المحاضرة 9: المعادن
تعد دراسة المعادن أكثر صعوبة من دراسة أي نشاط اقتصادي آخر، ومرد ذلك إلى صعوبة تحديد مناطق التعدين بدقة، فالغابات والزراعة والصناعة واضحة المعالم، بل ويمكن تحديد وتخطيط حدودها بدقة، بل ويمكن تجديدها، بينما الثروة المعدنية من الثروات الطبيعية غير المتجددة، ويصعب تجديدها.
الثروات المعدنية هبة الله للإنسان خلقها وسخرها له وألهم الإنسان القيام باستخراجها من الأرض وتعدينها وتحويلها إلى ثروات اقتصادية، يتم استخدامها لإشباع حاجات الإنسان وتحقيق رفاهيته وتقدمه في سلم الرقي والحضارة. وتختلف الثروات المعدنية عن غيرها من الثروات الطبيعية في أن توزيعها يقتصر على مناطق محدودة من الأرض. وتحتاج الصناعات إلى الثروات المعدنية التي يستخلص منها المواد الأولية مثل الحديد والنحاس والألمنيوم والرصاص والقصدير والذهب والفضة وغيرها.
لا يخفى على أحد أن المواد الأولية المعدنية كانت ومازالت الأساس الذي انطلقت منه الصناعة. وقد استخدمها الإنسان منذ قديم الزمان في صناعة أدوات صيده أو لصناعة أغراض منزلية أو في الزراعة والبناء والنقل وغيره. وقد لعبت دورا هاما في تطور البشرية ونمو الإنتاج وتحسن قدرة الإنسان على التأثير في استثمار الموارد الطبيعية، ولم تكن المعادن على درجة واحدة من حيث استثمارها. فبعضها كالحديد والنحاس والقصدير عرفها الإنسان منذ آلاف السنين كذلك الحال بالنسبة للذهب والفضة، بينما تأخر كثيرا استثماره لمعادن أخرى كالألمنيوم والمنغنيز. ولعل السبب يعود لسهولة الحصول على المجموعة الأولى من المعادن ولقدرة الإنسان التعرف عليها بسهولة ولوفرتها، في حين المجموعة الثانية فبعضها يحتاج لتقنيات مميزة ولمصادر طاقة كبيرة للاستفادة منها على غرار الألمنيوم.
1. تعريف المعدن:
يعرفه بيار جورج في معجم المصطلحات الجغرافية: "بأنه مادة غير عضوية تقدم عناصر ثابتة من جراء تركيبها الكيميائي والخصائص الفزيائية (المتمثلة في الصلابة، الكثافة، النظام البلوري وغيره). مثل: الحديد، الكوارتز، الكلسيت وغيرهما".
وتعرفه آمنة أبو حجر في المعجم الجغرافي بأنه: "مادة طبيعية غير عضوية متجانسة، ويقصد بالتجانس أن يكون كل جزء من المادة متشابهة كل التشابه كيميائية وطبيعية في جميع خواصه مع كل جزء آخر، ومعظم المعادن عبارة عن مركبات كيميائية كالجبس (مركبات الكالسيوم)، والقليل منها يوجد في حالته الأصلية كالذهب والفضة والنحاس، ويتميز المعدن بخاصيتين أساسيتين:
أن له تركيبة كيميائية ثابتة (أو متغير في نطاق محدود)؛
- أن له شكلا بلوريا خاصا.
يعرف على أنه كل جامد غير عضوي ذو بنية بلورية (ترتيب ذرات العناصر المكونة للمعدن يؤدي إلى تكوين شكل خارجي معين) وتركيب كيميائي محدد أصل نشأته وتكوينه الأرض وهو في الغالب ذو قيمة اقتصادية.
2. أنواع المعادن: تنقسم المعادن إلى نوعين أساسيين هما:
أ- المعادن الفلزية: تتصف بصلابتها، وانصهارها في درجات حرارة عالية، وهي معادن قابلة للطرق والسحب، ويعتبر معظمها موصل جيد للحرارة والكهرباء مثل الحديد، والمنجنيز، والكروم، والنيكل، والنحاس، والرصاص، والزنك، والقصدير، والألمنيوم. تتميز بعدة خصائص مشتركة: فهي صلبة وذات بريق كما تجمع بين المتانة والمرونة. وتنقسم المعادن الفلزية إلى:
- معادن ثقيلة كالحديد والنحاس.
- المعادن الثمينة كالذهب والفضة والبالتين؛
- معادن السبائك كالقصدير والرصاص والزنك والكروم والنيكل.
- معادن نادرة الوجود كاليورانيوم والراديوم والزئبق.
ب- المعادن غير الفلزية (غير معدنية): خصائصها عكس الفلزية تماماً، مثل الفحم والفوسفات، والبوتاسيوم، والنترات، والأحجار الكريمة، والمواد الكيميائية. كما تنقسم المعادن غير الفلزية إلى:
- معادن الطاقة كالفحم والنفط والغاز الطبيعي.
- معادن المخصبات كالفوسفات والنترات والبوتاس والكبريت.
- معادن الزينة كالأحجار الكريمة مثل الياقوت والماس والزبرجد.
- مواد البناء مثل: الرمل، الحصى، الجبس، الغرانيت، الحجر الجيري، الحجر الرملي والرخام.
وتتركز هذه المعادن في الطبقة الخارجية للقشرة الأرضية التي تحيط بالكرة الأرضية، حيث تتكون القشرة معظمها من أكاسيد معدنية مختلفة. وهذا الجزء هو الذي يستغل فعلا، ويصل متوسط سمكه إلى عشرة أميال.
3. الخصائص الاقتصادية للموارد المعدنية:
تتميز الموارد المعدنية بعدة خصائص يمكن حصرها فيما يلي:
- المعادن هي موارد غير متجددة وقابلة للنفاذ؛
- تتوزع الخامات المعدنية بصورة غير متساوية على سطح القشرة الأرضية منها ما هو موجود في كل مكان مثل الجبس، ومنها ما يوجد بكميات ضئيلة في أماكن محددة، مثل النيكل بكندا؛
- استثمار الموارد المعدنية يكلف كثيرا خصوصا عندما توجد في باطن الأرض، وذلك لما تتطلبه عملية العثور على المعدن وتحديد كمياته ومدى إمكانية استغلاله؛
- صعوبة تقدير الاحتياطات المتاحة من الموارد المعدنية المؤكدة والاحتمالية والتي تخضع إلى تطور الوسائل العلمية والفنية لطرق قياس الاحتياطات؛
- إمكانية التخزين للموارد المعدنية بشكل واسع ولمدة غير محددة دون تتعرض للتلف؛
- إمكانية الاستخدام مرة أخرى للمعادن، وذلك بإعادتها إلى أفران الصهر العالية.
5. العوامل المؤثرة في استغلال المعادن:
يتوقف مدى استغلال المعادن من وجهة نظر الاقتصاديين على عدة عوامل طبيعية وبشرية تتمثل فيما يلي:
5.1. الموقع الجغرافي للمعدن: وينظر إليه من خلال:
- موقع مواد الخام التعدينية: أي سهولة الوصول إليه، فالمواقع الوعرة كالجبال والأودية والصحاري تحد من استغلال المعادن إلا عندما تصبح هناك ضرورة لذلك، عندها يتحتم إنشاء شبكة من السكك الحديدية لاستغلال المعدن؛
- قرب المعادن من طرق النقل: فكلما كان ذلك ممكنا سهل استخراج المعدن ونقله إلي أسواق التصدير؛
- قرب الخامات من السطح: أو بعدها في أعماق بعيدة من السطح، الأمر الذي يكلف نفقات غير اقتصادية، إذ أنه كلما ازداد عمق الخامات كلما ازدادت تكاليف التعدين، بسبب توفير الآلات ومحطات الإنارة، وهذا كله يؤدي إلى ارتفاع الأسعار؛
5.2. المناخ: للمناخ تأثير واضح في عمليات استخراج المعادن ونقلها، فمن البديهي أن تكون عمليات التعدين في المناخات المعتدلة أكثر يسرا وربحا منها في المناطق التي تتسم بتطرف مناخها، فالتعدين في المناطق الباردة يتوقف في فصل الشتاء فترة طويلة سيما لو كانت طريقة التعدين سطحية، ويؤثر المناخ أيضا في نقل الخامات من مكان لآخر؛
5.3. درجة تركيز المعدن في الصخور: يعد من أهم العوامل المؤثرة في الإنتاج، حيث أن درجة تركيز المعدن تحدد مدى قدرة الخامات على تحمل النفقات، فوجود خامات جيدة النوع وبكميات كافية تساعد على التغلب على المعيقات، بل كلما زادت رتبة الخام زادت قيمته الاقتصادية. وفي الوقت الحاضر يستغل خام الحديد إذا كانت نسبة تركز الخام في المعدن لا تقل عن 50%، إلا إذا كانت المساحة الجغرافية كبيرة ومتوفر فيها المعادن، فإنه يستعمل بأقل من ذلك، وفي الرصاص لا تقل النسبة عن 6%، والنحاس 1% بينما الذهب 0,0004% تعد خامات جيدة، كما يتأثر مدى استغلال المعدن بكثرة كمية الشوائب التي تحتويها الخامات التعدينية، فالإنسان يستغل المعدن قليل الشوائب أولا؛
5.4. وجود البديل:عندما يتوفر البديل للمعدن يطيل من عمر المعدن الأصلي مثل اللؤلؤ الطبيعي والصناعي.
5.5. التطور الاقتصادي: أي انتقال الانسان من مرحلة إلى أخرى تتطلب الزيادة في استهلاك المعدن، وبالتالي سيزيد من استخدامه لهذا المعدن مهما كانت الظروف الإنتاجية ورأس المال؛
5.6. التطور التكنولوجي:إن التطور التكنولوجي وتطبيق نتائج العلوم عمل على سرعة استخراج، ولولا التكنولوجيا لظلت حقول النفط في تكساس بدون استخراج، من هنا نجد أن كثيرا من الدول المتقدمة قطعت شوطا كبيرا في استغلال معادنها في الوقت الذي ما زالت كثير من الدول الفقيرة بعيدة عن استغلال ثروتها المعدنية؛
5.7. كمية المعدن: أي المستوى الاقتصادي للإنتاج، وكمية الاحتياطي، فكلما كبر حجم الاحتياطي للمعدن كلما طال عمره الافتراضي، وأمكن اساغلاله اقتصاديا، فكثير من المدن التعدينية تركت كمدن أشباح بعد نفاذ المعدن، أو أصبح الانتاج غير اقتصادي؛
5.8. الأيدي العاملة: للأيدي العاملة دور كبير في استغلال المعدن، فكثير من مناطق التعدين في العالم يتأخر استغلالها لبعدها عن الأيدي العاملة مثل المناطق الصحراوية والجليدية، وعندما يكون المعدن اقتصاديا تضطر الدولةلاستجلاب العمال من مناطق سكناهم إلى مناطق التعدين وتنشئ لهم مساكن يطلق عليها مدن التعدين؛
5.9. رأس المال: لرأس المال أهمية كبيرة في استغلال المعادن، إذ تحتاج عمليات البحث والتنقيب عن الخامات المعدنية إلى رأس مال وفير، وخاصة في مرحلة الاستعداد والتجهيز وتوفير المساكن والخدمات المتعددة للعاملين، لذلك فإن استغلال الموارد المعدنية في الدول النامية، وهي دول غنية بالموارد الأولية يعتمد على رأس المال الأجنبي المستورد، وهذا يشكل خطرا كبيرا على الاستقلال الاقتصادي.
6. مستقبل الثروات المعدنية في العالم:
لما كان النفاذ هو سمة المعادن، فلا غرابة أن يزداد القلق، فحضارتنا هي حضارة معادن لا يمكن لها أن تستمر إذا نفذ المعدن، والواقع أن هناك ما يدعو إلى التفاؤل إذا استخدمت الوسائل العلمية الكافية، أقلها تطيل من عمر المعدن. هذا ويتوقف مستقبل الثروات المعدنية في العالم على:
- طبيعة الاستخدام: يقصد هنا استنزاف كبير للمعادن، الأمر الذي يقصر من عمر المعدن، ومن ناحية أخرى تقدم العلم تقدم التحسينات الفنية في استخلاص المعادن كان له الأثر الأكبر في إطالة عمر المعدن، فاستخدام التكنولوجيا في الولايات المتحدة أمكن استخراج النحاس من مناطق نسبة المعدن فيها 1,5% وكان في الماضي هذا مستحيل؛
- تقنين الاستخدام: وهذا ما نعني به ترشيد الاستهلاك، لأن تقنين الاستخدام يساعد على إطالة عمر المعدن؛
- وجود البديل: أمكن استخدام معادن جديدة أو إحلال معدن شائع محل معدن قابل للنضوب، فالألومنيوم معدن أُشيع استخدامه محل معدن النحاس القابل للنضوب، كذلك استخدام الخشب بدل الحديد؛
- استخدام المعادن المستعملة (الخردة): وقد نشط استخدام تلك المعادن في الحرب العالمية الثانية عندما أعيد صهرها واستغلالها، وقد قدر أن 80% من النحاس المستعمل يمكن صهره واستغلاله من جديد، ويكفي أن نشير أن الولايات المتحدة تستطيع أن تعيش على الخردة أكثر من 20سنة دون أن تلجأ إلى استخراج معادن جديدة.