تمهيد:

بعد أزمة الكساد العالمي الذي شهده العالم، وخاصة الولايات المتحدة وأوروبا من عام 1929م حتى 1933م، وقيام الحرب العالمية الثانية فيما بعد، كانت الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية مناسبة للولايات المتحدة الأمريكية (البلد المنتصر في الحرب) لفرض سياستها على العالم، وتشكيل ما تريد تشكيله من المؤسسات والمنظمات العالمية التي تُحل بها كثيراً من المشكلات التي نشأت عن الحروب. ومن هنا قامت منظمات دولية من أهمها: (منظمة الأمم المتحدة) والهيئات والوكالات التابعة لها، و(صندوق النقد الدولي)، و(البنك الدولي للإنشاء والتعمير)؛ وكان الغرض منها ترتيب الشأن السياسي والاقتصادي والتمويلي في العالم.

وفي تلك الحقبة نفسها، تم اقتراح إنشاء منظمة تُعنى بالتجارة الدولية تسمى (الاتفاقية العامة للرسوم الجمركية والتجارة)، و"الجات" هي الأحرف الأولى من تسمية الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة General Agreement on Tariffs and Trade، وهي عبارة عن معاهدة دولية الهدف منها تنظيم عملية المبادلات التجارية بين الدول الموقعة عليها. كما أن فكرة قيام منظمة التجارة الدولية كانت قد طرحت ضمن مداولات مؤتمر "بريتون وودز" الذي أقر قيام صندوق النقد الدولي IMF والبنك الدولي للإنشاء والتعمير IBRD.

أهم المبادئ التي جاءت بها الاتفاقية العامة للرسوم الجمركية والتجارة:

1.    مبدأ عدم التمييز: والمقصود أن تتم معاملة كل دولة لسلع الدول الأخرى معاملة السلع الوطنية، سواء فيما يتعلق بالضرائب المحلية أو الأنظمة المعمول بها. وفي هذا الإطار تُعطى الدولة المشاركة في الاتفاقية وضع «الدولة الأولى بالرعاية»؛ ويقصد به حصول الدولة على كل المزايا الممنوحة من بلد آخر للبلدان الأخرى تلقائياً حتى لو لم يكن البلد طرفاً في اتفاقية محددة، ويستثنى من ذلك البلدان الداخلة في ترتيبات تجارية إقليمية.

2.    مبدأ حظر القيود الكمية: والمقصود أن يمتنع كل الدول المشاركة في اتفاقية الجات عن استخدام القيد الكمي (أي: تحديد الواردات بكمية معينة) في أساليب التعامل التجاري مع البلدان العالمية. ومعنى ذلك أن الدول ليس لها إلا استخدام الرسوم الجمركية كآلية وحيدة لحماية الصناعة المحلية.

3.    مبدأ تخفيض الرسوم الجمركية: والمقصود أن تتعاون الدول الأعضاء في الاتفاقية بخفض رسومها الجمركية أمام الواردات الأجنبية تحفيزاً للتجارة العالمية، وتقليصاً للعوائق السعرية عليها، أو على الأقل ربط تلك الرسوم بحيث لا تزيد.

4.    التعهد بتجنب سياسة الإغراق: والمقصود أن تحاول الدول الأعضاء عدم دعم السلع الموجهة للتصدير دعماً مالياً مباشراً؛ بحيث إن الاتفاقية تريد ترسيخ قيم التنافس الحر بين الشركات والمنشآت التجارية بدون التدخل الحكومي.

جولات المفاوضات التجارية المتعددة الأطراف:

منذ التوقيع على اتفاقية إنشاء "الجات" سنة 1947 وإلى غاية سنة 1993، دخلت الدول الأعضاء في مفاوضات كانت على مراحل أو جولات هي:

·       جولة جنيف (سويسرا): 1947

·       جولة آنسي (فرنسا): 1949

·       جولة توركاي (بريطانيا): 1951

·       جولة جنيف (سويسرا): 1956

·       جولة ديلون (سويسرا): (1960 - 1961)

·       جولة كينيدي (سويسرا): (1964 - 1967)

·       جولة طوكيو (اليابان): (1973 - 1979)

·       جولة أوروغواي: (1986 - 1993)

تفاصيل الجولات:

·       الجولة الأولى (جولة جنيف 1947): شاركت فيها 23 دولة، وكانت ناجحة مقارنة بالجولات الأربعة التي تلتها، حيث تم الاتفاق على تخفيض الرسوم الجمركية على عدد كبير من السلع الداخلة في التجارة، وتضمنت نتائج المفاوضات 45,000 تنازل عن الرسوم الجمركية تؤثر على قيمة 10 مليار دولار أو ما يقارب 20% من حجم التجارة العالمية.

·       الجولة الثانية (جولة آنسي Annecy في فرنسا 1949): وتعتبر من الناحية العملية أول جولة للمفاوضات التجارية المتعددة الأطراف في إطار اتفاقية الجات.

·       الجولة الثالثة (جولة توركاي في إنجلترا 1950-1951): وقد شاركت في هذه الجولة 47 دولة، وقد دارت في نفس الإطار للجولات السابقة وهو السعي لتحقيق المزيد من التنازلات في ضرائب الاستيراد.

·       الجولة الرابعة (جولة جنيف 1954-1957): شاركت فيها 27 دولة.

·       الجولة الخامسة (جولة ديلون 1960-1961): في جنيف، وبلغ عدد الدول المشاركة فيها 27 دولة.

ملاحظة: يمكن تصنيف هذه الجولات الخمس في مجموعة واحدة؛ لأنها دارت كلها في إطار نصوص الاتفاقية الأصلية، وتركزت جميعاً في تحقيق المزيد من التخفيضات في التعريفات الجمركية بين الأطراف المتعاقدة فيما يخص التجارة بالسلع.

·       الجولة السادسة (جولة كينيدي 1964-1967): عقدت هذه الجولة بجنيف بدعوة من الرئيس الأمريكي السابق "جون كينيدي" عام 1962، في رسالة عرضها على الكونغرس والتي تقدم على إثرها بمنح الرئيس الأمريكي سلطة إجراء المفاوضات التجارية لتوسيع نطاق التجارة عن طريق منحه صلاحية خفض التعريفات الجمركية بمقدار 50% على جميع السلع، وقد أدى هذا القانون إلى فتح باب المفاوضات بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين، وخصوصاً المجموعة الأوروبية. تم الاجتماع وعقد الجولة في مايو 1964 في جنيف، وانتهت في يونيو 1967.

في هذه الجولة، اجتمع ممثلو 37 دولة لمناقشة أمور التعريفات الجمركية والعمل على تخفيضها، وقد نجح ممثلو تلك الدول في التوصل إلى خفض التعريفات الجمركية على حجم تجارة دولية تُقدر قيمته في ذلك الوقت بحوالي 40 مليار دولار، أو ما يعادل 4/5 التجارة الدولية. وبالنسبة لمتوسط معدلات انخفاض التعريفات الجمركية فقد اختلف من دولة إلى أخرى، مثال ذلك: بريطانيا 30% من التخفيض العالمي، 30% لليابان، 24% كندا. وقد حُددت هذه التخفيضات في جدول زمني يبدأ من سنة 1968-1972، وانخفضت التعريفات الجمركية على السلع المصنعة بالنسبة لأمريكا وأوروبا بنسب تتراوح بين 5-10%. أما فيما يخص المنتجات الزراعية، فقد كانت شقة الخلاف كبيرة بين المجتمعين، لكن تم الاتفاق على خفض التعريفات الجمركية بمتوسط 25% على المنتجات المحمية.

·       الجولة السابعة (جولة طوكيو 1973-1979): شاركت في هذه الجولة 102 دولة، وكان الموضوع الأساسي الذي تناولته هو القيود غير الجمركية، حيث لوحظ أنه رغم انخفاض الرسوم الجمركية على السلع المصنعة، إلا أن القيود غير الجمركية بدأت في التزايد، مما تسبب في إلغاء بعض المزايا التي تحققت. تناولت الجولة أيضاً موضوع خفض الرسوم الجمركية (القاسم المشترك في جميع الجولات) ومناقشة إطار اتفاقيات مختلفة مثل:

1.    الدعم وإجراءات الرد على دعم الصادرات.

2.    الحواجز الفنية على التجارة.

3.    الإلزام الحكومي المعوق للاستيراد.

4.    أسلوب تقييم الرسوم الجمركية.

5.    إجراءات مكافحة الإغراق.

نجحت جولة طوكيو في تحقيق نتائج متميزة، حيث استهدفت خفضاً جمركياً بقيمة 300 مليار دولار من حجم التجارة الدولية على مدار سبع سنوات، وتم الاتفاق على خفض الرسوم الجمركية بما يعادل 30% من متوسط التعريفات في بداية الدورة على آلاف السلع والمنتجات الزراعية.

أهم قرارات جولة طوكيو بشأن العوائق التجارية:

1.    الإعانات والرسوم الموازية: التوصل إلى أن الدولة التي تتبنى سياسات الإعانات يمكنها فعل ذلك لبعض السلع في حالة عدم تأثيرها على التجارة الخارجية.

2.    إجراءات ترخيص الاستيراد: وافق الأعضاء على تخفيض هذه الإجراءات وإدارتها بطريقة عادلة ومحايدة.

3.    التقييم الجمركي: استخدام نظام موحد لتقييم أسعار السلع بهدف منع التقديرات المبالغ فيها.

4.    العوائق الفنية: الاتفاق على استخدام معايير دولية (أمنية، صحية، بيئية) بدلاً من المعايير الوطنية التي تعيق التجارة.

5.    المشتريات الحكومية: ضمان تحقيق منافسة دولية قوية في سوق المشتريات الحكومية وتحديد قواعد تفصيلية لطريقة طرح المنافسات.

 

جولة أوروغواي:

أ- المرحلة الأولى (1986-1991): تعد الجولة الثامنة من جولات الجات، وهي الأكثر تعقيداً وتأزماً. تأخرت أربع سنوات حيث كان من المقرر أن تنطلق في 1982 ولكنها لم تبدأ إلا في 20 سبتمبر 1986. كانت أوسع نطاقاً لشمولها قطاعات جديدة، وسعت لتحقيق أهداف أساسية مثل:

·       تخفيض القيود غير الجمركية.

·       تحرير تجارة الخدمات بالإضافة إلى التجارة السلعية.

·       تخفيض القيود على الواردات من المنتجات الزراعية.

تم تحديد 15 مجموعة عمل، منها: (التعريفة الجمركية، المنتجات الاستوائية، المنسوجات والملابس، حقوق الملكية الفكرية، الخدمات). تعرضت موضوعات الخدمات والزراعة والملكية الفكرية لمناقشات حادة؛ حيث نجحت الولايات المتحدة في إدراج الملكية الفكرية لتقليل خسائرها التي قدرت بـ 70 مليار دولار نتيجة التقليد والنسخ. أما الزراعة فكانت صعبة بسبب سياسات الدعم، وكان الاتحاد الأوروبي من أشد المعارضين لإلغاء القيود.

ب- المرحلة الثانية (1991-1994): بدأت المفاوضات مرة أخرى للوصول إلى حل وسط بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول دعم المنتجات الزراعية. هددت أمريكا بفرض رسوم جمركية قدرها 200% على واردات من الاتحاد الأوروبي بقيمة 300 مليون دولار، مما ساعد على استئناف المفاوضات. وتعهد الاتحاد الأوروبي بتخفيض دعم البذور الزراعية بنسبة 37% من القيمة و21% من الكمية خلال 7 سنوات. في عام 1993، اتفق وزراء التجارة (أوروبا، اليابان، أمريكا) على حل المشكلات المعلقة، ليتم توقيع الاتفاق النهائي في مراكش بالمغرب في أبريل عام 1994.

 

قيام المنظمة العالمية للتجارة (WTO):

بعد انتهاء جولة أوروغواي سنة 1993، اجتمع وزراء مالية واقتصاد وتجارة 117 دولة في مراكش في 15/04/1994 ليعلنوا قيام المنظمة العالمية للتجارة والتي تحل محل اتفاقية "الجات"، ليبدأ عملها رسمياً من أول يناير 1995. اكتسبت المنظمة صلاحيات أكبر من الجات كالتفتيش على الدول، ومحاربة السياسات الحمائية، والاهتمام بالملكية الفكرية وتسوية المنازعات.

وصل عدد الأعضاء إلى 134 دولة حتى أبريل 1999، ثم إلى 143 دولة بعد انضمام الصين في 11 ديسمبر 2001. وتجدر الإشارة إلى أن قواعد "الجات" كانت تطبق بشكل مؤقت وغير ملزم غالباً، أما قواعد منظمة التجارة العالمية فهي شاملة ودائمة وملزمة للأطراف، ولها جهاز دائم لحل النزاعات وتسويتها.

 

 


Last modified: Wednesday, 18 February 2026, 3:19 PM