التحديد
المصطلحي
و تكاد تعاريف الاصطلاح عند أعلام المدرسة الانجلو-أمريكية التي تتخلص من تاريخية و وضعية المدرسة الفرنسية عبر نزوع هؤلاء إلى نوع من المقاربات المنهجية التي تعتمد الخضوع إلى تحليلاتها في ما يطلق عليه النقد الجديد و كذا الانفتاح على تداخل الاختصاصات التي تجعل المقارن في وضعية يتمكن معها من تجديد أدواته و موضوعاته ، فهاري ليفين يعتبر "الأدب المقارن" موقفا أو وجهة نظر لا علما و مادة و هذا لا يعني أنه ينكر عليه ذلك بل يجد في "الادب المقارن" مجموعة من المبادئ التي يحسن الأخذ بها عند مناقشة الأدب أيا كان نوعه و مصدره و هو من هنا لا يميز الأدب المقارن عن الأدب ككل أو عن جذوره التعبيرية التي تجد منابعها في فنون أخرى يستحيل بدونها التعامل مع المقارنة أو مع الأدب .
و نفهم بذلك أن على المتعامل مع الأدب المقارن ألا يعزل الدرس عن أدبيته أو استلهاماته في العلوم الإنسانية و هو ادراك فات الجبلين الأولين في المدرسة الفرنسية بينما جعل الجيل الثالث منقسما على نفسه بينما تحسم المدرسة الأمريكية في الأمر و تجعل من : "الأدب المقارن" علم دراسة العلاقة بين الادب من ناحية و بين ميادين المعرفة الأخرى بين الأدب و التصوير و النحت و المعمار و الموسيقى و هو نوع من التداخل بين التعبير الأدبي و صور التعبير الأخرى فالشعر الغنائي يستدعي في كثير من الحالات التعامل مع الموسيقى و الغناء كما يستدعي المسرح معرفة بوسائل التعبير الجسدي و تقنيات الحوار الروائي تتداخل و تقنيات السيناريو السينمائي ، كما أن علم الأدب لا يستطيع التخلص من علم اللسانيات من ثم يكون الدرس المقارن نقطة التقاء تدفع إلى اعتبار أ . أون . الدرج الأدب المقارن علما يزود القارئ بوسيلة تمكنه من النظر إلى الأعمال الأدبية المنفصلة في الزمان و المكان دون اعتبار للحدود الأقليمية و هو يرتبط في ذلك بالنشاط الانساني كله محيطا و ملما بالظواهر الأدبية بغض النظر عن فضاءاتها و مناهجها المختلفة و التي تستهدف جميعها الفهم الأدبي .
و باختصار يمكن تعريف "الأدب المقارن" بأنه دراسة أية ظواهر ادبية من وجهة نظر أكثر من أدب واحد أو متصلة بعلم آخر أو أكثر و لا نجد التشديد على هذا الادراك للدرس عند دارس دون آخر بل يقاسمه أغلب الدارسين الأمريكيين منذ أول تعريف عند روني ويليك إلى آخر كتاب أكاديمي لروبير كليمانس .
فلا غرابة أن يرى معرف الدرس المقارن في درسه أداة للعلاقة المشتركة ، حيث يجد جان براندت كورستيس في "الأدب المقارن" هذه العلاقة المشتركة بين الآداب في مجموعها ، و التي تساعد على دراسة الأدب فاستخدام الأدب المقارن لأدوات قارة ، كالاهتمام بألفاظ النص و التعرف على النوع الأدبي و الحركة الأدبية و ممارسة النقد يسمح للأدب بأن يجدد ذاته باستمرار إذ لا بد من تنظيم هاته العناصر الداخلية و الخارجية في النص الأدبي طبقا لمقاييس أقرب إلى الأدبية منها إلى المحفزات التي تعمل في الأدب باستمرار .
فالتركيز على إشكالية العلاقات يكاد يكون الهم الأساسي في تأمل الدارس المقارن فالأمريكي هنري ريماك يعرف الأدب المقارن كدراسة للعلاقات بين الأدب و نواحي المعرفة الأخرى بما فيها الفنون الجميلة / الفلسفة / التاريخ / العلوم .
و يتصدى "الأدب المقارن" من ثمة إلى المقارنة بين ادب و آداب / أدب و آداب / أدب و مجالات التعبير المخالفة للأدب و تصبح المقارنة مفتاحا سحريا تلتقي عنده مشارب و معالجات أدبية .
على الرغم من ان كلمة "مقارنة" تبدو كأنها تعني أكثر من شيء واحد طبقا للسياق فالمقارنة بين أدبين لا تبدو مطابقة لمقارنة الأدب بالتعابير المخالفة للأدب فما يقصده هنري ريماك هو حرية التقاط نقاط الاتصال ذات الدلالة عبر مجال النشاط الفكري و التخيلي برمته لذلك يرى جون فليتشر :
"إن ريماك تعجل الخضوع إلى المعارضين عندما سلم بأن الأدب المقارن ليس موضوعا مستقلا ينبغي له أن يرسخ قوانينه الخاصة الصارمة مهما كلفه ذلك بل هو علم مساعد حتى لو كانت الحاجة إليه ماسة و حلقة وصل بين قطاعات أصغر من ادب ضيق الحدود و جسر بين مجالات من الابداع الانساني التي تتصل عضويا و ان انفصلت ماديا"
و قد أخذ تضارب الآراء حول الاصطلاحات و تعريفات الدرس المقارن من الدارسين وقتا طويلا جعلت جون فليتشر يخلص إلى :
"إن المقابلة العلمية الكامنة وراء أصل مصطلح "الأدب المقارن" تفتقر إلى التوفيق فمن شأنها أن تثير توقعات مغالية و لقد أدت بالعلماء (و بعضهم من البارزين) أن يتصوروا إمكان صياغة مجموعة من الوقائع المحصلة تحصيلا نهائيا يستطيعون إشهارها بفخر أثناء جدلهم مع النقاد المتشككين و لذلك لا يجد أمثال ويليك أية صعوبة في ان ينهالوا على مثل هذا المصطلح بسخريتهم "
و مع كل هذا فقد اكتسب المصطلح شرعيته من التشبث باستخدامه نتيجة :
أ-فرضه لنفسه على الدارسين من وجهات متعددة : مفهومية ، علمية ، تاريخية ، ميدانية .
ب-تمكن الدرس المقارن من وسائط استيعاب ديناميزم تبادل التأثيرات التي تقضي إلى العالمية .
و تظهر بذلك ضرورة فهم الصلة الوثيقة بين النقدي و الأدبي / الأدبي و المقارن لأن في التشبث باصطلاح "الأدب المقارن" إلحاح على تشديد العلاقة بين وظيفة النقد الأدبي و الأدب المقارن ، من حيث نزوعهما إلى شاعرية و ابداعية أدبيتين مما ينبني عليه افتراض جون فليتشر إذ :
"قد تكون المقارنة مدخلا يستخدمه فرع معين يتجاوزها في الاتساع و لكنها تنحو بالمثل إلى ان تكون فرعا معرفيا في ذاته و لقد أثبت ديفيد مالون بكل جلاء مكانة الأدب المقارن و أكد استقلاله إذ لا يقوم عالم الأدب المقارن بالمقارنة لأنه يريد أن يدرس أدبين أو ثلاثة آداب بدل أدب واحد فقط و لكنه يريد أن يدرس أدبين أو ثلاثة آداب لأنه عالم في الأدب المقارن و يمكن القول بعبارة أخرى إن المقارنة في الواقع طبيعة أو طريقة معينة في التفكير أساسها ان الجوهر يسبق الوجود و قد تعتمد المقارنة على أدوات تحليلية و لكنها بحكم طبيعتها اتجاه عقلي مركب يهتم كما يقول ريماك بالانطلاق بالبحث الأدبي عبر الحدود الجغرافية و حدود الأنواع الأدبية "
و لا يحل النقاش النظري الدائر حول تسمية الأدب المقارن و استقلاله أو تبعيته بمجرد الخوض في النقاش بل تثبته ممارسة الدرس منذ ما ينيف عن نصف قرن أما استمرارية الجدل المتقطع حول الدرس فيفسر بالتحولات التي تطرأ على التاريخ الأدبي و قضايا تدريسه في الجامعات .
فالقراءات المتوالية و المتتالية كانت وراءها حوافز متعددة أهمها الخضوع لنتائج الابحاث و المناهج كعلامة على حركية ترفض ثوابت فترات تاريخية سابقة .
وهكذا يعتقد جون فليتشر أنه :
"إذا تمعنا في هذه التسمية أمكن لنا أن نتوقع من مسماها منهجا يتطور ليستقل عن غيره من فروع النقد الأدبي و لكن ذلك لم يحدث ذلك لأن هذا الفرع عرف بعدم دقة تقنياته و الاتساع الغامض لاهتماماته ، فالأدب المقارن يتداخل مع التاريخ الأدبي و الفكري و مع علم الاجتماع الأدبي و مع علم الجمال في كثير من مجالات هذه الفروع بدل أن يطور منهجا خاصا به دون غيره .
لذلك يرى البعض أن الأدب المقارن لا يعدو أن يكون من قبيل تحصيل الحاصل ذلك لأن المقارنة في الدرس الأدبي لا معنى لها فيما يقال سوى دراسة الأدب . لقد قال روني ويليك إنه ثبت استحالة تحديد خصوصية موضوع الأدب المقارن أو وضع تحديد منهجي متميز ينطوي على الخصوصية أو يكون جيرا بالإحترام الفكري .
فلسنا ندري هل من حظ الدرس المقارن أن يتداخل مع باقي الدروس الموازية و المتقاطعة معه أو أن هذا التداخل يمثل سوء حظ يمنعه من إعلان إستقلاليته و يجعله خاضعا في أدواته المنهجية باستمرار إلى علوم خارجة عن اختصاصه فهو يتزود منها و بمقدار ما يتزود بمقدار ما يعلن تفوقه .
و الحق أن هذه الحالة التي تعترض الدرس المقارن ليست نشازا أو استثناء يمسه وحده بل أن الأدب الذي يعمل الدرس المقارن في غطاره يكاد لا يستقل بدوره عن نظرية المعرفة و اللسانيات و الانتربولوجية و السيكولوجية و السوسيلوجية ، فلا داعي لإقامة جدران وهمية بين الاختصاصات بل ما يمكن ان يثير الاستفهام هو مدى الاستيعاب و التحويل الذي يصبح معه الدرس درسا مقارنا لا خليطا من الملصقات التي تفقده عضويته و من هذا المنظور يتدخل جون فليتشر في شبه تساؤل :
"فلو كان المنتظر من المقارنة في الدراسات الأدبية (سواء كان ذلك من قبل المؤيدين أو المعارضين) أن تنتج نتائج ملموسة أعني نوعا من الحقائق المثبتة شبه العلمية فلن تكون المقارنة أكثر نجاحا من أي أسلوب نقدي آخر بل قد تكون أقل نجاحا منه .
و إذا كان بعض ممثلي المنهج قد انتهوا إلى بعض الادعاءات اللاواقعية فهذا أمر يؤسف له ، و لكنه لا يلقي الشك بالضرورة على مبدأ المقارنة في ذاته فلو أصبحت الغايات اكثر تواضعا و لو صيغت بطريقة مختلفة نوعا ما ، فليس هناك مبرر يجعل من الادب المقارن مسعى خياليا فهو ابعد من ان يكون كذلك ، فالمقارنة كانت بعدا متواترا من الممارسة النقدية منذ ارسطو و لا تزال إلى اليوم مجالا يجتذب إهتماما شغوفا "
فالمنظور الضيق للمقارنة هو ما يمنح نتائج محدودة فلو تعاملنا مع ظاهرة المقارنة من المنظور الانطولوجي و الكوني لما وجدنا فقط أنها ممارسة تمتد منذ أرسطو إلى الآن بل لكانت تصورا ملازما للإنساني في الإنسان ، فنحن نقارن لكي نفهم و نفهم لأننا نقارن .
فالمقارنة فعل هرمنوتيكي يتساءل باستمرار عن العلاقات كمصدر وجودي عن كينونة الكائن بما هو كائن و بما عليه أن يكون .
فالأدب المقارن قديم ، قدم الأدب ذاته و يظهر طابعه المؤسساتي السريع و تجسيده الرسمي كفرع للدراسات الإنسانية الأهمية الخاصة التي يكتسيها في عصرنا إلا أن علينا أنل ا نحصر الأدب المقارن في إهتمامات أكاديمية محضة لأن أهدافه و مهامه الحالية تندرج أساسا في سياق أبحاث أدبية تخص الدراسات الجامعية و يكشف هذا الارتباط بالدراسات العليا عن نوعية النزوع و شبه نخبوية المتعاطين للدرس و ليس هذا عائقا بل علامة على ارتباطه بمستوى من التأمل الفكري لذلك ارتبط الدرس كذلك بالوطنيات فكانت تسمياته متكيفة مع لغات هاته الوطنيات الأوروبية .
و يمكن القول بأن روني إيتيامبل قد لخص هذا الصراع الدائر حول التسمية و مسمياتها في "الموسوعة العالمية" معتبرا :
"الأدب المقارن أو الآداب المقارنة من بين الدروس الجديدة التي احتلت في القرن الـ 20 مكانة خاصة ... من ثمة ، هل علينا أن نقول بالأدب المقارن أو الآداب المقارنة ؟ فإذا ما استعملنا المفرد بأي شيء نقارن الأدب ؟ هل نقارنه بنفسه ؟ أم بأي شيء آخر ؟ و هل يسبح الأدب المقارن معادلا للأدب العام ؟ و يظهر أن الأمر غير ذلك . ما دامت بعض المؤسسات التي تدرس الأدب المقارن ، تطلق على نفسها "الأدب العام و المقارن" ... فالألمانية تعالج الأدب المقارن و الإيطالية و الفرنسية تستعملان الأدب المقارن و الأمريكية و الإنجليزية يستعملان المقارنة الأدبية ، مركزين بذلك على المقارنة . فأي آداب نقارن عندما تطلق تسمية "الآداب المقارنة" بالجمع ؟ و كيف ما كان إطلاق التسمية جمعا أم مفردا ، فهي تعرف مظهرا دائما لمظاهر الروح الإنسانية ، و الذي يطبق على الدراسات الادبية رغبة سابقة عن الابداع و عن التسمية التي تمثل تعبيرا طموحا و مبهما في نفس الآن ، إلا أنها ضرورة ، إذ تستمد قوتها من استعمالاتها تاريخيا .
لقد كان "الأدب المقارن" وسيطا مدرسيا و علميا لتقييم أصالة كل أدب ، مع أن "مقارنة الأدب لا تصنع الآداب"
و بقدر ما يعد روني ايتيامبل ارتباط الأدب المقارن بالوطنيات ، و يجعل من التسمية وسيطا لتقييم أصالة كل أدب ، بقدر ما نجد الرومنسية حركة أولى في تاصيل الآداب المقارنة ، و هو شيء يجب أن لا يغيب على بالنا في كل تحصيل حاصل ، بل لا بد من استحضاره حتى نستكمل الصورة .
" و ما دمنا ، بدلا من أن ندرس نقاط الالتقاء بين هذه الآداب ، و السمات المشتركة التي يتميز بها عصر من العصور و التاثيرات الأدبية المتبادلة بين الشعوب ، لا نريد أن ننظر إلى غير الإختلاف و التعارض ؟ ففي هذا الاتجاه ، إنما كان يمضي الأخوان شليغل حوالي عام 1800 و الأخوان جريم بعيد ذلك ، حين كان ينادون لتساوي الحقوق لكل الآداب ، حتى البربرية منها ، بل الشعبية ، و يغوصون في الأعماق المظلمة المتسترة في روح السلالة يحاولون أن يكتشفوا المنابع الصافية للأدب . و حين كانوا خلافا للعالمية السائدة في عصر التنوير ، يخضعون العناصر العقلية في الآداب و هي عناصر عالمية يمكن تناقلها ، للعناصر العاطفية الإنسانية ، التي تظل قومية و لا يمكن تناقلها بحال . و في هذا الاتجاه إنما كان يمضي الرومنسيون الفرنسيون "حوالي عام "1830 الذين كانوا يحبون الأشياء الغريبة الحسية الملونة الأصيلة ، ردا على بوالو فولتير .
و مع ان النموذج الذي يقدمها هنا فإن تيجم ينطلق من منظور فرنسي –ألماني ، فهو يكشف بطريقة أو بأخرى عن المؤسسين الفعليين – ما قبل – تنظير الدرس – فالخلاصات لا تمنع من إلقاء النظر حول الخلف كما هو نحو الأمام .
و لا شك أن الإشارة إلى الأخوين شليغل تسمح بقياس الفضاء و الزمن الذين يمتد فوقهما الدرس ، و لا شك أن الأخوين شليغل و مدام دي ستايل يمتازون عن سابقيهم من المؤرخين في القرن الثامن عشر لكنهم كانوا يجمعون المشابهات جمعا و يوازنون بينهما ، و يعارضون بعضها ببعض ، بدلا من أن يحاولوا تفسيرها ، و يبحث عن التأثيرات المتبادلة و تعود أهمية عصرنا إلى كونه عصر التفسير و تأويل و إعادة – أنتاج ، و فهم .