بنية القصيدة العربية الجاهلية
انتبه كثير من الدارسين إلى طبيعة بناء القصيدة العربية القديمة وطرحوا جملة من الأسئلة المتعلقة بماهية بنائها من الناحية الفنية واحتملوا عدة احتمالات لتبرير تصور الشاعر الجاهلي لبناء قصيدته.
يشكل بناء القصيدة دعامة أساسية من دعائم العمل الشعري بفنيته ودقته، ولعله يعكس لنا رؤية الشاعر وطريقة معالجته للقضية المطروحة أمامه، كما أنه يدل في بعض جوانبه على الحياة العقلية والاجتماعية للعصر، ومن المعروف أن نقادنا القدامى تحدثوا عن نظام القصيدة العربية القديمة، وقد عرفت القصيدة الجاهلية عندهم ببناء محدد التزم به الشعراء الجاهليون ونظموا فيه جلّ أشعارهم، ويبدو أنه أصبح سنة من الصعب الخروج عليها، ومن غير المألوف مخالفتها.
تلتقي أغلب النظريات النقدية على تحديد مصطلح "البنا" أو "البنية" أو الهيكل في العمل الشعري، على أنه تطور ونمو وحدة العمل الفني في هذا العمل الشعري أو ذلك، وقد يتخذ مصطلح البناء ودلالات مختلفة من أجل إثبات وجود "الوحدة الداخلية" في النص الشعري توكيدًا لتحديد سماته وخصائصه الفنية، ولعلّ أقرب الدلالات الأدبية إلى تحديد مصطلح البناء هو "الجانب الشكلي" في القصيدة ومن خلال هذا "الشكل" الفني في القصيدة يتميز "البناء"
عن "النسيج" وإن كان كلاهما من مظاهر الشكل العام للقصيدة أو النص الشعري ويتجلى الشكل في ضوء ذلك، من خلال الترابط المنطقي بين أجزاء النص ومن داخله يكون للغة الانفعالية أو "الرمزية" المتمثلة بالأسلوب الشعري دورها الفاعل في فَهم البناء الفني داخل القصيدة من مقدمتها حتى نهايتها أي من بدء التعبير عن التجربة الشعورية إلى انتهائها وحدة مترابطة في نسق منطقي يحقق ما يمكن تسميته بالوحدة الموضوعية في القصيدة أو أي نص شعري متكامل البناء، فالوحدة الشكلية في القصيدة الجاهلية لا تعني الوحدة العروضية بل هي البحث عن أجزائها ذات السمات الفنية والأسلوبية والصور الشعرية، التي تتوحد في كل فن ذي وحدة ترابطية وانسيابية منطقية تحقق المتعة في نفس المتلقي هو ينتقل من جزء فني إلى آخر ضمن إطار وحدة "الكل" وهذا ما نلمسه في القصيدة العربية الجاهلية.
إن دراسة موضوع "بنية القصيدة" يكشف عن التباين القائم بين مدلول هذا المصطلح في النقد القديم، ومدلوله في النقد الحديث، فقد كان هذا المصطلح في النقد القديم أقرب ما يكون إلى معنى البناء وضم الأجزاء إلى الأجزاء بغية الوصول إلى القصيدة الناجزة، ويشير هذا الفَهم إلى الجهد الصناعي الذي يترتب على الشاعر مزاولته قبل وأثناء بناء القصيدة، وقد بدا هذا واضحًا لدى ابن طباطبا وغيره من النقاد القدامى الذين تحدّثوا عن بناء القصيدة وعما ينبغي أن تكون عليه، وبدا حديثهم وكأنه حديث عن وجود مفترض وسابق لقصيدة نمطية قائمة في أذهان هؤلاء النقاد، ولم ير ابن قتيبه مسوغًا لمتأخر الشعراء في أن يخرجوا عن مذهب المتقدمين، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى آراء الحاتمي حول القصيدة والتي يمكن عدّها إشارات مبكرة إلى وحدة القصيدة العضوية، هذه القصيدة التي تشبه جسم الإنسان الذي يلحقه الضر وتتعفى معالمه إذا طرأ خلل على أحد مكوناته وأجهزته.
ولسنا نحتاج إلى مزيد من القول لنتبين أن ما جدّ من تشبيه القصيدة بالكائن الحي لدى عدد وفير من النقاد الغربيين، والنقاد العرب المعاصرين، قد سبقهم فيه الحاتمي، بل زاد عليه أن جعل من هذه الحيوية، وهذا التكامل مقياسًا لجودة القصيدة.
والواقع أن النظر فيما ذكره النقاد القدماء والبلاغيون حول وحدة القصيدة يقودنا إلى استنتاجات متناقضة، ففي الوقت الذي يسلمون فيه بأن القصيدة تتألف من موضوعات وفقرات وأبيات، يبحثون عما يغاير هذه الصورة بالحديث عن التدّرج والتساوق والتناسب والتكامل العضوي واستيفاء القطعة من الشعر، ولكنّ نقدهم التطبيقي غفل عن هذا، ولم يدركوا عظم الفرق بين ما يقولونه هنا وما يكثرون من ذكره عند الكلام على شرف المعنى، أو حسن التشبيه، أو جودة البيت، أو براعة الاستهلال، وحسن المطلع، أي أن النظرة التجزيئية إلى القصيدة ... ظلت قائمة مع وجود هذه الملاحظات.
إلاّ أن أهم الدراسات التي اهتمت ببنية القصيدة الجاهلية هي دراسة كمال أبو ديب التي درس من خلالها حوالي مئة وخمسين نصًا جاهليًا، وهو يعتقد أن عددًا كبيرًا من القصائد لا يمتلك وحدة خبيئة تبقى لتدرك عبر عمليات تحليل تختلف درجة عمقها، رغم أن ذلك يعتمد على التفسير، وفي هذا السياق ينبغي أن تعاين كل قصيدة معاينة مستقلة متعمقة.
1-بن قتيبة :
هو محمد عبدا لله بن مسلم ,أصلة فارسي من ((مرو)) ولد بالكوفة سنة 213 للهجرة وتربى في بغداد, وتولى القضاء بدينور فنسب إليها وصار يعرف بابن قتيبة الدينوري ,ثم كان معلماً ببغداد يقرئ كتبه بها إلى حين وفاته سنة 276 للهجرة.
ومن مصنفاته في الأدب والشعر سواء ما وصل منها إلينا أو لم يصل, كتاب معاني الشعر الكبير, وكتاب العرب , وكتاب عيون الأخبار ,و كتاب أدب الكاتب, وكتاب الشعر والشعراء, والكتابان الأخيران هما : أدب الكاتب, والشعر والشعراء, هما أكثر كتبة التي تتصل بشؤون الأدب والشعر , والبلاغة والنقد العربي..-1-
كتاب الشعر والشعراء :
ويحدثنا ابن قتيبة في مقدمة ((الشعر والشعراء)) عن موضوعه والغرض من تأليفه فيقول: ((هذت كتاب ألفته في الشعراء , أخبرت فيه عن الشعراء وأزمانهم وأقدارهم , وأحوالهم في أشعارهم , وقبائلهم, وأسماء أبائهم, ومن كان يعرف باللقب والكنية منهم , وعما يستحسن من أخبار الرجل و يستجاد من شعره , وما أخذته العلماء عليهم من الغلط والخطأ في ألفاظهم ومعانيهم وما سبق إليه المقدمون فأخذه عنهم المتأخرون . وأخبرت فيه عن أقسام الشعر وطبقاته , وعن الوجوه التي يختار الشعر عليها ويستحسن لها . إلى غير ذلك مما قدمته في هذا الجزء الأول))
مقياس ابن قتيبة في النقد:-
قد وضع في مقياسه يدعو إلى عدم التفريق إلا بالقيمة بين قديم ومحدث.فالشعر القديم قد يكون جيداً وقد يكون رديئاً , وعلى رأيه كل قديم كان حديثاً في زمنه.
وقد تحدث عن تنوع الشعر, ويعني ابن قتيبة بهذا الأصل ((الصياغة الفنية)). فالشعر من حيث صناعته الفنية ليس نوعاً واحداً , وإنما هو أربعه أنواع أو أضرب:
1/ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه .
2/وضرب منه حسن لفظه وحلا فإذا فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى.
3/وضرب منه جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه.
4/وضرب منه تأخر معناه وتأخر لفظه .
ولقد عرض ابن قيبة في مقدمته القضية اللفظ والمعنى و قسم الشعراء إلى شعراء متكلفين وشعراء مطبوعين .
الصــــــــــفــ ( 1 ) ــــــحـــــــــــــــــــــــة
مكانة كتاب الشعر والشعراء:- (2)
كتاب الشعر والشعراء مرجع في تاريخ الأدب , وفي الأدب والنقد , فهو يعد من مراجع تاريخ الأدب
العربي , لما ورد فيه من أخبار الشعراء وعصورهم ومنازلهم وقبائلهم وأنسابهم , وما يستحسن من أخبار
الرجل ويستجاد من شعره , وإن كان لم يلتزم في ذكر الشعراء ترتيباً زمنياً معنياً,إذ كثيراً ما يورد
الجاهلي بعد المخضرم, أو الإسلامي قبل الجاهلي أو بعد العباسي.
وهو يعد من مراجع الأدب لما جاء فيه من مختارات شعرية في أغراض مختلفة.
كما يعد من مراجع النقد العربي لما أثبته من مآخذ العلماء على هؤلاء الشعراء في ألفاظهم ومعانيهم وسرقات بعضهم بعض , ولما عرض له فيه من أقسام الشعر ووجوده استحسانه وغير ذلك مما ساهم في تدعيم حركة النقد الأدبي في عصره .
ابن فتيبة وبناء القصيدة .
يشكل بناء القصيدة دعامة أساسية من دعائم العمل الشعري بفنيته ودقته، ولعله يعكس لنا رؤية الشاعر وطريقة معالجته للقضية المطروحة أمامه، كما أنه يدل في بعض جوانبه على الحياة العقلية والاجتماعية للعصر، ومن المعروف أن نقادنا القدامى تحدثوا عن نظام القصيدة العربية القديمة، وقد عرفت القصيدة الجاهلية عندهم ببناء محدد التزم به الشعراء الجاهليون ونظموا فيه جلّ أشعارهم.(2)
ولعل ما أورده ابن قتيبة في كتاب الشعر والشعراء ,يعد أول إشارة إلى بناء القصيدة العربية أو لما ينبغي أن تكون عليه القصيدة في زمنه.
ويطرح ابن قتيبة مقولته هذه بصيغة حذرة فيقول : (وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيدة إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والأثار, فبكى وشكا , وخاطب الربع واستوقف الرفيق, ليجعل ذلك سبباً لذكر أهلها الظاعنين عنها , إذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدر, لانتقالهم عن ماء إلى ماء وانتجاعهم الكلأ, وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان . ثم وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق ليميل نحوه القلوب , ويصرف إليه الوجوه, وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه, لأن التشبيب قريب من النفوس, لائط بالقلوب , لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل, وألف النساء, فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقا منه بسبب, وضاربا فيه بسهم, حلال أو حرام. فإذا علم أنه قد أستوثق من الإصغاء إليه, والاستمتاع له , عقب بإيجاب الحقوق فرحل في شعره, وشكا النصب والسهر وسرى الليل وحر الهجير وإنضاء الراحلة والبعير. فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمامة التأمل وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير, بدأ في المديح, فبعثه على المكافأة وهزه للسماح وفضله على الأشباه وصغر في قدره الجزيل)(3).
وحتى لو كانت مقولته التي يطرحها , تشكل صميم معنقده الفني في بناء القصيدة, فإن ابن قتيبة يتحرز (لأمر ما) من نسبتها إلى نفسه, ولذلك ينسبها إلى بعض أهل الأدب. من جهة أخرى , أثارت مقولة ابن قتيبة تشاؤلات النقاد والدارسين. فهل كان ابن قتيبة يتحدث عن القصيدة الجاهلية التي ظلت إلى زمنه هي القصيدة المثال والنموذج؟ أم أنه كان يصف القصيدة العباسية الشائعة؟ وكان – من طرف خفي – يروج لهذا النموذج وقد تنبه عدد من النقاد إلى هذه القضايا (فكمال أبو ديب ) يرى أن ابن قتيبة ’’لا يصف بنية القصيدة بما هي شيء مطلق, بل يصف بنية قصيد المدح فقط’’ .
آخر تعديل: السبت، 8 نوفمبر 2025، 9:06 PM