تمهيد:

      " لا يمكن أن نتصور في الواقع العملي أن تقوم دولة ما بمفردها، وفي عزلة عن العالم الخارجي بإنتاج كل ما يحتاجه سكانها من السلع و الخدمات، وإنما هناك بعض الظروف الاقتصادية، الطبيعية، المناخية، والجغرافية وحتى التاريخية تسمح لهذه الدولة بإنتاج سلع معينة دون غيرها وبتكاليف أقل وكفاءة عالية، مما تجعلها تتخصص في إنتاج هذه السلع أو الخدمات دون غيرها، ووفقا للمبدأ المعروف "التخصص" أو "تقسيم العمل" فتتبادل البعض منها مقابل حصولها على سلع لا تستطيع أن تنتجها بنفس الكفاءة التي تنتج بها على مستوى الأسواق الدولية ". لذا فإن التخصص تفرضه عوامل طبيعية أكثر منها اقتصادية.

2- العوامل المؤثرة في تشكيل التخصص الدولي:

    هناك عدة عوامل رئيسية تؤثر في قيام و تشكيل هيكل التخصص الدولي ويمكن أن نذكر منها:

 2-1- التفاوت في الموارد الطبيعية:

      " تختلف دول العالم اختلافا شاسعا فيما وهبتها الطبيعة من ثروات طبيعية كالأراضي الزراعية، والمعادن كالحديد، النحاس، الفحم، والبترول. فالدول التي تتوفر بها الأراضي الزراعية في إنتاج بعض المحاصيل الزراعية مثل كندا، استراليا، مصر، وأمريكا. والدول التي بها حقوق للبترول تتخصص في إنتاج البترول مثل الكويت، المملكة العربية السعودية، العراق، ودول الخليج العربي "

      وكذلك الوضع بالنسبة للدول التي لديها مناجم للفحم، الحديد، والنحاس وغيرها من المعادن. كما تتفاوت أيضا دول العالم تفاوتا كبيرا في توافر مساقط المياه الطبيعية الصالحة لتوليد القوى الكهربائية. فبعض الدول تمكنت من تعويض فقرها في مصادر الوقود المعدني كالفحم والبترول باستغلال المساقط المائية في توليد القوى المحركة اللازمة لقيام الصناعات كسويسرا، النرويج، السويد، وإيطاليا. وهكذا يختلف التخصص من دولة إلى أخرى حسب تفاوت الموارد الطبيعية ويتم التبادل الدولي على أساس هذا التخصص.

2-2- التفاوت في عرض العمل:

      ليس فقط العامل الطبيعي هو المؤثر على التخصص الدولي و إنما كذلك عرض العمل والخبرات الفنية تؤثر كذلك هي الأخرى عليه فعرض العمالة في الدول المكتظة بالسكان يكون كبير وهو ما يؤثر بدوره على الأجور حيث تكون زهيدة مما يجعل هذه الدول تلجأ إلى السلع ذات الكثافة العالية للعمال مثل: الصناعات الفلاحية التقليدية. أما الدول التي يكون فيها قلة العمالة فيكون فيها ارتفاع الأجور مما يؤدي بهذه الدول إلى إنتاج السلع ذات الكثافة الرأسمالية العالية .

 2-3- التفاوت في كمية رؤوس الأموال :

      إن الرصيد الضخم من رؤوس الأموال الذي تتمتع به الدول الصناعية وبعض الدول النفطية التي يمكن استخدامها في استغلال مواردها وارتفاع الدخل القومي في مثل هذه البلدان يساعدها على زيادة رأس المال عن طريق زيادة مدخراتها ويمكن أن تستثمر هذه الدول أموالها في الخارج، كما يمكن أن تصدر أموالها على شكل ديون دولية.

     " أما الدول المتخلفة اقتصاديا فإنها تعاني من قلة الأموال لديها، الأمر الذي عرقل و لا يزال، خططها التنموية. وهذه الدول تجابه صعوبات كبيرة في تنمية رأس مالها نظرا لانخفاض مستوى الدخل القومي لديها ولتواضع لديها ما تستطيع إن تخصصه لاستثمار مواردها الطبيعية ". 

 2-4- التفاوت في تكاليف النقل:

      إن تكاليف نقل السلعة تؤثر على مدى اتساع سوق هذه السلعة، إذا أنها تضاف إلى تكلفة الإنتاج ومن ثمة إلى الثمن وعلى ذلك الدولة التي تستطيع إقامة صناعات بالقرب من السواحل والموانئ يمكنا توسيع نطاق تصريف منتجاتها عن الدولة لا تهيأ لها نفس الظروف لأن تكاليف النقل البحري أو تقل كثيرا عن تكاليف النقل الجوي أو البري ولا ريب أن لذلك أثر على التخصص لأن المنتجين يتجهون إلى التخصص في إنتاج السلع التي يسهل نقلها لمسافات طويلة أو التي تنخفض تكاليف نقلها إلى الأسواق تاركين للمنتجين القريبين من هذه الأسواق مهمة المسافات الطويلة أو مهمة إنتاج السلع التي ترفع تكاليف نقلها.

2-5- فروقات الأسعار:

      يرجع البعض إلى أن السبب الأساسي لقيام التجارة الدولية هو اختلاف في الأسعار فغالبا ما نجد الدولة تستورد من الخارج سلع وخدمات بالرغم من أنها تستطيع إنتاجها محليا لكن بأسعار أقل ، فغالبا ما نجد أن المنتج يعرض منتجاته في الأسواق مرتفعة الثمن أما المستهلك فيلجا إلى السلع التي تكون منخفضة الثمن حتى ولو كانت مستوردة من الخارج.

2-6- التفاوت في التكنولوجيا الحديثة:

      و" المقصود بذلك هو أن الدولة التي يتوافر لها السبق في استحداث التكنولوجيا الجديدة (سواء عن طريق الاختراع أو الابتكار)، تصبح في وضع يسمح لها بإنتاج سلع ومعدات إنتاجية غالية الثمن وعلى جانب كبير من التعقيد الإنتاجي و مثل هذه السلع بالطبع لا تكون موجودة في الدول الأخرى على الأقل في فترة ظهورها ، يؤثر المستوى التكنولوجي الاقتصادي تأثيرا كبيرا في التجارة الخارجية، وترتبط مظاهر النشاط الاقتصادي ونجاحه ارتباطا وثيقا بتطور السكان، فكلما اختلفت المستويات الفنية والتكنولوجية اختلافا كبيرا من دولة لأخرى، ومن منطقة إلى منطقة، تختلف بالمثل درجة الاستفادة من الموارد الطبيعية الموجودة الظاهرة منها والكامنة بين دولة وأخرى ".

 

 

 

 

 


Modifié le: mercredi 18 février 2026, 14:16