• ساهمت مجموعة من المؤثرات على تحقيق عالمية الدبلوماسية الجزائرية بين (1519-1830م) نلخصها في الأسس التالية:

أولا:جهود الإخوة بربروس

تزامن الوجود الإسباني في سواحل المغرب العربي بظهور عدد كبير من البحارة المغامرين، كونوا سفنا صغيرة مستقلة تعمل لحسابهم الخاص وتظفر بالغنائم، وتجاهد ضد أعداء الإسلام والمسلمين في نفس الوقت، ولهذا كان هؤلاء المغامرون في نظر المسلمين أبطالا مجاهدين وطنيين، وفي نظر خصومهم مجرد قراصنة لا يخضعون لأي قانون أو نظام ، يتزعمهم مباشرة "الإخوة بربروس" الذين نشئوا في جزر بحر إيجة حيث توجد أهم قواعد الأسطول العثماني،  سطع منهم نجمان كان لهما الفضل في عثمنة المغرب العربي وهما:

أ-عروج: (1474-1518 م) ، من أسرة فقيرة بجزيرة في ساحل بحر إيجة بتركيا اشتغل مع والده في صناعة الخزف قبل أن يمارس التجارة البحرية وهي حينئذ خليط بالقرصنة، عاش ويلات الأسر في جزيرة رودس التي كانت تمثل عاصمة "فرسان القديس يوحنا" كجمعية دينية مسيحية تحولت إلى هيئة عسكرية، نشطت القرصنة ضد المسلمين في حوض البحر المتوسط، حيث طردوا من القدس في نهاية  الحروب الصليبية، فاستقروا بجزيرة رودس حتى طردهم " سليمان القانوني" سنة 1512 فلجأوا إلى جزيرة مالطا حتى فرقهم " نابليون بونابارت، تمكن عروج من الهروب وصمم على الانتقام، تبنته الدولة الحفصية وسمحت له باتخاذ جزيرة  جربة مقرا له وقاعدة لأسطوله الناشئ (حوالي 08 سفن) ، ومنها شرع في مهاجمة سواحل أوروبا الجنوبية وصقلية وجنوب إيطاليا خاصة، اكتسب من خلالها شهرة كبيرة، كان له أول اتصال بالمغرب الأوسط 1512 م حين طلب  منه الحفصيون مساعدتهم لتخليص مدينة بجاية  من الاحتلال الإسباني، ورغم فشله في تحقيق ذلك بعد معركة بحرية خطيرة انتهت ببتر ذراعه الأيسر ، وقتل أخيه "إلياس"، لكنها مثلت منعرجا كبيرا في حياة عروج الذي أصبح مرتبطا أكثر بالمغرب الأوسط، وفكر في تكوين قاعدة بعيدة عن الحفصيين ومستقلة عنهم، فوجد المكان المناسب أولا في ميناء جيجل، لينتقل منها إلى مدينة  شرشال ومدينة الجزائر،  وميناء تنس،  ثم  استغل أزمة عرش الدولة الزيانية، حيث لبى نجدة  " أبو زيان الثالث"  ضد عمه "أبو حمو الزياني" الذي تحالف مع إسبان  وهران، فنجح عروج في مهمته بتلمسان، لكن الإسبان لحقوا به  وتمكنوا من قتله وقطع رأسه والتشهير به وإعادة "أبو حمو " إلى عرش تلمسان تحت حمايتهم

·                 فهل تم ذلك بناء على رغبة السكان ؟ أم أنهم أرغموا على التبعية لحاكم أجنبي؟

يؤكد  "دي غرامونت " شعبية عروج قائلا:

«إن أغلب المؤرخين تعودوا على اعتبار " عروج " قائدا لمجموعة من قطاع الطرق، وكانوا في ذلك يكررون ما ينقله المؤرخون  بعضهم عن بعض(...) وهذا يعد من أكثر الأحكام بعدا عن الواقع، فقد كان عروج أول الإخوة بربروس يتميز بكونه جنديا فذا من جنود الإسلام، قاد حربا بحرية لا هوادة فيها على أعداء عقيدته، وخصوم سلطانه العثماني، ولم تكن هذه الحرب التي قادها تختلف في طرقها ولا في وسائلها عن تلك التي كانت مستعملة من طرف النصارى الذين كان يحاربهم(... ) وعندما سمحت له انتصاراته الأولى بتجميع قوات كافية تحت قيادته، حاول عروج القيام بعمل كبير، فاستغل حالة الفوضى التي كانت سائدة في شمال إفريقيا في سبيل تأسيس مملكة».

       ركز المؤرخون  على أن " عروج"  قمع  عدة ثورات محلية بقسوة كبيرة، وصك العملة باسمه، وميز الأتراك بالوظائف العليا، وقتل حاكم إمارة الثعالبة بميناء الجزائر " سالم التومي" خنقا بسبب استنجاده بالإسبان وأقام حكومة عسكرية على نمط حكومة فرسان القديس يوحنا، لكن الأهم هو أن إقامة حكومة بمدينة الجزائر سيصد عنها خطر الغزو الأجنبي، ولهذا أجمع معظم المؤرخين المعاصرين على أن مجيء عروج كان بمثابة نجدة  ضرورية لإنقاذ المغرب العربي، وهذا ما تأكد حين التف حوله السكان على اختلاف أجناسهم لصد الحملة الإسبانية التي تزعمها الراهب خيمينيتXimenias سنة 1516 ضد مدينة الجزائر 

ب-خير الدين:  بينما كان  عروج أقرب إلى مغامري البحر، أثبت أخوه "خير الدين" أنه رجل دولة محنك لم يطمع يوما لتحويل المغرب العربي إلى مملكة خاصة، حيث جمع أعيان مدينة الجزائر وأخبرهم الصعوبات الداخلية والخارجية وأقنعهم بأن المخرج الوحيد هو إعلان التبعية للدولة العثمانية، ورغم ما حيك حوله من مؤامرات، خاصة تمرد " مملكة  كوكو" بالقبائل  بزعامة  "أحمد بن القاضي" (1520-1525م) فإن خير الدين أظهر جرأة فائقة في السيطرة على القرصنة البحرية ضد الأساطيل الأوربية مما زاد في شعبيته وتمكن من توسيع نفوذه في المغرب الأوسط، فاضطر إلى طلب المعونة من السلطان سليم الأول  1519 م،  والذي أمده  بألفين عسكري  من الانكشارية مسلحين مع ستة عشر سفينة مجهزة بقوة مدفعية وذخيرة حربية وسمح لرعاياه بالتطوع في جيش المغرب، ومنحهم امتيازات الانكشاريين، لتكون سنة 1519 م بداية وصول السلطة العثمانية رسميا إلى شمال إفريقيا، حيث كشف المؤرخ التونسي " التميمي عبد الجليل " رسالة أعيان مدينة الجزائر إلى السلطان العثماني " سليم الأول"  ونشر نصها التركي وصورتها الفوتوغرافية، مما يؤكد تحول المغرب الأوسط رسميا إلى الجزائر كإيالة عثمانية، وأهم إنجازاته:

* تمكنه في البداية من  تحرير قلعة " البنيون"  1529 م التي أنشأها الإسبان على جزيرة صغيرة قرب  ساحل الجزائر،  فبني فيها كاسرة أمواج توصل أطلال قلعة البنيون والجزيرة بساحل الجزائر عن طريق بناء رصيف طوله عشرين مترا  وعرضه خمسة وعشرين مترا  وعلوه أربعة متر، وبذلك أوجد ميناء الجزائر الحصين، كقاعدة محروسة عثمانية للدفاع عن الإسلام والمسلمين، وليبدأ استخدام الجزائر للدلالة على إقليم المغرب الأوسط.

* نجح ثانيا في إفشال الحملة الكبرى التي قادها الملك الإسباني "شارل كانت (الخامس)" (1516-1556م) على مدينة الجزائر سنة 1541 وأسر معظم رجال الحملة ورفض جميع عروض الفدية، مما يدل على عدم تمسكه بالمال وبعده عن روح القرصنة بمفهوم اللصوصية.

* كما نجح "خير الدين" في دعم الثقة بينه وبين السلطة العثمانية بزيارته العاصمة القسطنطينية 1533 م، وقام بدور كبير في التقارب العثماني الفرنسي ضد إسبانيا وتوقيع معاهدة الامتيازات المشهورة 1535 م، وهو ما مكنه للارتقاء إلى قائد عام للأسطول البحري العثماني حيث كلف ابنه "حسن أغا" للنيابة عنه والذي سيكون في مستوى هذه المسؤولية.

       ومهما اختلف الدارسون في تقييم دور "خير الدين" في الجزائر بين (1518-1534م) إلى درجة تشبيهه بصلاح الدين الأيوبي، وافتخار الجزائريين به لأنه خطط لإنقاذ البلاد من خطرين: أحدهما خارجي والآخر داخلي، وأرسى أسسا للدولة الجزائرية الحديثة كإيالة في إطار اتحادي في الخلافة العثمانية.

 ثانيا: اتساع ظاهرة القرصنة البحرية  corsaire

·      يختلف مفهوم القرصنة باختلاف مفاهيم وتيارات الدول السياسية،  فهي نوع من الحروب البحرية ما بين الدولالمتعادية مقننة  بتنظيم وتقاليد تميزها عن حركة السلب والنهب وقطع الطريق واللصوصية (Piraterie)فهي عبارة عن سفن مسلحة تعمل باسم حكومة دولة ما، مكلفة بمهام ضد سفن وسواحل أعداء مقصودين بالذات، وهي بمثابة حرب مشروعة تتم بواسطة بيان صريح للحرب ، وكانت القرصنة والنشاط الاقتصادي مترابطين، باركتها كل الدول لتحقيق الازدهار والتقدم ورد الاعتداء، ومثلت القرصنة بالنسبة للمسلمين شكلا من أشكال الجهاد في البحر، وتطورت ظاهرة التسابق والتنافس البحري ، لحماية  الموانئ والسيطرة على البحر المتوسط، وأصبحت نشاطا عاما مارستها كل الدول، وتحولت القرصنة إلى أكبر وأهم مورد للموانئ في المغرب العربي ، حيث أكد المؤرخ الفرنسي "شارل أندري جوليان":

« سلحت بجاية، ومدينة الجزائر، ووهران، وهنين، كل لحسابها سفنا شراعية تجوب البحر المتوسط» ، وأرجع الحسن الوزان سبب احتلال الإسبان لصخرة مدينة الجزائر قائلا: « سكان مدينة الجزائر سلحوا سفنا وتحولوا إلى قراصنة وصاروا يغيرون على جزر البحر المتوسط  وحتى  شواطئ إسبانيا »  .

· وعلل المؤرخون تصاعد أعمال القرصنة في الجزائر بأسباب متعددة وهي:

1) انقطاع موارد تجارة القوافل الصحراوية التي شكلت مصدر دخل أساسي في الوساطة بين السودان الغربي وأوروبا.

2) مساهمة الموريسكيين في تنشيطها خاصة ضد الإسبان أكبر أعدائهم ضراوة بدافع الانتقام ومحاولة استرجاع الفردوس المفقود.

3) مساهمة الأتراك العثمانيين في تنشيط القرصنة وتنظيمها وتفعيلها.

وكانت القرصنة البحرية الإسلامية محددة بأهداف من أجل استتباب الأمن،وحماية الأرواح والممتلكاتوالدفاع عن الإسلام والمسلمين، والكفاح ضد الغزو الاستعماري، وتحقيق حرية موانئ المغرب العربي مما يعطيها فعلا طابع  الجهاد البحري  وليس قرصنة بمعنى قطع الطريق (Piraterie)  التي رسخها الأوربيون ، الذين توصلوا منذ 1815 م إلى فكرة التحالف والإجماع على توحيد المنهج العسكري البحري لمجابهة الأساطيل المغربية لضمان أمن وسلامة الملاحة الأوربية وفرض السيطرة والهيمنة المسيحية على البحر المتوسط تزعمته بريطانيا لقوتها البحرية وقدراتها الدفاعية بدعوى وضع حد لتجارة الرقيق والقضاء على القرصنة.

     إذن مصطلح القرصنة البحرية حركة عامة متوسطية مسيحية وإسلامية، وليست وليدة ظروف الكشوف الجغرافية، وطرد الأندلسيين فحسب، بل هي امتداد للاحتكاك الحضاري والصراع العسكري الذي تجلت أبرز مظاهره خلال الحروب الصليبية القديمة والمتجددة.

·      لن يكون من الأمانة والموضوعية اعتبار بحارة المغرب العربي ورياسهم لصوصاوقطاع طرق  بحر كما أكد على ذلك العديد من الأجانب أنفسهم، وشهد شاهد من أهلهم حيث أكد De Grammont  قائلا: « إن موقف رياس البحر من مغامرة البحار "خوان فاسكون " في هجومه على ميناء الجزائر 1567 م الذي أسر، فطالب رياس البحر بمعاملته معاملة المقاتلين الأسرى (...)  يدل دلالة واضحة على أنهم رجال ثقة عسكرية وشرف ولم يكونوا لصوص بحر أو مشاغبين ».

وأكد المؤرخ الألماني (فيشر هربرت) هذه الحقيقة التاريخية قائلا: « لم يكن ميناء الجزائر وكرا للقرصنة، بل ميناء ترسو به السفن التجارية، ولنا أدلة تثبت أن هناك تمييز بين سفن وممتلكات الأمم الصديقة والعدوة، وأن حكام وديوان الجزائر كانوا يسهرون على إنصاف كل الأطراف، وتطبيق العدالة كلما رفعت إليهم شكاوي متناقضة حول الغنائم التي يتم إنزالها بالجزائر ».

ثالثا:جهود الدولة العثمانية في بناء دولة جزائرية حديثة في مواجهة أوروبا

استغل السلطان العثماني " سليم الأول" (1515-1520) هذا الوضع العام غير المستقر في غرب البحر المتوسط لتحقيق أحلامه  في التوسع، وطموحاته في استكمال الوحدة الإسلامية، خاصة بعدما تسلم مفاتيح الحرمين الشريفين ليكون الوريث الشرعي للخلافة الإسلامية سنة 1517م، حيث حرص على دعم "الإخوة بربروس"  ماديا ومعنويا (المساهمة بألفين عسكري  من الانكشارية مسلحين مع قوة مدفعية، وذخيرة حربية،  وستة عشرسفينة، وسمح لرعاياه بالتطوع في جيش المغرب، ومنحهم امتيازات الانكشاريين)،  لتحويل الجزائر إلى قاعدة بحرية لجيوش الخلافة الإسلامية في غرب البحر المتوسط، ومنطلق جهادها الإسلامي لتحرير الثغور المغربية ومواجهة الحملات الاستعمارية المسيحية خاصة بعد ما نجح "خير الدين" في إرساء إستراتيجية تحالف مصلحي بين العثمانيين وشيوخ الطرق الدينية وزعماء القبائل، وبالخصوص حينما طالب أعيان الجزائر عن طواعية الارتباط بالدولة العثمانية ضد الاعتداءات الإسبانية،  فساهمت الخلافة العثمانية كثيرا في دعم مكانة الجزائر في الحوض الغربي للبحر المتوسط لتصبح قوة بحرية كبرى، ستساهم بشكل كبير في تحقيق التوسع العثماني بتونس وطرابلس الغرب، وتواجه الدول الأوروبية والأمريكية دبلوماسيا وعسكريا.

رابعا:قوة بحرية كبرى في مواجهة القوى البحرية العالمية

شاع في عالم البحر المتوسط أن الجزائر أصبحت أقوى بحرية في العالم بتعداد بحارتها وقوة أسطولها وشجاعة رياسها،  حيث أولى العثمانيون تنمية وتطوير الأسطول البحري أهمية كبيرة، اعتمدت في تشكيله على خمسة مصادر أساسية وهي:

1)  مصادر محلية خاصة غابات شرشال وجيجل وبجاية والقل تحت رعاية مصلحة خاصة تعرف باسم "الكراسنة " لتوفير الألواح والقطع الخشبية.

2) مواد مستوردة مثل المسامير والأشرعة والحبال البحرية وبعض أنواع الخشب.

3) الغنائم التي مثلت موردا هاما للبحرية الجزائرية.

4)الإتاوات العينية التي كانت تدفعها بلدان أوروبية والولايات المتحدة الأمريكية مقابل السلم، حيث كانت السويد والدانمارك تقدم خشب أشجار التايغا، بينما هولندة تقدم الأشرعة، وبقية الدول تقدم المدفعية والبارود والحديد والصلب والكبريت والزفت...

5) هبات الدولة العثمانية.                                        

        وحرص العثمانيون على إعطاء صفات متميزة للأسطول البحري الجزائري نميز فيه أساسا:

1)  التخلي عن السفن الضخمة التي لا تصلح للمناورة والكر والفر.

2) اعتماد أولوية سرعة السفن وصغر حجمها وانخفاض ارتفاعها( في شكل قليوطة وهي عبارة عن مركب صغير وكون من 25 مصطبة يمكنها حمل 20 مدفع و30 بحار).

3) الاهتمام بالكفاءة الهجومية البشرية والمادية.

4)  قبول إشراك الأهالي والأجانب.

5)  سفن خاصة.

        وعرف الأسطول البحري الجزائري تطورا ملحوظا، فرغم تناقض الإحصائيات نتيجة حركتها السريعة المرتبطة بتعدد مصادرها بدأت النواة الأولى بسفينتين أتى بهما الإخوة بربروس أصبحت ثمانية سفن سنة 1512 م، أصبحت 16 سفينة سنة 1516 م لتصل مع بناء ميناء الجزائر إلى 60 سفينة، تلقت ضربة قوية أثناء حملة شارلكانتعلى ميناء الجزائر سنة 1541 ثم جهزت 40 سفينة سنة 1553 م، ليقود "علج علي" 60 سفينة إلى معركة ليبانتي سنة 1571 ليصل الأسطول الجزائري إلى أعلى رقم موجود في المصادر خلال ثلاثة قرون وهو 70 سفينة سنة 1644 م .

يلاحظ من خلال هذا الجدول الإحصائي تذبذبا وتقهقرا، مع تخلي السفن عن قاذفات الأحجار، وضعف تطور المدفعية خاصة في حال مقارنتها مع مثيلاتها الأوروبية.

وساهم الأسطول البحري بأدوار إيجابية في مختلف المجالات:

أ/ عسكريا:-تحرير سواحل المغرب الإسلامي من الاستعمار الإسباني.

-  والتصدي للغارات والتحرشات طيلة ثلاثة قرون.

-مشاركة الدولة العثمانية في حروبها ضد الأوروبيين.

-حماية  سفن الدول الصديقة.

-فرض نظام المرور في الطرق البحرية بالبحر المتوسط.

ب/ سياسيا:- تأمين استمرار النظام السياسي العثماني بالجزائر.

- رسم حدود قارة للكيان السياسي للجزائر والدفاع عنها.

- منح الجزائر مكانة دولية في واقع العلاقات الدولية .

ج/ اقتصاديا:-  مورد أساسي للدخل من حيث:

+ غنائم العمليات الحربية.

+عائدات الفدية على أسرى الأوروبيين.

+ الإتاوات المفروضة على الدول وهي ثلاثة أنواع:

*اللزمة: التزام تعاقدي مقابل السلم، أو التزام رياس البحر بعدم التعرض للسفن التجارية للبلد المعين، ومن أشهر الدول التي حافظت على تقديم اللزمة مقابل السلم كل سنتين: الولايات المتحدة الأمريكية حتى سنة 1815 م، وهولندا والبرتغال والسويد والدانمرك حتى سنة 1791 م قدرت قيمتها في المتوسط بحوالي 125 ألف فرنك فرنسي قديم.

* التزامات تجارية خاصة فرنسا مقابل امتيازاتها في مدينة " القالة" من طرف شركة إفريقيا الملكية الفرنسية.

* العوائد: وهي أعطيات وهدايا وهي نوعان: هدايا بمناسبة تعيين قنصل جديد، حاول النظام العثماني  تنظيمها لمدة سنتين، وهدايا المناسبات كرأس السنة الميلادي والأعياد أو مجيء الوفود للتفاوض.

تميزت موارد المداخل البحرية بعدم الاستقرار حسب حالة الأسطول الجزائري، ووضع العلاقات الدولية، ولم تكن خزينة الدولة تستفيد إلا بنسبة قليلة نظرا لتعدد المستفيدين منها، مثل الرياس ومجهزي المراكب والداي وموظفي الموانئ، يقول "حمدان خوجة" : «عندما تجلب الغنائم إلى مدينة الجزائر تباع للسكان وتوزع قيمتها حينا على ذوي الحقوق، وتأخذ الخزينة العامة الخمس كنصيب لها ووفقا لما تنص عليه الشريعة الإسلامية، على أن هذا الخمس لم يكن تاما أبدا، لأن الأشياء الثمينة كانت تؤخذ قبل الاطلاع على الغنائم ».

كما ساهمت مجموعة من العواملفي استفحال هذا الضعف والتدهور للأسطول البحري الجزائري أخطرها:

1/ تراجع صناعة السفن نتيجة القرار الذي أصدره الباي مصطفى سنة 1799م الذي منح حق استغلال الغابات الممتدة من بجاية إلى القل لليهوديين " بكري وبوشناق"، مما جعل السكان يعزفون عن هذا النشاط.

2/ الخسائر المتزايدة أمام مواجهة الغارات والحملات المتعددة منها الإسبانية خاصة سنوات 1775-1783-1784 م والتي ألحقت أضرارا بالغة الخطورة، إلى جانب حملة الأسطول الأمريكي سنة 1815، والذي خرب الأسطول الجزائري بالكامل تقريبا، والهجوم الإنجليزي والهولندي على مدينة الجزائر سنة 1816 م  .

3/  دعم الأسطول الجزائري لنظيره العثماني في معاركه البحرية الكبرى ضد روسيا والحلف الأوروبي خاصة في معركة ليبانتي سنة  1571 م، ومعركة نافارين سنة 1827 م.

4/  معاهدات السلم مع الدول الأوروبية حد من عمليات تموين الأسطول الجزائري.

5/  تطور الأساطيل الأوروبية خاصة بعد ظهور السفينة البخارية سنة 1807 م وانعكاس الثورة الصناعية السلبي على اختلال التوازن لغير صالح الأسطول الجزائري، الذي لم يخضع لتنظيم محكم، ولم يكن موحدا ومنسجما.

 6/  العزوف عن ركوب البحر، حيث بدأ تفضيل الخدمة في الجيش الانكشاري، خاصة بعد تفشي وباء الطاعون سنة 1786 م بين البحارة.

* دبلوماسيا: ساهم الأسطول البحري الجزائري سواء في مرحلة القوة أو الضعف في تنشيط وتنوع علاقات الجزائر الخارجية ببعديها التكاملي التعاوني في إطار الخلافة الإسلامية، والتوازن الدفاعي إزاء الدول البحرية الكبرى في العالم- وهو الذي يهمنا – والذي وصفه دي غرامونت قائلا:

« لقد ظلت الجزائر طيلة ثلاثة قرون رعب النصرانية وكارثتها، فلم تنج واحدة من المجموعة الأوروبية من البحارة الجزائريين الجريئين، بل وأخضعت الجزائر زيادة على ذلك لمهانة الضريبة السنوية (اللزمة) ثلاث أرباع أوروبا بل حتى الو.م.أ»[34] .

خامسا: الدور الدبلوماسي السلبي والخطير للجالية اليهودية بالجزائر

     خاصة الطائفة اليهودية ذات الأصل الأندلسي، التي كانت عائلاتها ميسورة الحال في مجتمع الجزائر العثمانية، وهو ما أهلهم للنفوذ السياسي والدبلوماسي خاصة في عهد الداي حسن خزناجي( 1791-1798م)      والداي مصطفى(1798-1805م)، حيث تحولوا إلى سماسرة السياسة والدبلوماسية إلى درجة أصبح اليهودي "نفتالي بوشناق" يلقب بملك الجزائر، وخاصة دورهم الكبير في عقد المعاهدات مع الدول الأوروبية، خصوصا مع فرنسا.

سادسا:  التنافس الأوروبي وتطور إيالة الجزائر إلى طرف في المسألة الشرقية

      رغم أن القرصنة البحرية كانت ظاهرة دولية قانونية مارستها كل الدول، فإن الدول الأوروبية برعاية الكنيسة ومباركتها أجمعت على أن تكون نشاطا محتكرا أوروبيا فقط على أساس أن البحرية الإسلامية مجرد لصوصية واسترقاق ، واتخذت الكنيسة من القرصنة البحرية الإسلامية عامة والجزائرية خاصة وسيلة لتوحيد جهود الدول الأوروبية وتحقيق الوفاق بينها في أحلاف مقدسة لرسم خريطة جيوسياسية جديدة لأوروبا أصبحت موجهة داخليا بدولتي: روسيا وبروسيا( موحدة ألمانيا)، وخارجيا بريطانيا العظمى باعتبارها سيدة البحار وخصوصا بحكم سيطرتها على جزيرة مالطا ومضيق جبل طارق، وفرنسا التي أصبحت الوريث الشرعي لإسبانيا لأسباب عائلية ( أسرة آل بوربون الملكية المقدسة )  ولأسباب دينية ( زعامة المذهب الكاثوليكي) خاصة بعد نهاية الحروب النابليونية ( 1799-1812) وانخراطها في الحلف الأوروبي المقدس الخماسي بزعامة النمسا وروسيا وبروسيا وبييمونت سردينيا(موحدة إيطاليا) وبريطانيا، واستخدمت الدول الأوروبية القانون البحري الدولي الجديد الذي يمثل قانونا أوروبيا في أساسه لتطبيق مخططاتها، وهو الأمر الذي واجهته الجزائر العثمانية برفع التحدي ومقاومته حتى النهاية.

      أصبحت قضية القرصنة الجزائرية مسألة دولية في مناقشات المؤتمرات الأوروبية منذ أول مؤتمر في فيينا بالنمساسنة 1815 م حيث تزعمت بريطانيا هذا العداء ضد الجزائر، باقتراح الأميرال البريطاني " سيدني سميث" مشروعا على المؤتمرين، يقوم على طريقتين لإجبار الجزائر بصفة خاصة والمغرب العربي     بصفة عامة للتخلي عن القرصنة وتجارة الرقيق:

الأولى: عن طريق الدعوة إلى تشكيل تحالف عسكري بحري مشترك ومحاصرة السواحل الجزائرية.

الثانية: ضغط دبلوماسي على الدولة العثمانية بتحميلها مسؤولية القرصنة في الإيالات، لكن المؤتمرين أكدوا على ضرورة تحقيق أمن البحر المتوسط وأصدروا قرارا نهائيا في 09/06/1815 م يدعو إلى وضع حد للقرصنة وتجارة الرقيق، واكتفوا بتكليف بريطانيا باتخاذ الإجراءات الكفيلة بتحقيق ذلك، فكانت بالفعل الحملة العسكرية الإنجليزية يوم 27/08/1816 م التي انضم إليها الأسطول الهولندي، ورغم صمود الجزائر أمامها، فقد اعترف الداي "عمر باشا" بعجزه عن مواصلة المقاومة، فاستسلم للشروط البريطانية القاسية( إلغاء الرق، وتعويض حربي) فحمل هذا الداي مسؤولية كل ما وصلته الجزائر من ضعف، حيث أكد أحد الشهود العيان قائلا: « كانت دولته وأيامه كلها مصائب: الجراد والغلاء ومصيبة الرايس حميدو ( قتله ضد أسطول الولايات المتحدةالأمريكية في 17/07/1815 م) في معركة بحرية قرب السواحل الإسبانية،ومصيبة الإنجليز».

أعاد الأوروبيون طرح المسألة الجزائرية في مؤتمر إيكسلاشابيل  سنة 1818 م الذي انضمت فيه فرنسا إلى الحلف الأوروبي، فأصدر المؤتمر بروتوكولا رقم 39 فرض إلغاء القرصنة وتوجيه إنذار شديد اللهجة للدول المغربية، وفي الوقت الذي وافقت فيه تونس وطرابلس على التعهد بإدانة رسمية لكل مظاهر القرصنة سواء في البحر أو الأرض، كما أبطل الملك المغربي في الدولة العلوية المولى سليمان(1792-1822 م) الجهاد البحري وأعرض عن أمور البحر تحت تأثير أفكار الحركة الوهابية بفرض عزلة سياسية على المغرب، عكس الداي حسين الذي وصف التهديد الأوروبي ب"اللاحدث" رافضا حتى الرد عليه، مما أدى إلى تأزم العلاقات الجزائرية الأوروبية، فبدأت عملية تنفيذ المخطط الأوروبي في القضاء على النشاط البحري باعتباره آخر مظاهر القوة الإسلامية، وتكلفت فرنسا بتحقيق مشروعها الاستعماري لإنهاء إيالة الجزائر.



قائمة المصادر والمراجع: 

  • محمد خير فارس، تاريخ الجزائر الحديث من الفتح العثماني إلى الاحتلال، ط1، مطابع ألف باء الأديب، دمشق 1982.
  • أبو القاسم سعد الله ، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، ج: 2، دار الغرب الإسلامي، الجزائر 1996،
  • محمد بن عمرو الطمار ، تلمسان عبر العصور،  المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1984 .
  • Louis Valensi, Le Maghreb avant la prise d’Alger,1Ed : Flammarion, Paris 1969, PP 62,
  •  Henri Delmas De Grammont  , Histoire d’Alger sous la domination Turc(1515-1830) , Ed:Bouchéne, Paris, 2002. ,
  •  يحيى بوعزيز ، علاقات الجزائر الخارجية مع دول ومماليك أوروبا(1500-1830) ، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1985، 
  •  محمد دراج ، مذكرات خير الدين، ط1، منشورات الأصالة للنشر، الجزائر 2010.
  •  عبد الجليل التميمي ، أول رسالة من أهالي مدينة الجزائر،المجلة التاريخية المغربية، عدد5، جانفيي 1976، تونس، 
  • عزيز سامح ألتر ، الأتراك العثمانيون في إفريقيا الشمالية، ترجمة محمد علي عامر،دار النهضة العربية، بيروت 1989، 
  • Venture de Paradis , Alger au 18è siècle(1788-1790),  Alger 1898 .    .
  • بسام العسلي ، خير الدين بربروس أمير الجهاد في البحر(1470-1547 م)،   دار النفائس، بيروت 1977.                  
  •  - Kaddache, L’Algérie durant la période Ottomane, 1 Ed : OPU, Alger 1991 Mahfoud 

  • Moulay Belhamissi, Marins et Marines d’Alger ( 1518-1830), Bibliothèque nationale d’Algérie, 1996, 3 T,[14]
  •       يحيى جلال، المغرب الكبير– العصور الحديثة وهجوم الاستعمار -، ج3 ، ط1، دار النهضة، بيروت، 1971، 
  •   شارل أندري جوليان، تاريخ إفريقيا الشمالية، ج2، ترجمة مزالي محمد، ط1، الدار التونسية، تونس 1983،  
  •  ابن محمد الفاسي الحسن الوزان ، وصف إقريقيا، ج2، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، ط2، دار الغرب الإسلامي،  بيروت 1983، 
  •  حنيفي هلايلي ، العلاقات الجزائرية الأوروبية ونهاية الإيالة، ط1،  دار الهدى، الجزائر 2007، ص25[20]
  • هربرت فيشر، تاريخ أوروبا في العصر الحديث(1789 – 1950)، ترجمة أحمد نجيب هشام، ط1، دار المعارف، القاهرة، 1984، 


Modifié le: dimanche 1 mars 2026, 13:08