المحاضرة 5: الموارد البشرية وتنميتها

   إن الطبيعة لا تتيح إلا جزءا يسيرا من مواردها مجانا وبسهولة، فالموارد موجودة في الطبيعة ‌ولكن ‌بدون ‌الحضارة ‌قد لا ‌يعلم الانسان ‌بوجودها ‌أو ‌قد‌ لا يمكنه ‌استغلالها ‌والاستفادة منها، ‌فالعلم ‌والخبرة‌ والتقنية ‌والإبداع ‌هي ‌أساس ‌خلق ‌الموارد ‌الاقتصادية ‌كلها. ‌إن‌ الحضارة ‌تؤثر في ‌البيئة ‌الطبيعية بحيث يمتد تأثيرها ‌إلى ‌الإنسان ‌نفسه، ‌فهي ‌تؤثر ‌على حاجاته ‌ونظمه الاجتماعية ‌والسياسية،‌ ومعنى‌ ذلك‌ أن‌ الحضارة تحدث‌ تغيرين‌ هما ‌تغير في ‌البيئة ‌الطبيعية ‌وتغير في‌ الانسان ‌واتجاهاته ‌وعلاقاته.

   يبقى‌ المورد ‌طبيعيا ‌طالما لم ‌يستغله‌ الإنسان،‌ أما ‌إذا ‌استغل‌ الانسان ‌هذا ‌المورد ‌الطبيعي فإنه يحوله إلى‌ حالة ‌اقتصادية. ‌إن‌ البيئة ‌ككل لا‌ تعتبر ‌حاوية لموارد ‌معينة ‌إلا ‌إذا ‌كانت ‌أو ‌اعتبرت‌ هذه ‌الموارد ‌قادرة ‌على ‌سد ‌حاجة‌ الانسان ومقدرته على استغلالها وتحويلها إلى موارد اقتصادية.

1. مفهوم الموارد البشرية:

   يعد الانسان العامل الجوهري والمحوري لكل الموارد، إذ يعد المحرك الرئيس لعمليات الإنتاج، فهو المنتج والمستهلك في نفس الوقت.  

   الموارد ‌البشرية Human Resources هم ‌السكان بأعدادهم ‌المختلفة ‌وبخصائصهم‌ الاجتماعية ‌المتنوعة‌ وبحضارتهم‌ المتعاقبة ‌والمستمرة، ‌فالمورد ‌البشري‌ ‌هو‌ الذي‌ يتولى ‌استغلال ‌الموارد الطبيعية ‌وتحويلها ‌إلى‌ موارد ‌اقتصادية لأنه ‌إذا لم ‌يستغلها، ‌فإنها ‌ستعتبر في ‌حكم ‌العدم.

   ومن‌ الموارد ‌البشرية ‌تنبثق‌ الموارد ‌الحضارية ‌التي ‌تتمثل في ‌معرفة ‌الانسان‌ ومهاراته ‌ومستواه‌ التقني وكل‌ فنونه، ‌وهذه ‌الموارد ‌عامل ‌حاسم ‌في ‌نوع ‌وكمية ‌الإنتاج ‌من‌ السلع ‌والخدمات‌ الموجودة ‌على‌ الأرض. بل إن العلم والمعرفة تعتبر أهم الموارد كلها والمفتاح الذي يفتح ‌به ‌أسرار ‌الكون،‌ ولأن ‌الانسان‌ هو ‌أساس‌ تطوير‌ المعرفة، ‌فإن‌ سرعة ‌الاهتمام ‌المتزايد في ‌الأصول‌ الذكية ‌الآن ‌ينظر ‌إليه‌ على ‌أنه ‌المصدر ‌الجديد ‌للميزة ‌التنافسية ‌بين ‌الموارد الاستثمارية ‌للمجتمعات.‌ بل‌ إن‌ المجتمعات خصوصاً التي تعاني من نقص في السكان عموما تلجأ إلى تطعيم هرمها ونقص في نسبة الذكاء السكاني بأعداد ‌مستمرة ‌من‌ المهاجرين ‌من ‌بلدان‌ أخرى تمتلك ‌هذه ‌المواصفات‌.

أما الموارد البشرية التي ترجع في وجودها إلى الانسان وتنقسم بدورها إلى قسمين:

  • الموارد البشرية: ويقصد بها الانسان كعامل من عوامل الانتاج الاقتصادي باعتباره العنصر الذي يعطي أهمية لعناصر البيئة الطبيعية فأصبحت الموارد تستغل لإشباع حاجياته.
  • الموارد الحضارية: ويقصد بها معارف الانسان وعقائده وسياساته وآلاته وتنظيماته وابتكاراته في مجالات الانتاج المختلفة وتقدمه الحضاري الذي زاد من قدراته على استغلال الموارد الطبيعية.

   يقصد بالموارد البشرية مجموع السكان داخل أراضي الدولة الذين يشكلون أحد أركانها وعنصرا أساسيا من عناصر البناء والإنتاج والاستهلاك وحماية أمنها عسكريا واقتصاديا وبيئيا واجتماعيا.

   القوى العاملة جزء من الموارد البشرية تضم الفئة العمرية بي 15-64، والقادرين على العمل والراغبين فيه، سواء كانوا عاملين أو عاطلين عن العمل.

تتحدد احتياجات الانسان حسب المعايير التالية (العوامل المؤثرة في الإنتاج والأنشطة الاقتصادية):

  • مستوى الدخل: يقصد به نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، يختلـف مسـتوى الـدخل بالنسـبة للفـرد من منطقـة لأخرى في العـالم، وقـد يكـون أعلى ما يكون في الدول الصناعية، والدول النفطية العربية، ويقـل عن ذلـك بكثـير في الدول المتخلفة والنامية. ويرتبط بمستوى الدخل مستوى المعيشة، ويتأثر تبعاً لهمـا الانتـاج على اعتبـار أنهما يحددان مقدار الطلب على السلع المختلفة، وبالتالي يتجه الانتاج ناحية سلع دون أخـرى، وبتـالي تغـير الانتـاج، ففي الـدول المتقدمـة ذات الــدخل المرتفــع تزيــد من الاســتهلاك الأمر الــذي يعمــل على زيــادة الطلب على المــوارد الطبيعيــة فتنشط عمليات التنمية الاقتصادية. أمــا في الدول ذات الــدخل المتوســط فــإن معــدل الــدخل لا يســاعد كثيرا على تنمية الموارد الاقتصادية؛
  • الكثافة السكانية: لقـد تزايـد عـدد السـكان في العـالم منـذ القـرن التاسـع عشـر بسـرعة كبـيرة، ففي منتصــف القــرن التاســع عشــر وصــل عــدد ســكان العــالم المليــار الأول، وقــد اســتغرق سكان الأرض آلاف السنين للوصول إلى هذا المليار.  وفي عـام 1950 بلـغ عـدد السـكان في العـالم مليـارين ونصـف، أي تضـاعف عـدد السـكان خلال مئـة عـام مـرة ونصـف، وفي عـام 1990 بلـغ عـدد السـكان خمس مليــارات نســمة، أي تضــاعف عــدد الســكان خلال 40 ســنة، وفي عــام 2000 وصــل عدد السكان في العالم ست مليارات، وفي عام 2012 بلغ العـالم المليـار السـابع (سكان الجزائر 47 مليون نسمة وسكان العالم 8,2 مليار نسمة). وهـذا طبعــاً على حســاب الكثافــة الســكانية الــتي تــؤثر على الاستغلال الاقتصــادي للمــوارد، غير أن العالم تنبه لهذا الخطر الذي يهددـ الموارد وبدأ في تخفيض معدل النمو ليصل 1.7% سنوياً.
  • التحضر: قــد كــان لانتشــار التعليم والخــدمات الثقافيــة ومؤسســات الاتصــال الجمــاهيري، والإعلام، وكــذلك العــرف الســائدة في المجتمــع دور كبــير في التحضــر، وقــد ســاهمت الزيــادة الســكانية والتصــنيع في طبيعــة التغــير المجتمعي، فوجــود المدينــة الــتي غــدت المقصــد الأول للســكان للتمتــع بالخــدمات والرفاهيــة، فقــد زاد الســكان الحضــريون في العــــالم من 46% عــــام 1970 إلى أكــــثر من 75% في الــــوقت الحاضر. ويعــــني بالتحضـر نمـط حيـاة الانسـان وابتكاراتـه ومواهبـه، أو تـوفر الخـدمات، ويـدخل ضـمن هذه الموارد المستويات الاقتصادية والاجتماعيـة الـتي وصـل إليهـا الانسـان. والتحضـر ســمة المجتمعــات الصــناعية الحديثــة، عكس الــدول الناميــة الــتي تعــاني من التخلــف، وانخفاض معدلات التحضر، وارتفاع معدلات الريف لديها.
  • التركيب السكاني: ويقصد به التركيب العمري والنـوعي والـديني، يـؤثر تـركيب السـكان من حيث السـن على الانتـاج، فـالمعلوم أن سـن العمـل ينحصـر بين 15-ـ 64 سـنة، وأن مـا دون 15 ســنة هم عالــة على المجتمــع لأنهم صــغار الســن، وبالمثــل مــا بعــدـ 64 ســنة عالــة لأنهم أدوا دورهم في الحيــاة، وكلمــا ارتفعت نســبة قــوى العمــل في الدولــة من جملــة الســكان كلمــا عظم الانتــاج، فتصــل هــذه النســبة إلى 62% في إنجلــترا، وفي مصــر 52% والفرق واضح في الانتاج بين الدولتين. وتتمـيز الـدول الناميـة بارتفـاع نسـبة صـغار السـن بين سـكانها لتصـل إلى أكـثر من 44% ونسـبة كبـار السـن إلى أكـثر من 5%، هـذا يعـني ارتفـاع نسـبة الإعالـة إلى 49% من جملة السكان، الأمر الذي يزيد من الانفاق في ميزانيـة الدولـة، أمـا النـوعي (ذكور وإناث) فيختلف بين الدول النامية والمتقدمة.
  • قوة العمل: تزيـد قـوة العمـل من الانتـاج، وتعرقـله كذلك، مثـــال ذلـــك ألمانيـــا والعـــراق والســـودان واســـتراليا وسويســـرا وأفغانســـتان، فقـــد أدى ضـــعف الأيدي العاملـــة إلى عـــدم اســـتغلال جميـــع الأراضــي الزراعيــة بشــكل كامــل، فالمســاحة الصــالحة للزراعــة في العــراق تســاوي 20% من مسـاحته الكليــة (446كم2)، إلا أن المســتغل 3% منهــا فقـط، وكــذلك الحـال بالنسبة لأسـتراليا والسـودان. ورغم توفر الميكنـة فإنـه لا يمكن الاسـتغناء عن الأيدي العاملة ولا سيما المدربة منها.
  • المستوى العلمي والتكنولوجي: تأخذ الدراسة في الجغرافية الاقتصادية بعين الاعتبار تأثير التقدم العلمي والتكنولوجي في عملية تطوير وتوزيع الانتاج. کما لابد من الإشارة إلى أن هذا التأثير بالغ الحساسية ويتزايد مع الزمن مع تطور العلوم، فالجغرافيا الاقتصادية عليها إذا دراسة التغيرات المتوقعة في توزيع قوى الانتاج على جميع الأصعدة. فبفضل التطور العلمي وتقدم المعرفة البشرية استطاع الانسان أن ينتقل من حرف الجمع والالتقاط البدائية إلى الحرف الاخرى المتطورة، كما استطاع أن يستخرج من بعض الموارد منافع جديدة لم تكن معروفة من قبل، فالبترول الذي كان استخدامه مقصورا على علاج بعض الأمراض عند الهنود الحمر أصبح اليوم يلبي الكثير من احتياجات سكان العالم بعد إن تعددت مشتقاته.

   وبفضل التقدم العلمي والتكنولوجي يعمل الانسان جاهدا على اكتشاف معادن جديدة، وعلى زيادة الانتاج من المعادن الحالية، وذلك بتقليل تكلفة الانتاج وتنقيتها والتعمق لمسافات بعيدة لكشف مقادير أكبر، كما يعمل على التوسع في استخدام موارد القوى كقوى المياه الجارية والجاذبية والبخار والطاقة الشمسية والذرية.

    وقد استطاع الانسان بفضل التطور العلمي استغلال الصحاري الجافة عن طريق استصلاح مساحات واسعة وزراعتها لمواجهة الطلب المتزايد على الغذاء في العالم، كما قام بتثبيت الكثبان الرملية والمنحدرات الجبلية حتى لا تتعرض للانهيار، وحماية الشواطئ من التآكل، وردم البرك والمستنقعات وبناء السدود والخزانات للتحكم في مياه الأنهار لحماية الزراعة من الفيضانات المدمرة، كما قام بشق الأنفاق وحفر القنوات الملاحية، واستطاع استخلاص ما يحتويه الغلاف الجوي من غازات واستخدامها في الصناعة كصناعة النيترات. كما استطاع الانسان اختراع الآلات التي تقوم مقام كثير من الأيدي العاملة، وبذلك استطاع أن يقلل من مشكلة نقص الأيدي العاملة في بعض بلدان العالم كالولايات المتحدة الأمريكية. كما استطاع الانسان بفضل التقدم العلمي والتكنولوجي ربط أجزاء العالم وتقريب المسافات البعيدة باستخدام وسائل المواصلات المختلفة برا وبحرا وجواً، وأمكنه اختراع وسائل التبريد للاستفادة من موارد البلاد النائية وذلك بنقلها إلى كافة أنحاء العالم، وبهذا أمكن استغلال مناطق لم يكن ممكنا الاستفادة من مواردها من قبل كما يحدث في نقل منتجات استراليا والبرازيل والأرجنتين والولايات المتحدة الأمريكية، وفي نقل السلع غير المرنة كالخضر والفواكه من مناطق الاستهلاك أينما كانت.

2. تنمية الموارد البشرية:

   تعتبر تنمية الموارد البشرية من الأطر التي تساعد على تطوير المهارات الشخصية والتنظيمية لدى الموظفين، من أجل تطوير المعرفة لديهم، وتنمية الإمكانيات المهنية، والنفسية، والشخصية الخاصة بهم، حيث تتضمن تنمية الموارد البشرية عددا من الفرص الخاصة في التطور الوظيفي للموظفين، وفرص التدريب، والمساعدة الدراسية، وإدارة التطوير والأداء.

2.1. مفهوم تنمية الموارد البشرية:

   إعداد العناصر البشرية بالشكل الصحيح الذي يتفق مع الاحتياجات الخاصة بالمجتمع، وأن يكون ذلك الإعداد على أساس أن زيادة قدرة الانسان ومعرفته تساعد على زيادة استغلال الموارد الطبيعية، وزيادة الجهود والطاقات. كما ويتم تعريف تنمية الموارد البشرية بأنها زيادة القدرات، والمهارات، والمعرفة الخاصة بالقوى العاملة التي لديها القدرة على العمل في شتى المجالات؛ حيث يتم اختيارها من خلال القيام باختبارات مختلفة.

2.2. أهمية تنمية الموارد البشرية: إن الهدف من عمليات تنمية الموارد البشرية هو زيادة ثقافة الفرد وتطور مبادئه وقيمه، من أجل زيادة القدرة على التكيف مع البيئة التي تحيط به، مما يساهم في زيادة فعاليته الكلية، وتنقسم أهمية تنمية الموارد البشرية إلى ثلاثة أقسام:

أ‌. على مستوى العاملين: إن العمل في مفهوم تنمية الموارد البشرية، يساعد على تحقيق العديد من المنافع للأفراد، منها:

  • توفير المناخ المناسب من أجل زيادة إنتاج الفرد؛
  • المساعدة على إشباه احتياجات الأفراد الأساسية، مما يجعلهم في إيجاد الأعمال التي تتحدى قدراتهم؛
  • معرفة الفروق الفردية لدى الأفراد، مما يساعد على الاستفادة من ذلك الأمر في إتمام المهام، من خلال التكليفات التي تتناسب نع تلك الفروق؛
  • تنمية الأفراد، مما يساعد على زيادة قدرتهم ورغبتهم في تحمل المسؤوليات.

ب‌. على مستوى جماعات العمل: تتلخص أهمية تنمية الموارد البشرية على مستوى الجماعة بنقطتين، هما:

  • تساعد على بث روح التعاون لدى جماعات العمل، وذلك حتى يتمكنوا من تحسين كفاءة الإنتاج، والاستفادة من الموارد؛
  • تساعد على رفع قدرة الجماعة في تحليل المشاكل، ثم وضع الحلول الملائمة.

ت‌. على مستوى المنظمة: تساعد تنمية الموارد البشرية على زيادة فاعلية المنظمة وقدرتها على مواجهة المنافسات التي حولها.

   أما بالنسبة للاستراتيجيات والآليات التي تمكن من الاهتمام وتنمية الموارد البشرية متعددة وكثيرة أهمها: التعليم، التدريب، التكوين، التأهيل، توفير الرعاية الكاملة للفرد، الصحة، تحسين نوعية التمدرس، تحسين المستوى المعيشي.

   يعتبر مؤشر التنمية البشرية مؤشر مركب يتم حسابه على أساس معدل مؤشرات أساسية للتنمية البشرية وهي: معدل العمر لدى الولادة الذي يمثل قدرة الفرد على العيش طويلا وبصحة جيدة، معدل التمدرس الذي يعكس القدرة على اكتساب المعارف إلى جانب الدخل الوطني الخام للفرد الذي يحدد القدرة على الحصول على مستوى معيشي لائق، تمكين المرأة ومؤشر الفقر المتعدد الأبعاد.

آخر تعديل: الأربعاء، 5 نوفمبر 2025، 10:50 PM