نافذة على تاريخ العلاقات الجزائرية-البريطانية 🇩🇿🇬🇧


تميزت العلاقات الجزائرية-البريطانية خلال الفترة العثمانية بطابع متقلب، تراوح بين المواجهة العسكرية والمفاوضات الدبلوماسية التي أفضت إلى سلسلة من المعاهدات، كان أبرزها تلك التي امتدت من مطلع القرن السابع عشر حتى نهاية القرن الثامن عشر، قبل أن تتجدد التوترات في بدايات القرن التسع عشر و التي سنخصص لها مقال مستقل…


1. معاهدة 1622م

كانت إنجلترا من أوائل القوى الأوروبية التي سعت إلى تسوية علاقاتها مع إيالة الجزائر عبر المسار التفاوضي، حيث تم توقيع أول معاهدة سلام بين الطرفين عام 1622م، تضمنت تعيين قنصل بريطاني في الجزائر وتنظيم المبادلات التجارية بين البلدين. غير أن هذه المعاهدة لم تصمد طويلًا أمام نقض الإنجليز لبنودها، إذ أشار المؤرخ الأمريكي "جون وولف" إلى أن “الإنجليز كانوا أول من أخل ببنود المعاهدة، وليس الجزائريين”، كما كان الحال مع الفرنسيين. وقد استغل رياس البحر الجزائريون هذا النقض كذريعة لاستئناف عمليات القرصنة ضد السفن الإنجليزية، ما أسهم في تجديد حالة الحرب بين الطرفين.


2. معاهدة 1646م

جاءت هذه المعاهدة نتيجة تزايد أعداد الأسرى الإنجليز في الجزائر، مما دفع ذويهم إلى الضغط على الحكومة الإنجليزية للتدخل. وقد قاد المفاوضات القنصل الإنجليزي “إدموند كاسن”، حيث وقع اتفاقًا جديدًا مع الباشا وديوان الجزائر، ينص على ضمان سلامة السفن الإنجليزية في المياه الجزائرية، بالإضافة إلى تنظيم وضع الجالية الإنجليزية في الجزائر. غير أن التوجه الرسمي للسلطات الإنجليزية ظل يتسم بالصرامة تجاه الإيالات العثمانية المغاربية عامة، وقد انعكس هذا في تعليمات الحكومة للقنصل الجديد “روبرت باروني” والتعزيزات البحرية التي أرسلتها لندن إلى المتوسط بقيادة الأميرال "بلايك" تحسبًا لأي تصعيد.


3. معاهدة 1660م

شهدت هذه الفترة توترًا جديدًا على خلفية لجوء البحرية الإنجليزية، في عهد حكومة "أوليفر كرومويل"، إلى تمويه أعلام سفنها تحت رايات أجنبية، ما أثار غضب رياس البحر ودفع الديوان الجزائري إلى مراسلة الحكومة الإنجليزية بلهجة شديدة. وقد حاول القنصل باروني تخفيف حدة التوتر، إلا أن المحاولات الدبلوماسية باءت بالفشل، رغم قدوم اللورد “وينشلسي” للجزائر بهدف التفاوض. من جهته، اشترط الديوان الجزائري فتح الموانئ الانجليزية أمام السفن التجارية الجزائرية، وحق تفتيش السفن التجارية الإنجليزية، بالإضافة إلى ضمان حياد إنجلترا في الصراع الجزائري-الإسباني. وأمام تصلب الموقف الجزائري، رضخ القنصل باروني لهذه المطالب وتم توقيع معاهدة في ديسمبر 1660م، إلا أن لندن رفضت المصادقة عليها بسبب المطلب الجزائري بحق التفتيش ومصادرة الممتلكات المحملة لأعداء الجزائر، رغم تعهد الديوان بتعويض القباطنة الإنجليز بأضعاف قيمة السلع المصادرة.


4. معاهدة 1662م

أدى استئناف الرياس للهجمات على السفن الإنجليزية إلى إرسال الملك "تشارلز الثاني" بعثة دبلوماسية يقودها “الكونت دي ساندويتش” للتفاوض، غير أنها لم تحقق نتائج ملموسة. أعقبتها حملة بحرية انجليزية مكونة من 23 سفينة قصفت الجزائر لكنها فشلت في تحقيق أهدافها. عاد الطرفان بعدها إلى طاولة المفاوضات، فتم توقيع معاهدة سلام في 23 أفريل 1662م مع الأميرال السير “جون لاوسون”، تضمنت وقف القرصنة، وضمان حرية التجارة، وفداء الأسرى الإنجليز، إلى جانب اعتماد جوازات مختومة لتحديد هوية السفن عند التفتيش. وتم لاحقًا تعزيز الاتفاق بمعاهدة إضافية مع القنصل روبرت باروني في نوفمبر من نفس العام، لكن العلاقات عادت للتوتر بحلول 1663م بسبب إخلال إنجلترا بالالتزامات المتفق عليها.


5. معاهدة 1682م


بعد عمليات قصف مباغتة قامت بها إنجلترا قرب مضيق جبل طارق و في سواحل بجاية و حتى العاصمة تضررت على اثرها البحرية الجزائرية منها، عادت الحرب من جديد بين البلدين و أدى قيام نظام الدايات و عودة الرياس إلى الحكم إلى اتخاذ موقف متشدد تجاه الإنجليز، حيث طاردت السفن الجزائرية المراكب الإنجليزية و بلغ عدد العبيد الإنجليز في الجزائر ما يقارب 3.000 رأس…أفضت جهود القنصل البريطاني “صموئيل مارتن” إلى توقيع معاهدة جديدة في 10 أفريل 1682م، تضمنت بنودًا تنظم حركة المسافرين الأجانب على متن السفن الإنجليزية، مع تجنب أي استفزاز للبحارة الجزائريين، مقابل ضمان أمن السفن البريطانية من الهجمات أو التفتيش. وتنازلت إنجلترا بموجب الاتفاق عن 350 وحدة بحرية تجارية لصالح الجزائر، مع إعادة الأسرى الجزائريين المحتجزين في إنجلترا بدون مقابل، مع إهمال مسألة الأسرى الإنجليز، بحجة أن دفع الفدية يشجع الجزائريين على الاستمرار في أسرهم. وقد وُصفت هذه المعاهدة في الأوساط الإنجليزية بأنها “سلم مهين”.


6. تطورات القرن الثامن عشر


استمر التوتر بين البلدين، حيث أقدم الداي محمد بن عثمان باشا سنة 1767م على طرد القنصل الإنجليزي “فريزر” بطريقة مهينة أمام السلك الدبلوماسي بسبب استعلائه وحمله السلاح في حضرة الداي، حيث خاطبه قائلا: “سأكسر سيفك على رأسك بيدي إذا ما عدت إلى تقلده”. وتدهورت العلاقات لاحقًا بسبب رفض الجزائر التصديق على معاهدة السلام المبرمة بين بريطانيا والولايات المتحدة، إرضاءً للجانب البريطاني. ثم تجدد التوتر مطلع القرن التاسع عشر، خاصة بين سنتي 1803م و1804م إثر طرد القنصل “فالكون” بتهمة تتعلق بجنحة أخلاقية، وهو ما رفضته لندن وهددت على إثره بقصف الجزائر، لكن الأخيرة استعدت عسكريًا، مما أجبر البريطانيين على التراجع وتعيين قنصل بديل.


المراجع:

 • حنيفي هلايلي: العلاقات الجزائرية الأوروبية ونهاية الإيالة 1815-1830، دار الهدى، الجزائر، 2007.

 • سلوان رشيد رمضان: إشكالية العلاقات البريطانية-الجزائرية 1580–1816، مجلة تكريت للعلوم الإنسانية، مجلد 22، عدد 1، يناير 2016 (نسخة إلكترونية).

 • سفيان صغيري: العلاقات الجزائرية العثمانية خلال عهد الدايات في الجزائر (1671-1830)، نسخة إلكترونية.


🔹الصورة للمعاهدة الجزائرية الإنجليزية لعام 1662


#صفحة_إيالة_الجزاير

Modifié le: mardi 7 avril 2026, 19:41