تمهيد:

     يعود ظهور التجارة الخارجية للعصور الأولى للبشرية، وكانت البداية الفعلية لها خلال القرن الثامن عشر أي بداية الثورة الصناعية، حيث أصبح من الضروري الحصول على مواد أولية من دول أخرى من اجل الصناعة وضرورة تصريف المنتجات المحلية في الأسواق الخارجية. وهذا ما أدى إلى تطور كبير في التجارة الخارجية ،وعليه سوف يتم التطرق في هذا المبحث إلى تحديد مفهوم التجارة الخارجية والفرق بينها وبين التجارة الداخلية، كذلك أسباب قيام التجارة الخارجية وأهميتها .

1.  مفهوم التجارة الدولية

       تعددت التعاريف بخصوص تحديد مفهوم واحد للتجارة الدولية ، ولكن اغلب الأدبيات الاقتصادية تتفق على أن التجارة الدولية تتضمن دراسة المعاملات التجارية التي تعبر الحدود الوطنية، وعليه يمكن تحديد مفهوم التجارة الدولية في مجموعة من التعاريف منها:

التعريف الأول:

      تعرف التجارة الخارجية بأنها: " أحد فروع علم الاقتصاد التي تختص بدراسة المعاملات الاقتصادية الدولية، ممثلة في حركات السلع والخدمات ورؤوس الأموال بين الدول المختلفة فضلا عن سياسات التجارة التي تطبقها دول العالم للتأثير على حركات السلع والخدمات ورؤوس الأموال بين الدول المختلفة " .

التعريف الثاني:

       يعرف العديد من الاقتصاديين نظرية التجارة الدولية International Trade Theory " على أنها تمثل ذلك العلم الذي يقوم بدراسة وتحليل المشكلة الاقتصادية في إطارها الدولي، و على هذا الأساس تلعب التجارة الدولية دورا هاما في اقتصاديات الدول المختلفة، و ذلك مهما كان مستوى نموها الاقتصادي. فعن طريق الواردات تستطيع الدول الحصول على ما تحتاج إليه من سلع و خدمات من الدول الشريكة، و عن طريق الصادرات فإنها تستفيد من مكاسب و مزايا التخصص الدولي، و بالتالي تحقيق مستوى أعلى من الرفاهية الاقتصادية و الاجتماعية ".

التعريف الثالث:

      أما المفهوم العام للتجارة الخارجية هو أن" المعاملات التجارية الدولية في صورها الثلاثة المتمثلة في انتقال السلع و الأفراد و رؤوس الأموال، تنشأ بين أفراد يقيمون في وحدات سياسية مختلفة أو بين حكومات و منظمات اقتصادية تقطن وحدات سياسية مختلفة".

       ومن خلال التعاريف السابقة يمكن أن نعرف التجارة الخارجية على أنها ظاهرة اقتصادية تخضع لمجموعة من الجوانب السياسية، أو بعبارة أخرى هي الصفقات العابرة للحدود، ويمكن أن نصنف الصفقات التي تتضمنها إلى:

1.    تبادل السلع المادية: وهي حركة السلع المنظورة ( الملموسة) وتشمل السلع بشتى أنواعها سواء السلع الاستهلاكية والسلع الإنتاجية والمواد الأولية والسلع نصف المصنعة والسلع الوسيطية.

2.    تبادل الخدمات: والتي تتمثل في حركة السلع غير المنظورة ( الغير ملموسة)، وتشمل خدمات النقل والتأمين ، الخدمات البنكية والمصرفية ، السياحية وغيرها .

3.    تبادل النقود: وتشمل حركة رؤوس الأموال لأغراض الاستثمار سواء كانت على المدى القصير أو على المدى الطويل ،كما يمكن أن تشمل كذلك على القروض الدولية.

4.    تبادل اليد العاملة: وهو انتقال اليد العاملة من دولة إلى أخرى، أو بمعنى أخر هو كل ما يشمل تبادل عنصر العمل على المستوى الدولي أي اليد العاملة العابرة للحدود، بالإضافة إلى الهجرة.

2. الاختلاف بين التجارة الخارجية والتجارة الداخلية

        يختلف مفهوم التجارة الخارجية عن التجارة الداخلية، فالأولى تقوم بين أطراف دولية تفصل بينها حدود سياسية، وأنظمة، وقوانين، وآليات، ليست قائمة بين أطراف التداول في السوق التجارية المحلية. و يمكن النظر إلى التجارة الخارجية على أنها ذلك النوع من التجارة الذي ينصب على كتلة التدفقات من السلع المنظورة (الصادرات والواردات)، التي تؤلف مجمل الإنتاج السلعي المادي الملموس من جهة، وعلى كتلة التدفقات الخدماتية غير المنظورة (الصادرات والواردات) والتي تتألف أساسا من خدمات النقل الدولي بأنواعه، وخدمات التأمين الدولي، وحركة السفر والسياحة العالمية، والخدمات المصرفية الدولية وغيرها من جهة أخرى، وعلى ذلك فإن للتجارة الخارجية طبيعة خاصة بها، تختلف عن طبيعة التجارة الداخلية في الدولة الواحدة.

            ويمكن إجمال أهم نقاط الاختلاف الجوهرية بين التجارة الخارجية (الدولية) والتجارة الداخلية (الوطنية) فيما يلي:

1- حركية عناصر الإنتاج:

      ويقصد بحركية عناصر الإنتاج والمتمثلة أساسا في العمل، رأس المال، الموارد الطبيعية ومدى قدرتها على التحول أو الانتقال من نشاط إلى آخر أو من مكان إلى آخر حسب اختلاف معدلات عوائدها في كافة الأنشطة الاقتصادية.

      و " عند تفرقتهم بين الاقتصاد الدولي و الاقتصاد المحلي أشار الاقتصاديون الكلاسيك أساسا إلى مسألة تحرك عناصر الإنتاج. فبينما قالوا أن عناصر الإنتاج تستطيع أن تتحرك بسهولة داخل البلد الواحد وفقا لمستويات العوائد التي يمكن أن تحصل عليها الأنشطة المختلفة، أنكروا حدوث هذا دوليا. فالعمل أو رأس المال يمكن أن ينتقل من نشاط اقتصادي إلى آخر أو من مكان إلى مكان آخر داخل البلد الواحد دون أي تعقيدات تذكر. وبالنسبة للأرض فإنه بالرغم من ثباتها الطبيعي إلا أنه يمكن تحريكها من جهة استخدامها و ذلك بتغيير شكل النشاط الذي تقوم به، واستطرد الاقتصاديون النيوكلاسيك في نفس الاتجاه ورأوا أنه حيث تتم تحركات عناصر الإنتاج داخل البلد بسهولة وفقا لإمكانية تحصيل عوائد أكبر فإن النتيجة النهائية هي تساوي هذه العوائد في جميع الأنشطة الاقتصادية. وهنا يقال أن هذه العناصر الإنتاجية قد وزعت توزيعا أمثلا.. هذا الموقف لا يحدث على المستوى الدولي وفقا لهذا التحليل ".

   2- تباين واختلاف السياسة التجارية:

       يتم التفرقة بين التجارة الخارجية والتجارة الداخلية على أساس درجة الحرية في تجارة السلع والخدمات ، فيما يسمى بالسياسة التجارية والمتمثلة في مجموع القواعد والإجراءات التي تطبقها الدولة على تجارتها ، وبصفة عامة تنقسم السياسات التجارية إلى نوعين أولهما سياسة الحرية التجارية ،و ثانيهما سياسة الحماية أو تقييد التجارة ، وعادة تتم التجارة الداخلية دون وجود أي قيود على حركة التجارة أو حركة السلع و الخدمات ومن ثم يتم إتباع سياسة الحرية التجارية ، أما على مستوى التبادل الدولي فيتم تقييد حركة السلع و الخدمات أي إتباع سياسة الحماية .

 3- تباين واختلاف الوحدات السياسية فيما بينها:

      " تقوم العلاقات الاقتصادية الداخلية بين الأفراد ووحدات تضمنهم حدود سياسية واحدة، وبالتالي يخضعون لقانون واحد و عادات وتقاليد و نظم تجارية واحدة، في حين أن التجارة الدولية تقوم بين الأفراد و وحدات ينتمون لدول مختلفة، لكل منها قانونها و تقاليدها و نظمها الاقتصادية والاجتماعية و السياسية ".

      فالفرد العادي في ممارسته النشاط التجاري مثلا، يخضع لمجموعة من القوانين التي تنظم هذا النشاط، من حيث أسلوب الممارسة، و من حيث نوعية ومواصفات السلع التي يسمح بتبادلها، ومن حيث الطريقة التي تسوى بها المنازعات التي يمكن أن تنشأ عن المعاملات التجارية. وعادة ما يكيف الفرد نفسه لمثل هذه القوانين، ويحدد نشاطه على أساسها. وعلى أساس ذلك فإن تعامله مع أفراد ينتمون إلى مجتمع آخر ويخضعون لقوانين أخرى يتطلب منه بعض أنواع من الترتيبات القانونية أو التنظيمية التي قد لا تحتاج إليها في معاملاته الداخلية، وهذا من شأنه أن يجعل التبادل الداخلي ذو طبيعة تختلف عن طبيعة التبادل الخارجي.

 4- الاختلاف في الأسواق:

      و" يقصد به انفصال الأسواق عن بعضها البعض بمجموعة من الحواجز الطبيعية والإدارية والسياسية. فالحواجز الطبيعية ترفع من كلفة نقل السلع عند انتقالها، وإن كان هذا العنصر قد فقد الكثير من أهميته بسبب التقدم الكبير الذي طرأ على وسائل النقل والمواصلات. كما أن الإجراءات الإدارية على الحدود تعرقل من انتقال السلع دوليا، وهذه العراقيل تنتفي على الصعيد الدولي ".

5- الاختلاف في الوحدات النقدية والنظم المصرفية:

      لكل دولة عملتها النقدية الخاصة بها، والتي تسمى بالعملة المحلية ويتم بها تسوية كافة المعاملات التجارية و المالية في الاقتصاد المالي لبلد ما باستخدام العملة المحلية لهذا البلد ،ولا يملك أي أحد الحق القانوني أن يرفض قبولها ،أما حينما يرغب المواطنون في شراء أي سلع أو خدمات في بلد أجنبي فلابد لهم أن يحصلوا أولا على قدر من عملته النقدية يساوي قيمة هذه السلع و الخدمات المطلوبة .و لهذا يتم تسوية العملات المالية و التجارية الدولية باستخدام عملات مختلفة، ويتطلب الأمر تحويلها إلى بعضها البعض، و هذا أحد العوامل الهامة التي تميز التجارة الخارجية عن التجارة الداخلية.

     وبالإضافة إلى اختلاف وحدات النقود بين البلدان المختلفة، هناك أيضا الاختلاف في النظام المصرفي، سواء كان بالنسبة لعملية إصدار البنكنوت، أو بالنسبة لعملية الودائع، أو منح الائتمان. و"لعل اختلاف شروط منح الائتمان من دولة إلى أخرى تشكل العامل المهم في التفرقة بين التجارة على المستوى الدولي وبين التجارة على المستوى المحلي، فالبنوك عادتا لا تتشدد كثيرا في منح القروض لتمويل عمليات التبادل على المستوى المحلي، في حين أن تمويل التجارة الخارجية يتطلب إجراءات أكثر تعقيدا".

 


Modifié le: mercredi 18 février 2026, 14:08