المحاضرة الثالثة: تطور النظام النقدي الدولي

ماهية النظام النقدي الدولي:

 يعبر النظام النقدي الدولي عن مجموعة القواعد والاتفاقيات والمؤسسات التي تحكم: سير السياسات النقدية والتنسيق فيما بينها، أسعار الصرف وتوفير السيولة الدولية . حيث تقيم فعاليته انطلاقا من ثلاثة معايير رئيسية هي:

_ الآليات التي يوفرها لمعالجة الإختلالات الدولية في موازين المدفوعات، من حيث تكلفتها وسرعتها في تحقيق التصحيح في وضعية ميزان المدفوعات.

_ قدرته على توفير السيولة الكافية لتسوية المبادلات التجارية والمالية من جهة ومعالجة الإختلالات في موازين المدفوعات من جهة أخرى.

_ قدرته على كسب ثقة مختلف الأطراف الفاعلة في الاقتصاد العالمي، وذلك يتجلى بالأساس من خلال فعالية آليات التصحيح فيه وتوفيره للسيولة الكافية.

النظام النقدي الدولي قبل 1880

نظام المعدنين

ساد هذا النظام قبل 1880 حيث اعتمد على الذهب والفضة، أي أن النقود المتداولة بين الافراد كانت مصنوعة من الذهب والفضة، وسميت بالمسكوكات الذهبية والمسكوكات الفضية، وقد قام هذا النظام على الركائز التالية:

1.    تحديد نسبة التعادل بين عيار الذهب وعيار الفضة حيث كانت:

"واحد مسكوكة ذهبية= 15 مسكوكة فضية "

2.    حرية تصدير واستراد الذهب والفضة.

3.    حرية صك وصهر الذهب والفضة بشكل مجاني بمعنى حرية صك السبائك الذهبية والسبائك  الفضية وتحويلها إلى مسكوكات ذهبية ومسكوكات فضية بدون مقابل وبطريقة مجانية حتى لا تصبح القيمة الاسمية للمعدنين أكبر من القيمة السلعية لهما، وحرية صهر النقود الذهبية والفضية وتحويلها إلى سبائك بدون مقابل أيضا من أجل الحفاظ على القيمة الاسمية والسلعية وحتى لا تصبح القيمة السلعية أكبر من القيمة الاسمية للمعدنين.

انهيار نظام المعدنين

لقد وجدت الدول صعوبة في الحفاظ على المساواة ما بين نسبة التعادل القانونية ما بين عيار الذهب وعيار الفضة ونسبة التعادل السوقية، حيث أصبحت القيمة السلعية للذهب أكبر من قيمتة الاسمية، لهذا اتجه الافراد إلى تحويل كل ما يمتلكونه من نقود ذهبية إلى سبائك ذهبية واكتنازها من جهة وتداول النقود الفضية في تعاملاتهم من جهة أخرى، الأمر الذي دفع بغريشام وزير المالية البريطاني سنة 1816 إلى القول بأن " النقود الرديئة تطرد النقود الجيدة من التداول " وهذا ما تلخص في انهيار نظام المعدنين، حيث كانت نقطة تحول من نظام المعدنين إلى نظام المعدن الواحد.

النظام النقدي الدولي في ظل قاعدة الذهب 1870-1933:

هو نظام نقدي تُربط فيه قيمة العملة بوزن معين من الذهب. بدأت قاعدة الذهب في الانتشار في الثلث الأول من القرن التاسع عشر باتخاذ بريطانيا لها كقاعدة نقدية بقانون صدر في 1819 وأصبح ساري المفعول في سنة 1821. وبحلول عام 1870 لحقت بها بعض الدول الأخرى مثل ألمانيا، فرنسا والولايات المتحدة حتى جاء عام 1900 الذي أضحت فيه جميع الدول تقريباً تأخذ بقاعدة الذهب باستثناء الصين والمكسيك اللتان فضلتا قاعدة الفضة

مراحل تطور نظام الذهب:

لقد عرف نظام الذهب ثلاث مراحل أساسية تتمثل فيما يلي:

قاعدة المسكوكات الذهبية (Gold Specie Standard):

قاعدة المسكوكات الذهبية هي نظام نقدي تُربط فيه قيمة العملة بوزن محدد من الذهب، وتلتزم الدولة (البنك المركزي) بتحويل العملة الوطنية (الأوراق النقدية) عند الطلب إلى مسكوكات ذهبية فعلية وفق سعر ثابت،  كما يُسمح للأفراد بحيازة وتداول العملات الذهبية بحرية.

المسكوكة الذهبية هي عبارة عن عملة ذهبية مصنوعة من الذهب المضاف إليه بعض المعادن الأخرى وأهمها النحاس والقصدير لإكسابه الصلابة والسهولة بالتشكيل، وإن قيمة العملة ناجمة عن كمية أو وزن الذهب الموجود فيها. 

  

يتحدد سعر الصرف في هذه القاعدة وفقا لنسبة كمية الذهب الموجودة في عملة كل دولة إلى كمية الذهب الموجودة في بقية عملات الدول الأخرى.

فالدولار الأمريكي مثلا كان يحتوي على 0.88886671 غ من الذهب الخالص، فحين أن الجنيه الاسترليني كان يحتوي على  4,86656 اضعاف ما احتواه الدولار من الذهب، و كان السعر الرسمي أو سعر التوازن بين كل من الدولار و الجنيه الإسترليني 4,86656 دولار لكل جنيه إسترليني.

   و بالرغم من أن سعر التوازن بين الدولار و الجنيه الإسترليني قد حدد رسميا بما يعادل 4,86656 لكل جنيه، فإن هذا لا يعني أن الدولار و الجنيه الإسترليني يتم تبادلها دائما بذلك السعر في المعاملات الخاصة بسوق العملات الأجنبية، إذ أن سعر الصرف السوقي كان خاضعا في ظل قاعدة الذهب لآليات العرض و الطلب.

و بالرغم من أن الذهب نفسه كان متداولا على شكل عملات معدنية، فإنه لم يمثل القسم الأعظم من كمية النقود المتداولة، حيث كوّنت الأوراق النقدية الحكومية و الأوراق المصرفية و الودائع تحت الطلب القسم الأعظم من العملات المتداولة، و كان قبول الأوراق المالية و الودائع يعتمد على الثقة في غطائها من الذهب.

مزايا النظام

استقرار طويل الأجل في الأسعار.

الحد من التضخم بسبب ارتباط الإصدار النقدي بالاحتياطي الذهبي.

تعزيز الثقة في العملة.

عيوبه

تقييد قدرة الحكومات على معالجة الأزمات الاقتصادية.

الاعتماد على اكتشافات الذهب ومخزونه.

قد يؤدي إلى انكماش اقتصادي عند نقص الذهب.

خلال الحرب: مرحلة التخلي عن قاعدة الذهب في الحرب العالمية الأولى

عند اندلاع الحرب عام 1914، واجهت الدول الصناعية الكبرى إنفاقًا عسكريًا ضخمًا يفوق بكثير احتياطاتها من الذهب؛ لذلك اضطرت إلى التوسع في الإصدار النقدي من أجل تمويل نفقاتها الباهظة على عكس ما تفرضه قاعدة الذهب وهو الإصدار الصارم في النقد أي بما يتوافق مع كمية الذهب مما أقتضى على أغلب الدول الخروج عنها وإتباع سياسات نقدية مستقلة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الداخلي كأول هدف لها، ومن تلك السياسات هو التوسع في الإصدار النقدي لمواكبة الحاجة الكبيرة والمتزايدة للأموال لتغطية نفقات الحرب والتعويض عن توقف العجلة الإنتاجية أو تدمير الهياكل التحتية

وتميزت هذه الفترة ب:

1.    أوقفت الحكومات قابلية تحويل العملة إلى ذهب، ففي عام 1914، علّقت بريطانيا العمل بمعيار الذهب، وما تبعه من استنزاف لاحتياطياتها من الذهب، لدعم المجهود الحربي. وقد انخفضت قيمة الجنيه الإسترليني بشكل ملحوظ بنهاية الحرب (1 جنيه إسترليني = 4.70 دولار أمريكي). إلا أن ونستون تشرشل ، وزير الخزانة آنذاك، نقض هذا القرار، وأعاد تثبيت قيمة الجنيه الإسترليني عند مستوى عام 1914 (1 جنيه إسترليني = 4.86 دولار أمريكي) في 25 أبريل 1925.

2.    مُنع تصدير الذهب إلى الخارج (أصبح الذهب يُحتجز لدعم الإنفاق الحربي).

3.    أدى نشوب الحرب العالمية الأولى إلى زيادة حاجة الدول المتحاربة إلى مزيد من النقود لتغطية نفقاتها الحربية، ونظرا لمحدودية كمية الذهب المتوفرة في العالم كان من المستحيل توفير هذه الكمية الكبيرة من القطع النقدية الذهبية، لذلك اضطرت دول العالم إلى التخلي عن نظام المسكوكات الذهبية وسحبها من التداول، والقيام بإصدار نقود ورقية ومعدنية إلزامية وطرحها في التداول.

4.    تدفقت كميات كبيرة من الذهب إلى الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تمويلها للحلفاء، ما جعلها أكبر مالك للذهب عالميًا، ففي عام 1921 امتلكت الولايات المتحدة ما يقرب من 45% من احتياطيات الذهب العالمية ؛ وتحولت إثر ذلك من دولة مدينة إلى دولة دائنة.

قاعدة السبائك الذهبية (Gold Bullion Standard)

وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى حاولت الدول العودة إلى نظام المسكوكات الذهبية، إلا أن ذلك كان متعذرا كون أن أرصدة الدول الأوروبية المتحاربة من الذهب كانت موجودة بحوزة الولايات المتحدة الأمريكية لتغطية الاستيراد و بالتالي لا يمكن تطبيق نظام القاعدة الذهبية لا سيما في ظل وجود حجم كبير

من الأوراق النقدية الموجودة في التداول، بالإضافة إلى تعرض اقتصاديات العالم إلى حالة التضخم النقدي.

إزاء هذا الوضع وبمبادرة من المملكة المتحدة، وفي ظل غياب الولايات المتحدة،  سعت الدول الأربع والثلاثون المشاركة في المؤتمر الاقتصادي الدولي في جنوة بإيطاليا، في الفترة من 9 أبريل إلى 19 مايو 1922، إلى العودة إلى معيار الذهب، الذي ظل "الهدف الأسمى" بالنسبة للمشاركين في المؤتمر، حيث تم اقتراح نظام السبائك الذهبية.

 وقد تبنت بريطانيا نظام السبائك الذهبية في عام 1925 وذلك بإعلان ونستون تشرشل - Winston Churchill رئيس وزراء بريطانيا في 25 نيسان عام 1925 عودة بريطانيا إلى قاعدة الذهب على صورة السبائك الذهبية، وقد حددت سعرا للجنيه الاسترليني عند نفس مستواه في الفترة السابقة للحرب  حيث نص القانون الصادر عام 1925 على إمكانية تحويل الأوراق النقدية إلى سبائك على المبالغ التي تزيد عن 1500 جنيه إسترليني ، كما عادت فرنسا لنفس القاعدة عام 1928 ولم يسمح قانون "بوانكاريه" الصادر عام 1928 بالتحويل إلا السبائك التي تبلغ قيمتها 225000 فرنكا فرنسيا.

أما ألمانيا فقد دمر التضخم قيمة عملتها وثقل حملها بتعويضات الحرب واضطرت إلى تغيير عملتها عام 1923، ولجأت إلى عقد قروض خارجية ساعدتها على العودة إلى قاعدة الذهب سنة 1924. وهكذا عاد عدد كبير من الدول إلى قاعدة الذهب ولفترة محدودة حيث حل الكساد عام 1929.

وفي ظل هذا النظام لم تعد العملة المتداولة ذهبا، بل اقتصر الامر على إصدار أوراق نقدية قابلة للتحويل إلى سبائك ذهبية تكون قيمة الواحدة منها مرتفعة إلى حد كبير بهدف الحفاظ على أكبر كمية من معدن الذهب كاحتياطي للصرف الأجنبي.

و نظرا لارتفاع سعر السبيكة، لم يعد بمقدور الأفراد الحصول على الذهب، و يتضح من هذا أن مبدأ تحويل النقود الورقية إلى الذهب تم الحفاظ عليه و إنما بقيود كمية محددة، و أن تبني قاعدة السبائك الذهبية كان بمثابة الخطوة الأولى تجاه التخلي عن إمكانية تحويل الأوراق النقدية إلى ذهب و عن قاعدة الذهب في المعاملات الداخلية، الأمر الذي تمّ في إنجلترا عام 1931، و في فرنسا عام 1936، و بالتالي تم حصر مجال استعماله في قطاع التجارة الخارجية.

قاعدة الصرف بالذهب.

 نظام الصرف بالذهب أوصى به  مؤتمر جنوة في عام 1924 كنظام ثالث مقترح للدول المستقلة والناشئة (الدول التي ليس لديها الإمكانيات الكافية لإقرار نظام ذهبي حقيقي) التي ترغب في السير على قاعدة الذهب بالاحتفاظ بعملات وأذونات وسندات البلد المتبوع كغطاء للنقود المتداولة، وبالتالي لا حاجة إلى الاحتفاظ باحتياطي من الذهب.  

 في ظل هذا النظام ترتبط عملة بلد ما بعملة بلد آخر مرتبطة ارتباطا مباشر بالذهب، حيث تكون وحدة النقد فيه غير قابلة للتحويل إلى ذهب، و لكن تكون قابلة للتحويل إلى عملة بلد آخر يسير على نظام الذهب، ويتم ذلك باحتفاظ البلد التابع

و قد سمي هذا النظام "نظام التحويل من الدرجة الثانية" بمعنى أنه طبقا لهذا النظام يوجد نوعين من العملات، عملات تلعب دورا عالميا بالغ الأهمية و تسمى بالنقود المركزية Monnaie convertible و عملات تابعة Monnaie satellites، وتستند في إصدارها على عملة ارتكازية أي القابلة للتحويل لتكون غطاء لها بدلا من الذهب.

  فمثلا نجد أن الدول التي كانت منطقة نفوذ اقتصادية لأمريكا كانت عملاتها قابلة للتحويل إلى الدولار القابل للتحويل للذهب، و نفس الشيء بالنسبة للدول التي كانت تابعة لكتلة الإسترليني،

انهيار النظام الذهبي:

أدى الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين إلى مزيد من انخفاض قيمة العملة. وجاءت الضربة القاضية لقاعدة الذهب الدولية عام 1931 حينما أخذ المودعون يسحبون أرصدتهم من البنوك النمساوية التجارية الكبيرة، تم انتشر الفزع إلى البنوك الألمانية، فقامت الحكومة بفرض قيود على الصرف، ثم تبعتها في ذلك دول أخرى، وفي مقدمتهم الحكومة البريطانية التي قررت في 21 سبتمبر 1931، إلغاء قابلية تحويل الجنيه الإسترليني إلى ذهب، مما سمح بتعويم العملة، الأمر الذي أدى إلى انخفاض قيمة الجنيه الإسترليني (1 جنيه إسترليني = 3.69 دولار أمريكي). فتبعتها دول أخرى، وبعد وقت قليل من تعويم إنجلترا للجنيه الإسترليني تخلت الدول الاسكندينافية عن قاعدة الذهب.

 ولم يعد هناك من الدول التي تربط عملتها بالذهب سوى الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا وفرنسا وبلجيكا وهولندا، وبدأت هذه الدول التي عرفت ''بكتلة الذهب'' في مواجهة التدفقات للخارج من احتياطاتها الذهبية برفع الرسوم الجمركية وتضييق الحصص لضغط الواردات.

وتحولت المضاربات إلى الدولار الأمريكي، الذي كان لا يزال قابلاً للتحويل إلى ذهب، وفي عام 1933، علّق فرانكلين روزفلت (1882-1945) قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، مما أدى إلى انخفاض قيمة عملة بلد كان يكافح للخروج من الكساد الكبير. بدأت فرنسا في البداية مسارًا انكماشيًا، لكن ارتفاع قيمة الفرنك مقابل العملات الأخرى أدى إلى انهيار الصادرات الفرنسية. وخفض ائتلاف الجبهة الشعبية (1936-1938) قيمة العملة، التي فقدت بين عامي 1936 و1940 ما يقارب ثلثي قيمتها.

وعندئذ توقفت قاعدة الذهب عن العمل كنظام نقدي دولي فعال، وكان العديد من العملات غير قابل للتحويل والعديد منها عائما، فشاعت عملية تخفيض قيمة العملات بين الدول التي حافظت على أسعار الصرف الرسمية، وأصبحت الآلية التي يتم من خلالها موازنة ميزان المدفوعات غير مقبولة لدى الدول، مما تخلت الولايات المتحدة الأمريكية عن الذهب عام 1933.

وهكذا فان الخروج من قاعدة الذهب كان مرفقا بتخفيضات كبيرة لأسعار صرف العملات المختلفة، مما أثر بشكل كبير على حركة التجارة الدولية وأصبح نظام التعويم هو الاساس الذي ارتكز عليه النظام النقدي أنذاك.

وبعد انتهاء الكساد واقتراب الحرب العالمية الثانية شعر معظم المراقبين أن العودة للأوضاع المضطربة التي سادت في الثلاثينيات لن يكون مقبولا، وكان شعورهم أنه من الضروري تصميم نظام نقد دولي يضمن قابلية التحويل للعملات والاستقرار النقدي، ولعبت الرغبات دورها في تشكيل نظام بروتون وودز للنقد الدولي الذي تم تبنيه بنهاية الحرب العالمية الثانية.

 


Last modified: Monday, 16 February 2026, 10:52 PM