ثانيا: إستراتيجية تشجيع الصادرات:

     لم يقف تدخل الدولة في تنظيم التجارة الخارجية عند حد تنظيم الواردات فحسب، بل تحاول كثير منها أن تنظم الصادرات أيضا، فهي تضع الرسوم عليها، وقد تخضعها لنظام الحصص، وقد تضيف إليه نظام التراخيص. غير أنها تتخذ في العادة إجراءين غرضهما ليس مجرد تنظيم الصادرات، بل تشجيعها. و"هذان الإجراءان هما منح الإعانات على تصدير السلع، و إتباع طريقة الإغراق في الأسواق الخارجية. والإجراءان يتفقان في تشجيع الصادرات وهذا لكسب الأسواق الخارجية". وهو ما يسمي بإستراتيجية التوجه نحو الخارج أو بسياسة تنمية الصادرات.

1- وسائل تنفيذ إستراتيجية تشجيع الصادرات:

1-1- الإعانات على التصدير:

      كما تم التطرق له سابقا فإن نظام المنح أو الإعانات يتمثل في تقديم الدولة مساعدات نقدية أو عينية للمصدرين حتى يتمكنوا من تصدير سلع معينة، فهو بذلك نوع من السياسات التي تستخدمها الدولة من اجل تشجيع الصادرات، واكتساب مكان في الأسواق الخارجية.

و قد " تعتبر منح التصدير بأنواعها النقدية والعينية بمثابة ضريبة تصديرية سالبة".

      ولا يقتصر دعم المصدرين على شكل منح مالية فقط، فقد تكون على شكل مزايا عينية مثل الإعفاءات الضريبية أو منح القروض بدون فوائد أو بفوائد منخفضة أو غيرها من الإجراءات التحفيزية.

     وفي محاولة لشرح أثر إعانات الدولة على شكل منح نقدية موجهة للمصدرين نقوم بتحليل الشكل التالي:


 الشكل رقم (І ، 03): أثر الإعانات الحكومية على سياسة تشجيع الصادرات.

 

     من خلال الشكل نلاحظ أنه عندما كان السعر الدولي لهذه السلعة pw كانت الكمية المطلوبة في السوق المحلية بـ Q2 ، بينما كانت الكمية المعروضة بـ Q 3، أما الكمية المصدرة من هذه السلعة بـالكمية Q3Q1، أما عندما تقدم منحة للمصدرين المحليين بقيمة نقدية S، فنلاحظ أنه يؤدي إلى تحقيق زيادة في الإنتاج لدى هذا المصدر، وبالتالي سوف يقوم بزيادة الكمية المصدرة بقيمة Q1Q4، وهذا ما يكون له أثر على كل من المستهلك و المنتج و حتى على الدولة بـ:

ü  بالنسبة للمستهلك سوف ينخفض استهلاكه من Q2 إلى Q1، وهو ما ينقص من الرفاهية الاقتصادية للمستهلكين.

ü  - بالنسبة للمنتجين لهذه السلعة فتزداد أرباحهم سبب الإعانة المقدمة من طرف الدولة و المقدرة بـ S، وكذلك ارتفاع كمية الإنتاج المباع من الكمية   Q2Q 3 إلى Q1Q4.

ü  أما بالنسبة للدولة فستخسر إيراد مقدر بقيمة الإعانة المقدمة S.

     ومن خلال هذا التحليل نستطيع القول أن دعم الصادرات عن طريق منح نقدية أو عينية، تعمل على إعادة توزيع الدخل من المستهلكين إلى المنتجين وعوامل الإنتاج المتخصصة في صناعات التصدير.

1-2- طريقة الإغراق:

      لقد تم التطرق إلى تعريف الإغراق في المبحث السابق، والآن سنسلط الضوء على مدى تأثير طريقة الإغراق على تشجيع الصادرات والتوجه نحو الخارج.

لذا سوف نستعين بالشكل الموالي لتوضيح مدى تأثير طريقة الإغراق على الصادرات:

 

  الشكل (І ، 04): أثر الإغراق على سياسة تشجيع الصادرات.

     إن منحنى الطلب على الصادرات هو الخط  Pwالذي يتقاطع مع منحنى تكاليف الحدية عند النقط(a)  لذلك فإن الكمية التي يتم تصديرها Q1-Q2 وللتعرف على كمية الاستهلاك المحلي وأسعارها، فإن الإدارة الاقتصادية في سبيل تعويض هذا النقص والبيع بأسعار مخفضة في السوق العالمية قد تعوض ذلك في السوق المحلية عن طريق مساواة التكاليف الحدية لكل وحدة مع الإيراد الحدي (وهنا بالنسبة للسوق المحلي يتحدد عن النقطة  b)، و" لذلك يمكن تحديد كمية الاستهلاك المحلي لتكون  Q2، أما السعر الذي ستباع به فهو يتحدد من الخط الرأسي الذي يبدأ من Q2 حتى يتقاطع مع منحنى الطلب عند النقطة (c)، وبالتالي فإن السعر هو Pd ، وهو أعلى من Pw لذلك فإن فرق السعر يغطي تكاليف هبوط السعر في السوق الخارجي ".

       إن سياسة الإغراق هي سياسة تمييزية بين الأسعار المحلية والأسعار في الخارج، وهذا ما يجعل هناك ارتفاع في الصادرات ما يؤدي إلى استفادة المستهلك الأجنبي من مزايا انخفاض الأسعار الخارجية، وفي نفس الوقت تؤثر هذه السياسة على المستهلك المحلي.

2- الأسس التي تقوم عليها إستراتيجية تشجيع الصادرات:

     قد تلجأ الدولة إلى العديد من الوسائل والإجراءات من اجل تشجيع صادراتها ومن بين هذه الوسائل نذكر: 

1. تشجيع إقامة صناعات بغرض التصدير للسوق الخارجي وإشباع حاجة السوق المحلي، وتتمتع الدول بميزة نسبية في هذه الصناعات بسبب توفر الموارد (بترول، غاز طبيعي، الحديد الخام) التي تساعد على إقامة العديد من الصناعات.

2. تشجيع مشاركة رأس المال الأجنبي والاستثمارات الأجنبية في إقامة الصناعات التصديرية في الدول النامية من خلال المشاركة مع الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات (دولية النشاط) للاستفادة من التكنولوجيا المتطورة والمساعدة في تسويق المنتجات في الخارج والاشتراك في تمويل إقامة الصناعات التصديرية الكبيرة.

3. إصدار قوانين وأنظمة تشجيع الاستثمار الأجنبي وتوفير الظروف الملائمة مثل توفير الخدمات والعمالة بأسعار منخفضة، الإعفاءات الضريبية والجمركية، حرية تحويل الأرباح للخارجِ، التي تجذب رأس المال الأجنبي للإسهام في إقامة الصناعات التصديرية في الدول النامية.

3- المزايا المتوقعة لإستراتيجية تشجيع الصادرات:

      المدافعون عن هذه الإستراتيجية يذكرون بالفوائد التي قد تترتب عن تطبيقها خاصة في الدول النامية والتي تتمثل أهمها في:

1. تسمح هذه الإستراتيجية بالدخول للأسواق العالمية عكس إستراتيجية إحلال الواردات التي تركز على السوق المحلية الضيقة فقط، حيث يمكن أن تسهم هذه الإستراتيجية في توسيع نطاق السوق ليشمل الأسواق الخارجية بالإضافة للسوق المحلي، لأن توسيع نطاق السوق يؤدي إلى التوسع في الإنتاج والاستفادة من وفورات الإنتاج الكبير والوصول إلى الحجم الأمثل للمشروع وبالتالي انخفاض التكلفة المتوسطة للوحدة المنتجة وارتفاع الكفاءة الإنتاجية، والمعروف أن ضيق نطاق السوق من أهم العقبات أمام عملية التصنيع في الدول النامية.

2. إستراتيجية التصنيع لتنمية الصادرات تهدف إلى الخروج بالاقتصاد الوطني إلى السوق العالمية للمشاركة في اقتسام مكاسب التخصص و تقسيم العمل الدولي، و ذلك من أجل تخفيف العجز في ميزان المدفوعات وتجنب الاعتماد على تصدير المواد الأولية أو الاعتماد على مصدر وحيد للدخل.

3. "كذلك إن إنتاج السلع المصنوعة بغرض التصدير من شأنه أن يشجع على ارتفاع مستوى الكفاءة داخل الاقتصاد الوطني، وهذا العامل هام جدا و خاصة في حالة الصناعات التي تنتج سلعا أو تستخدم كمستلزمات إنتاج في صناعات محلية أخرى".

4. "استغلال المزايا النسبية المتوافرة محليا مع تطوير أساليب الإنتاج في الصناعة و إعادة تخصيص الموارد وفقا لاعتبارات الميزة النسبية المتاحة".

5. يمكن أن تساهم كذلك إستراتيجية تشجيع الصادرات في علاج مشكلة عجز ميزان المدفوعات في الدول النامية من خلال زيادة موارد النقد الأجنبي فيها (مصدرا لجلب العملة الصعبة)، وهذا عن طريق زيادة الصادرات خاصة تصدير السلع الصناعية.

6. يمكن أن تساهم في تنويع الصادرات في الدول النامية من خلال زيادة الصادرات من السلع الصناعية وعدم الاعتماد على تصدير المواد الأولية فقط لأن غالبية الدول النامية تخصصت في إنتاج وتصدير مادة أولية واحدة (تصدير المحروقات)، وهذا يعرضها لمشكلة تقلب قيمة الصادرات ومنه تقلب قيمة المداخيل فيها.

7. اقتران إستراتيجية تنمية الصادرات بارتفاع معدلات الادخار، " لأن قطاع التصدير يمثل نسبة أكبر  في الدخل القومي، عنه في قطاع  الاستيراد، لذا فزيادة ونمو الصادرات إلى تراكم مدخرات أكبر، بما يساهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية إلى الأمام، حيث تميز اقتصاديات الدول المتخلفة بوجود فجوة الدخل "

8. " التلاحم مع المنتجات المنافسة في الأسواق العالمية يوفر للمنتجات المحلية المعلومات عن تلك الأسواق و المنتجات و مدى التطورات التكنولوجية الحادثة بها لإمكانية الاستفادة من هذه المعلومات في رفع كفاءة المنتج التصديري الوطني ".

4- عيوب إستراتيجية تشجيع الصادرات:

       في المقابل فإن تطبيق هذه الإستراتيجية قد أفرزت عدة نتائج سلبية، ولم تنجح في تحقيق التنمية المرجوة خاصة في البلدان النامية، ومن بين هذه النتائج نذكر:

1. إن تجربة التصنيع من أجل التصدير لا تستطيع في إطار الاقتصاد  الرأسمالي العالمي تحقيق حتى غايتها الدنيا و هي المشاركة في تقسيم العمل الدولي على أساس اقتسام المنافع والتكافؤ. " فخطر هذه السياسة في بلد ذي اقتصاد متخلف يمكن الوقوع في شباك سياسات الاحتكار الدولية التي تحول دون تمكين البلدان النامية من إقامة صناعات متكاملة لتزيد من تبعيتها و عجزها عن تشغيل مشروعاتها  الاقتصادية ، بالإضافة إلى تحقيق الأرباح الخالية من وراء احتكارها للتكنولوجيا الحديثة".

2. في سياسة تشجيع الصادرات يتم الاعتماد على الأسواق الخارجية، حيث تلجأ الدول الصناعية المتقدمة إلى وضع العقبات على صادرات الدول النامية من السلع الصناعية، مثل فرض رسوم جمركية على تلك السلع، وهو ما يؤدي إلى عرقلة حركة الصادرات.

3. كذلك " شدة المنافسة من جانب الدول الصناعية الكبرى التي سبقت في مجال التصنيع، بالتالي يصعب على الدول النامية إقامة صناعات تصديرية قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية وهذا ما لا يتوفر في الدول النامية". والتي يتطلب منها رفع مستوى إنتاجها حتى ينجح تصديرها للخارج.

4. إن إقامة الصناعات الإستراتيجية في الدول النامية لا يتم بسهولة وإنما يحتاج توفر شروط معينة، مثل الإعفاءات الضريبية والجمركية وتوفير الخدمات الأساسية بأسعار منخفضة وتوفر الاستقرار الاقتصادي والسياسي في الدولة وقد يصعب على بعض الدول النامية توفير كل هذه الظروف.

 ثالثا إمكانية التوافق بين سياستي إحلال الواردات وتشجيع الصادرات.

     إن إعادة النظر في سياسة إحلال الواردات من طرف الدول النامية لصالح سياسة تشجيع الصادرات، والتي تتطلب بدورها خبرة مسبقة في كيفية التعامل مع الأسواق الدولية وآليات عملها. لذلك فقد شهدت فترة التحول من إستراتيجية إحلال الواردات إلى إستراتيجية تشجيع الصادرات تعثر الكثير من الأنشطة الصناعية وخروج عدد آخر من هذه الأنشطة من سوق الإنتاج. وهذا لعدة أسباب أهمها الارتفاع المفاجئ في التكاليف خاصة في ارتفاع أسعار الفائدة على القروض. لذا كان لا بد من المزج بين الإستراتيجيتين مع إمكانية التوافق بين تكاليف إحلال الواردات مع تكاليف تشجيع الصادرات بما يخدم الدولة من اجل تحقيق التنمية الاقتصادية، ولا يكون إلا بتوفير مجموعة من العوامل نذكر منها:

1. ربط الإنتاج الوطني بالحاجات المحلية، وبالتالي التخلص من نمط الاستهلاك المستورد وزيادة الطاقة الصناعية القادرة على نقل الاقتصاد تدريجياً على مراحل النمو الذاتي.

2. " التخفيض المخطط لدرجة الحماية من خلال التحرير التدريجي للواردات، وبشكل يتسق مع تطور القطاع الصناعي محليا. وتحسين درجة تنافسيته مع الابتعاد عن التحرير المفاجئ".

3. تحسين الاستفادة من الموارد المحلية وبخاصة المواد الخام، إذ أن تصنيع المواد محلياً وما يترتب على ذلك من تحسين شروط التبادل في الأسواق الخارجية، وتحقيق وفورات أكبر تزيد من قدرة الاقتصاد على تعجيل عملية التراكم الضرورية لتمويل التنمية.

4. تطوير الصناعات التحويلية وذلك لكون هذه الصناعات تتمتع بارتباطات أمامية وخلفية ومتشعبة بين فروع القطاع الصناعي نفسه، وبين قطاعات الاقتصاد الأخرى وبخاصة القطاع الزراعي مما يساعد على تعميق الترابط في الاقتصاد الوطني من خلال التبادل بين فروعه.

      وعلى الرغم من استخدام هذا المعيار القائم على المزج بين الإستراتيجيتين، إلا أنه لا ينبغي إغفال بعض الآثار الجانبية والتي قد تصاحب تطبيق إستراتيجية إحلال الواردات وإستراتيجية تشجيع الصادرات، والتي قد تلعب دور لا يستهان به إضافتا إلى الاعتبارات المشار إليها سابقا.ومن هذه العوامل نذكر:

1- مدى التحسين الذي يطرأ على نسبة التبادل، أو شروط التجارة :

      وعلى الرغم من إتباع إحدى الإستراتيجيتين قد يتعادل من حيث تأثيره على استخدامات النقد الأجنبي وتوفيره، إلا أنهما يختلفان من حيث مدى تأثيرهما على  شروط التجارة، و هذا يتوقف على مرونة طلب و عرض هذه السلع التي يتم تحسين إنتاجها للتصدير أو عن  طريق توفيرها، بدلا من استيرادها.

2- مدى الكثافة العمالية المستخدمة:

    أي إنتاجية العمل لا شك أن إحلال الواردات من شأنه التوجه إلى السلع الصناعية و النصف مصنعة، ويستلزم هذا استخدام معدلات عمل عالية، بعكس الحال في تنمية الصادرات فالقطاع الزراعي يعتبر مشبعا باستخدامه للعمل، و فرص الزيادة في استخدامه تكون بسيطة.

3- الآثار الجانبية على الإنتاج:

     والتي لا ينبغي إغفالها، والتي تتمثل في الطلب على المنتجات الوسيطة التي قد يستلزمها إتباع أي من هذين الإستراتيجيتين.

4- الميزة النسبية للسلع:

     إذ ينبغي التعرف على أثر إتباع أي من الإستراتيجيتين على الميزة النسبية للسلع المختلفة لأن إحلال الوردات قد يكون على حساب استخدامات عناصر الإنتاج في العديد من السلع التي تتمتع فيها بالميزة النسبية مما يؤدي إلى هبوط صادراتها، و بالتالي يكون تدعيم سياسة معينة له آثاره السلبية والتي لا تؤدي إلى إحراز أي تقدم على المستوى القومي.

5- زيادة الدخل الوطني في الأجل القصير أو في الأجل الطويل:

     لا شك أن إتباع أي من الإستراتيجيتين له أثاره على زيادة الدخل الوطني، غير أن هذه الزيادة قد تتحقق في الأجل القصير بالنسبة لإستراتيجية تنمية الصادرات، بعكس الحال في إستراتيجية إحلال الوردات التي قد يستلزم تطبيقها وقتا أطول لقيام هذه الصناعات، و تولد الدخول المختلفة منها، لذا لا ينبغي إغفال اعتبارات الوقت.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


Modifié le: mercredi 18 février 2026, 14:57