تمهيد:

     ازدادت أهمية تشجيع الصادرات من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية في أواخر فترة الثمانينيات وبداية التسعينات، والتي شهدت تحولا عالميا في التوجه نحو اقتصاد السوق و حرية التجارة الخارجية .

وقد عرفت الدول خاصة النامية منها نوعين من الإستراتيجية القائمة على فكرة التنمية الاقتصادية، فقد ركزت الإستراتيجية الأولى على سياسة إحلال الواردات، أما الإستراتيجية الثانية فركزت على التوجه نحو الخارج أو بما يسمى سياسة تشجيع الصادرات.

      إن تزايد أثر العلاقات الدولية على تطور كل البلدان دون استثناء، خاصة الدول النامية هو موضوع عصرنا الحاضر، و إن التنمية و التطور الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق بالانغلاق الاقتصادي على العالم الخارجي و لا حتى بالانفتاح اللاقتصادي السلبي. إنما يكون انفتاح وفق أسس اقتصادية متفتحة وسليمة، وهنا يكمن جوهر المشكل المطروح خاصة في إطار تطوير القطاع الصناعي وإحداث التنمية الاقتصادية، ألا وهو حول كيفية إمكانية تبني إستراتيجية تعمل على خلق التوازن بين نظريتي إحلال الواردات، وتشجيع الصادرات؟.

المطلب الأول: إستراتيجية التصنيع لإحلال الواردات (والتي تستهدف السوق المحلي):

     " ويقصد بها تلك الإستراتيجية القائمة على فكرة اختيار الصناعات التي يمكن إحلال منتجاتها محل المنتجات المستوردة من خلال إقامة الصناعات التي تخفض من فاتورة الواردات خلال فترة زمنية معينة تتطلبها تنفيذ هذه الإستراتيجية ، مما ينعكس في النهاية على تخفيض الطلب على الصرف الأجنبي". " فإستراتيجية إحلال الواردات ،وكذلك إستراتيجية الاعتماد على الذات تهدفان إلى بناء طاقات إنتاجية وطنية متطورة تسمح بالتحرر من التبعية للخارج في تلبية الحاجات المحلية". أي الإنتاج محلياً لسلع تحل مكان السلع المستوردة من الخارج أو التي كان يمكن استيرادها إذا لم نقم بهذا الإنتاج.

       إن سياسة إحلال الواردات هي إستراتيجية إنمائية ذات توجه داخلي والاعتماد على الذات، والهدف من تطبيق هذه السياسة هو حماية السوق المحلية من مخاطر كبيرة قد تواجه الاقتصاد المحلي، وتسمي أيضا سياسة إحلال الواردات بإستراتيجية النمو المتحيز للواردات.

1- الوسائل التي اتبعتها الدول النامية لتنفيذ إستراتيجية إحلال الواردات:

   تعتمد سياسة إحلال الواردات أساسا على أداتين رئيسيتين هما:

- الحماية.         - حصص الواردات.

1-1- الحماية:

    توفير الحماية الجمركية للسلع الاستهلاكية المنتجة محلياً وهذا عن طريق فرض رسوم جمركية مرتفعة على السلع الاستهلاكية المستوردة المنافسة للإنتاج المحلي، بالتالي يرتفع سعرها ويزداد الطلب على الإنتاج المحلي ويزداد معدل الربح في إنتاج الصناعات الاستهلاكية محلياً. وهذا يشجع المنتجين على إقامة تلك الصناعات.

     ولتوضيح انعكاسات أثار الحماية عن طريق التعريفة الجمركية على التنمية الاقتصادية نستعين بالشكل التالي:


الشكل رقم (І، 10): أثار الحماية على شكل تعريفة جمركية على سياسة إحلال الواردات.

يمثل Pd السعر التوازني الذي يحدده قوى العرض والطلب محليا.

يمثل d P السعر المحلي بعد فرض التعريفة الجمركية الاسمية.

يمثل Pw السعر الدولي للسلعة، وعند هذا السعر يكون المنتج المحلي مستعدا لإنتاج Q2 ، ويكون الطلب المحلي Q1، وبالتالي يتم استيراد الكمية المتبقية والمقدرة بـ M1 من المنتجين في الخارج.

نفرض أن الدولة قامت بفرض ضريبة استيراد على هذه السلعة فإنه سوف يرتفع السعر الدولي من Pw إلى Pd، وبالتالي ستزيد الحماية للمنتج المحلي، حيث يقوم المنتج المحلي برفع الإنتاج إلى Q4،  وفي نفس الوقت يخفض المستهلك المحلي من الكميات المطلوبة من السلعة إلى Q3 ، ومنه انخفاض الكمية المستوردة من المنتجين في الخارج بكمية تقدر بـ  M2.

     و من خلال الشكل (І، 10) يمكن أن نستخلص أثر فرض التعريف الجمركية على السلع المستوردة لغرض حماية المنتجين المحليين فيما يلي:

- تمثل المنطقة المقدرة بالمساحة (a) مكاسب المنتجين من جراء زيادة أرباحهم من فرض ضريبة على السلع المستورة وهنا تتجلى سياسة إحلال الواردات.

- وتمثل المساحة (a+b+c+d) خسائر للمستهلكينِ بسبب ارتفاع الأسعار عليهم، وانخفاض الكميات المستهلكة من هذه السلعة.

- أما المستطيل (c) فيكون ربح للدول، وهو ناتج عن قيمة الضريبة المفروضة على السلعة.ويقابله خسارة في رفاهية المجتمع (b+d)، والتي تتسبب في تدهور كفاءة الاستهلاك المحلي (لنقص المنافسة).

 

      لا يقتصر اهتمام المنتج المحلي بالتعريفة الجمركية الاسمية، التي تفرض على المنتج النهائي، بل بأهمية فرض تعريفة جمركية على المدخلات المستخدمة. أي أن المنتج المحي يولي اهتماما كبيرا بالتعريفة الجمركية الخاصة بالسلع التي تدخل في عملية الإنتاج (السلع الوسيطة)، وهو ما يدخل ضمن نظام الحصص.

1-2- نظام الحصص:

        كما تقوم الدولة في الوقت نفسه بتخفيض تكاليف إنتاج السلع الاستهلاكية، عن طريق تخفيض أو إلغاء الرسوم الجمركية المفروضة على استيراد الآلات والمعدات ومستلزمات الإنتاج، وهذا لتسهيل عملية تصنيع السلع الاستهلاكية.

      ويتميز نظام الحصص عن الضرائب الجمركية بأنه أكثر فاعلية من حيث تقييد التجارة الدولية وخاصة الواردات، لأنه بعد بلوغ الحد الأقصى الذي سمحت الدولة باستيراده لا مكان لدخول السلعة. ولكن يؤخذ على نظام الحصص بأنه نظام جامد" ، وهذا لتذبذب الأسعار المحلية والعالمية، خاصة أسعار السلع الرأسمالية.

     و يمكن توضيح أثر نظام الحصص على كل من المستهلك والمنتج والدولة من خلال الشكل التالي:

                                                

                                                                    

الشكل رقم (І ، 02): أثار نظام الحصص على سياسة إحلال الواردات.

     من خلال الشكل نلاحظ أنه عندما كان السعر المحلي Pd يساوي السعر العالمي Pw كانت الكمية المستهلكة Q1 ، أما الطلب المحلي فيكون Q4 ، وتقوم باستيراد القيمة Q1Q4  ، أما إذا قررت الحكومة الحد من كمية استيراد هذه السلعة فإن هذا يؤدي إلى ارتفاع السعر المحلي إلى Pd ، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع الإنتاج إلىQ2  أما الكمية المستهلكة تنخفض إلى Q3 (انخفاض الطلب المحلي للسلعة)، وبالتالي تنخفض الكمية المستوردة إلى Q2 Q3.

     نلاحظ أثر نظام الحصص يتطابق مع أثار ضريبة الاستيراد، لأن كلاهما أدى إلى ارتفاع الأسعار محليا فكلاهما أدى إلى انخفاض الرفاه الاقتصادي بسبب انخفاض كميات الاستهلاك، وكلاهما أدى إلى تشجيع المنتج المحلي نتيجة لارتفاع الأسعار. " إلا أن الفرق الوحيد أن إيراد ضريبة الاستيراد تذهب إلى خزينة الدولة أما إيرادات عملية التخصص ستذهب إلى المستوردين المحتكرين لهذه السلعة". و مما سبق يتضح لنا أن أثر سياسة الحصص على الإنتاج والاستهلاك و الكفاءة الإنتاجية هو نفسه ما يترتب على أثر فرض الرسوم الجمركية.

 2- مزايا إستراتيجية إحلال الواردات: (الحجج التي تستند عليها هذه الإستراتيجية)

     ذهب المدافعون عن إستراتيجية إحلال الواردات إلى أن هناك العديد من المزايا والتي يمكن تحقيقها من جراء تطبيق هذه الإستراتيجية ويمكن عرض بعض هذه المزايا فيما يلي:

1. تماشي إستراتيجية إحلال الواردات مع الأهداف السياسية التي تسعى إليها الدولة من خلال تحقيق أقصى استقلالية ممكنة بالقضاء على التبعية الاقتصادية نحو الخارج.

2. " قبول التصنيع كسياسة، وكهدف في العديد من الدول النامية بعد الحرب العالمية الثانية، والذي شجع على تبني واستمرار هذه السياسة كهدف استراتيجي".

3. يمكن أن تسهم هذه الإستراتيجية في علاج مشكلة عجز ميزان المدفوعات في الدول النامية من خلال تقليل الاستيراد من الخارج أي تقليل استيراد السلع الاستهلاكية، وهذا يمكن أن يؤدي إلى تقليل التبعية للخارج.

4. يمكن أن تساهم إستراتيجية إحلال الواردات في علاج مشكلة البطالة في الدول النامية لأن إقامة صناعات محلية تحل محل الواردات يمكن أن يوفر فرص للعمالة مما يؤدي إلى تقليل مشكلة البطالة ولكن بشرط الاعتماد على الطرق الإنتاجية كثيفة العمل.

5. هذه الإستراتيجية تقوم على أساس إنتاج سلع استهلاكية أساساً يتم تسويقها في السوق المحلي وهذا يجنب الدول النامية مخاطر الاعتماد على الأسواق الخارجية خاصة أن  الدول الصناعية المتقدمة تلجأ لوضع العراقيل والعقبات أمام صادرات الدول النامية من السلع الصناعية.

6. كذلك إستراتيجية إحلال الواردات تعتبر أسهل طريقة لتنمية قطاع الصناعة ورفع نسبة مهام قطاع الصناعة في النشاط الاقتصادي وتنويع هيكل الإنتاج في الدول النامية.

3- عيوب إستراتيجية إحلال الواردات:

       على الرغم من المزايا التي حققتها البلدان النامية التي انتهجت هذه السياسة أو الأسلوب في عملية التصنيع، حيث أمكنت لها الحماية مزيداً من الدعم والتشجيع لتأمين متطلبات السوق المحلية من السلع الاستهلاكية، فقد واجهت تلك الدول المشكلات والانتقادات التالية:

1. تؤدي إستراتيجية إحلال الواردات إلى تدخل الدولة في عمليات التجارة، وبالتالي التقليل من فرصها عن طريق وضع قيود تعرقل حركتها.

2. " تترتب عن هذه الإستراتيجية (عكس ما كان متوقع منها ) زيادة العجز في الميزان التجاري، وذلك لاعتماد صناعات الإحلال على مدخلات (سلع أولية وسيطة و رأسمالية) مستوردة، وبالتالي زيادة حدة مشكلة النقد الأجنبي، وبروز مشكلة الديون الخارجية".

3. إن إتباع سياسة إحلال الواردات قد تتطلب من الدولة استيراد العديد من المواد الأولية، خاصة النصف المصنعة التي تعتمد الصناعة الناشئة على توفرها مما يؤدي إلى زيادة استخدام النقد الأجنبي المتوفر لديها.

4. قد يؤدي استمرار الحماية الجمركية للصناعة المحلية إلى تمتع المنتجين بوضع احتكاري حيث لا يواجهون منافسة من الخارج وهذا يمكنهم من رفع سعر السلعة المنتجة وقد لا يكون لديهم حافز على الاهتمام بجودة السلعة المنتجة، وبالتالي يتحمل المستهلك انخفاض جودة الإنتاج المحلي وارتفاع السعر.

5. إن " سياسة إحلال الواردات تؤدي إلى وجود تحيز (غير مبني على أسس اقتصادية في معظم الأحيان) من جانب الدولة إلى القطاع الصناعي ، وذلك على حساب القطاع الزراعي. وهذا بدوره يؤدي إلى سوء استخدام وتوزيع الموارد الاقتصادية على مختلف القطاعات بالشكل الذي لا يؤدي إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة منها "

 6. عند تطبيق هذه الإستراتيجية في معظم الدول النامية وجد أنها لم تسهم بشكل فعال في علاج مشكلة البطالة بسبب اعتماد المنتجين على فنون إنتاجية كثيفة رأس المال أي تعتمد على استخدام الآلات بدرجة أكبر من استخدام العمالة. بسبب انخفاض أسعار الآلات والمعدات عليها لأن الرسوم الجمركية عليها منخفضة أو ملغاة بينما أن أجور العمال مرتفعة نسبياً بسبب قيام الحكومة في بعض الدول النامية بتحديد حد أدنى لأجور العمال.


 


Last modified: Wednesday, 18 February 2026, 2:51 PM