تتمة لمحاضرة العولمة المالية

:مراحل تطور العولمة المالية

:يمكن تلخيص مراحل تطور العولمة المالية في ثلاثة مراحل أساسية كالتالي

أولا- مرحلة تدويل التمويل غير المباشر 1960-1979

أهم ما ميز هذه المرحلة ما يلي:

§       تعايش الأنظمة النقدية والمالية الوطنية؛

§       ظهور وتوسع أسواق الأورو دولار ابتداء من لندن ثم في بقية الدول الأوربية؛

§       سيطرة البنوك على تمويل الاقتصاديات الوطنية )سيطرة التمويل غير المباشر)؛

§       انتشار البنوك الأمريكية في كافة أنحاء العالم، وتقديمها العديد من القروض الدولية؛

§       انهيار نظام بروتن وودز في أوت 1971 وانهاء مرحلة ربط الدولار والعملات الأخرى بالذهب، مما مهد الطريق لتطبيق أسعار الصرف المرنة. 

§       بداية ظاهرة المديونية الخارجية في دول العالم الثالث؛

§       ارتفاع العجز في موازين المدفوعات للدول المتقدمة؛

§       ظهور أسواق الأدوات المالية المشتقة؛

§       ادماج البيترودولارات في الاقتصاد العالمي بعد ارتفاع اسعار البترول، وتجميع مبالغ ضخمة لدى الدول المصدر للبترول فاقت احتياجاتها من التمويل؛ حيث عرفت دول الخليج فائضا ماليا قدر ب 350 مليار دولار خلال الفترة (1974-1981) مما زاد في نسبة الادخار العالمي.

ثانيا- مرحلة التحرير المالي (1980-1985)

    تزامنت هذه المرحلة مع وصول مارجريت تاتشر إلى الحكم في بريطانيا، وتولي يول فولكر Paul Volcker رئاسة البنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي وهما شخصيتان معروفتان بتحرير الحياة الاقتصادية والمالية على المستويين الوطني والعالمي.

تمزت هذه المرحلة بما يلي:

§       رفع الرقابة على حركة رؤوس الأموال من والى الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، وتحريرها من كافة القيود والحواجز في وجهها دخولا وخروجا؛ واعتبرت هذه الاجراءات بمثابة الخطوة الأولى لعملية انتشار واسعة للتحرير المالي والنقدي على المستوى العالمي.

§       لجوء الدول الصناعية الكبرى في تمول العجز المسجل في ميزانيتها عن طريق إصدار سندات الخزينة؛ وسميت هذه المرحلة بمرحلة تغطية الدين العام بالأوراق المالية.

§       توسع صناديق المعاشات والصناديق المتخصصة في جمع الادخار والتي تمتاز بفوائضها المالية الكبيرة.

ثالثا- مرحلة صعود الأسواق المالية الناشئة 1986 إلى يومنا هذا

أهم ما ميز هذه المرحلة ما يلي:

§       تحرير أسواق الاسهم على غرار أسواق السندات، بعد سلسلة من الإصلاحات كانت بدايتها من بورصة لندن عام 1986 المعروفة باسم Big Bang، ثم تبعتها بقية بورصات العالم مما يسمح بربطها ببعضها البعض وعولمتها؛

§       صعود الأسواق المالية الناشئة (المكسيك، جنوب شرق أسيا، البرازيل، روسيا...) وربطها بالأسواق المالية العالمية، حيث زاد نصيب هذه الأسواق من الرأسمال المتداول في الأسواق العالمية؛

§       توسع التمويل المباشر باللجوء إلى الأسواق المالية وتغطية الدين العام بواسطة الأوراق المالية حتى من طرف دول خارج منظمة التعاون والتنمية OCDE؛

§       زيادة حجم التعامل في أسواق الصرف وتحرير أسواق المواد الأولية وزيادة التعامل في الأدوات المالية المشتقة؛

§       زيادة الارتباط بين الأسواق المالية وذلك باستعمال وسائل الاتصال الحديثة؛ وربطها بشبكة التعامل الدولية.

:العوامل المساعدة (المسرعة) على تطور العولمة المالية

:أولا- التطور التكنولوجي

     ساهمت التكنولوجيا بما فيها الإعلام الآلي والاتصال والبرمجيات التي سادت خلال سبعينيات القرن الماضي في تطور اندماج أسواق الأموال الدولية وتسارع حركة العولمة المالية، حيث تم التغلب على الحواجز الزمانية والمكانية بين مختلف الاسواق الوطنية وانخفضت الاتصالات السلكية واللاسلكية، الأمر الذي ساهم في عبور ملايين الدولارات من العملات عبر الدول في زمن قصير؛ مما سهل من تدفق رؤوس الأموال وزيادة حجم السيولة في هذه الأسواق.

(ثانيا- تطور أسواق عملات الأورو دولية ) العملات الأوربية

    يتوجب الأمر قبل الاشارة إلى العملات الاوروبية التطرق إلى سوق الاورو دولار الذي هو عبارة عن الدولارات الأمريكية التي تحتفظ بها البنوك في خارج الولايات المتحدة وعلى الأخص البنوك الأوروبية. ويتكون سوق الدولار الأوروبي من عدد من البنوك الكبيرة في لندن وفي بعض البلدان الأوروبية الأخرى التي يقتصر تعاملها على الدولار، بمعنى أنها تقبل ودائع وتمنح قروض بالدولار الأمريكي فقط. وتتسم القروض التي تقدمها هذه البنوك Eurodollars Loans بضخامة القيمة وقصر تاريخ الاستحقاق.   

    إن مصطلح سوق عملات الأورو  Eurocurrency Marketيشير إلى سوق العملات المقومة بعملات دول معينة ولكنها تودع خارج حدودها الوطنية.

     وما يميز هذه الأسواق الحرية التامة وعدم خضوعها للقيود التي تفرضها السلطات النقدية الوطنية، "فهي تلك الأسواق التي يتم فيها الإقراض والاقتراض بمختلف أشكاله وبعملات أجنبية في غير دول إصدارها. "

ثالثا- تطور أسواق السندات الدولية

     يمثل سوق السندات الدولية جزء مهما من سوق رأس المال الدولية وهو مكان أو هيئة أو آلية لاصدار وتداول السندات بين مختلف المتعاملين. وتعتبر السندات بمختلف أنواعها والمصدرة بعملات أجنبية الأداة المالية الفاعلة في هذا السوق. ويلجأ المتعاملون لهذا السوق بهدف التمويل بالاحتياجات المالية اللازمة خارج الأسواق المحلية.

تنقسم السندات الدولية ثلاث تصنيفات:

§       السندات الأجنبية Foreign Bonds

§       السندات الأوروبية Euro Bonds

§       السندات العالمية Global Bonds

:رابعا- تنامي الرأسمالية المالية  

     لقد أصبح الربح المحقق من وراء الاستثمار في الأصول المالية دافعا قويا لمسيرة العولمة المالية، لا سيما وأن معدلات الربح التي حققها راس المال المستثمر في الاصول المالية تزيد بعدة أضعاف عن تلك المحققة في قطاعات الانتاج. وأصبحت الرأسمالية ذات طابع ريعي تعيش على توظيف رأس المال لا على استثماره استثمارا حقيقيا.

:خامسا: عجز الأسواق الوطنية عن استيعاب الفوائض المالية

        لقد أدى عجز الأسواق الوطنية عن استيعاب الفوائض المالية إلى البحث عن أسواق خارجية من اجل البحث عن فرص استثمار أحسن ومعدلات عوائد أعلى.

سادسا:  الابتكار المالي (ظهور المشتقات التالية)

   شهدت الأسواق المالية طفرة مذهلة أدت إلى ظهور أدوات مالية حديثة راحت تستقطب العديد من المستثمرين وغيرت الكثير من مفاهيم التعامل المالي )استثمار، ادخار، تمويل وتغطية(، وأهم هذه الابتكارات المالية نجد المشتقات (عقود الخيار، العقود المستقبلية، العقود الآجلة، عقود المبادلة).

:سابعا: التحرير المالي المحلي والدولي

    يمكن تعريف التحرير المالي بالمعنى الضيق، على أنه مجموعة من الاجراءات لخفض درجة القيود المفروضة على عمليات الأسواق المالية، أما التعريف بالمعنى الواسع (الشامل)  فيتضمن اتخاذ اجراءات لتطوير كفاءة النظام المالي وسلامته.

ايجابيات وسلبيات العولمة المالية

ايجابيات العولمة المالية

أولا: تنمية القطاع المالي:

     كلما اتسع نطاق القطاع المالي من حيث البنوك والمستثمرين ومختلف القوانين المنظمة، وتحسنت نوعية الخدمات المقدمة، زادت منافع تدفقات رؤوس الاموال الوافدة بالنسبة للنمو، وقلت مخاطر تعرض البلدان للازمات، وكان له أثر ايجابي على الاستقرار الاقتصادي الكلي.

ثانيا: تحسين نوعية المؤسسات:

      دفعت العولمة المالية عددا من البلدان إلى تصحيح هياكل الشركات استجابة للمنافسة الأجنبية ومطالب المستثمرين الدوليين. فنوعية المؤسسات تؤثر بقوة في تكوين التدفقات الواردة للاقتصادات الوطنية.

ثالثا: تقوية السياسات الاقتصادية الكلية:

     تؤثر نوعية السياسات الاقتصادية الكلية المحلية على مستوى التدفقات الواردة وتكوينها، وكذا على تعرض البلد لمخاطر الأزمات، إذ تزيد السياسات النقدية والمالية السليمة منافع التحرير المالي بالنسبة للنمو، وتساعد على تجنب الأزمات في البلدان ذات الحسابات المفتوحة لرأس المال.

سلبيات ومخاطر العولمة المالية

:ويمكن رصد أهم مخاطر العولمة المالية فيما يلي

:أولا- المخاطر الناجمة عن التقلبات الفجائية في تدفقات رأس المال

     تتسم الاستثمارات الاجنبية في المحافظ المالية في الدول النامية بالحركة السريعة والمفاجئة، حيث تتأثر بالتوقعات والمعلومات التي تتوافر للمتعاملين وحالاتهم النفسية. فسهولة البيع لهذه الاستثمارات في الاسواق المالية يؤثر في اقتصاد الدولة التي يستثمر فيها هذه الاموال ويزيد من عدم استقرار الاقتصاد الكلي لهذه الدولة ويسبب أثارا سلبية على الاقتصاد الوطني، على النحو التالي:

إن تدفق الاستثمارات قصيرة الأجل الداخلة بكميات كبيرة مفاجئة تؤدي إلى ارتفاع أسعار صرف العملة الوطنية، وارتفاع أسعار الاراضي والعقارات وزيادة معدل التضخم وزيادة الاستهلاك المحلي.

§       بينما يؤدي تدفق الاستثمارات قصيرة الأجل الخارجة بكميات كبيرة مفاجئة إلى انخفاض سعر الصرف وتدهور أسعار الأصول وهبوط الأسعار والربح، وفقدان ثقة المستثمرين الأجانب في السوق المحلي واستنزاف الاحتياطات الدولية لا سيما مع محاولة البنك المركزي التدخل لحماية سعر صرف العملة الوطنية، تزايد العجز في ميزان المدفوعات.

:ثانيا- مخاطر المضاربة وأزمات العملة

     لقد ساهمت سياسة التحرير المالي الداخلي والعالمي في تسهيل عمليات المضاربة، حيث تم الغاء القيود على تداول العملات الاجنبية بهدف رفع كفاءة استخدامها، ولكن الذي حدث أن هذه العملات أصبحت تتحرك بسرعة من خلال شبكات الربط الالكتروني بحثا عن فرص المضاربة لتحقيق الارباح. الامر الذي دفع بالشركات الصناعية الكبرى الدخول في هذا المجال نظرا لان أرباحها من المضاربة أصبحت تفوق أرباح انتاجها الحقيقي، وقد أدت المضاربة إلى خسائر على العملة يتحملها في النهاية البنوك المركزية المصدرة لهذه العملات وذلك مع ارتفاع الاسعار.

ثالثا- الأزمات المصرفية (مخاطر تعرض البنوك للازمات)

   من أهم مخاطر العولمة المالية هي الازمات التي يتعرض لها الجهاز المصرفي، ذلك لأنه في ظل العولمة المالية تزداد درجة اندماج وتكامل الجهاز المصرفي للدولة مع الاسواق المالية العالمية، وهذا يؤدي إلى أن أي مصاعب تواجه جهاز مصرفي في دولة ما يؤثر على سائر القطاعات المصرفية في الدول الأخرى.

    ولعل خير مثال على ذلك أزمة البنوك في المكسيك عام 1994، فخلال هذه السنة ارتفع الدولار الامريكي داخل سوق الصرف بالمكسيك وهو الامر الذي رفع قيمة التزامات البنوك المكسيكية بالعملات الاجنبية وحدثت الازمة في سداد هذه الالتزامات.

:رابعا: مخاطر هروب الأموال الوطنية للخارج

       من أهم مخاطر العولمة المالية بالنسبة للدول النامية هو تدويل مدخراتها الوطنية مما يؤدي إلى خروج هذه المدخرات للاستثمار بالخارج في الوقت الذي تحتاج فيه الدولة إلى هذه المدخرات للاستثمار في الداخل. فبالرغم من أن ظاهرة هروب الاموال الى الخارج قديمة في البلدان النامية إلا أن إجراءات التحرير المالي المحلي والدولي أضفى نوعا من المشروعية على حرية خروج الاموال وما ينجم عنها من أثار سلبية على ميزان المدفوعات وقدرة الدولة على التراكم والاستثمار والتدفق الصافي لرؤوس الاموال الاجنبية.

خامسا: مخاطر غسيل الأموال ودخول الاموال القذرة

    ان الغاء الرقابة على الصرف وحرية دخول الاموال عبر الحدود الوطنية دون معرفة من جانب السلطات قد يفتح قنوات اضافية لغسيل الاموال القذرة للإخفاء المصادر غير الشرعية التي تحققت في اطارها عمليات تراكم الثروات. لهذا يحاول أصحاب هذه الاموال اخفاء مصدرها الاجرامي بمحاولة ادخالها للنظام المصرفي من خلال استثمارها مؤقتا في بعض الادوات المالية كالأسهم والسندات والمشتقات.

سادسا: اضعاف السيادة الوطنية في مجال السياسة النقدية والمالية

     إن تحقيق العولمة المالية بشكل كامل وتزايد درجة اندماج وتكامل السوق المالي المحلي مع اسواق المال الخارجية من شأنه أن يفقد الدولة سيادتها الوطنية في مجال السياسة النقدية والمالية، أي أن أسعار الصرف والفائدة تتجدد نتيجة لتفاعل دخول وخروج رؤوس الاموال واستثمارها في نفس الدولة، كما أن الاموال المستثمرة تتجه في ظل الحرية المالية إلى الدول التي تنخفض فيها الضرائب مثلا.

   ولمواجهة ذلك تتجه الحكومات إلى منح امتيازات ضريبية لرؤوس الاموال الاجنبية مما يؤثر على الايرادات السيادية للدولة ويرفع من عجز الموازنة العامة للدولة.

 


Modifié le: jeudi 12 février 2026, 17:38