أولا: مفهوم التضخم: لقد تعددت التعاريف التي توضح ماهية التضخم واختلفت فكان من أشهر التعاريف ذلك القائل بأن التضخم هو"نقود كثيرة تطارد سلعاً قليلة". أو هو "الزيادة الحادثة في الأسعار نتيجة لزيادة الإصدار النقدي أو زيادة الائتمان المصرفي". وبذلك فقد ربطت التعاريف السابقة بين التضخم وكمية النقود (النظرية الكمية للنقود). وبحلول الأزمة العالمية الكبرى والتي سميت بأزمة الكساد العظيم سنة 1929م، وما صاحبها من صعوبات سياسة واجتماعية، توسع الفكر الاقتصادي في تعريف التضخم، فأدخلت عليه عوامل أخرى بجانب العامل النقدي، كالنقص في المعروض من السلع مثلاً. وإن تعددت تعاريف التضخم فإننا نورد هنا ذلك التعريف الذي قدمه إميل جامس  (Emile James) بأن التضخم هو: "حركة صعودية للأسعار تتصف بالاستمرار الذاتي الناتج عن فائض الطلب الزائد عن قدرة العرض"؛  ونحن نعرف التضخم بأنه:"الزيادة في الطلب الكلي عن العرض الكلي زيادة محسوسة تؤدي إلى سلسلة من الارتفاعات المستمرة في الأسعار[1]".

ثانيا: أنواع التضخم: يمكن التمييز بين أنواع التضخم المتمثلة بعدة طرق للتقسيم، كما يلي:

1- من حيث إشراف الدولة على الأسعار:

أ- التضخم المفتوح (الظاهر).

ب-التضخم المكبوت.

2- من حيث حدة التضخم:

أ-التضخم الجامح.

ب-التضخم الزاحف.

3ً- من حيث العلاقات الاقتصادية الدولية:

أ-التضخم المستورد.

ب-التضخم المصدر.

 

 

ثالثا: التحليـل الفكـري الإقتصادي لظـاهرة التضخّم:

1-  نظريـة كميـة النقـود كمفسر لظاهرة التضخم:  تعد النظرية الكمية للنٌّقود هي أبسط النّظريات في تفسير التضخّم، وقد كان من المعتقد أن كمية النقود ذات علاقة وثيقة بالتضخّم، وأن الزيادة في كمية النّقود هي السبب فيه، ذلك لأنَّ حالات التضخم التي حدثت عبر التاريخ كانت مصحوبة بزيادة في كمية النقود.   فالنظرية الكمية في إطار معادلة التبادل التي صاغها "فيشر" تبين أن أي زيادة في كمية النقود تخلق ضغطا تضخمياً. وتمَّ تطوير هذه الصيغة على يد ألفريد ماريشال" وأعضاء مدرسة كامبريدج، حيث لم تختلف في الفترة القصيرة عن نظرية الكمية الكلاسيكية، إنما الاختلاف في الفترة الطويلة، حيث تنمو الطاقات الإنتاجية للاقتصاد القومي، ومع الأخذ بعين الاعتبار اتجاه الطلب على النقود نحو التغير فإن زيادة كمية النقود بمعدّل أكبر من معدل الناتج القومي، ستؤدّي إلى ارتفاع الأسعار، وبالتالي ظهور التضخم.

  ورغم الانتقادات التي وجّهت للنّظرية الكمية في تفسيرها للتضخم إلا أنها تبقى ذات فضل في التنبيه إلى خطورة الإفراط في خلق موجات تضخمية.

2-النظـرية الكنزيـة كمفسرة لظاهرة التضخم: يمكن أن نطلق على نظرية التضخم المشتقة من التحليل الكنزي، "نظرية فائض الطلب"، أي ارتفاع المستوى العام في الأسعار يعود إلى فائض الطلب الكلي، لا يقابله زيادة في المعروض النقدي؛ أي أنَّ الزيادة في الطلب سواء في سوق السلع أم في سوق عوامل الإنتاج لا يمكن أن تؤدّي إلى زيادة في العرض السلعي، مما ينشأ عنه فائض في الطّلب عن العرض والذي يؤدّي إلى ارتفاع الأسعار، وذلك استجابة إلى الزيادة في الطلب؛ فالزيادة في الأسعار هي نتيجة إفراط الطلب على السلع والخدمات، سواء كان هذا الطّلب استهلاكياً ناتجاً عن زيادة الإنفاق الاستهلاكي أو الإنفاق الاستثماري أو الإنفاق الحكومي.

3-النظريـة المعاصـرة لكميـة النقـود كمفسّر لظاهرة التضخّم: أعادت مدرسة شيكاغو بزعامة "ميلتون فريدمان" نظرية الكميـة" إلى الحياة، ولكن في صورة جديدة، ويقول فريدمان أنَّ مصدر التّضخّم هو الإفراط في الإصدار النقدي، أو بعبارة أخرى نمو النّقود بسرعة أكبر من نمو الإنتاج، ويرفض بشدَّة القول بأنَّ التّضخّم يؤدّي إلى خفض معدّل البطالة. فرغم أنَّ الزّيادة في معدّل نمو كميّة النّقود تؤدّي إلى زيادة الإنتاج والتّوظيف، وبالتّالي إلى بطالة أقل في الأجل القصير بأنَّها تؤدّي في المستقبل إلى نمو البطالة، وحدوث التضخّم، بعد زوال الخداع النَّقدي، ولا يكون للنّقود تأثير إلاَّ على المستوى العام للأسعار (قطاع نقدي فقط)؛ لذلك يكون من غير الملائم استخدام سياسة لتخفيض معدّل البطالة لأنَّ أي محاولة لن تنجح في تحسين الأجور الحقيقية، وإنَّما تؤدّي إلى زيادة معدّل التَّضخّم.

رابعا: قياس التضخم: يقاس التضخم بطريقتين:

1- الطريقة الأولى :وتتم بحساب معدل حساب الأسعار العام، حيث تؤخذ أسعار مجموعة من البضائع المنوعة منها الأطعمة والملابس والوقود والأجهزة وكذلك مجموعة من الخدمات كتكلفة غسيل الملابس أو السيارات. وتحسب قيمة شراء هذه البضائع في كل شهر، في أماكن عرضها وبيعها للجمهور، ومن قيمة الشراء للفترات المختلفة والتي عادة تكون شهرا أو فصلا ( ثلاثة أشهر) يعرف مقدار التضخم ومقدار التغير في مجموعة الأسعار وليس في سلعة واحدة فقط. فإن كان هناك ارتفاع للأسعار نحو الزيادة بمقدار نصف في المائة فإن ذلك يعني أن هناك تضخما بهذا المقدار

2- الطريقة الثانية لقياس التضخم: مقياس من المنبع أو المنشأ وهو أخذ عينات من أسعار البضائع وتسعيرها من المنتج الأول أي مقدار السعر الذي يحدده المنتج لبضاعته، ومن هذه الأسعار الإجمالية يمكن معرفة اتجاه خط الأسعار بالصعود أو الهبوط. ويحدث أن تنخفض قيمة بعض السلع، فلا يعني ذلك انخفاض في التضخم، لأنه في الوقت نفسه ترتفع أسعار بعض البضائع الأخرى، لذا فإن المعدل لسلعة واحدة لا يؤخذ بالحسبان، ولكن يكون عاملا مهما لمعرفة سبب التضخم أو الغلاء، ومن هنا نسمع عن الضغوط الكبيرة على منتجي البترول، وذلك في محاولة من الدول الأخرى المشترية أو المستهلكة للبترول لتخفيض أسعاره، لأنه أحد السلع التي أدت إلى ارتفاع مؤشر التضخم.

خامسا: آثار التضخم:

1- تأثير التضخم على الدخل.

2- تأثير التضخم على المديونية.

3- تأثير التضخم على ميزان المدفوعات.

4- تأثير التضخم على النمو الاقتصادي.


سادسا: علاج التضخم:

1- إجراءات محاربة التضخم في الإقتصاد الوضعي: هناك إجراءات لمكافحة التضخم، لاسيما في الدول المتقدمة، بتنفيذ إجراءات في السياستين المالية والنقدية،وبموجبها تحدد مصادر الإيرادات واستخدامها والفائض في الموازنة والعمل على التقليل من حجم السيولة المتاحة ورفع نسبة الضرائب على السلع الكمالية وغيرها من إجراءات التقشف.. فيما تتولى المصارف المركزية وضع سياسة نقدية باعتماد مجموعة من الأدوات الكمية والنوعية لتخفيض من حدة التضخم.

2- إجراءات محاربة التضخم في الإقتصاد الإسلامي: أما الاقتصاد الإسلامي، فقد ركز على بعض الوسائل التي تعالج ظاهرة التضخم، أهمها:

- فرض الزكاة: بحيث تؤدي إلى محاربة البطالة، والتضييق على رأس المال العاطل.

- تنظيم التسعير: بحيث تلغي ظاهرة السوق السوداء، وتحدد الأجور والأرباح.

- الدعوة إلى ترشيد الاستهلاك: وذلك عن طريق تحريم الإسراف والتبذير، وتحريم الاستهلاك الترفي، والتوسط والاعتدال في الإنفاق.

- تحريم الربا: بحيث تؤدي إلى تصحيح في وظيفة النقود، وإلى عدم الإفراط في اشتقاق النقود، وإلى انخفاض تكلفة السلع.

- تحريم الاحتكار: حيث أن الاحتكار يؤدي إلى تكوين شركات احتكارية وإلى تقييد العرض وإلى ارتفاع الأسعار، وإلى فساد السريان التلقائي لقانون العرض والطلب.




[1] - Jean Marchal et Jacques lecaillon, « analyse monétaire : Monnaie-équilibre-inflation », édition Cujas, Paris, 1971.p133.

 


Last modified: Wednesday, 14 January 2026, 3:10 AM