الاهتمام بآداب العصور الوسطى
في محاولة لإعادة الاعتبار للغات التي تمثل أساس اللغات القومية الأوروبية الحديثة ، بعد أن تعرضت للإهمال بحجة أن الأدب لا يكون ساميا إلا إذا كان مكتوبا باللغة اللاتينية – بناء على القوانين الكلاسيكية الصارمة - ، و من هنا ندرك سر تركيز أصحاب هذا الاتجاه على القومية في دراسة التأثير ، و اشتراط اختلاف اللغة حتى تصبح المقارنة ، فالفرنسي في دراسته المقارنة – لا سيما في طور النشأة – كان حريصا على إثبات إسهام القوميات لا سيما القومية الفرنسية ، في نهضة الآداب الأوروبية المختلفة و قد دفعه اعتزازه بقوميته إلى اشتراط اختلاف لغة الأدبيين المقارنين لكي يكشف عن أهمية تعدد اللغات ، ومن ثم يبرز تميز لغته الفرنسية عن اللغة اللاتينية اللغة الأم لهذه اللغات (اللهجات باعتبار الأصل) ، و عن اللغات الأوروبية الأخرى .
و قد أدى الاهتمام برسم ملامح القومية الفرنسية ، و محاولة إبراز تميزها إلى ازدهار علم التاريخ في القرن الثامن عشر ، و القرن التاسع عشر في فرنسا ، فقد وضع أسس هذا المنهج (فرانسوا جيرو و أوجستين فيري) ، من خلال كتابتهما للتاريخ القومي العام لفرنسا ، و بعض الدول الأوروبية ، في العقدين الثالث و الرابع من القرن الثامن عشر ، و قد أفاد النقاد و الأدباء الفرنسيون من هذا المنهج في كتابة تاريخ الأدب الفرنسي ، و قاموا بترسيخ منهج النقد التاريخي .
و من ثم في ظل التوجهات القومية في اللغة و الأدب و التاريخ في فرنسا ، أن يتجه الأدب المقارن اتجاها قوميا تاريخيا ، هدفه أن يبرز الاسهامات التي يقدمها أدب قومي في تطور أدب قومي آخر ، لذا و طالبوا في دراسة التأثير أو التأثر أن تكون العلاقة بين الأدبين القوميين مبنية على وقائع و وثائق تاريخية ، تثبت انتقال الأدب المؤثر إلى الأدب المتأثر ، مما أدى إلى الإهتمام بوسائل التأثير كالترجمة و الكتب و الرحلات ، و تتبع سيرة الكاتب المؤثر ، و سيرة الكاتب المتأثر ، و كأن المهمة الرئيسة للمقارنة في هذا الاتجاه ، تنتهي عند إثبات التأثير بين أدبين قوميين .
و من ثم ارتبط الأدب المقارن الفرنسي بالنزعة التاريخية القومية أي أنه نشأ في البداية فرعا من فروع التاريخ الأدبي الفرنسي أثناء متابعته لتطور الأدب الفرنسي .
و لقد ظهر الأدب المقارن عند (فليمان) استجابة للنزعة القومية ، عندما كان يلقي محاضرات في جامعة السربون عن تاريخ الأدب الفرنسي (1828-1829) حيث تناول في هذه المحاضرات التأثيرات المتبادلة بين الأدب الفرنسي ، و الأدب الإنجليزي ، و تأثير الأدب الفرنسي في إيطاليا في القرن الثامن عشر ، هدفه من وراء ذلك تقديم صورة عن " ما تلقته الروح الفرنسية من الآداب الأجنبية ، و ما أعطته لها من أجل كتابة تاريخ أدب شامل لفرنسا"
و هكذا كانت الرغبة في إبراز الجوانب القومية هي التي تسير الدراسات المقارنة بعد (فليمان) .
و بعد ذلك بوضوح من خلال إبراز المقارنين على التأثير الثنائي المتبادل بين أدبين قوميين ، يكون عادة الأدب الفرنسي أحد طرفي هذه المقارنات ، لأن الهدف هو إثبات القومية الفرنسية بإكمال كتابة تاريخ الأدب الفرنسي .
فالكتاب الأدب – غالبا – يحدث لديهم نوع من المركز حول أدب قومية واحدة ، و لا يستطيع القيام بكتابة تاريخ عدة آداب في آن واحد ، و هذا أيضا ما دفعهم إلى عدم الاعتراف بالدراسات المقارنة التي تتسع لتشمل عدة آداب في وقت واحد ، و كذلك الدراسات التي تتناول التشابه بين الآداب القومية ، حيث يتم تصنيفها تحت ما يسمى بالأدب العام (General literature) ، فالدراسة الرومانسية في الأدب الأوروبي لا تدخل عندهم في الأدب المقارن ، و كذلك دراسة تأثير شكسبير في الأدب الأوروبي بشكل عام ، فكل ما لا يخدم فكرة القومية الفرنسية لديهم أسقطوه من الآداب المقارنة ، لأن هذا النوع من الدراسات – كما يبدو – لا يتفق مع توجههم القومي الذي يهدف إلى كتابة تاريخ الأدب الفرنسي ، فدراسة التأثير المبني على حقائق و وقائع تاريخية تثبت دور كاتب أو أمة في مسيرة أدب قومي هي المعول عليها ، أما دراسة التشابه المبني على توارد الخواطر أو على الصدفة ، و كذلك دراسة تأثر عدة آداب قومية جملة واحدة بأديب أو باتجاه أدبي ، فلأنها لا تخدم أو توثق أو تكمل كتابة تاريخ الأدب لقومية محددة ، فقد أخرجها أصحاب هذا الاتجاه من دائرة الأدب المقارن .
و قد سير الاتجاه القومي الأدب المقارن في فرنسا ، و يبدو ذلك واضحا بتتبع جهود أبرز المقارنين الفرنسيين ، حيث تظهر الثنائية و التمركز حول القومية و التوجه التاريخي ، من خلال عناوين أبحاثهم و كتابتهم التطبيقية .
فقد ألقى جان جاك أمبير (J.J.Ampere) 1930 م ، محاضرات في مرسيليا و باريس تمحورت حول التأثيرات المتبادلة بين الأدب الفرنسي ، و عدد من الآداب الأجنبية في العصور الوسطى .
و إذا انتقلنا إلى (فرديناند برونتير) حينما أدخل الأدب المقارن إلى الكلية الطبيعية العليا في نهاية القرن التاسع عشر فإنه أراد بذلك مقارنة تطور الأدب الفرنسي بتطور الآداب الغربية الأخرى و متابعة تطور الأجناس الأدبية ( كما فعل آخرون مع البشر )
و من ثم ارتبطت نشأة (الأدب المقارن) ، بالاهتمام باللغات ، و إبراز القوميات .
و أما عن نشأة الأدب المقارن لدى الاشتراكيين في روسيا ، و أوروبا الشرقية فأخذوا يحاربون الطبقة البورجوازية من أجل إيجاد عالم بدون طبقات ، تختفي فيه الصراعات الناتجة عن الأطماع القومية أو الفردية و لذا تذوب القومية هنا و تفقد سلطتها ، و يتم تجاهل الفردية لتصبح العوامل الاجتماعية أو الظروف الاجتماعية هي المسئولة عن صياغة الحياة ، و تحديد نمط العيش ، و أنواع الفنون و الآداب ، بغض النظر عن القومية أو اللغة أو الجنس ، و لذا عملوا على إذابة القويمات في إطار هذا النسق الثقافي هي المسئولة عن صياغة الحياة ، و تحديد نمط العيش ، و أنواع الفنون و الآداب ، بغض النظر عن القومية أو اللغة أو الجنس ، و لذا عملوا على إذابة القويمات في إطار هذا النسق الثقافي هي المسئولة عن صياغة الحياة ، و تحديد نمط العيش ، و أنواع الفنون و الآداب ، بغض النظر عن القومية أو اللغة أو الجنس ، و لذا عملوا على إذابة القويمات في إطار هذا النسق الثقافي ، مع اعترافهم بالتنوع الذي يثبت أن الظروف الاجتماعية هي التي تصنع التاريخ ، و هذه الرؤية أثرت في نظرتهم إلى الأدب و نقده و تاريخه ، و إلى مفهوم الأدب المقارن و وظيفته .
و من هنا يأتي إصرارهم على إثبات أن الواقع الإجتماعي هو الذي يحدد أنماط الأدب ، و سماته و ليس الفرد و لا القومية فحياة الشعوب " بمصائرها التاريخية ، بأحداثها ، و تقاليدها ، بتناقضاتها ، بعلاقاتها الاجتماعية ، و خصوماتها ، و تطور الشخصية الإنسانية ، و غناها الروحي ، باختصار إن مختلف جوانب الواقع نفسه تطلبت قيام الأنواع الأدبية ، و هذا المفهوم الاشتراكي للأدب كان يعطي للعملية الأدبية إمكانية التناول الواسع ، لكل الحقائق الجديرة بالاهتمام ، عند ظهور المسببات الشاملة ، فقد أدخلت الإشتراكية الظاهرة الأدبية ضمن نظام العلاقات المتبادلة بين القاعدة ، و البناء الفوقي (الأدب) ، و كشفت عن الطبيعة المتواصلة لعلاقة الأدب بالظروف الإجتماعية ، و الإقتصادية .
و من الملاحظ أن النسق الثقافي الذي يوجه اهتمامات أصحاب هذه الاتجاه يختلف عن السياق الثقافي الذي حدد اهتمامات المقارنين الفرنسيين مما سيؤدي إلى اختلاف مفهوم الأدب المقارن ، و ميادينه عن المفهوم الفرنسي القديم الذي اتجه إلى دراسة التأثير المشروط باختلاف اللغة بين أدبين قوميين ، فمع أن الماركسيين تلتقي مع الاتجاه الفرنسي في الميل إلى التاريخ ، إلا أنها تختلف عنه في الأهداف و النتائج ، فالاتجاه الفرنسي يستعين بالمنهج التاريخي لإثبات تأثير أو تأثر الأدب القومي بمعزل عن القوانين المتحكمة في تطوره ، بينما الماركسيون يستخدمون المنهج التاريخي لإثبات دور المجتمع و الصراع الطبقي في تشكيل الأدب و ظهور أجناسه ، فإذا تشابهت عندهم الظروف الاجتماعية في عدد من البلدان ، سيؤدي ذلك التشابه الاجتماعي إلى ظهور أدب متشابه ، و من هنا أصبحت الدراسات الأدبية المقارنة موجهة كغيرها من المجالات المعرفية ، لإثبات مدى تحكم الظروف الاجتماعية ، و تأثيرها ، و لذا ظل أصحاب هذا الاتجاه غير آبهين بمفهوم الأدب المقارن كما حدده الاتجاه الفرنسي ، فلم يكن الأدب المقارن مجالا معترفا به حتى أواخر الخمسينات من القرن العشرين ، لأن الممارسة المقارنة كانت لديهم مبنية على فلسفة مختلفة ، و تمارس في نظرية الأدب بشكل أكثر اتساعا .
و قد شهدت الستينات محاولات من قبل أنصار هذا الاتجاه لصياغة الأسس التي يقوم عليها الأدب المقارن الماركسي ، فعقد مؤتمر للأدب المقارن عام 1960 م و ظهرت محاولات في أوروبا الشرقية ، من أجل لم شمل المقارنين الاشتراكيين ، و تم تكوين ندوة بودابست 1962 و ندوة برلين عام 1966 م من أجل تحديد مفهوم اشتراكي للأدب المقارن يتلاءم مع رؤيتهم الإجتماعية .