1.الجذور التاريخية للفساد:
قال Canet (1900) : " إن من نسيج الإنسان الفاسد أنه لم يصنع شيء مستقيم أبدا و لن يكون هناك شيء صالح مادام الانسان فاسد و ينطوي مسلكه بالخروج عن الاعتدال " (الشويات، 2015).
ترجع الجذور التاريخية للفساد إلى العهود القديمة جدا، و إن أول حالة فساد في تاريخ البشرية سجلت هي حادثة قتل قابيل لأخيه هابيل و هما أبناء نبي الله آدم عليه السلام و ذكرت في القرآن الكريم، إذ قال جلّ جلاله: "فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين" المائدة 30 (طالب و العامري، 2015).
و أيضا في أول حالة رشوة سجلت في التاريخ هي عندما أرادت بلقيس ملكة تَدْمُرْ أن تبعث بهدية إلى نبي الله سليمان عليه السلام لكي لا يدخل مدينتها بالقوة: "و إني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بما يرجع المرسلون، فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون" النمل 35-36 (طالب و العامري، 2015).
و قد عثر فريق الآثار الهولندي عام 1997 في منطقة (داكا) في سوريا على ألواح لكتابات مسمارية تبين موقعا إداريا (بدرجة أرشيف درجة الرقابة حاليا) يكشف عن قضايا خاصة للفساد و قبول الرشاوي من قبل الموظفين العاملين في البلاط الملكي الأسطوري قبل آلاف السنين ... و ثمة لوح محفوظ عن الحضارة الهندية (حوالي 300 عام ق.م) كتب عليه العبارة الآتية: "يستحيل على المرء أن لا يذوق عسلا أو سما امتد إليه لسانه، و عليه فإنه يستحيل أيضا على من يدير أموال الحكومة أن لا يذوق من ثروة الملك و لو نزرا قليلا" (الشويات، 2015).
و تؤكد الشواهد التاريخية التي تعود إلى الألف الثالث (ق.م) أنه في العصر السومري كانت المحكمة الملكية آنذاك تنظر في قضايا الفساد، مثل استغلال النفوذ، استغلال الوظيفة العامة، قبول الرشوة و إنكار العدالة حتى أن قرارات الحكم في جرائم مثل هذه كانت تصل إلى حد الإعدام. و كما يلاحظ أن (حمو رابي) ملك بابل أصدر تشريعات عام 1780 (ق.م) تشدد على إحضار طالب الرشوة أمامه ليقاضيه بنفسه و يتولى أمر عقوبته (العزاوي، 2015).
و تطرق أفلاطون في كتابه (الجمهورية) إلى ظاهرة الفساد من خلال مناقشته لمشكلة العدالة الفردية و الجماعية، و يحدد في كتابه (القوانين) محاربة الفساد في جميع صوره. و نادى بوجود هيئة موظفين واجبها مراقبة تصرفات المواطن (العزاوي، 2015).
كما نجد في كتابات أرسطو (322-382 ق.م) ما يشير إلى ظاهرة الفساد بشكل أو بآخر حيث يقول: "بعض الناس يحولون كل سجية فن أو وسيلة للحصول على النقود فبذلك يتصورون أنه من أجل تحقيق الغاية يجب تحيز كل شيء" (طالب و العامري، 2015).
و في عصر الدولة الاسلامية فلقد أرسى الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم في صحيفة المدينة المنورة أول أسس التنظيم الإداري في الإسلام، ووثق القانون أو الدستور الإلهي الذي نزل بالقرآن لينظم حياة البشر و مجابهة الفساد الذي ساد عصر الجاهلية الأولى كما كان واضحا في نصوص القرآن الكريم، كما تدل عليه الآية الكريمة: "و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون" البقرة 30 و كذلك جريمة القتل في قوله تعالى: "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا" المائدة 32 (العزاوي، 2015).