تمهيد:

     هناك عدة أدوات للسياسة التجارية والتي تستخدمها الدولة للتأثير على حركة التجارة الخارجية أو الحجم المتاح من الصرف الأجنبي، بغية تحقيق أهداف اقتصادية أو اجتماعية أو حتى سياسية. وتتعدد وسائل تلك السياسة، والتي هي جزء من السياسة الاقتصادية بصفة عامة، تبعا للنظام الاقتصادي السائد، فيمكن التمييز بين الوسائل السعرية والوسائل الكمية والوسائل التنظيمية.

1- الوسائل السعرية:

      و تتضمن أساسا الرسوم الجمركية، أسلوب الإعانات، والإغراء والرقابة على الصرف الأجنبي:

1-1- الرسوم الجمركية:

     هي عبارة عن ضريبة تفرضها الدولة على سلعة معينة عند عبورها للحدود سواء عند دخولها أو حتى خروج هذه السلعة. والرسوم الجمركية يمكن تقسيمها حسب عدة أسس أهمها:

على أساس تقدير الرسم:

أ. الرسوم النوعية:

      وهي ضريبة تفرض على وحدة السلعة المستوردة فقط وهذا بغض النظر عن سعر هذه السلعة، وهذه الضريبة تكون ثابتة حسب طبيعة السلعة سواء الوزن والحجم أو الطول.

ب. الرسوم القيمية:

       وتعتبر الأكثر استعمالا من طرف الدولة، وهي عبارة عن ضريبة تفرض على السلع سواء المستوردة أو المصدرة تحدد بنسبة مئوية من قيمة السلعة ككل.

ج. الرسوم المركبة:

       وهي تتضمن رسم قيمي معين يضاف إليه رسم نوعي وهذا بغرض التمييز بين السلعة الواحدة.

د. الرسوم الإسمية:

      وتهدف إلى إبقاء أسعار السلع شبه ثابتة، فإذا ارتفعت مثلا أسعار السلع في الأسواق الخارجية يخفض الرسم والعكس أي إذا انخفض ثمنها في الخارج ترفع من قيمة الرسم.

1-2- الإغراق:

      يتمثل في بيع السلع المنتجة محليا في الأسواق الخارجية بثمن يقل عن نفقة إنتاجها، أو يقل عن أثمان السلع المماثلة أو البديلة في تلك الأسواق، أو يقل عن الثمن الذي تباع به في السوق الداخلي. فهو إذن نظام البيع بثمنين، احدهما مرتفع في السوق الداخلي حيث تنتج السلعة، والأخرى منخفض في السوق الخارجي. "والغرض الواضح من الإغراق هو كسب الأسواق الخارجية بالقضاء على كل منافسة محتملة. فالسلعة قد تباع في الخارج بثمن يقل عن نفقات إنتاجها. ومعنى هذا أن المنتجين يتنازلون عن كل ربح، وقد تلحق بهم الخسارة. وهذا لا يفسر إلا برغبتهم في القضاء على المنافسين والاستيلاء على الأسواق. ولذلك لا يتم البيع بالثمن المنخفض لأمد طويل".

1-3- الإعانات:

       فالإعانات هي عبارة عن مبلغ نقدي تمنحه الدولة للمشتري لكي يستفيد منه استفادة جزئية أو كلية، وقد تأخذ الإعانة شكل إعانة مباشرة يحصل عليها المشتري، أو أنها تأخذ شكل إعانة غير مباشرة تمنحها الحكومة للبائع بغرض تخفيض السعر أو منعه من الارتفاع نتيجة لارتفاع تكاليف الإنتاج. ومن أهم هذه الإعانات نذكر: الإعانات التي تمنح للصادرات بغرض تشجيعها، أو تلك الإعانات التي تمنح للإنتاج الوطني بغرض تمكينه من منافسة الواردات الآتية من الخارج (الواردات الأجنبية). 

      وقد تكون الإعانة مباشرة أو غير مباشرة:

الإعانة المباشرة: وتسمى كذلك بالإعانات الصريحة، وهي تقرر في العادة في صورة مبلغ مالي معين عن كل قيمة أو كمية مصدرة من السلعة.

ب-إعانات غير مباشرة:  تتمثل في منح المشروع بعض الامتيازات والتي يكون الغرض منها تحسين حالته المالية، ومن الأمثلة على ذلك:

- الإعفاءات الضريبية: ومنها الاستثناء من بعض الضرائب أو الخفض من معدلاتها أو رد ما دفع منها.

- التسهيلات الائتمانية: سواء ما يتعلق بالقروض قصيرة أو طويلة الأجل وذلك بخفض أسعار الفائدة وتمديد أجال الدفع، تقديم بعض الخدمات كالاشتراك في الأسواق والمعارض الدولية.

       غير أن الإعانة قد تدفع بالبلد المستورد إلى اتخاذ إجراءات مضادة، فقد يفرض هذا البلد رسما جمركيا إضافيا مساويا لمقدار الإعانة على السلعة التي منحت الإعانة وقد يمنح البلد المستورد للمنتجات الوطنية إعانات مماثلة حتى تستطيع منافسة السلع التي تم إعانتها في الأسواق الخارجية.

  1-4- الرقابة على الصرف:

    يعتبر هذا النظام احد الوسائل الفنية لتدخل الدولة في حرية التجارة الخارجية، حيث أن الرقابة على الصرف "إجراء تتخذه الدولة بغرض أن ترفع سعر صرف عملتها في أسواق الصرف. ويتم ذلك بأن تقرر الدولة سعرا معينا لعملتها، ثم تضع نظاما كاملا لمراقبة هذا السعر حتى لا ينخفض. وقد كان الغرض الأصلي للرقابة على الصرف في بداية ظهورها هو الحد من خروج رؤوس الأموال. ثم أصبحت المحافظة على سعر الصرف الرسمي للعملة السبب من فرض الرقابة على الصرف من أجل تحقيق التوازن في ميزان المدفوعات ".

      وهكذا تلجأ الدولة لفرض نظام الرقابة على صرفها الخارجي كمحاولة من جانبها لتلاقي العجز في ميزانها الخارجي.

 2- الوسائل الكمية:

      إلى جانب استخدام الدولة لبعض الأدوات السعرية تستخدم أشكال أخرى من العوائق تسمى بأدوات أو العوائق الكمية للتجارة الخارجية، وقد شهدت بروزا هاما في السنوات الأخيرة. ومن بين أهم هذه الأدوات ما يلي:

2-1- الحصص الاستيرادية :

      يقصد بنظام الحصص التقييد الكمي للواردات لكل السلع أو لبعضها فقط، فالدولة قد تمنع أحيانا استيراد بعض السلع ، ثم تصدر قرارا باستيرادها، فتخصص مبلغ  معين لاستيرادها خلال فترة زمنية محددة، كذلك " يعتبر التحصيص من أكثر العوائق التجارية غير الجمركية أهمية، و هي قيود كمية تفرض على كمية السلعة المسموح باستيرادها أو تصديرها".

         ويمكن أن نستخلص من تجارب بعض دول العالم المختلفة أنواعا عديدة من الحصص فهناك الحصة التعريفية وهي أقدم الحصص تاريخا فقد عرفت في أوربا في منتصف القرن التاسع عشر ، وفيها يسمح بالواردات حتى كمية معينة ، يدفع عنها رسم جمركي مخفض أو تعفى من الرسوم إطلاقا أما كل زيادة أخرى عن تلك الكمية فيدفع عنها رسم مرتفع .وفي أمريكا نجد أمثلة عدة، فهي تطبق هذا النظام مثلا واردات البترول و الدخان والزبد.

وهناك الحصة الفردية وفيها يحدد حد أقصى لكمية الواردات خلال مدة معينة تفرضه الحكومة بغير مفاوضة مع البلاد المصدرة. وتتخذ الحصة الفردية واحدة من الصورتين ،الحصة الإجمالية التي تحدد للسلعة المستوردة أيا كان مصدرها ، والحصة الموزعة بين البلاد التي تصدر السلعة عادة وهذه الصورة الأخيرة هي أكثرهما تعقيدا .

      و هناك الحصة المزدوجة وفيما تتوصل الدولة إلى حصة معينة بالاتفاق مع الدولة المصدرة للسلعة، وبعد ذلك تقوم الدولة المستوردة بمنح الحصص للدول الأخرى حسب قدرتها على الاستيراد في مدة سابقة.و الفكرة في هذه الحصة المزدوجة هي القضاء على الوضع الاحتكاري الذي قد توجد فيه الدولة المصدرة نتيجة لتحديد الحصة المستوردة.

      و" هناك أخيرا حصة الخلط وتطبق على المواد الغذائية والأولية المستوردة، بهدف الحد من مساهمتها في الصناعة المحلية و الحد من تبعية الدولة الكاملة للخارج، فيشترط مثلا خلط الكحول والدخان (أوراق محلية و أجنبي) و المطاط (طبعي و صناعي). كما  تشترط البرازيل أن يحتوي الخبز على نسبة من الدقيق المحلي".

2-2- التراخيص:

    يقصد بالتراخيص تلك التصاريح التي تمنح للأفراد والهيئات قصد استيراد سلعة معينة من الخارج، وهي تعتبر إحدى وسائل الرقابة المباشرة على التجارة الخارجية. ويمكن أن تعرف "تراخيص الاستيراد أو التصدير بأنها موافقة مقدمة من طرف سلطات الدولة تسمح القيام بعملية الاستيراد أو التصدير و أي عملية تجارية تتم خارج هذا النطاق تكون مرفوضة و تعاد إلى صاحبها أو تصادر لصالح الاقتصاد الوطني .يمكن أن تكون التراخيص جزءا من نظام الحصص أو أن تكون أداة مستقلة لتنظيم التجارة الدولية"  .ففي الحالة الأولى، تكون التراخيص عبارة عن وثيقة فقط تثبت حق القيام بعملية الاستيراد أو التصدير لسلعة ما في حدود الحصة المنصوص عليها. أما في الحلة الثانية فالتراخيص تأخذ الأشكال التالية:

2-2-1- ترخيص لمرة واحدة: 

      هو عبارة عن تصريح كتابي ساري المفعول لمدة سنة معطى من طرف سلطات الدولة للقيام بعملية التجارة الخارجية المسموح بها.

2-2-2- ترخيص عام:

       هو عبارة عن تصريح لتصدير أو استيراد سلعة أو سلع معينة مدة فعاليته سنة واحدة دون تحديد عدد العمليات التجارية المسموح بها.

2-2-3- ترخيص شامل:

      هو عبارة عن تصريح لتصدير أو استيراد سلعة محددة من أي دولة من دول العالم لفترة زمنية محدودة دون تحديد كمية أو قيمة السلعة.

2-2-4- ترخيص تلقائي:

      هو عبارة عن تصريح معطى من طرف السلطات المعنية بأمر تسليم التراخيص مباشرة بعد تقديم الطلب.

2-3- الحظر (المنع):

      يعرف الحظر على أنه قيام الدولة بمنع التعامل مع الأسواق الدولية. ويكون على الصادرات أو الواردات أو كليهما، و يمكن أن يأخذ أحد الشكلين التاليين:

2-3-1- الحظر الكلي: هو أن تمنع الدولة كل تبادل تجاري بينها وبين الخارج، أي اعتمادها على سياسة الاكتفاء الذاتي، بمعنى عيشها منعزلة عن العالم الخارجي.

2-3-2- الحظر الجزئي: وهو قيام الدولة بمنع التعامل مع الأسواق الدولية بالنسبة لبعض الدول أو بالنسبة لبعض السلع.

3- الأساليب الإدارية والتنظيمية:

       وهو يتمثل في الإجراءات التي تتخذها الدولة من اجل تنظيم نشاط التجارة الخارجية، وتكون سواء بالإجراءات الإدارية، أو المعاهدات والاتفاقيات، أو التكتلات الاقتصادية وغيرها من الإجراءات والتي يمكن تحديد فيما يلي:

3-1- المعاهدات التجارية:

      المعاهدات التجارية " هي اتفاق تعقده الدولة مع دولة أخرى من خلال وزارة خارجيتها وأجهزتها الدبلوماسية، بغرض تنظيم العلاقات التجارية فيما بينهما عاما يشمل بجانب المسائل التجارية والاقتصادية (مثل تحديد مركز الأجانب وأهليتهم لمباشرة مختلف أنواع الأنشطة) ". كذلك نجد قضايا أخرى تدخل في ظل المعاهدات التجارية مثل: المعاملات الضريبية، الهجرة، الاستثمارات الأجنبية المتبادلة....إلخ.

3-2- الاتفاقات التجارية:

       هي اتفاقات قصيرة الأجل عن المعاهدة، كما تتسم بأنها تفصيلية حيث تشمل قوائم السلع المتبادلة و كيفية تبادلها والمزايا الممنوحة على نحو متبادل، كما يمكن اعتبار المعاهدة هي مجموعة من الاتفاقيات التجاري، فغالبا ما تكون الاتفاقات تنفيذا لمعاهدة عامة وشاملة.

3-3- الإجراءات الإدارية:

      وتستخدم الدول أحيانا الإجراءات الإدارية لإبطاء عبور السلع المستوردة فمثلا عندما تشعر فرنسا بعدم الرضا عن حجم البضائع اليابانية التي تأتي إلى أسواقها.فإنها و بكل بساطة تطلب من المصدرين اليابانيين أن تمر بضاعتهم عند دخول فرنسا من مركز جمركي واحد يقع بعيدا عن المرافئ البحرية أو المطارات الجوية أياما محددة في الأسبوع. إن تكاليف نقل البضاعة اليابانية إلى مركز الجمرك الفرنسي الوحيد، وتأخر تصفية الحسابات الجمركية للبضائع اليابانية، جعلت من الممكن إبقاء البضائع اليابانية خارج الأسواق الفرنسية لعدد من الأشهر. ونتيجة لهذا قامت اليابان بالاحتجاج على هذه الإجراءات الفرنسية مما دفع الجات إلى إصدار حكم وإدانة للإجراءات الفرنسية الإدارية. وفي أثناء ذلك تقوم الشركات الفرنسية باستبعاد حصتها في الأسواق الفرنسية . وعندما يكون المستورد من السلع قابلا للتلف مثل الأطعمة أو سلع تستورد في مواسيم معينة. فإن التأخير في تصفية الجمارك لمثل هذه السلع اليابانية يبقيها خارج الأسواق الفرنسية. وهناك مثال أخر على الإجراءات الإدارية كأحد العوائق غير الجمركية وهو أن رخص استيراد الجلود إلى اليابان تصدر في يوم واحد من السنة فقط. وهذا يعكس آلية بارعة في تقييد الواردات من الجلود ".

3-4- مناطق التجارة الحرة والاتحادات الجمركية:

      إقامة منطقة تجارية حرة أو اتحاد جمركي بين مجموعة من الدول هو صورة من صور السياسات التجارية بين الأعضاء والمقيدة بالنسبة لغير الأعضاء.

     وهنا تلتزم كل دولة عضو بإلغاء كافة القيود على الواردات من الدول الأطراف في الاتفاقية، وبالتالي تتمتع صادرات كل دولة بإعفاء جمركي تام في الدول الأخرى الأعضاء. ولكل دولة مشتركة الحق في فرض الرسوم الجمركية على ما تستورده من الدول الأخرى غير الأعضاء في المنطقة دون الالتزام بتعريفة جمركية موحدة. و من أبرز صور المناطق الحرة في العصر الحديث منطقة التجارة الحرة الأوروبية ( الاتحاد الأوروبي ).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


Modifié le: mercredi 18 février 2026, 14:37