و في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، برزت في وطننا العربي محاولات ، البدايات الأولى للأدب المقارن ، و قد ارتبطت هذه المحاولات مع بدايات النهضة العربية ، و ارتبطت بمرحلة الإيقاظ في جميع محاولات الحياة و منها الأدب ، و ما يؤكد هذا أن رواد النهضة العربية هم أصحاب البدايات الأولى للأدب المقارن في الوطن العربي ، و سنرى أن التفكير النهضوي لدى أدبائنا و نقادنا في تلك المرحلة و المراحل اللاحقة ، سيترك أثرا واضحا في توجيه الدراسات المقارنة للإسهام في تحقيق نهضة أدبية من خلال الانفتاح على الآداب الأخرى ، و الإفادة من جوانبها الإيجابية ، و لذا كانت البدايات الأولى تركز على دراسة التشابه و الاختلاف ، فاكتفاء الرواد في هذه المرحلة – كما هو الحال في الاتجاه الفرنسي – بدراسة التأثير و التأثر ، من منطلق إثبات فضل أدب قومي على أدب قومي آخر لا يبلي متطلبات سياقهم الثقافي ، مما دفعهم إلى عدم الالتزام بما وضعه المقارن الفرنسي ، فقد درس المقارنون العرب في تلك المرحلة التشابهات و الاختلافات بين الأدب العربي و الآداب الغربية الحديثة ، قبل ظهور الاتجاه الأمريكي ، و كيفوا دراسة التأثير و التأثر لتتلاءم مع التوجه النهضوي في الوطن العربي .

و من هنا يظهر لنا تعسف المقارنين المعاصرين الذين لم يدخلوا دراسة التشابهات لدى الرواد ضمن الأدب المقارن ، بحجة عدم التزامها بمبادئ الاتجاه الفرنسي ، و يظهر لنا أيضا مبالغة الذين عدوا هذه المقالات سبقا للاتجاه الأمريكي للإعلاء من شأن أصحابها ، مما يدل على أن تقييم هذه الجهود تم في الغالب من خلال متطلبات الاتجاهات الواردة ، دون النظر إلى احتياجات المرحلة العربية و خلفياتها .

فمن المعروف أن رواد النهضة العربية بمختلف مجالاتها ، كانوا يطمحون إلى الخروج العزلة التي فرضتها عصور الانحطاط ، و ما نتج عنها من جمود في المجالات الثقافية المختلفة عن طريق الانفتاح على العالم و الإفادة مما توصلت إليه من تطور في المجالات المختلفة و منها الأدب و النقد ، و من الطبيعي أن يتجه أدباء و كتاب عصر النهضة في الوطن العربي و دعاة التجديد إلى تعريف القراء بجوانب من نهضة الآداب الأخرى ، من خلال إجراء مقارنات التشابه و التوازي ، بهدف الإسهام في تطور الأدب العربي الحديث و نقده .

و من ثم يمكننا أن ندرك أبعاد اهتمام رفاعة الطهطاوي في كتابه تخليص الإبريز في تلخيص باريز 1285 هــ

و كذلك علي مبارك في كتابه "علم الدين" بمقارنة جوانب من التشابه ، و الاختلاف بين بعض مظاهر الثقافة العربية بجوانب من الحضارة الغربية ، و كذلك المقارنات و الإشارات المتفرقة لرواد آخرين ، مثل : أديب إسحاق ، و أحمد فارس الشدياق ، و يعقوب صروف ، التي يمكن إدخالها ضمن البدايات الأولى للأدب المقارن فهذه الجهود جميعها تنطلق من نزعة نهضوية تنويرية .

فقد كتب يعقوب صروف مقالة بعنوان (الانتقاد) عام 1887 ، تناول فيها واقع النقد العربي و ما يعانيه من تخلف و النقد الإفرنجي و ما وصل إليه من تطور ، دون الاهتمام بدراسة التأثير أو التأثر ، مشيرا إلى عدد من النقاد المشهورين في الغرب ، انطلاقا من حرصه على أن يتعرف القارئ العربي على أنماط جديدة في النقد .

و تظهر بعد ذلك مقالات تدل عناوينها على توجه أصحابها إلى المقارنة ، و لكنها مع هذا اكتفت بدراسة التوازي أو التشابه و الاختلاف بين الأدب العربي و الأدب الغربي ، و من أوائل هذه المقالات مقالة كتبها نجيب الحداد ، و نشرت في المقتطف سنة 1897 م بعنوان (مقابلة بين الشعر العربي و الشعر الإفرنجي) و يظهر التوجه النهضوي لهذه المقارنة من قول الكاتب ، عن دوافع كتابة هذه المقالة : "و قد سألني من لا يسعني مخالفته أن استعين بما توصلت إليه من قراءة الشعرين العربي و الإفرنجي على وضع مقالة في هذه المجلة الغراء أبين فيها المقابلة بينهما و أتكلم عن الفروق بيننا و بين أهل الغرب في معاني الشعر و أنواع إيراده و أذواق ناظميه و طرائق البيان في مآخذه و إبراز المقاصد منه غلى ما يتصل بذلك من قواعد نظمه اللفظية و المعنوية عند الفريقين". و يتضح من خلال معالجته للموضوع أنه لا يريد من خلال هذه المقارنة أن يكشف عن أثر الأدب العربي في الأدب الغربي ، أو العكس ، و إنما هدفه أن يتعرف القارئ على الجوانب الايجابية في نهضة الآداب الإفرنجية للإفادة منها في تجاوز مرحلة الجمود التي يعاني منها أدبنا .

و من هذه المقارنات المعركة التي دارت حول "بلاغة العرب و الإفرنج" في المقتطف بين أحمد كامل ، و خليل ثابت و الدكتور نقولا فياض سنة 1900 م ، و تعكس هذه المقالات الثلاث الصراع الذي كان قائما بين دعاة الانفتاح على الآداب الغربية ، و دعاة التعصب للأدب العربي ، فقد قارن أحمد كامل بين الأساليب البلاغية العربية و الأساليب البلاغية الإفرنجية ، بغرض إثبات تفوق البلاغة العربية على غيرها ، و ذلك من خلال مقارنته بين قصيدة مترجمة لفكتور هوجو victor Hugo ، و رسالة للسيد البكري ، و الاستشهاد ببعض أبيات من الشعر العربي ، و قد حدد منذ البداية أن الكلام البليغ يتركب من ثلاثة أجزاء اللفظ و المعنى و الموضوع ، فراح يتابع تفوق البلاغة العربية ، على البلاغة الإفرنجية في هذه الزوايا ، و لا يهتم في ذلك كله بإثبات تأثر شاعر بآخر ، و إنما يهتم ببيان جوانب الاختلاف بين البلاغة العربية و البلاغة الإفرنجية ، لإثبات تفوق الأسلوب العربي على الأسلوب الإفرنجي ، و كانه يريد من خلال هذه المقارنة أن يلمح إلى اكتفاء الأدب العربي و تفوقه و عدم حاجته إلى الإفادة من الآداب الأخرى .

و قد حاول كل من خليل ثابت ، و نقولا فياض ، من خلال ردهما على آراء أحمد كامل ، و هما من دعاة التجديد و الانفتاح على الآداب الغربية ، أن يكشفا عن خطأ النظرة المبتسرة إلى الآداب الأجنبية ، و أضرار التعصب الذي قد يعمينا عن إدراك واقعنا على حقيقته ، حيث يقول خليل ثابت ، في بداية مقالته : "و قد آنست من حضرة الكاتب تحاملا على الإفرنج رددته إلى غيرة حضرته على آداب اللغة العربية غيرة تحمد منه و إلى قلة علم باللغات الإفرنجية و آدابها"

فالأدب العربي قد وصل في عصر النهضة إلى مرحلة الاكتفاء ، و لذا يرد خطأ ما أصدره أحمد كامل إلى جهله بخصائص اللغة الفرنسية ، يقول : " و لا أخال العارف باللغتين الفرنسية و العربية يفضل رسالة السيد من حيث رصف ألفاظها و تنميقها على قصيدة فكتور هيكو في الأصل الفرنسي إذ لا تخلو رسالة السيد من ألفاظ ينفر منها السامع ..."

و يتضح بعد المقارنة التنويري من خلال دعوة الكاتب إلى عدم التعصب ، و الإفادة من الجوانب الايجابية في الأدبين ، و التوسع في ترجمة الأعمال الأدبية الغربية لنتعرف أكثر على إبداعاتهم ، يقول : " و خير الأمور أن يجمع المرء بين ما لذ و طاب من مقول الفريقين و لا ينقطع لواحد منها ... و لعل هذا البحث يدفع بعض أدبائنا إلى تعريب شيء من بليغ ما كتب الإفرنج كاسيا حلة عربية فيتضح لنا ما عند إخواننا الفرنجة من معجزات البلاغة و الإنشاء" .

و لم يعتني أكثر المقارنين العرب بربط الجهود بسياقها فقد عدوا كتاب روحي الخالدي (تاريخ علم الأدب عند الإفرنج و العرب و فيكتور هوجو) الذي صدر عام 1904 ، أول محاولة تطبيقية في الأدب المقارن في الوطن العربي ، و ذلك لأن المؤلف تناول فيه التأثير و التأثر إلى جانب التشابه و التوازي بين عدد من الآداب ، متجاوزا الدراسات العربية السابقة التي اهتمت بالتشابه و الاختلاف فحسب ، بل إن عز الدين المناصرة جعل من عدم اكتفاء المؤلف بدراسة التأثير و اتساع نظرته لتشمل المقارنة بين أكثر من أدبين ، تطويرا للاتجاه الفرنسي ، و سبقا للاتجاهات الحديثة ، يقول عز الدين المناصرة : " إذن نستطيع القول إن كتاب روحي الخالدي _ و من خلال العنوان وحده _ يطبق المنهج الفرنسي في الأدب المقارن ، الذي ساد منذ 1828 و حتى 1963 ، بل إن روحي الخالدي يفوقه في بعض الطروحات مثل : علم "علم الأدب" و "عدة آداب" . فنلاحظ أنه قد اختار المقارنة بين عدة آداب حين كان الفرنسيون يروجون للمقارنة بين أدبين فقط . كما اختار "علم الأدب" الأكثر شمولية من الأدب المقارن ليطبقه على منهج المقارنة ، و للعلم فهنالك بلدان كثيرة _ الآن _ تحاول التوفيق بين المنهجين الفرنسي و الأمريكي . و تستخدم مصطلح "علم الأدب" في الدراسات المقارنة ، و نحن نتفق معه في أن روحي الخالدي لم يلتزم بمبادئ الاتجاه الفرنسي حرفيا ، لكننا نرى أن يتم النظر إلى هذا الاختلاف من خلال اختلاف الدوافع و المنطلقات بين أنصار الاتجاه الفرنسي و المقارن العربي في عصر النهضة ، فمنطلق الفرنسي _ كما ذكرنا _ قومي تاريخي ، يهدف إلى تتبع إسهام أدب قومي في تطور أدب قومي آخر ، بينما هدف روحي الخالدي نهضوي يريد من خلال هذه المقارنات أن يتعرف العرب على مجالات جديدة في الأدب و دراسته و على بعض الأعلام الأدبية المشهورة في الغرب ، متخذا فكتور هوجو أنموذجا ، فالمنطلقات النهضوية كانت حاضرة ، لأنه لم يؤلف كتابه كما يبدو بدافع تطوير الأدب المقارن ، فقد أعطى في بداية الكتاب نبذة عن حياة فكتور هوجو Victor Hugo .

و في عام (1904) صدرت ترجمة سليمان البستاني لإلياذة هوميروس بعنوان "إلياذة هوميروس معربة نظما و عليها شرح تاريخي أدبي و هي مصدرة بمقدمة في هوميروس و شعره و آداب اليونان و الغرب و مذيلة بمعجم عام و فهارس" ، و قد تناول المترجم في المقدمة أوجه التشابه و الاختلاف بين الأدب العربي و الأدب اليوناني ، مشيرا إلى قلة المنظومات القصصية في الشعر العربي القديم ، و يقارن بين أنواع الشعر عند العرب و الإفرنج و كأنه من خلال هذه المقارنة يريد أن يعرف الأديب العربي على أنماط أدبية جديدة ، حتى عندما تناول تأثير الألياذة في الآداب الأوروبية ، اتخذ من هذا التناول مدخلا للحديث عن النظرة القاصرة لدى العرب إلى التأثر ، حينما عدوه نوعا من السرقة ، بينما الغربيون – كما يقول – لم يكن لديهم حرج في الإفادة من إلياذة هوميروس ، مما يوحي بأن المؤلف يريد من خلال هذه المقارنة التنبيه إلى أهمية أن يطلع الأديب العربي على الإبداعات الأدبية الأجنبية ، حتى ننهض بأدبنا الحديث .

و هذا يؤكد فكرة من ربط نشأة الأدب المقارن و تطوره في الوطن العربي و بالتفكير النهضوي .

و من الجدير بالذكر : في تلك المرحلة البدايات أن لا يجد المؤلف كتبا نقدية عربية فالمؤلفات العربية القديمة كانت في تلك المرحلة لا تزال مخطوطات محفوظة في المتاحف ، و لم يكن هنالك مؤلفات عربية حديثة في النقد الأدبي ، سوى مقالات أدبية متفرقة ، و لهذا شعر المؤلف أنه يقدم شيئا جديدا للقارئ العربي ، يقول : "و هنا لا بد لي من أن أقص على القارئ ما دهاني من الحيرة الإضطراب عند أخذي القلم لتأليف هذا الكتاب إذ كل ما كنت أطلعت عليه من كتب هذا الفن في اللغة الفرنسوية لا ينطبق على ما عقدت على تأليفه النية إلا من وجه خفي .. فإن جميع ما قرأته لجهابذة هذا الفن المشهورين مثل سنت بوف و رينان و تين و فردينان و برونيير و أميل فاجيه ، و جول لومتير و أدولف بريسون ، و غيرهم من المعاصرين لا يتعدى نقد مؤلفات .

و من ثم لا نطالب و في هذه الحالة علينا ألا نطالب المؤلف بدراسة التأثير لأن هدفه النهضة الأدبية .

و هذا قد يفسر لنا الأسباب التي دفعت هؤلاء إلى عدم الاهتمام بمصطلح الأدب المقارن ، فلم تشر أية دراسة سابقة إلى هذا المصطلح ، فقد ظهر لأول عام 1936 ، لدى كل من خليل هنداوي ، و فخري أبو السعود في مجلة الرسالة ، و كانت الريادة في ذكر المصطلح تنسب إلى فخري أبو السعود ، إلى أن اكتشف حسام الخطيب مقالة خليل هنداوي التي نشرت قبل أول مقالة تحمل هذا المصطلح عند فخري أبو السعود بثلاثة أشهر ، و لا يهمنا هنا أن نرجح كفة أحدهما و إنما أن نتعرف على تأثير التفكير النهضوي لدى الكاتبين الواعيين بالمصطلح .

بدأ فخري أبو السعود منذ سنة 1935 م ، نشر مقالات في الرسالة تناول في كل مقالة ظاهرة أدبية يقوم بتتبعها في الأدبين العربي و الإنجليزي ، و لكن مصطلح الأدب المقارن لم يظهر إلا عام 1936 بعد نشر عدد من هذه المقالات ، ففي 21/09/1936 ظهرت مقالة له بعنوان " في الأدب المقارن : الأثر الأجنبي في الأدبين العربي و الإنجليزي" و استمر ظهور المصطلح مضافا إلى عناوين كافة المقالات اللاحقة ، و من الغريب أن الكاتب في المقالات السابقة لذكر المصطلح ، و في المقالات التي أضاف إلى عناوينها هذا المصطلح يعالج التشابه و الاختلاف بين الأدبين ، دون الالتفات لما وضعه الفرنسيون في تعريف هذا المصطلح ، و تحديد مجاله بدراسة التأثير و التأثر بين أدبين قوميين مختلفين في اللغة ، و لا أتفق مع الذين حاولوا أن يجعلوا جهوده سبقا للمنهج الأمريكي الذي ظهر في الخمسينات من القرن العشرين أي بعد هذه المقالات بما يقرب من خمسة عشر عاما ، بحجة أنه انصرف إلى دراسة تشابه النصوص و لم يهتم بالتأثير ، فعطية عامر يقول مقيما جهود فخري أبو السعود : "إذا عرفنا ذلك كله كان من حقنا أن نقول إن فخري أبو السعود قد خرج بالأدب المقارن من مجال الاتجاه التاريخي قبل أن تبدأ المدرسة الأمريكية ثورتها ضد الاتجاه التاريخي .

و من الجدير بالذكر أن فخري أبو السعود لم يكن مهتما كثيرا بجماليات النصوص ، و لم يهمل دراسة التأثير فلديه مقالة صدرت عام 1934 قبل ظهور هذه المقالات التي يقارن فيها بين الأدبين العربي و الإنجليزي بعنوان "الأثر اليوناني في الأدب العربي" و لكنه ينطلق في دراساته المقارنة من نسق ثقافي نهضوي كغيره من المقارنين العرب ، فدراسة التشابهات لا تمثل سبقا للاتجاه الأمريكي ، و لا تعد خروجا عن متطلبات الأدب المقارن على رأي بعض المقارنين المتعصبين للاتجاه الفرنسي ، لأن منطلقات المقارن العربي في تلك المرحلة تختلف عن منطلقات الاتجاهين سواء أدرس التأثير أم التوازي ، فهو يرمي من خلال ذلك إلى الكشف عن جوانب النقص في أدبنا ، من خلال تعريف القارئ على ايجابيات الآداب الأخرى ، فهو يقول في معالجته لأثر اليونان في أدبنا القديم ، منبها إلى أهمية التأثر و الإفادة من الآداب الأخرى ، و خطورة الانغلاق و التقوقع : "فلا غرو إن طفرت تلك الآداب الغربية التي لم تكد في عهد النهضة تكون شيئا مذكورا .. فإذا هي بعد قرون ثلاثة أو أربعة تسبق الأدب العربي و هو أعرق منها .. لأن الأدب العربي الذي لم يكد يستفيد بأدب أمة أخرى ظل في مكانه جامدا يكرر نفسه و يعيد على نفسه الأبواب عينها التي جال فيها المتقدمون من فخر و رثاء و مدح و هجاء ، حتى إذا كان العصر الحديث إذا هو يقف من الآداب الغربية موقف التتلمذ و التلقن .

أما خليل هنداوي فقد سبق فخري أبو السعود غلى ذكر مصطلح الأدب المقارن و التعريف به ، و يعد رائدا في هذا المجال ، حيث نشر في الرسالة 8/6/1936 ، مقالة عنوانها : "ضوء جديد على ناحية من الأدب العربي : اشتغال العرب بالأدب المقارن أو ما يدعوه الفرنجة comaree literature في كتاب تلخيص كتاب أرسطو في الشعر لفيلسوف العرب أبي الوليد بن رشد" فقد ذكر المصطلح الفرنسي ، و المصطلح العربي المقابل ، و مع هذا لم يلتزم في التعريف بالمصطلح بالمفهوم الفرنسي للأدب المقارن ، و إنما ركز على الأبعاد التواصلية ، و الإنسانية بما يتلاءم مع التوجه النهضوي العربي الداعي إلى الانفتاح على آداب العالم فينظر إليه على أنه وسيلة من وسائل الاتصال بين الأمم ، يقول :"و هكذا نشأت الصلات الأدبية بين الأمم ... و ربطت بين المفكرين ربطا لا يقوم على مصالح سياسية أو مطامع مادية ، و غنما يقوم على رفع منارة الفكر و إعلاء كلمة المفكر فما أطهر هذه الرابطة لو أنها تخرج من هذا العالم غير المحدود إلى العالم الذي سورته الحدود فنجد الأديب الفرنسي يحلل الأديب الألماني دون أن تغطى على قلبه سورة الحقد و تجد الأديب الألماني يكتب عن الأديب الفرنسي من غير أن تغلب عليه موجدة . ذلك أن عالم الفكر سما بهما فوق عالمهما المحدود الذي غمرته الحزازات ، و تقطعت بين وشائجه السباب فهما يتفاهمان في ذلك العالم و يصافح بعضهما بعضا .

و من هذا المنطلق يحدد مجالات الأدب المقارن فتبدو مختلفة عن مجالات الاتجاه الفرنسي الذي اهتم بدراسة التأثير ، يقول : "هذا هو الأدب بالمقارنة يعمل على درس مميزات أدب كل أمة بمقارنتها مع ميزات غيرها من الأمم و هو أدب كما قلت حديث الخلق شجع على نشره شيوع رسالة الأدب الإنساني .

و من الطبيعي فقد ظل الأدب المقارن في الوطن العربي إلى مطلع الخمسينيات متأثرا بالنسق الثقافي النهضوي في تلك المرحلة ، فانطلق المقارنون العرب في دراساتهم التطبيقية ، و في تحديد مفهوم هذا المصطلح من الحرص على أهمية التواصل بين العرب و غيرهم من الأمم لأحداث نهضة شاملة في الأدب العربي ، و لذا نجد أنهم تركوا بصمات تميزهم عن الاتجاه الفرنسي الشائع في تلك المرحلة ، فاختلاف الأنساق الثقافية – كما ذكرنا من قبل – كان سببا في ظهور اتجاهات أخرى بعد ظهور الاتجاه الفرنسي كالاتجاه الأمريكي و الاتجاه الماركسي و الاتجاه الألماني ، و إذا كانت الدراسات العربية قد ظهرت قبل ظهور معظم هذه الاتجاهات ، فإن ذلك يدل على أن الباحث العربي حدد مفاهيم الأدب المقارن و تطبيقاته بما يتلاءم مع منطلقاته في تلك المرحلة ، و كما لا يجوز أن نخرج الدراسات الأمريكية التي لا تتناول التأثير من الأدب المقارن ، لأنها لا تلتزم بشروط الاتجاه الفرنسي ، كذلك لا يجوز أن نقيم الدراسات العربية من هذا المنظور ، فلم تبدأ مرحلة تبني الاتجاهات الغربية في الأدب المقارن – دون مراعاة لخصوصية النسق العربي – إلا في الخمسينيات من القرن العشرين عندما عاد الدكتور محمد غنيمي هلال من فرنسا ، يحمل شهادة الدكتوراه في الأدب المقارن وفق الرؤية الفرنسية ، فأصدر كتاب "الأدب المقارن" عام 1953 ، الذي كان له تأثير كبير في شيوع الاتجاه الفرنسي في الوطن العربي حتى مطلع السبعينات ، و توالى بعد ذلك ظهور أو تبني الاتجاهات الأخرى ، فظهر الاتجاه الأمريكي في السبعينيات و ما بعدها بتأثير ترجمة كتاب رينيه ويليك و اوستن وارين نظرية الأدب عام 1972م ، و تعتبر بداية الثمانينيات في العالم العربي بداية الموجة الجديدة في الأدب المقارن بعد غنيمي هلال ، هذه الموجة تعرفت أكثر على المنهج الأمريكي ، و بدأت تقتنع باحتضار المنهج الفرنسي . و هذا يعني أن بعض المقارنين العرب المعاصرين ، لم يعترفوا بحق المقارنين العرب الرواد ، في الخروج عن قواعد الاتجاه الفرنسي ، بينما استجاب بعضهم إلى دعوات الاتجاه الأمريكي الذي قام على أنقاض الاتجاه الفرنسي فيما بعد استجابة لسياق يلبي توجهات الثقافة الأمريكية .


آخر تعديل: الاثنين، 13 مارس 2023، 11:15 PM