تمهيد:

      إن السياسة التجارية ما هي إلا جانب من جوانب السياسة الاقتصادية والتي تتعلق أساسا بتنظيم التجارة الدولية، وإن تطبيق هذه السياسات التجارية تكون وفق ثلاث أنماط:

1- سياسة التجارة الخارجية الدولية:

     وهي السياسات التي تكون في إطار المنظومة العالمية وهذا من أجل تنظيم التبادل الدولي وأكبر مثال هو سياسة تحرير التجارة العالمية وفق اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة (OMC).

2- سياسة التجارة الإقليمية :

     وهي السياسات التي تتخذها مجموعة من الدول لتحقيق مصلحة مشتركة ومن أمثلة ذلك: منطقة التبادل الحر، الاتحادات الجمركية، السوق المشتركة، الإتحاد الاقتصادي الكامل.

3- سياسة التجارة الخارجية المحلية (الوطنية):

    يقصد بها السياسات التي تتخذها الدولة لتنظيم مجال التجارة الخارجية على المستوى الداخلي.

 المطلب الثاني: أنواع السياسة التجارية الخارجية:

     تقسم السياسات التجارية الخارجية من طرف الاقتصاديين إلى نوعين رئيسيين هما:

ü   سياسة التجارة الحمائية .

ü   سياسة حرية التجارة.

1- سياسة التجارة الخارجية الحمائية :

1-1- تعريف السياسة التجارية الحمائية :

          تتمثل سياسة الحماية التجارية في قيام الحكومة بتقييد حركة التجارة مع الدول الأخرى بإتباع بعض الأساليب كفرض الرسوم الجمركية على الواردات أو وضع حد أقصى لحصة الواردات خلال فترة زمنية معينة ، مما يوفر نوعا من الحماية للأنشطة المحلية من منافسة المنتجات الأجنبية.

وتسمى كذلك هذه السياسة بسياسة تقييد التجارة الخارجية.

1-2-  حجج أنصار سياسة الحماية التجارية :

       هناك عدة حجج يعتمد عليها المؤيدون لسياسة حماية التجارة الدولية ومن بين أهم هذه الحجج نذكر:

1-2-1- حماية الصناعات الوطنية الناشئة:

      يمكن تلخيص هذه الحجة في ان نفقات الصناعات في مراحل بدايتها الاولى تكون مرتفعة نظرا لعدة عوامل لذالك يجب حمايتها حتى تنخفض هذه النفقات وتتمكن الدولة من اكتساب مزايا التصنيع عندئذ تستطيع إزالة الحماية دون أي ضرر. وقد اعتبرت هذه الحجة من أهم الحجج و "التي تجد رواجا لدى الرأي العام في الدول المختلفة، وهي حجة قديمة ترجع إلى أوائل القرن التسع عشر و قد اشتهرت بنسبتها إلى الكاتب الألماني (فرد ريك ليست) إذ استعملها للمنارة بضرورة تصنيع وطنه و حمايته من المنافسة الانجليزية. و قد بسطها في كتابه المشهور (النظام الوطني للاقتصاد السياسي) عام 1841م ".

        وتشير هذه النظرية على  وجوب قيام الدولة بحماية الصناعات الناشئة والتي من الممكن أن لا تستطيع الصمود في وجه منافسة الصناعات الأجنبية، التي تميزت عليها بالتفوق سواء بالتجربة الطويلة أو الأيدي العاملة الخبيرة، مما يمكنها من التمتع بمزايا الإنتاج الكبيرة و الإنتاج بنفقة أقل من النفقة التي تنتج بها الصناعات الناشئة في البلدان التي بدأت نهضتها الصناعية متأخرة. فلكي تشجع الصناعة الناشئة على منافسة الصناعة القومية الآتية من الخارج ينبغي حمايتها عن طريق فرض رسوم جمركية، إذ يترتب على فرض هذه الرسوم ارتفاع سعر السلعة في الداخل عنه في الخارج.

1-2-2- معالجة البطالة و تحقيق مستوى التوظيف:

     يرى أنصار الحماية التجارية أن الحل الأمثل لتخليص الاقتصاد الوطني من حالة الكساد وزيادة حدة البطالة هو فرض ضريبة جمركية على الواردات قصد إعادة توجيه الدخل الوطني المنفق على الصناعات الأجنبية نحو تشجيع قيام صناعات منافسة للواردات عن طريق تحويل الإنفاق من السلع الأجنبية إلى السلع المحلية، و بالتالي زيادة الطلب على هذه الأخيرة و على عوامل إنتاجها مع ارتفاع معدلات التشغيل بها.
لتخليص الاقتصاد الوطني من حالة الكساد وزيادة حدة البطالة هو فرض ضريبة جمركية
على الواردات قصد إعادة توجيه الدخل الوطني المنفق على الصناعات الأجنبية نحو
تشجيع قيام صناعات منافسة للواردات عن طريق تحويل الإنفاق من السلع الأجنبية إلى
السلع المحلية، و بالتالي زيادة الطلب على هذه الأخيرة و على عوامل إنتاجها مع
ارتفاع معدلات التشغيل بها.

       " في الوقع هذه الحجة ضعيفة  لأن احتمال نجاح سياسة الحد من الواردات في تحقيق المزيد من العمالة في الداخل ضئيل جدا، حيث يتوقف نجاح مثل هذه السياسة على مدى قدرة الدولة على تخفيض وارداتها دون إحداث أي تخفيض في صادراتها كذلك ستقوم الدولة التي أغلقت الأبواب في وجه صادراتها بإجراء مماثل و تمنع هي الأخرى صادرات تلك الدول من الدخول إلى أراضيها".

1-2-3- مكافحة سياسة الإغراق:

      يعتبر الاغراق وسيلة غير مباشرة لكسب السوق الخارجية على حساب المنتجين المحليين في هذه السوق ، حيث " يرى أنصار الحماية بضرورة فرض رسوم جمركية على الواردات في حالة ثبوت ممارسة المصدر الأجنبي للإغراق السوقي، فالإغراق هو أن يبيع المنتج الأجنبي لسلعه في الأسواق المحلية بأقل من السعر التي تباع فيه في السوق الداخلية، ويقصد كذلك بالإغراق انتهاج الدولة نهجا احتكاريا معين لسياسة تعمل على التمييز بين الأسعار السائدة في الداخل والأسعار السائدة في الخارج، هذا باعتبار أن الإغراق هو عبارة عن منافسة غير نزيهة وغير مشروعة. إلا أن الحماية هنا تكون مؤقتة وتزول بزوال حالة الإغراق ".

     وللإغراق ثلاث أنواع: الإغراق العارض والإغراق المؤقت، الإغراق الدائم وكل نوع يختلف عن الأخر:

1-2-3-1- الإغراق العارض:

       ويحدث هذا النوع من الإغراق إذا كان لدى احد المنتجين كمية معينة وقابلة للتلف او أوشكت على التلف، فيقوم بعرضه بسعر أقل من سعر التكلفة واقل من السعر السائد في السوق.

ويعتبر أقل أنواع الإغراق خطرا.

1-2-3-2- الإغراق المؤقت:

     وهو ذلك النوع من الإغراق الذي تستخدمه بعض الشركات بهدف القضاء على منافسيها في سوق معينة، وهذا النوع يحصل كثيرا على المستوى الدولي، حيث كثيرا ما نجد بعض الشركات تخفض من أسعار منتجاتها بهدف جذب المستهلكين على حساب المنتجين الآخرين. ويسمى كذلك هذا النوع من الإغراق بالإغراق الهجومي.

1-2-3-3- الإغراق الدائم:

     ويعتبر أكثر أنواع الإغراق خطرا، فهو بيع السلع بأسعار منخفضة في الأسواق الخارجية وبصفة دائمة، وهذا بعكس الأسعار التي تكون مطبقة في السوق المحلية.

 1-2-4- تحقيق الاستقرار الاقتصادي:

         تعتبر التجارة الخارجية وسيلة اتصال بالخارج لذا فإن أي تقلبات اقتصادية خارجية عنيفة كالتضخم أو الانكماش قد ينعكس على الاقتصاد الوطني بالسلب لذالك فمن الضروري وضع سياسة لحماية الاقتصاد الوطني من خطر التقلبات، وهو من الحجج التي يركز عليها أنصار تقييد التجارة الخارجية. أي أن " فرض تعريفة جمركية يؤدي إلى تحسن شروط التبادل لصالح البلد الذي يفرضها وبالتالي ارتفاع مستوى الرفاهية الاقتصادية. ذلك لأن البلد الذي يفرض التعريفة الجمركية على سلعة ما مستوردة سوف يحصل على كم أكبر من هذه السلعة مقابل كم معين من السلعة التي يصدرها. بعبارة أخرى أن السعر الحقيقي للسلعة المستوردة سوف ينخفض، بعد فرض التعريفة الجمركية عليها، بالنسبة للسلعة المصدرة، وذلك مع إثبات جميع العوامل الأخرى ". و معنى هذا أن البلد الذي فرض التعريفة الجمركية سوف يحسن من مستوى الرفاهية الاقتصادية له، وكذلك شرط التبادل التجاري. هذه المناقشة تعتمد على فرض جوهري لأن البلد الذي يقوم بفرض التعريفة الجمركية لن يتعرض لمعاملة مماثلة من البلدان الأخرى لأن هذه الأخيرة سبق أن تعرضت سلعتها للتعريفة الجمركية لذا يقوم هو بدوره إلى فرض تعريفة جمركية على سلع البلد الذي بدأ بهذه السياسة. فإذا حدث هذا تعود الأمور إلى سابقها بالنسبة لشروط التبادل، وربما أسوأ في حالة تعريفة جمركية انتقامية أكثر ارتفاعا من التعريفة التي بدأ بها البلد الأول و أنه سوف يتعرض للتدهور في حالة حرب التعريفة بين البلدان على مستوى الرفاهية الاقتصادية وبالتالي انخفاض في حجم التبادل التجاري للجميع. وأن الغالب على العلاقات الاقتصادية الدولية هو المعاملة بالمثل.

1-2-5- الحصول على إيراد لخزانة الدولة:

        إن التعريفة الجمركية أو الضرائب على الواردات تعتبر من بين الايرادات العامة لخزينة الدولة والتي يتم من خلالها تغطية الإنفاق العام ، لذا فإنه " يعتقد أنصار هذه الحجة أن فرض الضرائب الجمركية على واردات الدولة سيزيد من إراداتها لأن الطرف الأجنبي المصدر لهذه الواردات هو الذي سيقع عليه في النهاية عبء هذه الضريبة. ورغبة منه في تخفيض قيمة الضريبة فإنه سيعمد إلى تخفيض أثمان صادراته إلى الدولة، وبالتالي تستفيد الدولة المستوردة من جهتين الأولى زيادة الحصيلة الضريبية، أما والثانية انخفاض أثمان الواردات وتحسين معدل التبادل".

      يمكن توجيه النقد لهذه الحجة على النحو التالي: أن انخفاض أثمان السلع المستوردة يتوقف على حجم مشتريات الدولة منها، فإن لم يكن هذا الحجم كبيرا بما فيه الكفاية للتأثير على المنتج الأجنبي فلن يعمد إلى تخفيض ثمن سلعته. كما أن تخفيض الثمن يتوقف على ظروف إنتاجها و مرونة عرضها. بل إن الاحتمال الأقرب هو ارتفاع ثمن بيع السلعة. المستوردة بعد فرض الضريبة الجمركية عليها مما يعني إضافة عبء جديد على عاتق المستهلكين. أضف إلى ذلك أن الدولة المصدرة ستقوم كذلك، بفرض ضرائب جمركية على وارداتها من الدولة المذكورة و قد يكون ما لم تحصله الدولة من ضرائب جمركية على وارداتها قد فقدته في صورة ضرائب جمركية على صادراتها.

1-2-6- اجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار المباشر:

      قد يتم فرض رسوم جمركية عالية على واردات السلع التي تنوي الدولة انتاجها محليا، وذالك قصد إجبار الشركات الاجنبية على إقامة فروع لها في هذه الدولة في شكل استثمارات أجنبية مباشرة لتتجنب الرسوم الجمركية المفروضة هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فقد "يستخدم إجراء الحماية بقصد تشجيع صناعة وطنية يعتمد قيامها على رأس المال الأجنبي، فيساعد على ذلك زيادة الدخل القومي حيث يزداد الإنفاق الكلي بزيادة التشغيل. كما يساعد رأس المال الأجنبي وما يصاحبه من أساليب فنية جديدة مستخدمة في الإنتاج على تطوير فنون الإنتاج محليا و الارتفاع بكفاءته. و لكن جانبا آخر لسياسة جذب الاستثمارات الأجنبية يمكن أن يبدو في صورة إضرار بالاقتصاد الوطني، و هو تسرب جانب هام من الفائض الاقتصادي المتولد عن تلك الاستثمارات إلى الخارج في شكل فوائد للقروض أو جزء من الأرباح". و التقييم النهائي لسياسة الحماية من أجل جذب راس مال أجنبي يتوقف على ضوابط تلك السياسة و توجيهها من جانب الدول الملتقية لرأس المال لإحكام دوره و تحديد مساره في جهود الإنماء الاقتصادي بها، فضلا عن منع المغالاة في تسرب الأرباح إلى الخارج. حيث يمكن في ظل تلك الضوابط أن يساعد رأس المال الأجنبي على النهوض بمستوى الدخل القومي ودفع تنمية بعض فروع الإنتاج الجديدة و الاستفادة بذلك من تأثير المضاعف في إنعاش فروع الإنتاج الموجودة بالفعل.

      وما يمكن قوله في هذا الصدد، ومن خلال هذه الحجج المقدمة وغيرها من الحجج التي لم نتطرق لها، هو أن حجج أنصار الحماية التي تستند إلى اعتبارات اقتصادية، هي في الغالب حجج غير مقبولة ولا تستند إلى أي أساس متين لدى غالبية مفكري الاقتصاد الدولي.

2- سياسة الحرية التجارية:

2-1- تعريف سياسة الحرية التجارية:

        قد يتعارض أنصار الحماية على ما جاء به أنصار حرية التجارة من مزايا إلا أنهم يرون أن ظروفا معينة تقتضي تطبيق شكل من أشكال الحماية. وعلى ذلك فإن أنصار الحماية لا يتعارضون على حرية سياسة التجارة و نعرف سياسة حرية التجارية بأنها:  " تلك السياسات التي تقوم على إصدار القوانين و اللوائح و اتخاذ الإجراءات التنفيذية اللازمة لإزالة وتحقيق القيود على علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع العالم الخارجي ".

وهناك أربعة أشكال لتحرير التجارة:

أ‌.     التحرير من جانب واحد: وفيه تقوم الدولة بمفردها بإزالة الحواجز الحمائية، حيث ترى الدولة أنها تصبح أكثر استفادة من التجارة الدولية من خلال خفض القيود أمام باقي الدول.

ب‌. التحرير الثنائي: حيث تتفاوض دولتين على تخفيض الحماية بالنسبة لتجارتها معا.

ت‌. التحرير الإقليمي: وتقوم فيه مجموعة من الدول بتطوير ترتيبات التجارة الإقليمية فيما بينها، بحيث تحصل الدول أعضاء التكتل على مزايا متبادلة في التبادل التجاري، وغالبا ما تكون هذه الترتيبات تشمل إقامة منطقة تجارة حرة فيما بينها.

ث‌. التحرير متعدد الأطراف: وفيه يتم التحرير على مستوى العالم من خلال اتفاقية مفتوحة لإنضمام الدول.

2-2- حجج أنصار سياسة الحرية التجارية :

      من التعريف السابق نستخلص أن أنصار سياسة الحرية للتجارة الخارجية ينادون بإزالة كافة القيود والعراقيل، و يستندون إلى مجموعة من الحجج أهمها:

أ‌.     " يرى أنصار الحرية أنها تتبع الدولة التمتع بمزايا تقسيم العمل والتخصص الجغرافي وتقسيم العمل و يتوقف على مدى اتساع السوق فإذا كان هناك حرية في التبادل فإن السوق تصبح واسعة وشاملة الأسواق عدد كبير من الدول، وممكن في هذه الحالة أن يكون تقسيم العمل على نطاق دولي".

ب‌. تخفيض الحواجز الجمركية يؤدي إلى النمو الاقتصادي و يسهل في الحصول على السلع الرأسمالية.

ت‌.  " حجة أخرى تضاف لصالح حرية التجارة على أنصار الحمائية، هو أن مختلف الدراسات حول تأثير التعريفة الجمركية والحصص وضريبة دعم التصدير وغيرها من التدابير تعطي نفس النتيجة فهي تساعد على خفض رفاهية البلاد".      

ث‌. إن تبني هذا النوع من السياسة يؤدي إلى انتعاش التجارة و هذا نتيجة توسع الأسواق أمام الصادرات و المنتجات.

ج‌. كذلك سياسة الحرية التجارية تسمح بانخفاض أسعار السلع الدولية المستوردة وهذا باعتمادها مبدأ التخصص و تقسيم العمل.

ح‌. إن إتباع سياسة الحرية التجارية تحد من احتكار السوق حيث أنه لا يستطيع المنتج احتكار السوق وحده و فرض الأسعار التي تناسبه، فبوجود حرية تجارية يمكن أن تستورد سلع من الخارج بأسعار منخفضة.

خ‌. تؤدي سياسة الحرية التجارية إلى ترقية الصادرات ،و هذا من خلال إتباع إستراتيجية الإشباع من حيث التصدير.

 


Last modified: Wednesday, 18 February 2026, 2:33 PM