علم البلاغة في تصور حازم القرطاجني

في هذه المحاضرة نقرأ بنوع من التفصيل الجهود البلاغية التي قدمها علماء البلاغة   القدامي ،ومنهم حازم القرطاجني  ونبحث أيضا في ماهيتها عندهم واهي التأثرات الخارجية التي أدخلوها في فهمهم وتصوراتهم للبلاغة وكيف استطاعوا أن يجيبوا عن أسئلة متعددة فيما يتعلق بحدود هذا العلم وصلته بالعلوم الأخرى وخاصة الفلسفة.

 من هو حازم؟

أبو الحسن حازم بن محمد بن حازم القرطاجني، شاعر وأديب من كبار أدباء الأندلس وهو صاحب كتاب (منهاج البلغاء وسراج الأدباء) الذي يعد من أهم الكتب في البلاغة. كما وُصف بأنه خاتمة الشعراء الفحول في الأندلس.

ولد القرطاجني في (قرطاجنة) شرق الأندلس وإليها نُسب، ونشأ في أسرة دينية علمية. كان أبوه محمد بن حازم عالماً وفقيهاً تولّى القضاء في قرطاجنة لمدة أربعين سنة، فعهد بتربيته وتعليمه الديني، فعلمه القرآن الكريم والقراءة والكتابة وأوليات العلوم فكان (الولد سر أبيه) في اقتفاء أثره الديني والعلمي فواصل هذا المشوار وتجوّل في حلقات الدروس في قرطاجنة ومرسية وغرناطة.

درس القرطاجني ــ إضافة إلى أبيه ــ عند أبي علي الشلوبين الذي كان يعد من أكبر علماء العربية في الأندلس في ذلك الوقت، كما كان القرطاجني من أبرز تلاميذه، فأوصاه بقراءة كتاب ابن رشد، وبعد سقوط قرطاجنة ومرسية بيد الأسبان هاجر القرطاجني إلى مراكش التي كانت حاضرة إسلامية علمية

في مراكش عاش معززاً مكرماً في ظل دولة الموحّدين وانضم إلى جلساء الخليفة الموحدي عبد الواحد بن المأمون الملقب بـ (الرشيد)، الذي كان مجلسه يضم العلماء والأدباء والشعراء، ولكن الحال لم يستقر بالقرطاجني عند الرشيد فترك مراكش بسبب الأوضاع السياسية المضطربة في الأندلس وهاجر إلى تونس التي كانت تحكمها الدولة الحفصية فاتصل بسلطانها يحيى بن حفص مؤسس الدولة الحفصية الذي عيَّنه كاتباً في ديوانه.

وكان يحيى الحفصي يحث العلماء والأدباء على القدوم إلى تونس ويجزل لهم في العطاء وأعد مكاناً لإقامتهم ووفّر لهم ما يحتاجوه من رفاهية العيش، وقد لجأ إليه كثير من الأعلام بعد سقوط المدن الأندلسية بيد الأسبان منهم: المؤرخ والشاعر الكبير ابن الأبار القضاعي (محمد بن عبد الله البلنسي)، وأبو الفتح الإشبيلي (محمد بن محمد اليعمري) المعروف بـ (ابن سيد الناس)، وابن عصفور النحوي (علي بن مؤمن الحضرمي الإشبيلي)، وابن الرومية (أحمد بن محمد بن مفرج) المعروف بـ (أبو العبّاس النباتي) وابن سَعِيد الأندلسي (علي بن موسى العنسي) وغيرهم.

وبعد موت يحيى الحفصي تولى ابنه محمد الحكم الذي سار على نهج أبيه في احترام العلم ورعاية العلماء وكان يولي القرطاجني أهمية خاصة لسعة علمه ويستشيره في الأمور العلمية والأدبية وبقي القرطاجني في تونس حتى وفاته فيها

مؤلفاته

أهم ما ألف القرطاجني هو كتاب سراج البلغاء الذي طبع باسم (مناهج البلغاء وسراج الأدباء) تناول فيه صناعة الشعر، وطريقة نظمه، وخصائصه كالمعاني والمباني والأسلوب، وغيرها من أمور الشعر ممنهجة في أبواب، وقد تناول هذا الكتاب الكثير من النقاد ــ قديما وحديثا ــ بالدراسة ولا يزال أثره إلى الآن قائما

أما في الشعر فله ديوان مطبوع احتوى على مختلف أغراض الشعر

وللقرطاجني أيضاً المقصورة الشهيرة التي أربت على الألف بيت التي مطلعها:

لله ما قد هجت يا يوم النوى *** على فؤادي من تباريح الجوى

وفيها يستنفر الهمم لإنقاذ الأندلس من براثن الإسبان وقد احتوت على كثير من الأحداث التاريخية لتلك الفترة، وقد شرحها محمد بن أحمد الحسني المعروف بـ (الشريف الغرناطي) في كتاب سماه (رفع الحجب المنشورة على محاسن المقصورة).

 

. ومن ثم فإن علم البلاغة في تصور حازم القرطاجني علم شامل، في حين أنه يقابله عند النقاد والبلاغيين العرب علم البلاغة الجزئي في مفهومه المدرسي، والمتمثل في ثلاثية السكاكي المشهورة: البيان والمعاني والبديع.

وإذا كان علم البلاغة التقليدي في مفهومه الكلاسيكي المدرسي الصرف، يرتبط بمفهوم الصواب كهدف يضعه نصب عينيه[2]، والمقصود هنا الصواب الأدبي أي ما يحسن أن يقال، قلت إذا كان علم البلاغة يحكمه هذا التوجه المعياري فإن علم البلاغة عند حازم يتجاوز هذا الإطار الأخلاقي ذا الأبعاد المعيارية، وهو إطار يحاصر فيه رجل البلاغة التقليدي نفسه بإعداد وصفات جاهزة لتحسين الكلام وتنسيقه، ليعانق مفهوما أكثر شمولية وانفتاحا من جهة، وتشعبا وعمقا نظريا من جهة أخرى.

فالبلاغة عند حازم، من هذا المنظور تهتم بدراسة مهمة العمل الأدبي ثقافيا واجتماعيا، وتنكب على دراسة هذا العمل، ودراسة الأدوات التعبيرية التي يتم توظيفها لبناء الماهية ولتحقيق المهمة.

ودراسة وسائل التعبير هذه لا تتم بعيدا عن الجانبين السابقين (دراسة المهمة والماهية)، بل تراعيهما، وتعتد بالنتائج المتوصل إليها في حقليهما. وهذا الربط الجدلي بين جوانب العملية الأدبية يؤكد على مدى تحدد بعضها انطلاقا من علاقته بالآخر. ونحن في موضوع بلاغة الخطاب الأدبي، من البديهي أن ينصب اهتمامنا في الأساس على الأداة دون الماهية أو المهمة. غير أن الترابط الجدلي الحميم المومأ إليه آنفا، يجعل تحديد هذه الأداة عسيرا عندما نفصلها عن الماهية والمهمة.

انطلاقا من هذا الاعتبار، واستجلاء لحقيقة الأداة، في علاقتها بالمهمة والماهية، نشير بإيجاز إلى طبيعة تصور حازم حول هذه المهمة والماهية، في سبيل البلوغ إلى فهم واضح وموضوعي للأداة في الإطار الجدلي السابق. وباختزال آراء حازم في هذه الموضوعات الثلاثة يمكن عرض ما هو جوهري منها على الشكل الآتي:

إن ماهية العمل الأدبي هي ماهية خفية، ولا يحس بها إلا من يكابد ويعاني عناصر الإبداع، فالماهية هنا تتحقق على مستوى ذات المبدع متى توفر له طبع سوي وكانت قوى طبعه العشرة كما يحددها حازم مسعفة له في قول الشعر. فمن حاز هذه الشروط، فهو الشاعر المبرز، ومن فقدها، وهي حوافز الإبداع الطبيعية، فمن المحال أن تتحقق في نظمه وإنتاجه الفني عامة، ماهية العمل الأدبي أي الأدب وأساسه الخفي ومغزاه اللطيف. أما مهمة العمل الأدبي، فهي تكمن في تأثيره في المتلقي، وحازم يركز كثيرا على هذه الوظيفة التأثيرية القائمة على غرز قيمة في المتلقي، أو إقناعه بقضية أو حمله على اتخاذ موقف الخ. المهمة توجيهية بالأساس، وتتأسس على مفهومي التعليم والتلقين المرتبطين بثنائية الأمر والنهي. وموضوع التأثير عند حازم هو الفرد طورا، والمجتمع طورا آخرا، ويعكس تأرجح حازم بين هذين الحدين: الفرد والمجتمع، الطابع الإصلاحي لفكره الأدبي المتأثر لا محالة بالنزعة الفقهية والأصولية الدينية.

أما موضوع الأداة، فهو اللغة بوصفها حروفا تركب كلمات وكلمات تخلق سياقا، واللغة هي معضلة الأديب الكبرى وفي إطارها يعمل، وعليه أن يصوغها أشكالا ومضامين، موظفا في ذلك علوم اللسان الجزئية من نحو وتركيب ودلالة ومعجم، صياغة تضفي عليها الأدبية La littérarité متى صادفت طبعا أصيلا لدى الأديب / الشاعر –عند حازم- وقدرة طبيعية في الإبداع.

هكذا يتضح لنا مدى اتساع وشمولية البلاغة عند حازم، وأمام الاتساع والتشعب الناشئين عن احتواء علم البلاغة لكثير من العلوم اللغوية والمقارنات الأدبية – ومخافة التيه في هذا الخضم من الموضوعات غير المتجانسة من جهة، وبغية تحديد مجال دراسي واضح الأبعاد والمساحة من جهة أخرى، ارتأيت أن أستخلص عناصر النظرة الحازمية لمفهوم بلاغة الخطاب الأدبي لا بمفهومها المدرسي السكاكي، الذي تتفصل فيه الخانات المعروفة –البيان والمعاني والبديع- وإنما بمحاولة دمج هذه المباحث لتشكل ما يمكن تسميته: بلاغة علاقة اللفظ بالمعنى. ذلك أنني أشجب بعده ذلك الفصل التعسفي الذي يدرس بلاغة اللفظ في عزلة عن المعنى. هذا من جهة الاختيار الذاتي الذي أتيناه في هذه الدراسة. أما من جهة الضرورة الموضوعية التي تفسر هذا الموقف أو ما يشاكله، فإنها ضرورة واضحة تتمثل في استحالة دراسة مباحث اللفظ والمعنى على الطريق التقليدية، عند حازم، نظرا لعوائق موضوعية ملموسة سرعان ما تقف عائقا في وجه المقاربة التقليدية لمفهوم البلاغة عنده، وتتمثل العوائق الموضوعية والمنهجية في:

أ ـ إن مبحث اللفظ قسم يرجح أنه ضاع من كتاب[3]، ومن ثم تفتقد المقاربة التقليدية، سندا من كلام حازم لدراسة مبحث اللفظ عنده. هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى فقد استقل مبحث اللفظ أو الدليل في الدراسات اللغوية اليوم بمجال خاص هو علم الدليل[4] أو نظرية الدليل.

ب ـ إن قسم المعاني من كتاب حازم، وإن كان جله ماثلا بين أيدينا، لا يمكن الاعتماد عليه لاستخلاص نظرة حازم في موضوع المعاني من المنظور البلاغي الذي نتوخاه من دراستنا، ذلك أن حازما لا يدرس قضايا المعنى في هذا القسم من كتابه بأسلوب البلاغيين ولا حتى النقاد، وإنما تحتوي دراسته للمعاني على تعرض للمشكلات الفلسفية الكبرى التي يثيرها موضوع المعنى من حيث علاقة المعنى بالشخص وكيفية تكونه في الذهن، ودور الإحساس في خلق المعنى وغير ذلك من المباحث التي نقتنع مبدئيا أنها تخرج عن طوق البلاغة والنقد، وتلتقي بمجالات الفلسفة والتحليل النفسي وسوف ندرسها في القسم الثاني من هذه الرسالة.

ج ـ إن مبحث الأسلوب بدوره ليس خاصا بالأسلوب وحده، بل إنه ينطوي على موضوعات غير متجانسة. ففيه ما يتعلق بأنماط الأساليب الأدبية وما يتصل بفلسفة الأسلوب، ويتخلل ذلك مباحث عروضية وأخرى تدرس شكل القصيدة وخصائص تركيبتها الفنية، وهي كلها موضوعات تطغى عليها صفة التداخل والتشابه مما يولد إحساسا بالارتباك عند مقاربتها، إذ لا يكاد الدارس يتبين أنه واقف فوق أرضية نقدية أدبية أم على أرضية فلسفية، ومرجع ذلك الإحساس الإطار المنطقي والروح الفلسفية التي تكاد تلف سائر هذه المباحث.

وأمام العوائق الموضوعية والمنهجية السالفة، والتي لا تسعف في تقديم دراسة المفاهيم البلاغية عند حا

زم من خلال المباحث السابقة ارتأيت البحث عن ضالتي –الأساس البلاغي في النقد الأدبي عند حازم- من طريق آخر التجأت إليه بمحض اختيار شخصي، يقوم هذا الاختيار على ترصد هذا الأساس البلاغي في عمل حازم، من خلال دراسة مباحث بلاغية، يلتقي فيها اللفظ والمعنى في علاقة جمالية بلاغية تدل على بلاغة اللفظ في تضافرها مع بلاغة المعنى في الخطاب الأدبي. وقد حفزني على اتخاذ هذا الموقف عدم اقتناعي مبدئيا بإمكان دراسة بلاغة اللفظ منعزلة عن المعنى، ولا دراسة بلاغة المعنى بمعزل عن اللفظ. ذلك أن مثل هذه الدراسة الأحادية لبلاغة أحد العنصرين، في غياب الآخر، شيء تأباه طبيعة الأدب. فالأدب لا يشكله اللفظ لوحده ولا المعنى بمفرده، وإنما اللفظ والمعنى في المجال الأدبي وجهان لعملية واحدة. وكل محاولة لدراسة الأدب لا تأخذ بعين الاعتبار ثنائية اللفظ والمعنى في إطار تلاحم العنصرين وتضامنهما لن تفي بمضمون الأدب ومغزاه.

وعندي أن التخصص الحديث والنزوع إلى التصنيف وتحديد أنواع العلم والمعارف، أفاد الدراسات الأدبية في هذه الجهة، وإذ صار النقد يدرس النص الأدبي بلفظه ومعناه واستقلت دراسة اللفظ بشعبه عن البحث اللساني[5] وانفردت مباحث المعنى والدلالة بشعبة أخرى[6].

وهكذا فالعلاقة بين اللفظ والمعنى فيما أرى تحل الإشكال النظري القائم على مستوى نظرية الأدب، هذا المشكل الذي ولد ردود فعل منها من زعم أن الأدب لفظ وشكل ومن زعم أن الأدب معنى ومغزى، واعتبر فريق ثالث الأدب حصيلة اجتماع العنصرين معا (اللفظ والمعنى – الشكل والمضمون) في إطار من العلاقات.

وعندي أن الاختيار الأخير أصوب وأسلم، وبناء عليه أطور منهجي في دراسة الأساس البلاغي في النقد الأدبي عند حازم.

II – الغاية من دراسة علم البلاغة عند حازم

كان حازم مدفوعا إلى دراسة علم البلاغة وتوظيفه في مجال النقد بعوامل شتى أهمها:

أ ـ وضع مزر للشعر يحتاج إلى تصحيح ومعالجة

ب ـ فما هو موقف حازم إزاء هذا الوضع؟

هذا ما سنتبينه من خلال أقوال حازم التالية والتي تصور أزمة الشعر والشاعر في ذلك العهد:

1 ـ يقول حازم بصدد الوضع الشعري العام في عصره، ويبرر توجهه الإصلاحي في ممارسته النقدية: "وإنما احتجت إلى هذا (العلم) لأن الطباع منذ اختلت والأفكار منذ قصرت، والعناية بهذه الصناعة منذ قلت، وتحسين كل من المدعين صناعة الشعر ظنه بطبعه وظنه أنه لا يحتاج في الشعر إلى أكثر من الطبع وبنيته على أن كل كلام مقفى وموزون شعر، جهالة منه أن الطباع قد داخلها من الاختلال والفساد أضعاف ما تداخل الألسنة من اللحن، فهي تستجيد الغث وتستغث الجيد من الكلام، ما لم تقمع بردها إلى اعتبار الكلام بالقوانين البلاغية فيعلم بذلك ما يحسن وما لا يحسن"[7]. فهنا يشير حازم إلى رداءة وضع الشعر في عصره. وأرجع أسباب ذلك إلى اختلال مفهوم الشعر لدى الشعراء، وظهور مفهوم مغلوط لعلم البلاغة، والأدهى من ذلك، ظهور طائفة من المدعين للشعر، ولا حظ لهم من صناعته.

2 ـ ويشير حازم إلى أن الشعر في زمانه صار مصدر نقص وسفاهة بدل أن يكون مصدر جمال وحكمة. وقال: "أما الاستعداد الذي يكون بأن يعتقد فضل قول الشاعر وصدعه بالحكمة فيما يقوله: فإنه معدوم بالجملة في هذا الزمان، بل كثير من أنذال العالم –وما أكثرهم- يعتقد أن الشعر نقص وسفاهة"[8]. وهكذا يسم حازم شعراء زمانه بالأنذال لأن الشعر فقد على ألسنتهم وظيفته الاجتماعية والأدبية الحقة، وتحول إلى كلام ممجوج، ونظم ينبو عنه السمع.

3  ـ ويرد حازم على من اعتبر العطب واقعا في الشعر لا في الشعراء، وبين (حازم) أن الضعف من الشاعر أساسا فيقول: "وإنما هان الشعر على الناس، هذا الهون لعجمة في ألسنتهم واختلال طباعهم، فغابت عنهم أسرار الكلام وبدائعه المحركة جملة، فصرفوا النقص إلى الصناعة والنقص بالحقيقة راجع إليهم وموجود فيهم"[9].

4 ـ ويؤاخذ الشعراء بإغراقهم في المديح أو ما يسميه حازم شعر الاسترفاد. وأشار أيضا إلى اختلاط الأمر على الناس، فلم يعودوا يميزون بين الشاعر المجيد والآخر المسف الذي يجعل شعره وسيلة استرفاد فيقول: "ولكثرة القائلين المغالطين في دعوى النظم، وقلة العارفين بصحة دعواهم من بطلانها، لم يفرق الناس بين المسيء المسف إلى الاسترفاد بما يحدثه، وبين المحسن المتوقع عن الاسترفاد بالشعر، فجعلوا قيمتهما متساوية، بل ربما نسبوا إلى المسيء إحسان المحسن وإلى المحسن إساءة المسيء"[10].  وهكذا تنقلب المقاييس وتختلط في ذهن الناس، فينظر إلى المسيء على أنه محسن وإلى المحسن على أنه مسيء.

5 ـ أمام انقلاب المقاييس واختلاطها نجد طائفة من الشعراء المحسنين تشفق على نفسها من أن تقول شعرا في مثل هذه الظروف التي لن تلقى فيها ما تستحقه من تقدير، ولهذا السبب أعرضت هذه الطائفة عن قول الشعر. يقول حازم في أصحاب هذا الفريق: "فصارت نفوس العارفين بهذه الصنعة بعض المعرفة أيضا تستقذر التحلي بهذه الصناعة إذ نجسها أولئك الأخساء واشتبه على الناس أمرهم وأمر أضدادهم، فأجروهم مجرى واحدا من الاستهانة بهم، فالمعرفة لا شك منسحبة على الرفيع في هذه الصنعة بسبب الوضيع، فلذلك هجرها الناس وحقها أن تهجر"[11]. إذن فالرأي العام لا يفرق في الحكم على الشعراء بين الوضيع والمحسن. بل يسلبهم جميعا الحسن في القول لأنهم ليسوا أهلا لتعاطي الصناعة القولية. وقد أدى وقوف الناس من الشعر هذا الموقف إلى أعراض العارفين بالشعر عن النظم خوفا من أن يعد إحسانهم إسفافا.

6 ـ يعقد حازم مقارنة بين وضع الشعر في زمانه وعهود الشعر العربي الزاهرة. فأكد على الفروق النوعية التي طبعت المرحلتين، سواء على مستوى مفهوم الشعر أو منزلة الشاعر في المجتمع أم على مستوى أهمية المعرفة المتأتية من المصدر الشعري، فيقول: "وكان القدماء من تعظيم صناعة الشعر واعتقادهم فيها، ضد ما أعتقده هؤلاء الزعانفة، على حال قد نبه عليها ابن سينا فقال: "كان الشاعر في القديم ينزل منزلة النبي فيعتقد قوله ويصدق حكمه ويؤمن بكهانته". فانظر إلى تفاوت ما بين الحالين حال كان ينزل فيها منزلة أشرف العالم وأفضلهم، وحال صار ينزل فيها منزلة أخس العالم وأنقصهم"([12]). وهكذا فالشعر قديما كان مصدر معرفة موثوقة والشاعر بمثابة النبي المرشد الذي يتبع في أقواله وأحكامه… أما في عهد حازم، فقد تحول الشعر إلى مصدر نكاية لصاحبه، وعلامة على نقصه وسفاهته. ولعل اختلاف الحالة الشعرية في المرحلتين، يظهر جليا في اختلاف منزلة الشاعر فيها.

7 ـ لقد عاتب حازم شعراء زمانه على عدم فهمهم "للشعرية"، التي هي أساس الشعر، وبتحققها يتحقق مغزاه العميق، ويأخذ عليهم ظنهم "أن الشعرية في الشعر هي نظم أي لفظ اتفق نظمه، وتضمينه أي غرض كيف اتفق، على أي صفة اتفق، لا يعتبر عنده في ذلك قانون ولا رسم موضوع. وإنما المعتبر عنده إجراء الكلام على الوزن والنفاذ به إلى قافية، فلا يزيد بما يصنعه من ذلك على أن يبدي عن عواره، ويعرب عن قبح مذاهبه في الكلام وسوء اختياره"[13]. إن ورود مصطلح الشعرية في كلام حازم يستوقفنا، حتى نتبين معناه عنده خاصة وأن نقاشا نقديا حامي الوطيس قد دار وما زال يدور حول هذا المصطلح الذي اكتسى في العصر الحديث بعدا نقديا واضحا صار يمثل الوريث الشرعي لسائر التطورات النقدية المتراكمة في تاريخ النقد الطويل كما أنه يطمح إلى تجاوزها أيضا في سبيل طرح جدول جديد لمفهوم النقد الأدبي. إن الشعرية في العصر الحديث صارت علامة على وثبة حاسمة أنجزها النقد في سياق التحولات التي اعترته في مرحلته الانتقالية الراهنة[14].

وعرفت الكلمة في اللغات الغربية باستعمالاتها المتنوعة، وترجماتها المختلفة، وأهم ترجمة وقع عليها الإجماع لدى الدارسين كلهم تقريبا مصطلح Poétique[15] وإن كان البعض يترجمها بمصطلح Littérarité[16] أي ما يرادف: "الأدبية". هذا عن بعض الاستعمالات المعاصرة للشعرية في ساحة الدراسات النقدية، أما تطور مفهومها عبر التاريخ القديم فشيء يضيق عنه المجال في هذا المكان[17].

في ذروة الصخب النقدي القائم حول مصطلح الشعرية، ودلالاتها المتعددة، ووظائفها المتنوعة، يمكن أن نقول: إن هذا المصطلح الذي أثار الضجة النقدية الحديثة بين نقاد العالم وأدبائه، كان للنقد العربي القديم دور بارز في إثارة الاهتمام النقدي نحو هذا المفهوم خاصة مع صاحبنا حازم القرطاجني، قبل مئات السنين، التي تفصله عن العصر الحديث. ولعل أصالة الطرح النقدي لمفهوم الشعرية تتمثل فيما سبق ذكره، من أن غياب الشعرية يرتبط بتردي الشروط الموضوعية للواقع الشعري والأدبي بل والحضاري عامة في زمانه. فالشعرية ليست عنده -كما مر بنا في قولته السابقة– اقتدار على نظم الكلام في قوالب من الوزن والقافية، كما قر في أوهام زعانفة زمانه، وإنما الشعرية هي التي تحقق للأدب والشعر خاصة ماهيته، وتجعله يستحق هذا الاسم. فالشعرية بهذا المعنى الذي يقرره حازم هي المعرفة بقوانين صناعة البلاغة التي هي أساس صناعة الشعر على ما يتبين من أقواله السابقة.

8 ـ لم يعتبر حازم الشعر سليقة لدى الشاعر العربي شأن بعض النقاد، وإنما أعطى ضرورة التعلم والدراسة لإتقان صناعة الشعر فيقول: "وأنت لا تجد شاعرا مجيدا منهم (القدماء) إلا وقد لزم شاعرا آخر المدة الطويلة، وتعلم منه قوانين النظم، واستفاد عنه الدراسة في أنحاء التصاريف البلاغية"[18]. ويطمح حازم من خلال هذا الكلام إلى لفت النظر إلى عيب من عيوب الشعراء في عصره، وهو قلة مصاحبتهم للشعراء المجيدين وعدم تعاطيهم الشعر عن طريق الدراسة وطول الملازمة والرواية – ويؤكد أيضا أن نهج القدماء في تعلم الشعر لم يشذ عن ذلك. ويستنتج حازم مما سبق، أنه إذا كانت حال الشعراء القدامى على ما ذكر من التعلم والدراسة والرواية، -وهم أقرب عهدا بالسليقة والفصاحة منا- فإن شعراء هذا الزمان (عصر حازم) أحوج[19] إلى ملازمة فطاحل الشعراء، وأخذ أصول الصناعة عنهم، ثم ترسم خطاهم على درب الشعر، ريثما تستوي أداة المبتدئ، وتلين قناته ويسلس له الشعر القياد.

9 ـ يعترف حازم بأن محاولته في التنظير النقدي والبلاغي، لا تعتبر فريدة في النقد العربي، بل لها محاولات سابقة ورائدة لتحديد قوانين الشعر وما ينبغي أن يكون عليه. "وقد نقل الرواة من ذلك الشيء الكثير لكنه مفرق في الكتب لو تتبعه متتبع متمكن من الكتب الواقع فيها ذلك، لاستخرج منه علما كثيرا موافقا للقوانين التي وضعها البلغاء في هذه الصناعة"[20]. فقد لاحظ حازم أن عمل الرواة كان منصبا على جمع الشعر، وتدوين الآراء التي قيلت فيه من جهة، ولاحظ من جهة أخرى أن ما جمعه الرواة شكل مصدرا أساسيا للبلاغيين الذين جاءوا بعد، ووضحوا قوانين الصناعة البلاغية وأصلوا قواعد الشعر أيضا. ولا يستبعد أن يكون حازم قد استفاد من حصاد هؤلاء وأولئك في وضع أصول الصناعة البلاغية، والتنظير للعملية الشعرية.

10 ـ يؤكد حازم أنه لم يقصد من لهجته العاتبة، التوبيخ أو التقريع اللاذع لشعراء زمانه، وإنما قصد الإصلاح ما استطاع، يقول: "وإنما احتجت إلى الفرق بين المواد المستحسنة في الشعر والمستقبحة، وترديد القول وإيضاح الجهات التي تقبح، وإلى ذكر غلط أكثر الناس في هذه الصناعة، لأرشد من لعل كلامي يحل منه محل القبول من الناظرين في هذه الصناعة، إلى اقتباس القوانين الصحيحة في هذه الصناعة وأزع كل ذي حجر عما يتعب به فكره ويصم شعره"[21]). فحازم يقرر غاية دراسة علم البلاغة، وتحديد أصول العملية الشعرية في وضوح كبير، وهي غاية الإرشاد، وتصحيح نظرة الشعراء المريضة في زمانه. وعلى كل، فإنني أرى أن لهجة حازم الإصلاحية لا تحمل أي دلالة على التعالي على شعراء عصره، ولا ترميهم بالعقم الفني كما قد يتبادر إلى الذهن. كما أنه لم يتوخ غير تمييز الخبيث من الطيب حتى يكون الشعراء  على بينة من أمرهم، وموقفه هذا في جوهره موقف فقيه مصلح إزاء نازلة أدبية.

III – بلاغة حازم في الميزان

نلقي الأضواء على آراء النقاد في حازم وهي على قلتها بالقياس إلى ما قيل في النقاد غيره، تعطينا صورة على الجهود المبذولة والضئيلة التي حاولت إخراج هذا الناقد من الخفاء، وفيما يأتي عرض موجز لهذه الآراء:

1 ـ لعل صاحب الفضل في إخراج عمل حازم النقدي والبلاغي إلى النور هو الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة، محقق المنهاج. وقد اتسم موقفه بالتنويه بالشخصية وبالكتاب. فاعتبر حازما ناقدا ملما بالتراث العربي، محيطا بشذرات من النقد اليوناني، مما جعل عمله النقدي آية في النظر النقدي السديد[22]).

2 ـ يذهب الدكتور أمجد الطرابلسي إلى اعتبار حازم القرطاجني أول النقاد المغاربة الذين لقحوا الدرس البلاغي بالمعطى اليوناني في النقد والبلاغة تلقيحا ينم عن فهم ووعي يستحقان التقدير والإعجاب[23].

3 ـ لا يشذ الأستاذ علال الغازي محقق المنزع في هذا الرأي الذي خرج به الدكتور الطرابلسي، ويؤكد المحقق أن حازما هو رائد الاتجاه اليوناني في النقد المغربي، ويعتبره صاحب الفضل في إدخال نظريات أرسطو البلاغية في مضمار النقد المغربي[24].

4 ـ أما الدكتور إحسان عباس فله رأيان حول حازم، الأول يتعلق بجانب النقد عنده، والثاني بجانب الأثر اليوناني في عمله النقدي والبلاغي.

أ ـ فهو ينوه بشمولية النقد عنده، وهي ميزة جعلته ينفرد عمن جاء قبله من النقاد على حد تعبيره[25].

ب ـ ويؤكد هذا الدارس في مكان آخر على الأثر اليوناني لدى حازم في كتابه: المنهاج مشيرا إلى ارتباطه بالنظرة اليونانية في تصوراته بشكل أو بآخر[26] دون أن يخضع لتلك النظرة بحذافرها.

5 ـ تعرض الدكتور محمد رضوان الداية إلى كتاب حازم، وعرض لمختلف موضوعاته في إيجاز شديد، واعتبره في النهاية أول كتاب عربي متكامل في النقد الأدبي وهو يتجاوز به مرحلة أعلى منه[27].

6 ـ من الغريب أن يتصدى الأستاذ عثمان الكعاك، محقق ديوان حازم، إلى تحقيق شعر هذا الناقد، دون التنويه بمكانته الشعرية أو النقدية. فإننا نجده في مقدمته المقتضبة التي أحاط فيها بجوانب من حياة وأعمال حازم الشعرية والبلاغية لا يكاد يعبر عن موقف واضح وإزاء حازم: فقصارى ما عمله يتلخص في سرد آراء القدماء خصوصا من الذين نوهوا بمنزلة حازم النقدية والشعرية. فربما كان لسان حال الدارس (عثمان الكعاك) يقول: يكفي للتنويه بمنزلة حازم في مجالي الشعر والبلاغة ما قاله القدماء عنه[28].

7 ـ تطرق الدكتور عبد الرحمان بدوي إلى إثارة علاقة حازم بالأثر اليوناني في بلاغته ونقده، وأكد الدارس على ذلك الأثر الأرسطي. وعندي أن محاولة الدارس طريفة ومحدودة الأفق في الآن نفسه.

أ ـ تؤول طرافتها إلى أنها أثارت الاهتمام النقدي إلى قضية الأثر اليوناني عند حازم، وموطن ظهوره في نظرياته البلاغية.

ب ـ وهي محدودة الأفق لأنها لا تتعدى سطرين من نهاية الصفحة وصفحتان ونصف، من مقال ذيله الدارس بمقتطفات طويلة من عمل حازم في المنهاج، فعنوان المقال يوهمنا بأن الدارس يحيط بجوانب الأثر اليوناني في كتاب المنهاج، غير أننا لا نلبث أن نقف على هزال المادة المتضمنة في الصفحات المخصصة لدراسة هذا الأثر، وأهم ما في سطور المقال ما يفرق فيه الدارس بين مفهوم الشعر والخطابة عند حازم. أما القضايا الأخرى من التقسيم اليوناني للشعر وإضافة حازم إليه أشياء أخرى، وتعليقه على آراء أرسطو وتأثيره بالفلاسفة العرب… فهي أشياء يلمح إليها الدارس تلميحا خفيفا كما لو أنه لم يكن معنيا بها في مقال يشير عنوانه إلى دراستها وتفصيل القول فيها[29].

8 ـ لا يكاد يخفي الدكتور محمد شكري عياد تقريظه لكتاب المنهاج بل إنه يعتبره قمة من قمم النقد الأدبي في اللغة العربية، ونوه الدارس بهضم صاحب المنهاج لثمار النقد العربي قبله، فظهر ذلك واضحا في تمثله آراء الأسلاف وفي مناقشتها وشرحها وبسط وجوه الخلاف بينها وبينه في قوة بيان واقتدار حقه[30].

ويعتبر الدارس جهد حازم في النقد آخر الجهود النقدية التي رفعت النقد العربي إلى مستوى اللقاء المثمر بين التيارين العربي واليوناني في النقد[31].

9 ـ ويذهب الدكتور بدوي طبانة إلى أن حازما كان في منهاجه بالغ التأثير بحكمة اليونان وفلسفتهم ومنطقهم، بحيث عكس هذا الأثر النقدي المنهاج بوضوح التأثير اليوناني في الثقافة العربية أكثر من كتابات غير حازم من المشارقة والمغاربة ممن عرفوا الأدب وأصلوا قواعده[32].

10 ـ ينوه الدكتور جابر عصفور بتكامل المفهوم النقدي عند حازم، ويعتبره التركيب لمختلف المحاولات النقدية السابقة، في إطار نظرة شمولية تستوعب سائر المعطيات النقدية الموروثة، ولا تبقي سوى على إيجابياتها ساعية إلى تجاوز سلبياتها في سبيل خلق مفهوم نقدي متكامل، يتسم بالتماسك القوي، والثراء والتنوع على مستوى المفاهيم أو الأدوات الإجرائية في الوقت نفسه[33].

وفي نهاية هذا العرض، أود أن أدلي برأي حول حازم ومكانته كدارس نقدي بلاغي، وهو رأي أعتبر فيه الجانب البلاغي عند حازم دون سائر الجوانب الأخرى.

إن حازما كان النموذج الفذ في تاريخ البلاغة العربية، وذلك لجملة أسباب أوجزها فيما يلي:

أ ـ استيعابه للموروث البلاغي عند العرب، وهضمه لهذا التراث.

ب ـ استفادته من التراث الأرسطي وتجاوزه له.

ج ـ تقديم دراسة عن مفهوم البلاغة ومباحثها، تنم عن أصالة في أسلوب التناول والتنظير.

 

آخر تعديل: الأحد، 16 نوفمبر 2025، 8:01 PM