المحاضرة الرابعة: تتمة لتطور النظام النقدي الدولي

     شهد العالم خلال الثلاثينات ظروف عدم استقرار غير عادية حيث أعلنت انجلترا انهياه قاعدة الذهب بإلغاء قابلية تحويل  الجنيه الاسترليني إلى ذهب  سنة1931، وتبعتها بقية الدول، وأصبح النظام النقدي الدولي قائما على حرية تعويم العملات، حيث شهدت تلك الفترة تنافسا محموما بين الدول في تخفيض قيمة عملاتها وفرض القيود الحمائية. وبقي العالم على هذا الحال إلى أن قامت الحرب العالمية الثانية و ما نتج عنها من انخفاض كبير في المعروض السلعي خاصة  في قطاع الغذاء، بالإضافة  إلى البطالة الواسعة ودمار البنى التحتية وتدهور أسعار الصرف للعملات الاوروبية وموازين المدفوعات وحركات راس المال، وانخفاض معدلات حركة التجارة الدولية، ودخول  الدول الاوروبية في معاملات تجارية داخلية قائمة على التخفيضات المستمرة في عرضها للسلع في سوق التجارة الدولية كوسيلة للتدخل لتحسين اوضاع الموازين التجارية مع ادول الاخرى،

  و للخروج من هذه الظروف و قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية سارعت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى التفكير في خلق نظام نقدي جديد يكون أساسا لعلاقات نقدية دولية لعالم ما بعد الحرب ولهذا الغرض نظَّمت مؤتمراً في في 20 جويلية 1944، في مدينة بريتون وودز - Bretton Woods  بولاية نيوهامبشير - New Hampshire بالولايات المتحدة شاركت فيه 44 دولة.

في مؤتمر  بريتون وودز طرحت خطتان رئيسيتان لتنظيم النظام النقدي العالمي، احداها للاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز، والاخرى للاقتصادي الامريكي هاري ديكستر وايت. 

أولا: مقترح جون مينارد كينز  John Maynard Keynes ممثل الخزانة البريطانية

       قدم الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز مقترحاً يهدف لإنشاء نظام نقدي دولي عادل وأكثر توازنا يخدم الدول المدينة والدائنة معا.

     يقوم المقترح على العناصر التالية:

§       اصدار عملة عالمية جديدة تسمى "البانكور" (Bancor) و هي عبارة عن وحدة حسابية قياسية نقدية تستخدم في تسوية المدفوعات الدولية وتكون قيمتها مرتبطة بالذهب ولكنها قابلة للتغير حسب الأحوال وعلى أن يكون كمية المصدر منها متناسبة مع حاجة التجارة الدولية بطريقة منتظمة، معللا اقتراحه بأن كمية النقد الدولي العالمي لا يجب أن تتحدد على أساس إنتاج الذهب وتكاليفه ولا على الاحتياطي الموجود منه، و إنما على أساس حجم التجارة الدولية.

§       تأسيس مؤسسة عالمية اطلق عليها اسم "اتحاد المقاصة الدولي "  كمصرف مركزي عالمي لإدارة سيولة البانكور، حيث تمنح الدول الأعضاء سحوبات على المكشوف (خطوط ائتمان) لتغطية العجز المؤقت.

§       تحميل الدول الدائنة والمدينة مسؤولية مشتركة في تصحيح الاختلالات التجارية، أي أن تصحيح العجز في ميزان المدفوعات لا يقع على الدول المدينة فقط، بل يجب على الدول الدائنة أيضاً اتخاذ إجراءات، لتجنب الركود الاقتصادي.

وهو ما رفضته الولايات المتحدة لصالح خطة "هاري ديكستر وايت"  التي ربطت النظام بالدولار والذهب مكرسة بذلك هيمنة الدولار

ثانيا: مقترح هاري ديكستر وايت Harry Dexter White  موظف الخزينة الأمريكية

 قدم هاري وايت خطة تعكس قوة الاقتصاد الامريكي في تلك الفترة، وكان جوهر اقتراحه يتلخص في العناصر التالية:

§       إنشاء صندوق نقد دولي يستهدف العمل على استقرار أسعار الصرف و محاربة مختلف أشكال القيود على المدفوعات الخارجية التي تحد من حرية التجارة و حرية انتقال رؤوس الأموال.

§       كما اقترح أن تكون وحدة التعامل الدولي هي " اليونيتاس  Unitas" التي ترتبط قيمتها بوزن معين من الذهب، و على الدول الأعضاء أن تحدد قيمة عملتها بالذهب أو باليونيتاس، ويفتح في الصندوق حسابات دائنة و مدينة تقيّد فيها الأرصدة باليونيتاس.

§       إلزام الدول المدينة فقط بإجراء اصلاحات لمعالجة العجز في موازين المدفوعات.

   و في آخر المطاف اتفق المؤتمرون على تبني المشروع الأمريكي نظرا لقوة الدولار من جهة و قوة الولايات المتحدة اقتصاديا وعسكريا من جهة أخرى، كما تمّ تعيين "هاري وايت" على رأس صندوق النقد الدولي باقتراح من الرئيس "روزفلت".

 ثالثا: محتوى اتفاقية "بريتون وودز"

  تم التوقيع على اتفاقية بريتون وودز في 20 جويلية 1944، بمشاركة 44 دولة، حيث اعتمد المؤتمر نظاماً نقدياً جديداً قائماً على قاعدة صرف الدولار بالذهب وتتمثل اهم مخرجات المؤتمر في النقاط التالية:

§       تثبيت الدولار مقابل الذهب بسعر 35 دولار للأونصة (الأونصة الواحدة تساوي 31.103 غرام من الذهب)؛

§       تثبيت باقي عملات دول العالم مقابل الدولار؛

§       التزام الولايات المتحدة الأمريكية بتحويل الدولار الورقي إلى ذهب بسعر ثابت يبلغ 35 دولار لكل أونصة من الذهب،  ونتيجة لذلك تحول الدولار ليكون العملة الاحتياطية الدولية وبالتالي ثبات أسعار الصرف بين مختلف العملات المرتبطة به.

§       ضمان حرية التحويل بين عملات الدول المختلفة؛

§       النقاط الثلاث السابقة جعلت من الدولار عملة احتياط ووسيلة مدفوعات دوليتين، وهنا ظهر ما يعرف بمعضلة تريفين Triffin Dilemma أي أنه لكي يوفر الدولار سيولة عالمية يجب أن تسجل الولايات المتحدة عجزا في ميزان المدفوعات، لكن استمرار العجز يقوض الثقة في قابلية تحويل الدولار إلى ذهب.

§       أن تلتزم كل دولة بالتدخل في سوق الصرف الأجنبي للحفاظ على سعر الصرف في حدود 1% ارتفاعا و انخفاضا عند سعر التعادل في مواجهة الدولار؛

§       يمكن للدول أن تموّل عجزها المؤقت في موازين مدفوعاتها باستخدام احتياطاتها الدولية وبالاقتراض من صندوق النقد الدولي، أما في حالة وجود اختلال هيكلي، أي وجود عجز أو فائض بشكل كبير ومستمر في ميزان المدفوعات، فإنه يسمح للدولة بأن تغير السعر الاسمي لعملتها في حدود 10% دون اشتراط الموافقة المسبقة للصندوق؛

§       استخدام الدول لما لديها من أرصدة دولارية لشراء عملتها المحلية عندما تميل قيمتها للتدهور بأكثر من 1%   من سعر التعادل أو التدخل ببيع عملتها و شراء الدولار عندما تتحسن قيمتها بما يفوق 1%   من سعر التعادل؛

§        فرض القيود على تحركات رؤوس الأموال قصيرة الأجل و ذلك لتفادي تأثيرها على نظام أسعار الصرف الثابتة.

§       إنشاء صندوق النقد الدولي  IMF والغرض منه تحقيق استقرار أسعار الصرف والإشراف على تنفيذ قواعد النظام النقدي الدولي الجديد، حيث قام هذا الصندوق بمباشرة مهامه بعد1947؛

§       إنشاء البنك الدولي للإنشاء و التعمير IBRD والغرض منه هو مساعدة الدول الأوروبية التي دمرتها الحرب ثم مساعدة الدول الأخرى على التنمية الاقتصادية؛

§       كما انبثق عن المؤتمر فكرة إنشاء منظمة التجارة العالمية WTO ولكن لم تنفذ مباشرة، وإنما ابتدأت بالاتفاقية متعددة الأطراف والمسماة بـ (الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة A General Agreement on Tariffs and Trade GATT) عام 1948 وبمشاركة 23 دولة.

 ثالثا : انهيار نظام بريتون وودز

   لقد انهار نظام بريتون وودز في أوائل السبعينات من القرن الماضي نتيجة مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة أهمها:

عجز ميزان المدفوعات الامريكي:

في نهاية الخمسينيات وخلال الستينيات عرفت الولايات المتحدة عجز مستمر، ففي سنة 1958 زاد العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي بشدة بمتوسط 3 مليار دولار سنويا، و لعل هذا العجز كان راجعا إلى مجموعة من العوامل أهما:

§       تدفق الاستثمارات الأمريكية إلى الخارج بوجه عام وفي أوروبا بوجه خاص؛

§       الانفاق الكبير على حرب الفيتنام من خلال زيادة العرض النقدي و إصدار مزيد من الدولارات دون زيادة مقابلة في احتياطات الذهب.

§       برامج الرعاية الاجتماعية الداخلية؛

فقدان الثقة في الدولار الأمريكي:

      إن الإجراءات المعتمدة من طرف الدول الأوروبية والمتمثلة في تخفيض أسعار صرف عملاتها، شجع على زيادة صادراتها، ورفع من القدرة الإنتاجية للقطاع الصناعي من الفترة الممتدة من 1950إلى 1960 بحوالي 60%، ومن ثم تحسن موازين مدفوعاتها في عام 1958، وهذا ما سمح لها بتكوين احتياطات نقدية كبيرة، فأصبح ما يحتفظ به الأجانب من دولارات هو 40 مليار دولار بينما كان 13 مليار فقط في عام 1949، في المقابل انخفض مخزون الذهب لدى الولايات المتحدة  من 25 مليار دولار في عام 1949 إلى 11 مليار دولار فقط في عام 1970.

إيقاف التحويل بين الذهب و الدولار- صدمة نيكسون-.

    أدَّى توفر الدولار لدى دول الفائض مع الولايات المتحدة إلى فقدان الثقة في احتياطاتها الدولارية ومن ثم عمدت إلى تحويل هذا الفائض إلى ذهب مما أدى إلى هبوط مخزون الرصيد الذهبي الموجود في حوزة الولايات المتحدة حيث انخفض من 18 مليار $ إلى 11 مليار $ (1960 - 1970) وأصبحت مستحقات الدول اتجاه أمريكا تفوق ما لديها من رصيد ذهبي الشيء الذي طرح الكثير من التساؤلات فيما يخص قدرتها على تحويل الدولار إلى ذهب

    وأمام الأوضاع المتأزمة في أسواق الصرف والحالة التي وصل إليها الدولار الأمريكي واحتياطيها الذهبي قامت أميركا بالتدخل لإصلاح الأوضاع وذلك بإقرار مجموعة من قرارات على لسان رئيسها ريتشارد نيكسون في يوم الأحد 15 أوت 1971 (والتي تعرف بصدمة نيكسون) في خطابه للأمة تحت عنوان السياسات الاقتصادية الجديدة والتي تضمنت الآتي :

1.    وقف تحويل الدولار إلى ذهب أي انهيار دعامة نظام بريتون وودز.

2.     فرض رسم إضافي قدره %10 على السلع المستوردة والهدف منه هو استعماله كوسيلة ضغط على الدول الأخرى لإجبارها على المساهمة في علاج العجز المتزايد في ميزان المدفوعات للولايات المتحدة؛

3.    تجميد الأجور و الأسعار لمدة 10 أيام، القصد من هذا الاجراء هو مواجهة التضخم في الداخل؛

4.    إعفاء الاستثمارات الخاصة بإنتاج المعدات الوطنية من الضرائب بنسبة 10% لمدة سنة لتشجيع الاستثمار في الداخل؛

5.    إلغاء ضريبة الإنتاج المقدرة بـ7% على صناعة السيارات الأمريكية و الهدف من هذا الإلغاء هو إنعاش هذه الصناعة و جعلها أكثر تنافسية؛

6.    تخفيض الإنفاق الحكومي و المساعدات الاقتصادية الخارجية بنسبة 10%.

رابعا: اتفاقية سيميثونيان.    

       في ديسمبر من عام 1971 اجتمع ممثلو عشر دول في معهد "السيميثونيان" بواشنطن، لدراسة الوضع الجديد بعد انهيار بريتن وودز ووافقوا على رفع سعر أونصة الذهب من 35 دولار إلى 38 دولار أمريكي للأوقية، هذا ما يعني تخفيض قيمة الدولار الأمريكي بنسبة 7,89%، كما ارتفعت قيمة بعض العملات، مثل الين الياباني بنسبة 14% و المارك الألماني بنسبة 17%.

    كما تضمنت هذه الاتفاقية توسيع هوامش تقلبات أسعار الصرف إلى 2,25% ارتفاعا وانخفاضا عن سعر التعادل، بدلا من1 %، و هذا يعني أنه يمكن لسعر صرف أي عملة بخلاف الدولار أن يتقلب في حدود 4.5 % ارتفاعا و انخفاضا، بالمقارنة مع سعر صرف أي عملة أخرى.

  كما وافقت الولايات المتحدة الأمريكية في المقابل بإلغاء الرسوم الجمركية و المقدرة بـ 10 % التي فرضتها على الواردات.

خامسا: التطورات النقدية بعد اتفاقية سميثونيان.

      بنهاية سنة 1971 ارتفع مجموع احتياطات البنوك المركزية الأجنبية من الدولارات إلى 62 بليون دولار، وفي ظل عدم قابلية الدولار للتحويل إلى ذهبأصبحت هذه الدولارات تشكل خطرا على استقرار نظام النقد الدولي، إذا ما ألقت البنوك المركزية بتلك الدولارات في سوق العملات الأجنبية.

    ولقد كان من الأجدر دفع المضاربين الأفراد إلى شراء الدولارات بكميات كبيرة كي تعطي للبنوك المركزية الفرصة للتخلص من الدولارات الزائدة، إلاّ أنه في حقيقة الأمر لم يحدث شيء من هذا القبيل، حيث زاد مجموع الاحتياطات من الدولارات في عام 1972 إلى 81 بليون دولار .

    وخلال هذه الفترة، أحدث عجز الولايات المتحدة الأمريكية مضاربة عنيفة ضد الدولار وقد أدى هذا في جانفي 1973 إلى تخفيض آخر في قيمة الدولار بنسبة 10% و منه ارتفعت قيمة الأونصة الواحدة من الذهب إلى 42.2% دولار.

  و لما احتدمت المضاربة ضد الدولار مرة ثانية في مارس 1973، قرر وزراء المالية للبلدان الأوروبية ترك أسعار الصرف حرة لتعوّم باستثناء التدخل الرسمي، و هو ما يطلق عليه بمصطلح التعويم المدار.

سادسا: اتفاقية جمايكا 1976 :

     بعد قرار الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1971 بوقف تحويل الذهب إلى دولار انهار عمليا نظام بريتون وودز، وانتقل العالم تدريجيا إلى أسعار الصرف العائمة، وعليه جاءت اتفاقية جمايكا 1976 لتقنين هذا الواقع الجديد قانونيا ومؤسسيا. حيث عقد مجلس محافظي صندوق النقد الدولي مؤتمراً في 07 و 08 فيفري في جمايكا، تم فيه تعديل اتفاقية بريتون وودز، وتم وضع عدد من البنود الأساسية للنظام النقدي الحديث، وكان لذلك أثراً واضحاً على نظام الصرف الدولي وتمثلت تلك البنود بالاتي

1-    حرية الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي في اختيار ما تشاء من نظم الصرف بما فيها التعويم؛

2-    إلغاء السعر الرسمي للذهب ونزع الصفة النقدية عنه ومعاملته معاملة أي سلعة يتحدد سعره بناء على العرض والطلب.

3-    تعزيز دور حقوق السحب الخاصة كأصل احتياطي رئيسي بهدف تقليل الاعتماد على الدولار والذهب.

 

 


Modifié le: lundi 23 février 2026, 23:30