- ملهاة الطباع (عيوب الإنسان)

- ملهاة السلوك (عيوب الطبقات)

- ملهاة الموقف (التضاد ، و التناقض بين الأحداث المتشابكة) و هي أقوى هذه الأنواع

المسرح العربي :

سبق أن ذكرنا أن العرب وقفوا موقف الجفاء من المسرح ، إلا أنه قد وجدت أنماط أدبية تشبه المسرحية ، و من الباحثين من عد المسرحية العربية تطورا طبعيا لهذه الأنماط الأدبية .

فلقد أنشأ العرب المقامات ، و إن كانت طريقا إلى القصة لكنها فقدت الحوار الذي يتخذ أساسا في المسرحية غير أن المستشرق (باول كاولي) قد نقل بعض مسرحياته عن أصل عربي لمحمد بن دانيال الموصلي أيام الظاهر بيبرس في القرن الثالث عشر الميلادي ، و قد ذكر المستشرق جورج جاكوب محتويات هذه التمثيليات في كتابه (تاريخ مسرح تمثيل الظل)

و قال : "إن ابن دانيال أعظم شاعر ممتع في العربية فقد وجدت هذه المسرحيات في مكتبة (سكوريال) الاسبانية ، و التي منها طيف الخيال ، و تصور لنا مصر ، و حالتها السياسية ، و الاجتماعية في عهد الظاهر بيبرس ، و مسرحية (عجيب ، و غريب) و تصور الأحوال في الأسواق المصرية ، كما تصور لنا أصحاب المهن في مصر .

على الرغم من ذلك فإن هذه المسرحيات ، و غيرها لم تتقدم بالمسرح العربي ، فلقد ظل مسرحا يمثل خيال الظل دون أن يخرج إلى العيان .

و لما نزلت الحملة الفرنسية بلادنا حملت فيما حملت إلينا المسرح الفرنسي ، و لكن ما كان يمثل عليه من روايات مثل بالفرنسية ، فلم تتأثر به حياتنا الأدبية ، و غنما برز هذا التأثر جليا منذ تولي إسماعيل لحكم مصر ، فأنشأ دار الأوبرا ، و مثلت فيه روايات غنائية ايطالية .

و في هذه القبة التاريخية أنشأ أبو نظارة (يعقوب صنوع) مسرحا بالقاهرة ، و مثل عليه كثيرا من المسرحيات المترجمة ، و التي قام بتأليفها ، لذا أطلق عليه موليير مصر لبراعته في التمثيل الهزلي و الذي يقوم على أساس النقد لأوضاع المجتمع الذي يعيش فيه .

و الواقع أننا لا نعد مسرح صنوع من تراث الأدب العربي ، و يرجع ذلك لأن مسرحه ، و تمثيلياته كانت تمثل باللغة العامية ، و ليس باللغة العربية الفصحى .

و في هذه الفترة وفدت على مصر الفرق التمثيلية من سوريا ، و لبنان و أنشأت لها مسارح بالإسكندرية ، و القاهرة ، و هذه المسرحيات التي قاموا بتمثيلها كانت مسرحيات ممصرة ، و ممتعة للمشاهد ، و ارتبطت في بعض الأحيان بالسجع ، و الشعر .

و من الجدير بالذكر إنه بالرغم من تتابع الفرق الشامية و المصرية و تقديمها لمسرحياتها على أراضي مصر إلا أنه وجد نفورا من الطبقة المحافظة ، و إحجام من المرأة تجاه المسرح.

و ظهر جورج أبيض بعد أن درس فن المسرح ، و أصوله فارتقى على يديه ، و قدمت له عدة مسرحيات منها (مصر الجديدة)لفرج أنطون ، كما عرب له خليل مطران بعض روايات شكسبير مثل : تاجر البندقية – عطيل .

و من ثم بدا لنا التأثر ، و التأثير بين الآداب المختلفة ، ثم كان (يوسف وهبي) فقد أفتتح مسرح رمسيس سنة 1923 م ، و قام بتمثيل ما يقرب من مائتي مسرحية ، و التي عنيت بالتراجيديا ، بينما اهتم نجيب الريحاني ، و على الكسار في التمثيل الهزلي ، و كانت الكوميديا على يديهما كوميديا اجتماعية تعني بالنقد الاجتماعي الهادف .

و في سنة (1934م) تنشئ الدولة الفرقة القومية كما تنشئ المعهد العالي للتمثيل ، غير أن الركود الذي بدأ منذ عام (1928م) مازال جاثما على مسارحنا بسبب ظهور السينما ، إلا ما كان من مسرح نجيب الريحاني و تحاول ثورة يوليو بعد ذلك النهوض بالمسرح ، فيعود ثانية إلى النشاط ، و بذلك ترد إليه قواه.

أما عن التأليف المسرحي :

من الجدير بالذكر أن وجود الممثل المسرحي عندنا سابق لوجود النص الأدبي المكتوب خصيصا لمسرحنا ، ثم بزغ نجم توفيق الحكيم في سماء المسرح فقد أرسى قواعده ، كما أرسى هذه القواعد شوقي في الشعر ، يسعفه في ذلك ثقافة إنسانية واسعة ، و ثقافة مسرحية دقيقة ، و تتزاوج الثقافتان مع روحه المصرية العربية ، فإذا لمصر كاتب مسرحي من نوع إنساني بديع .

و قد حظي الحكيم بمكانة متميزة على خريطة تطور الكتابة الإبداعية العربية ، فهو كاتب واحدة من أولى الروايات العربية ، "عودة الروح" عام (1923م) ، و هو أيضا كاتب أول مسرحية عربية ناضجة بمعايير النقد الحديث : "أهل الكهف" عام (1933م) .

وصف توفيق الحكيم بأنه مؤسس المسرح المصري المعاصر ، و بأنه من جعل المسرح في العالم العربي جنسا أدبيا مرموقا و قد اتسمت أعماله المسرحية باليسر ، و السهولة ، و المرونة ، و حرص توفيق الحكيم على أن يبرز فيها اللهجة العامية المصرية ، و بعض تراكيبها .

و القارئ لأدب الحكيم يدرك مدى تأثره بالآداب الغربية ، و يبد ذلك جليا في (الطعام لكل فم) ، و التي عبرت عن مسرح اللامعقول ، التي أدخلت على المسرحية ، و أثر عامل الزمن في تطورها حتى ظهر مسرح اللامعقول على يد توفيق الحكيم في (يا طالع الشجرة) و (طعام لكل فم) و أصبح الأدب العربي المسرحي متنوعا يلبي حاجة المسارح المتعددة ، و يقف مع الأدب على المساواة .

و تنتمي مسرحية "الطعام لكل فم" إلى مسرح "اللامعقول" و كما يقول توفيق الحكيم عنه :

"ليس معناه عندي الغموض ، أو التعبير عن انحلال الإنسان المعاصر . إني اعتبر ذلك أسوأ ما فيه ، و كل ما يهمني منه ليس شطحاته بل حرية التحرك فيه" و أما مسرحية "الطعام لكل فم" (1963م) فتمثل مسرح اللامعقول ، فقد حاول توفيق الحكيم فيها مواكبة تقنية المسرح الجديد في العالم متأثرا بالغرب و أصبح الأدب العربي المسرحي متنوعا يلبي حاجة المسارح المتعددة و يقف مع الأدب على المساواة .

و كذا بيجماليون ، و تأثرها بالتراث الغربي ، و شهرزاد و تأثرها بألف ليلة و ليلة ، و هكذا رأينا ظاهرة التأثير و التأثر في المسرحية أعم و أشمل بين الآداب العالمية ، فرأينا تأثر المسرحية الغربية بالخيال الغربي في القرن السادس عشر ، و تأثر الشرق بالتجديدات الغربية .

                                              ج.الوقوف على الأطلال

على الرغم من أن القصيدة العربية القديمة لم تقم لها وحدة فنية ، فيما يفهم من معنى الوحدة الفنية الآن ، قد كانت مع ذلك متأثرة في نظمها بواقع الحياة العربية ، فهي عدة أغراض يربط بينها خيط نفسي دقيق يستعيره الشاعر من تجربته في مجرى عيشه و غالبا ما كانت تبدأ بالوقوف على الأطلال و الاستبكاء و البكاء عليها مع وصل ذلك بالنسيب و ذكر الوجد و الصبابة ، ثم وصف الإبل التي وقف عليها الشاعر حين بكى و استبكى ثم وصف الرحلة و شكوى النصب و السهر و مكاره المسير ، ليوجب الشاعر على ممدوحه بعد ذلك حق الرجاء و التأميل .

و كما ذكر ابن قتيبة فقال "إن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار ، و الدمن و الآثار فبكى و شكا ، و خاطب الربع ، و استوقف الرفيق ليجعل ذلك سببا لذكر أهلها الظاعنين (عنها) غذ كان نازلة العمد في الحلول ، و الظعن على خلاف ما عليه نازلة المدر لانتقالهم عن ماء إلى ماء و انتجاعهم الكلأ و تتبعهم مساقط الغيث حيث كان ثم وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد و ألم الفراق ، و فرط الصبابة و الشوق ليميل نحوه القلوب ،و ليستدعي إصغاء الأسماع لأن التشبيب قريب من النفوس لائط بالقلوب لما جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل ، و ألف النساء فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقا منه بسبب ، و ضاربا فيه بسهم حلال أو حرام فهذا استوثق من الإصغاء إليه و الاستماع له عقب بإيجاب الحقوق فرحل في شعره و شكا النصب و السهر ، و سرى الليل و حر الهجير و إنضاء الراحلة و البعير فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء و ذمامة التأميل و قرر عند ما ناله من المكاره في المسير بدأ في المديح فبعثه على المكافأة و هزه للسماح و فضله على الأشباه و صغر في قدره الجزيل ، فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب ، و عدل بين هذه الأقسام .

كما برز هذا اللون من الأدب عند شعراء الأندلس ، فقد بكوا ممالكهم الزائلة ، و حضارتهم البائدة .

و قد تأثر الفرس في بكاء الأطلال بالعرب فمنهم الشاعر الفارسي (أبو النجم أحمد بن قوص) الملقب بـ (منوجهري) (ت423) فقد حاكى شعراء البادية في هذه الظاهرة مترسما خطو امرئ القيس في بكائه الأطلال ، و في نحر ناقته للعذراى ، فكان متأثرا به ، و قد تأثر بــ (زهير بن أبي سلمى) و (طرفة)

و قد حاكى الشاعر الفارسي (فضل الدين الخاقاني) من شعراء القرن السادس عشر الهجري ، فقد حاكى (البحتري) في وقوفه على إيوان كسرى غير أن وقفته كانت روحية صوفية يستجلي فيها العظة و يلتمس منها العبرة .

و من خلال ما سبق رأينا كيف تطور هذا الجنس الأدبي من بكاء على الأطلال إلى الوقوف على الآثار ، فأصبح فنا من فنون الأدب مستقلا ، فتعاهدته الأمم بالتهذيب ، فعبر عن روح الجماعة ، و مثل الروح القومي بعدما كان يحكي الروح الفردي ، فكانت ظاهرة التأثير و التأثر من أبرز قضايا الأدب المقارن.


آخر تعديل: الاثنين، 13 مارس 2023، 11:17 PM