I.          تحليل آلية عمل السياسات النقدية:

المفهوم العام للسياسة الاقتصادية ينطوي تحته مجموعة من السياسات المكونة له (السياسة المالية، السياسة النقدية، السياسة الصناعية، السياسة الفلاحية...الخ)، وتعتبر السياسة النقدية من أهمها نظرا لما نالته من اهتمام من طرف المحللين الاقتصاديين وهذا لتأثيرها على حجم النشاط الاقتصادي والائتماني وما تحدثه من آثار على الاستثمارات الداخلية.

أولا: تعريـف السياسة النقديـة

  السياسة النّقدية هي مجموع الإجراءات والتّدابير المتّخذة من قبل السّلطات النّقدية قصد إحداث أثر على الاقتصاد، ومن أجل ضمان استقرار أسعار الصّرف؛ كما عرفت بأنَّها العمل الذي يستخدم لمراقبة عرض النّقود من البنك المركزي كأداة لتحقيق أهداف السياسة الاقتصادية.

ثانيا: أنـواع السياسة النقديـة

1. السـياسة النّقديـة التوسعيـة: تطبق في حالة وجود فجوة إنكماشية في الإقتصاد.

2. السياسة النّقديـة الانكماشيـة: تطبق في حالة وجود فجوة إنكماشية في الإقتصاد.

ثالثا: أدوات السـياسة النقدية

1. الأدوات الكميـة:

أ. سياسة عملية السوق المفتوحة:

     تعتبر هذه الأداة من أكثر الأدوات فعالية في الدول المتقدمة التي تمتلك سوق المال المتطور، وتقوم آلية عمل هده الأداة على أساس دخول البنك المركزي في السوق المالي بائعا أو مشترياً لسندات حكومية أو مالية. فعندما يقوم البنك المركزي بشراء الأوراق المالية يؤدي هذا إلى زيادة الاحتياطات النقدية، لدى المشترين (عادة البنوك التجارية) الأمر الذي يعني زيادة قدرة هذه البنوك على منح القروض؛ وبالتالي زيادة العرض النقدي، وانخفاض أسعار الفائدة قصيرة الأجل، ويؤدي قيام البنك المركزي ببيع الأوراق المالية إلى عكس النتائج السابقة[1].

   فعند وجود حالة تضخم أو فجوة تضخمية في الاقتصاد، تسعى الحكومة إلى محاربة ذلك، ولعل أقصر الطرق هي تقليل حجم النقد المتداول لكبح الطلب، وتقليل القدرة على الشراء، وعليه يتدخل البنك المركزي لبيع سندات حكومية بأسعار فائدة مغرية تجعل تكلفة الفرصة البديلة للاستهلاك عالية، مما يحفز الجمهور على شراء تلك السندات، وهنا تقل النقود في أيدي الأفراد وفي البنوك، مما يقلل من حجم النقد من ناحية ويحد من آلية خلق النقود عبر آلية مضاعف عرض النقد المتداولة من ناحية أخرى، كما قد ينظر إليها بأنها عملية اقتراب داخلي،أو حقن للاقتصاد بكميات نقدية.

ب. سياسـة سعر إعادة الخصـم :

    سياسـة سعر إعادة الخصـم يعبر عن سعر الفائدة التي يمكن أن يتقاضاه البنك المركزي من البنوك التجارية عند الاقتراض منه، أو طلب إعادة خصم ما لديها من أوراق تجارية، وعادة ما يكون سعر الخصم أقل من سعر الفائدة الساري في السوق بحوالي ب 2%، حتى تستطيع البنوك التجارية تغطية مصاريفها الإدارية، وتحقيق هامش ربح معقول.

 وتعد الأداة –إعادة الخصم- من أقدم وسائل السياسة النقدية المنتهجة من قبل البنوك المركزية، فقد شاع استعمالها في القرن 19 وأوائل القرن 20، غير أنها أصبحت قليلة الأهمية في القرن الحالي.

  أما عن آلية استخدام هذه الأداة فيمكنها تلخيصها في إطار السياسة التوسعية والانكماشية، ففي الحالة الأخيرة يرفع البنك المركزي سعر إعادة الخصم، أي أنه سيقرض البنوك بأسعار مرتفعة، مما يقلل من قابلية ورغبة البنوك في الاقتراض، كما يؤدي إلى رفع أسعار فوائدها على القروض، الأمر الذي يقلل الطلب على النقود، ويحدث العكس في حالة إتّباع السياسة التوسّعية.

ج. سياسة الاحتيـاطي الإلزامي (الإجبـاري):

    تنصب التشريعات الحديثة التي تنظّم الائتمان على ضرورة احتفاظ البنوك التجارية بأرصدة لدى البنك المركزي تمثل نسبة معينة من الودائع لديها، وهي النسبة القانونية للاحتياطي النقدي، وتمثل الحد الأدنى لما يجب تحتفظ به البنوك التجارية من أرصدة نقدية مقابل ودائعها، ويحق للبنوك التجارية استخدام الزائد من الودائع عن هذا الاحتياطي في مختلف أعمال البنك؛كالقروض والاستثمارات وغيرها من مجالات استخدام ما لديه من موارد.يقوم البنك المركزي بتخفيض نسبة الاحتياطي القانوني في حالات الركود الاقتصادي، وذلك لدعم سيولة الجهاز المصرفي، وتعزيز مقدرته على خلق النقود الائتمانية؛ وبالتالي التمكن من الزيادة في قروضها للمشروعات؛ والعكس في حالة التضخم.

2. الأدوات النـوعيـة:

أ. سياسـة تأطيـر القـروض:

    وهي إجراء تنظيمي تقوم به أو بموجبه السلطات النقدية بتحديد سوق لتطور القروض الممنوحة من قبل البنوك التجارية بكيفية إدارية مباشرة وفق نسبة محددة خلال العام، كأن لا يتجاوز ارتفاع مجموع القروض الموزعة نسبة معينة، ففي حال الإخلال بهذه الإجراءات تتعرض البنوك إلى عقوبات تتباين من دولة لأخرى. وتهدف هذه السياسة للحد من قدرة البنوك على منح الائتمان مباشرة.

ب. السيـاسـة الانتقائية للقروض:

    وتعني انتهاج البنك المركزي سياسة تعجل قراراته، تتعلق فقط ببعض القطاعات التي يعتبرها أكثر مردودية للاقتصاد الوطني، فيقوم بتوجيه القروض إليها، بحيث تكون قراراته كفيلة بإعطاء كل التسهيلات في منح القروض إلى هذه القطاعات؛ ويمكن أن تأخذ هذه السياسة عدة أشكال:

ü   إقرار معدل الخصم المفضل؛

ü   إمكانية إعادة خصم الأوراق التي لا تتوفر فيها الشروط الضرورية؛

ü   قبول إعادة خصم الأوراق فوق مستوى السقف؛

ü   إعطاء أو منح تمديد لمدة استحقاق القروض ومعدل الفائدة.

ج. الإقنـاع الأدبـي:

   تقوم هذه السياسة على توجيه النّصح للبنوك؛ وذلك بعدم التوسّع في منح القروض، خاصّة القروض التي توجد للمضاربة، إذ لاحظ أن هناك خطر على الاقتصاد الوطني من هذا التوسّع، ويأخذ هذا الإقناع أو التوجيه أشكال مختلفة منها:

ü   إرسال مذكرات إلى البنوك بالإقناع عن قبول أوراق معينة؛

ü   عدم الإقراض لمشروعات معينة؛

ü   التحذير بعدم قبول إعادة خصم بعض الأوراق التجارية؛

ü   عدم تقديم أموال كثيرة مطلوبة.

  وتختلف فعالية هده الوسيلة من دولة إلى أخرى، ومن حالة إلى أخرى؛ فهي تتوقف على عدد من الاعتبارات، أهمها السمعة والمكانة، ومدى علاقة البنك المركزي بالجهاز المصرفي، وتكرار الاتصال والاستشارات التي يقوم بها مع المصارف الأخرى، بالإضافة إلى مدى خبرة البنك المركزي المصرفية في كيفية تنظيم الائتمان في المجتمع، والإسهام في تحقيق الاستقرار الاقتصادي.


[1] - . Jean François Goux, « économique monétaire et financière :théories, institutions, politiques », économica , 2éme édition , 1995. P101.


Modifié le: mercredi 14 janvier 2026, 03:06