المحاضرة 3: نظريات الجغرافيا الاقتصادية

   نتيجة لتعدد حاجات الإنسان، ونتيجة لانقسام العالم إلى كتل وأحلاف تحاول كل كتلة إشباع معظم حاجياتها من مواردها المحلية، ومن هنا ظهرت نظريات الجغرافيا الاقتصادية التي تهتم بكيفية تأثير العوامل الاقتصادية على توزيع الموارد والنشاط الاقتصادي في المناطق المختلفة.

I. نظرية التوطين الصناعي الفريد ويبر  Alfred Weber:

   من أهم نظريات التوطن الصناعي وتعد أول نظرية متكاملة وضعت لتفسير التوطن الصناعي، فهي محاولة شخصية وكل ما جاء قبلها كان جزئيات غير مكتملة، وما جاء بعدها كان تعليقا عليها أو تعديلا لها.

1. التعريف بصاحب النظرية

   ألفريد فيبر Alfred Weber اقتصادي ألماني، كان أستاذا للاقتصاد في الجامعة، وقام إلى جانب تدريسه لعلم الاقتصاد بنشر تحليلات تجريبية وتاريخية عن التوزيع الجغرافي للمدن الرأسمالية. في سنة 1909، قام ألفريد فيبر بوضع ونشر نموذجه بألمانيا، الذي حاول من خلاله دراسة العوامل التي تؤثر في التوزيع الجغرافي للصناعة مركزا على تكلفة النقل، معتبرها أهم عامل من عوامل اختيار الموقع الصناعي، مؤكدا على ضرورة إقامة المنشأة الصناعية عند النقطة التي تكون التكلفة عند حدها الأدنى.

   ألف كتابه نظرية توطن الصناعات عام 1909، وترجم إلى اللغة الانجليزية سنة 1929. وأصبح مرجعا لدراسة التوطن بتزايد أهمية الصناعة في تكوين التجمعات البشرية الجديدة، ويهدف فيبر في هذا الكتاب إلى شرح توطن النشاط الصناعي على ضوء ثلاث متغيرات اقتصادية هي تكاليف النقل، وتكاليف العمل والوفرة الناجمة عن التركز الصناعي، وأسس شرحه على إيجاد أدنى تكلفة لتوطن الانتاج الصناعي.

2. ماهية النظرية وفرضياتها

   يحلل ألفريد فيبر في نظريته العوامل التي تؤثر في التوزيع الجغرافي للصناعة من منظور اقتصادي، وأن تكلفة النقل تعتبر أهم عامل في اختيار الصناعة، وأنه من الضروري أن تقوم الصناعة عند النقطة التي تكون عندها تكلفة النقل أقل ما يمكن، وبناء على ذلك فقد حدد أربعة أشكال من التوطن الصناعي:

  • الصناعات الموجهة إلى الطاقة المحركة والمواد الخام: يقام المصنع بجوار تواجد المواد الخام لأنها تفقد كثيرا من وزنها عند تصنيعها (مثل مصانع السكر بجانب أماكن زراعة قصب السكر) أو خامات ضخمة الحجم (قطع الأخشاب)، أو التي تعالج خامات سريعة التلف (مثل تعليب الخضر والفواكه)؛
  • الصناعات الموجهة إلى الأيدي العاملة: يقام المصنع بجوار سكن الأيدي العاملة المختصة (مثل مصانع الأثاث التي تتواجد في البلدة التي يوجد بها صناع مهرة مختصين لهذا العمل، مثل مدينة دمياط في مصر)؛
  • الصناعات الموجهة إلى طرق النقل والمواصلات: يقام المصنع على هوامش المدن الجديدة، خصوصا إذا وجدت المواصلات لنقل العمال المهرة المختصين إلى تلك المصانع في المدن الجديدة؛
  • الصناعات الموجهة نحو الأسواق الاستهلاكية: يقام المصنع بجوار الأسواق التي بها كثافة سكانية عالية لكي يقدموا على شراء المنتجات أو تنتج منتجات يزيد وزنها أو حجمها عن الخامات الداخلة فيها (مثل المخابز التي يتم اقامتها وسط الكتل السكنية) أو منتجات سريعة التلف.

   بناء على منهج فيبر فإن توطن المصانع في مواقع متوسطة بين الخامات والأسواق أمر غير مرغوب فيه لأن مثل هذه المواقع تؤدي إلى زيادة تكلفة الإنتاج وتكلفة النقل على مرحلتين (تكاليف النقل المتغيرة المرتبطة بالمسافة التأمين، الشحن، التفريغ). لكن هناك حالة واحدة تشجع على توطن المصنع في موقع وسط بين الخام والسوق ألا وهي نقطة انقطاع Break of bulk، وعند نقطة الانقطاع تتغير وسيلة نقل المنتج وعند هذه النقطة تتم عملية تفريغ وإعادة شحم للسلع مثل الموانئ، السكك الحديدية...

قدم فيبر لنظريته مجموعة من الفرضيات هي:

  • وجود منطقة منعزلة متجانسة في خصائصها الطبيعية. ويقطن هذه المنطقة سكان من أصل واحد وفي مستوى تقني واحد ويخضعون لسلطة واحدة؛
  • افترض ثانيا وجود مواد طبيعية تختلف في طبيعة انتشارها، فبعضها يكون مبذولا (واسع الانتشار) أي: يمكن الحصول عليه في كل مكان كالهواء، والرمال، المياه والبعض غير مبذول (محدود الانتشار) أي: وجوده يقتصر على بعض المناطق دون الأخرى كالفحم والحديد..؛
  • لا ينتشر العمال المطلوبين للصناعة في كل الإقليم، وإنما يتركزون في بعض مناطقه؛
  • افترض فيبر كذلك أن المسافة و الحمولة (الوزن) هما محددان لتكلفة النقل، فابتكر العلاقة بين وزن المواد الخام ووزن المصنوعات وأطلق عليها اسم "دليل المواد Matériel index" فإذا كان ناتج قسمة وزن المواد الخام على وزن المصنوعات واحدا فأكثر تكون الصناعة أكثر ارتباطا بموادها الأولية _موقع الخام_ مثال ذلك صناعة قصب السكر لأن وزن الخام أكبر بكثير من وزن المنتج لذا فالموقع المفضل يكون بجوار الحقول، و إذا كان الناتج واحد أو أقل تكون الصناعة أقل ارتباطا بموادها الأولية، حيث يرى أن تكلفة النقل تعتمد على عاملي المسافة و الوزن و تزيد كلما زادت المسافة ووزن الحمولة، وبذلك فهناك ثلاث عوامل تتداخل لتحديد التوطن الصناعي (3 عوامل إقليمية تؤثر على تكاليف الإنتاج) هي:
                 - تكاليف النقل (المواد الخام والمنتجات)؛
                 - تكاليف العمالة؛
                 - تكلفة المواد الخام.

3. مبادئ النظرية وانتقادها:

3.1. العوامل الأساسية للتوطين الصناعي عند فيبر:

   وفقا لفيبر إن الموقع الأمثل للتوطين الصناعي هو الموقع الأقل تكلفة للإنتاج، ويرى أن أهم عاملين يؤثران في تكلفة الانتاج هما:

  • تكلفة اليد العاملة؛
  • تكلفة النقل.

تكلفة النقل:

   ليحدد فيبر الموقع الأمثل الذي يحقق أقل تكلفة إنتاج استخدم ما يطلق عليه المثلث الموقعي كما هو مبين في الشكل يعتمد تحليل فيبر لتكلفة النقل على وزن المادة الأولية المنقولة أو السلع المصنعة وأيضا على المسافة التي تنقل فيها هذه المادة، حيث أنها تزيد مع زيادة كل من الوزن والمسافة، وبفرض ثبات تكلفة العمل.

الشكل رقم 1: مثلث فيبر الموقعي


   وبهذا فقد بنى نموذجه على أساس أن المصانع سوف تتوطن في المناطق التي تحقق لها أدنى تكلفة نقل تعتمد هذه التكلفة على الوزن والمسافة، وليبين دور تكاليف النقل خرج بما يسمى "نسبة المواد "ويقصد بها نسبة المواد الخام المستخدمة إلى نسبة المواد المنتجة، ووضع القاعدة: نسبة المواد =وزن المواد الخام / وزن المنتجات

  • إذا كانت هذه النسبة أكبر من الواحد فالموقع الأفضل للمصنع يكون بجانب المادة الخام؛
  • إذا كانت النسبة اقل من الواحد فالموقع الأفضل أن تكون بجانب السوق ويقل ارتباط الصناعة بمواردها الأولية؛
  • وإذا كانت النسبة مساوية للواحد أي أن وزن المادة الخام يساوي وزن المادة المنتجة.

الحالة1: وجود مادة خام واحدة وسوق واحد

  • إذا كانت المادة الخام انتشارية التوزيع أي في كل مكان تقوم الصناعة في مكان السوق؛
  • إذا كانت المادة الخام مركزة في منطقة واحدة ولا تفقد جزءا من وزنها عند تصنيعها فإن المصنع حر في توطنه؛
  • إذا كانت المادة الخام في مكان محدد وتفقد نسبة من وزنها عند التصنيع؛ ففي هذه الحالة تقوم الصناعة في مكان المادة الخام.

جدول رقم 1: احتمالات توطن المصنع حسب الحالة 1


الحالة2: وجود مادتين خام وسوق واحدة

   إذا اعتمدت الصناعة على نوعين من المواد الخام والمستهلكون يتمركزون في منطقة واحدة تكون احتمالات توطن المصنع كالتالي:

-         إذا كانت المادتان الخام في كل مكان تقوم الصناعة في مكان السوق؛

-         إذا كانت احدى المادتين الخام في كل مكان وكانت المادة الأخرى في مكان محدد وكانت المادتان تفقدان نسبة من وزنهما عند التصنيع تقام الصناعة في مكان السوق.


الحالة3: وجود مادتين خام وسوق واحدة

اقترح فيبر استخدام المثلث الموقعي (التوطني) Locational Triangle وافترض لذلك:

-         إذا كانت مادة خام تفقد أكثر من الأخرى أو تستخدم بكمية أكبر من الأخرى أو أقرب إلى السوق يتوطن المصنع عندها؛

-         مصنع يعتمد على مادتين خام تفقدان نفس الكمية من الوزن أثناء التصنيع ويحتاج نفس الكمية في الإنتاج ويبعدان بنفس المسافة على السوق، فإن المصنع يقام في موقع متوسط بينهما لقصر المسافة بينهما وبين السوق.

مثال:

حتى نعرف المسافة بين المنتصف والسوق (ج ق) نستعمل نظرية فيثاغورس:

مربع الوتر= مجموع مربعين الضلعين القائمين

1002= 502+ X2

X2= 10000 – 2500 = 7500

X= 87 KM

 

-         تكلفة العمالة: إن تكاليف العمالة حسب فيبر تستطيع أن تفرض تأثيرها على الموقع الصناعي، خاصة تلك المواقع التي تكون فيها تكلفة النقل عالية، فمثل هذه المواقع بإمكانها تعويض الخسارة الناتجة من ارتفاع تكاليف النقل عن طريق التوفير في تكاليف الأيدي العاملة، خاصة وأن كلفة العمل تختلف مكانيا من موقع إلى آخر، كما تختلف من صناعة لأخرى. (تكلفة نقل مرتفعة قد تصبح مكانا مغريا لتوطن الصناعة لو كانت تتمتع بتكلفة عمل منخفضة بحيث يتفوق الانخفاض في الثانية على الارتفاع في الأولى).

3.2. نقد النظرية:

   بالرغم من المعالجة الناجحة لنظرية فيبر في تحديد الموقع المثالي للصناعة التي تحقق اقل التكاليف الانتاجية إلا أن النظرية ظلت بها بعض النقائص والسلبيات تمثلت فيما يلي:

  • لقد تغيرت عدة عوامل منذ أن وضع فيبر نظريته، فتحسن النقل مما خفض كثيرا من تكلفة النقل؛
  • لقد سمحت التطورات التكنولوجية باستخدام أفضل للموارد وتزايدت حركة العمالة وأصبح تنظيم الصناعة أكثر تعقيدا؛
  • اعتماد معظم الصناعات على أكثر من مادة خام، كما أن أي سلعة صناعية تجد طريقها الى أكثر من سوق؛
  • مع التعقيد المتزايد للتنظيمات الصناعية اختفت ظاهرة المنتج الوحيد والمصنع الواحد وقد حل محلها المنتجات المتعددة والشركات العالمية لما لهذه الشركات من مصانع ومكاتب متعددة؛
  • لقد أدت بعض الاجراءات الحكومية مثل الإعفاء من الايجار وحرية حركة الأموال والحوافز الجبائية والضريبية لها أثرها في تحريك الصناعة إلى مناطق بعينها حيث نجد أن دور الحكومة والعوامل السياسية ككل مهمة ومؤثرة في توطن الصناعة؛
  • إغفال الأسباب المهمة للموقع: أي عوامل أخرى تؤثر على الموقع، مثل المناخ والتسهيلات الائتمانية وتكلفة رأس المال وما إلى ذلك؛
  • التعبيرات الرياضية: استخدم ويبر الأرقام القياسية في نظريته التي جعلت الأمر معقدا وأكثر صعوبة في الفهم؛
  • ويبر يأخذ مراكز الاستهلاك مستقرة. لكن مراكز الاستهلاك تتغير وتنتشر عموما، المستهلكين والمشترين في كل مكان.  

يتمثل النقد الرئيسي ضد نظرية ويبر في أنه بسيط للغاية وغير واقعي وهمي لأنه لا يشتمل على عوامل وظروف مختلفة لها تأثير على الموقع.

II. نظرية الموقع الزراعي لفون ثونن Von Thounen:

   ظهرت نظرية الموقع الزراعي في القرن التاسع عشر على يد العالم الألماني فون ثونن في العام 1826، وقد حاول من خلالها تفسير أنماط استخدام الأرض الزراعية التي تنمو وتتطور حول المدن أو المراكز الحضرية نتيجة تأثيرها على الرقعة الجغرافية المحيطة بها كما وتدرس هذه النظرية العلاقة بين المنتجات الزراعية والأسواق ومدى تأثير بعد مسافة المدينة عن الأرض الزراعية على النشاط الاقتصادي وتعد النظرية أول محاولة أعطت البعد المكاني أهمية كبيرة في دراسة الأنشطة الاقتصادية المختلفة سواء كان ذلك على مستوى التوزيع الجغرافي لهذه النشاطات أو تنظيم المكان الجغرافي بناء على أسس اقتصادية وجغرافية مثل موقع السوق وعامل المسافة وتكلفة النقل، وقد عدها البعض واحدة من النظريات التي عملت على تطوير العديد من العلوم ومنها التخطيط الاقليمي كما أنها فتحت الباب أمام الدراسات والنظريات الجغرافية الجديدة من خلال استلهام أفكار النظرية.

1. فرضياتها:

-         مدينة منعزلة دائرية الشكل (أي تكون المسافة من وسط الدولة إلى أطرافها متساوية) ذات صلة وثيقة بإقليمها الزراعي؛

  • لا يبيع الإقليم فائض إنتاجه إلا لتلك المدينة (تعتبر المدينة السوق الوحيد لتصريف فائض الانتاج الزراعي وفى المدينة يتبادل الفلاح والتاجر السلع الزراعية)؛
  • تجانس خصائص البيئة الطبيعية في الإقليم، وتصلح كل أجزائه لإنتاج المحاصيل الزراعية والحيوانية؛
  • المزارعون في الإقليم يمتازون بالنشاط والرغبة في مضاعفة دخولهم، وينتجون وفقا لحاجات المدينة؛
  • لا توجد وسائل نقل في هذه الدولة إلى العربات التي تجرها الخيول؛
  • تناسب كلفة النقل طرديا مع المسافة، ويتحمل المزارعون أعباء النقل كاملة.

2. نطاقات الزراعة حول المدينة:

  • النطاق الأول: محيط بالمدينة ويخصص لزراعة المحاصيل سريعة التلف كالخضروات ومنتجات الألبان؛
  • النطاق الثاني: يضم الغابات المصدر الرئيسي للأخشاب المستخدمة في البناء والتدفئة، وذلك لخفض نفقات النقل بسبب ثقل الوزن؛
  • النطاق الثالث: للزراعات الكثيفة، لزراعة الحبوب والبطاطس (محاصيل تجارية)؛
  • النطاق الرابع: لزراعة أقل كثافة، بحيث تزرع الحبوب على فترات (زرع القمح مرة كل سنة وبعدها تبقى مراعي للماشية)؛
  • النطاق الخامس: لزراعة الحبوب تبعا لنظام الحقل الثلاثي (بشكل متتابع خلال مواسم مختلفة أو سنوات متتالية مثل قمح شعير ذرة، أو قمح شعير أرض بور للراحة)، نظام يشبه الدورة الزراعية؛
  • النطاق السادس: نطاق المراعي (الإنتاج الحيواني).



3. نقد النظرية:

  • النظرية غير صالحة للتطبيق في كل أقاليم العالم وخلال كل العصور، توجد ولاية منعزلة تماما ولا يربطها بالعالم الخارجي سوى وسيلة نقل واحدة.
  • افتراض أن العناصر المناخية وخصائص التربة متجانسة هو أمر لا يمكن قبوله عند اتساع الرقعة الزراعية؛
  • اعتمدت النظرية على أن المسافة هي المحدد الأساسي لتكلفة النقل، مع أن هناك عوامل أخرى هامة مثل ترتبط بخصائص الحمولة وقدرتها على تحمل النقل ووسيلة النقل.

Last modified: Wednesday, 29 October 2025, 3:35 PM