الدرس: 03              النظرية التحليلية في تفسير الجريمة

 

1- نظرية فرويد:

ارتكز فرويد في تفسيره للسلوك الاجرامي بتكوين الانا الاعلى، حيث يمثل الانا الاعلى الجانب المثالي من الشخصية الانسانية، وتشتمل على العناصر الموروثة من الحضارات والقيم والاداب العامة والتعاليم الدينية، والعناصر الروحية المكتسبة من المثل العليا للفرد والمربيين والعلماء والقادة وغيرهم، ووظيفتها مراقبة الانا ومساءلتها ولومها ومحاسبتها عن أي تقصير في أداء وظائفها، بمعنى انها القوة الداخلية التي تقوم بوظيفة الضمير.

فالطفل يأخد من والديه وعن الكبار عامة الذين أشرفوا على تربيتهم فكرتهم عن الخطأ والصواب، ويمتصها حتي تصبح مبادئه الذاتية، فالطفل عن طريق ما يتلقاه من الوالدين من عقاب أو ثواب يتعلم الخطأ من الصواب ، وبذلك يكون فكرته عن الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه ذاته أو شخصيته.

وبعد أن تتكون الذات العليا فانها تتولى مهام الوالدين فيما يتعلق بعقاب الفرد وثوابه، وعلى ذلك فاذا أتى بشيئ خطأ فان ضميره سوف يؤلمه والعكس صحيح اذا قام بعمل خير فان ضميره سوف يثني عليه. علما أن الطفل في بداية حياته يقبل على قيم الاباء والكبار عامة قبولا دون نقد أو تمحيص، ولكنه عندما يكبر قد يجد أن هذه القيم لاتناسبه ولذلك فانه يعيد النظر فيها ويعدلها ويقبل بعضها ويرفض البعض الاخر.

ان المهمة الكبرى التي يقوم ب هالانا الأعلى هي قمع وتجاهل دوافع الهو لاسيما تلك الدوافع المتعلقة بالجنس والعدوان، كذلك تسعى لمراقبة عمل الأنا في مراقبتها للهو، وتسعى أيضا الى ارغام الأنا على التنازل عن مبدأ الواقع وذلك اذا ما تعارض الواقع مع المثالية الأنا الأعلى.

تكوين الأنا الأعلى بالنسبة لفرويد، يقوم على التخلي عن اشباع الرغبات الأوديبية التي يطالبها التحريم، ويحول الطفل توظيفه على الأهل، مستدخلا التحريم من خلال ذلك، ثم من المجتمع والثقافة – التربية ، الدين ، الأخلاق –

يقول فرويد في كتابه – دروس اضافية في المحاضرات التمهيدية للتحليل النفسي – أن ارساء الأنا الأعلى يمكن اعتباره كحالة ناجحة من التماهي بالسلطة الوالدية.

وبالتالي، يفسر فرويد أن الشخص المجرم لم يتمكن من حل عقدة أوديب بببن وبالتالي لم يتمكن من استدخال التحريم، أو أن أناه الأعلى ضعيف.

2- نظرية بولبي:

ركز بولبي على العلاقة الأولية للرضيع مع أمه، فأكد في نظريته عن التعلق وضرورة العلاقة الأولية التي تتطور بين الرضيع والمعطي الأساسي للرعاية، هذا الرابط العاطفي يسمى التعلق، وهو يمثل قاعدة التطور الاجتماعي العاطفي وحتى المعرفي اللاحق

فأشار بولبي الى أهمية الروابط الوجدانية أو التعلق في حياه الفرد، اذ تحمي هذه الروابط حياة الطفل من خلال حب أمه ورعايتها المستمرة له،  فهي وظيفة بقائية أساسية في حياته

 كما أنها من أهم أسس الصحة النفسية للطفل، لأنها تعد المؤثر الرئيسي في الأداء الوظيفي للشخصية باعتبارها تضع أسس الاتجاهات نحو الحياة والناس والعلاقات والمستقبل، وعليه فان نوعية الرابط العلائقي الذي يكونه الطفل مع مقدم الرعاية يعتبر أحد المحددات الرئيسية لشخصيته في المستقبل، حيث يتجاوز مفهوم التعلق الزدواجية – الأم، طفل – ليشمل كل العلاقات التي يكونها الطفل مع الاخرين في محيطه سواء كانت صداقة، حب، تقارب، وتكون استجابة الفرد وردود فعله نحو العلاقات المستقبلية مبنية على ما تلقاه من مشاعر الحماية والأمن في مرحلة الطفولة.

تربط النظرية الجريمة بانفصال مبكر أو حرمان عاطفي، مما يولد "تعلقاً غير آمن" يعيق التنظيم العاطفي ويؤدي إلى سلوكيات عدوانية أو انحرافية كوسيلة للتعامل مع القلق. على سبيل المثال، الأطفال المحرومين من التعلق الآمن أكثر عرضة للاضطرابات السلوكية في المراهقة، مثل العنف أو الجريمة، لأنهم يفتقرون إلى القدرة على بناء علاقات اجتماعية صحية.

3- نظرية ميلاني كلاين:

اهتمت كلاين بالوجود الأولي لأحاسيس الحب والكراهية التي تشن معركة في روح الطفل.

تعتبر أن الكراهية تمثل قوة تدمير وتفكيك، والتي تساير معنى الحرمان والموت، وأن الحب

يمثل قوة انسجام وتوحيد، والتي تهدف الى الحياة واللذة.

حيث تعتبر غريزة العداء فطرية عند الانسان وأغلب الحيوانات يستعملونها في الهجوم عند الاحساس بالخطر، كما تعبر عن الاحباط والألم اذا اشتد القصور في اشباع رغبة معينة، فانه يظهر نفس الحساس بالألم وتستيقظ العدوانية بنفس الطريقة التي يتم فيها الهجوم.

تشكل التباعية أيضا خطرا لانها تقود الى امكانية الحرمان، حيث أن الاكتفاء بالذات والاستقلالية تسمح بلذة الذات، أما اذا هدد ذلك الأمن الفرداني تستيقظ المقاومة والمشاعر العدوانية.

تركز كلاين على مرحلتي "الموقف النرجسي و"الموقف الاكتئابي في تطور الطفل، " حيث ينشأ العدوان من الصراع بين دوافع الحياة (إيروس) والموت (تاناتوس).
في المرحلة النرجسية، يقسم الطفل العالم إلى "جيد" و"سيء" عبر آليات الانشقاق والإسقاط، مما يولد حسداً عنيفاً نحو الأم (خاصة ثديها)، وهو أصل العنف والقسوة أكبر مما اعتقده فرويد. هذا الحسد يمنع الطفل من الحب أو الامتنان، ويؤدي إلى دفاعات مثل الإسقاط الذي يُحمّل الآخرين بالشر، ممهداً لسلوكيات عدوانية تستمر إلى البلوغ.

ارتباطها بالجريمة

ترى كلاين الجريمة كتعبير عن فشل في الانتقال إلى الموقف الاكتئابي، حيث يستمر القلق النرجسي والذنب المرتبطان بالهجمات الخيالية على "الكائنات الجزئية" (مثل الأم)، مما ينتج شخصية تُسقِط عدوانها الداخلي على المجتمع عبر أفعال إجرامية.
الحسد الأولي نحو الأم هو مصدر أول للعنف، وقد يتطور إلى اضطرابات مثل الفصام أو السلوك الإجرامي إذا لم يُدمج، مع دور كبير للأنا الأعلى المبكر الذي يرتبط بالقلق والذنب.

في السياق الجنائي، يُفسَّر الإجرامي كشخص عالق في انشقاق داخلي، يهاجم الخارج ليحمي

 ذاته من "الموضوع الداخلي السيء".

في الإجرام، يستمر الحسد كفشل في الوصول للموقف الاكتئابي، حيث يُعبّر الجاني عن حسده المكبوت عبر تدمير خارجي (مثل القتل أو السرقة)، معتبراً الضحية "موضوعاً سيئاً" يستحق العقاب.
الحسد يُولّد أناً أعلى مبكراً قاسياً، يُحوّل الذنب الداخلي إلى عدوان اجتماعي، كما في حالات الفصام أو الاضطرابات الشخصية السيكوباتية.

آخر تعديل: الجمعة، 6 فبراير 2026، 7:59 PM