الشعراء والجمهور وذلك في  تقويمه لشعر الخنساء وحسان بن ثابت.

 

النقد الأدبي عند العرب -النشأة والتأصيل-

ساهمت  الأسواق العربية وخاصة سوق المربد وعكاظ  بدور هام في تنشيط الحركة الإبداعية والنقديةكما كان الشعراء المبدعون نقادا يمارسون التقويم الذاتي من خلال مراجعة نصوصهم الشعرية وتنقيحها واستشارة المثقفين وأهل الدراية بالشعر كما نجد ذلك عند زهير بن أبي سلمي الذي أبدع  مجموعة من القصائد الشعرية التي سماها "الحوليات " و التي تدل على عملية تأمل نقدي ذاتي يعي القيم التعبيرية ويعيد ترتيب الدلالات والألفاظ حتى يطمئن لها فكره وقلبه بما يؤثر في السامع بعد القائها .

     والباحث في هذه الفترة عن حركة النقدية يقف على نشوء وشيوع مجموعة من المصطلحات النقدية التي وردت في أحكام النقاد الشعراء التي غلب عليها المقياس الأخلاقي واللغوي والتعميمي .

فكان البيت الواحد مقياسا للحكم على جمال القصيدة كلها وكانت القصيدة الواحدة مقياسا على نبوغ وتفوق الشاعر على أقرانه كما حكم النابغة للخنساء عل حسان بن ثابت.

ومع مجيء الاسلام ونزول القرآن الكريم تغير الحكم النقدي انطلاقا من الرؤية الجديدة للحياة ولدور الشعر والشاعر فبرز الحكم الديني والأخلاقي في توجيه الشعر نحو القيم الجديدة سواء في التعبير عنها لغة وألفاظا أو منن حيث الموضوعات والمضامين والأغراض.


 في القرن الأول الهجري وفترة الدولة العباسية تتشكل طبقة النقاد بعد حركة التدوين والحركة العلمية التي أسستها دراسة الإعجاز القرآني ممثلة في علوم اللغة والنحو والعروض والبلاغة   مع ابن سلام الجمحي والأصمعي والمفضل الضبي والخليل الفراهيدي وقدامة بن جعفر وابن طباطبا صاحب عيار الشعر والحاتمي   وابن جني والمرزوقي شارح عمود الشعر العربي والصولي صاحب الوساطة بين المتنبي وخصومه...

وتظهر للوجود في الثقافة النقدية المؤلفات التي دلت على ثقافة عالمة تطور وعيها وتفكيرها النقدي لدى مجموعة من النقاد الذين ساهموا في تطوير الممارسة النقدية وأعطوها بعدا فلسفيا ومنهجيا بعيدا عن اصدار الأحكام الذوقية التعميمية .
يعد كتاب" نقد الشعر" أول كتاب ينظر للشعرية العربية على غرار كتاب فن الشعر لأرسطو لوجود التقعيد الفلسفي والتنظير المنطقي لمفهوم الشعر وتفريعاته التجريدية. بينما يعد أبو بكر الباقلاني أول من حلل قصيدة شعرية متكاملة في كتابه" إعجاز القرآن"، بعدما كان التركيز النقدي على البيت المفرد أو مجموعة من الأبيات الشعرية المتقطعة. وفي هذه الفترة عرف النقاد المنهج الطبقي والمنهج البيئي والمنهج الأخلاقي والمنهج الفني مع ابن سلام الجمحي صاحب كتاب" طبقات فحول الشعراء في الجاهلية والإسلام"، والأصمعي صاحب "كتاب الفحولة "، وابن قتيبة في كتابة" الشعر والشعراء"، والشعرية الإنشائية خاصة مع قدامة بن جعفر في "نقد الشعر" و"نقد النثر".

اعتمد عبد القاهر الجرجاني على نظرية النظم والمنهج البلاغي لدراسة الأدب وصوره الفنية رغبة في تثبيت إعجاز القرآن وخاصة في كتابيه" دلائل الإعجاز" وأسرار البلاغة". ولكن أول دراسة نقدية ممنهجة حسب الدكتور محمد مندور هي دراسة الآمدي في كتابه:" الموازنة بين الطائيين: البحتري وأبي تمام". وقد بلغ النقد أوجه مع حازم القرطاجني الذي اتبع منهجا فلسفيا في التعامل مع ظاهرة التخييل الأدبي والمحاكاة وربط الأوزان الشعرية بأغراضها الدلالية في كتابه الرائع" منهاج البلغاء وسراج الأدباء" والسجلماسي في كتابه" المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع"، وابن البناء المراكشي العددي في كتابه"الروض المريع في صناعة البديع".

قضايا النقد القديم

إن المتتبع لمجمل القضايا التي أثارها النقد القديم يسجل هذه الحالة المتقدمة من الوعي والمنهجية في الدراسة والتحليل ومن هذه القضايا النقدية التي أثيرت في النقد العربي القديم قضية اللفظ والمعنى وقضية السرقات الشعرية وقضية أفضلية الشعر والنثر وقضية الإعجاز القرآني وقضية عمود الشعر العربي وقضية المقارنة والموازنة كما عند الآمدي والصولي، وقضية بناء القصيدة عند ابن طباطبا وابن قتيبة، وقضية الفن والدين عند الأصمعي والصولي وغيرهما... وقضية التخييل الشعري والمحاكاة كما عند فلاسفة النقد أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد والقرطاجني وابن البناء المراكشي والسجلماسي... لكن هذا النقد سيتراجع نشاطه مع عصر الانحطاط ليهتم بالتجميع وكتابة التعليقات والحواشي مع ابن رشيق القيرواني في كتابهالعمدة " وابن خلدون في" مقدمته".

 

 

إن المتابع لتأريخ النقد عند العرب؛ سيجد أن النقد (نقد الشعر) بدأ على أيدي الشعراء الكبار، وكان نتيجة حكومة الشعراء الكبار على الشعراء الوافدين إلى أسواق الشعر، أو المنتظرين أمام قباب الأدم لإلقاء قصائدهم، والاستماع إلى حكم الفحول في نصوصهم وعندما انتهت مرحلة الأحكام الشفاهية التي نقلها الروّاد من النقاد الشعراء، انكب الناقدون على تسجيل انطباعاتهم وآرائهم النقدية ووضعها في مكتبات أولي الأمر القائمين على الحكم أو ولاتهم، أو ظلت أمانة عند أصدقائهم أو مريديهم، وقد وجد اللاحقون كثيراً من المخطوطات التي عنيت بنقد الشعر خاصة، فانكبوا بدورهم على تحقيقها وإصدارها في كتب وضعت بتصرف الدارسين والنقاد، وكانت المنطلق الذي قامت عليه الحركة النقدية العربية أواخر القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين.‏

وإذا كان لابدّ من اختيار النماذج التي تمثل الحركة النقدية التراثية؛ نرى في القائمة التالية، تمثيلاً حقيقياً لحركة نقد الشعر التي قامت على ذائقة الناقد الذي صنّف الشعر على أساس المقدرة الإنشائية واللغوية في صياغة النص الشعري مع الأخذ بعين الاعتبار انتشار شعر الشاعر على ألسنة الناس، وربما أثرت مكانته القبلية، أو الاجتماعية على تصنيفه الأدبي، ويمثل هذا المنحى النقدي كل من:‏

ابن سلام الجمحي في كتابه (طبقات فحول الشعراء)(1)، والأصمعي، في كتابه (فحول الشعراء)(2)، وابن قتيبة الدينوري في كتابه (الشعر والشعراء)(3).‏

وقد أُلّفت كتبٌ كثيرة تحمل عنوان: (طبقات الشعراء)، ذكر منها ابن النديم في كتابه (الفهرست) الكتب التالية:

"طبقات الشعراء" لإسماعيل بن محمد اليزيدي، و"أخبار الشعراء وطبقاتهم" لمحمد بن حبيب بن عمرو، و"طبقات الشعراء" لأبي المنعم، و"طبقات الشعراء" لأبي حسان الحسن بن عثمان الزبادي، و"طبقات الشعراء الجاهليين" لأبي خليفة الفضل بن حباب بن صخر الجمحي، و"طبقات الشعراء" لابن المعتز، و"طبقات الكتاب" لنطاحة أبي علي أحمد بن إسماعيل الأنباري، الشعراء لدعبل، الشعراء لأبي عبيدة معمر بن المثنى(4),‏

إذن، جاءت الكتب التي قدمناها معتمدة على الذائقة التي كوّنها الناقد (النموذج) بناء على ثقافته في اللغة والشعر من جهة، ورأي أشياخه الذين تلقى العلم على أيديهم، ومكانة الشعراء المختارين، كل حسب طبقته، في قبائلهم، وشيوعِ أشعارهم في السوامر والمجالس والأسواق.‏

ويتقدم نقد الشعر بعد هؤلاء النفر وأشياخِهم وتلامذتهم، ليبدأ نمط جديد من النقد تمثله حركة عقلية، تذوقية، جمالية، قريبة إلى حد كبير من التخيل المنطقي في محاكمة النص المنقود.‏

وجاء كتاب (قواعد الشعر) لثعلب(5)، كفاتحة لحركة نقدية عربية، أثرت فيما بعد في حركة النقد (العلمي ـ التحليل) التي ظهرت في القرنين التاسع عشر، والعشرين.‏

 

المراجع: كتب، ومطبوعات، مواقع انترنت، إلخ).

1- معاني القرآن للفراء.

2- مجاز القرآن لأبي عبيدة.

3- البيان والتبيين للجاحظ.

4-تأويل مشكل القرآن ابن قتيبة 

5- الشعر والشعراء ابن قتيبة

6-عيار الشعر ابن طباطبا

7- نقد الشعر قدامة بن جعفر.

8- الموازنة للآمدي

9- الوساطة للقاضي الجرجاني.

10- أسرار البلاغة، دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني.

11- العمدة لابن رشيق.

12- منهاج البلغاء للقرطاجني.

13- تاريخ النقد الأدبي عند العرب لإحسان عباس

14-الشعرية  العربية جمال الشيخ.

15- المرشد إلى فهم أشعار العرب، عبد الله الطيب.

16- الأدبية في التراث النقدي لتوفيق الزيدي.

17- التجربة الجمالية عند العرب، حسين الواد 

18- مناهج النقد الأدبي، ديفيد تيش.

19- الأسس الجمالية، عز الدين إسماعيل

20 ـ  عمود الشعر العربي. د. محمد الحارثي.

 

آخر تعديل: الجمعة، 17 أكتوبر 2025، 8:11 PM