تعريف السياسة التعليمية الفرنسية:
أهداف السياسة التعليمية الفرنسية:
وسائل السياسة التعليمية الفرنسية :
3-نتائج السياسة التعليمية الفرنسية في الجزائر:
سخرت السلطات الفرنسية كل إمكانياتها المادية والبشرية من اجل إنجاح السياسة الاستعمارية وبلوغ الأهداف التي سطرتها، وقد كانت لهذه السياسة جملة من النتائج جمعت بين السلبية والأقلية الإيجابية، يمكن أن نحددها في النقاط التالية:
- تشويه تاريخ الجزائر عن طريق تقديم التاريخ الفرنسي كتاريخ وطني.
- ربط التعليم بالكنيسة وتحويله إلى مشروع تعليمي تنصيري بداية من سنة 1838م وهو تاريخ بناء وفتح مدارس تابعة للمبشرين التي ازداد عددها مع الوقت خاصة مع مجاعة 1868/1867م و مساعي " شارل لافيجري" لإنجاح هذا النوع من المدارس.
- ربط التعليم بالاستيطان وذلك لأن التعليم كان يسير حسب تمركز السكان الأوروبيين ونسبتهم، بحيث ارتفعت نسبتهم في الشمال عن الجنوب والتعليم كذلك.
- انشاء مدارس عربية فرنسية خاصة في عهد الجمهورية بموجب قرار " مرسوم 1850م " وتحويلها إلى مسؤولية البلديات في المناطق المدنية سنة 1865م،لغاية تلاشيها مع سنة 1870م.
- انشاء المعاهد العربية الفرنسية بعد سنة 1857م مع اجبارية الجنسية الفرنسية للالتحاق بها، أو أن يكون أوروبيا، و لكن لم تستمر بسبب معارضة الأوروبيين.
- انشاء المدارس الحكومية بموجب مرسوم 30/09/1850م بمعلمين للغة العربية تحت إشراف أشخاص فرنسيين، وأشترط للدخول معرفة اللغة الفرنسية، ولكن فشلت بدورها لقلة المقبلين عليها من التلاميذ الجزائريين.
- تكوين فئة من الجزائريين انفصلت عن شعبها وتنكرت إلى أمتها واندمجت في الحضارة الغربية ، وتجنست بالجنسية الفرنسية ودافعت عن فرنسا.
- الاهتمام بالقبائل في مجال التعليم والتنصير، وزرع أغلاط و أحداث تاريخية وجغرافية حول أصولهم وجغرافيتهم، وربطها بالتاريخ والجغرافية الأوروبية في إطار مشروع التقسيم والتفرقة بين أبناء الشعب الواحد ومازالت آثارها حتى اليوم.
- تراجع التعليم التقليدي وتراجع نشاطه.
- عجز المجتمع الجزائري وعدم قدرته على الابداع والابتكار بسبب تناقص المثقفين.
- هجرة الكثير من الأساتذة بعد اتخاذ إجراءات صارمة ضد كل من يحاول الرجوع الى التعليم التقليدي.
- عجز سكان القرى عن تأسيس مدارس قرآنية يمحوا بها أولادهم من الأمية بسبب العراقيل المفروضة من الإدارة الفرنسية ومنعها ذلك ،ووضع مخالفات قانونية على اتفه الأشياء كوجوب توفر النظافة وصحة المكان، وأحقية حمل الشهادة للمعلم تثبت اهليته للتدريس.
- يقابل هذا واقع اخر تمثل في الاستفادة التي حققها الجزائريين من هذه السياسة:
- استجابة الجزائريين القليلة للسياسة التعليمية الفرنسية رغم المساعي الفرنسية والمغريات المقدمة للمتفوقين منكم.
- تمسك الجزائريين بقيمهم الإسلامية العربية وهجر المدرسة الفرنسية التي ترمز الى تخليهم عن مبادئهم و قيمهم.
- بروز النخبة المثقفة والتي عمل أفرادها الى إيصال القضية الوطنية الى نطاق دولي من خلال تدوين العرائض و التنديد بحق المجتمع الجزائري في الحرية.
- تكوين أيادي جزائرية عاملة ذات وعي وطني.
- بروز صحف ناطقة بالعربية ذات ميولات وطنية ودينية متماشية مع مصالح السكان الجزائريين المسلمين، وكان ذلك من طرف جزائريين حصلوا على نصيب من التعليم في المدارس الفرنسية.
- ظهور تيارات سياسية من طرف النخبة المتقدمة مثل تيار المساواة والإدماج والتي شكلت في درجة رعايا أو موظفين من الدرجة الثانية وليس كفرنسيين حقيقيين منهم: احمد بوضربة، ربيع الزناتي ، سعيد الفاسي، فرحات عباس ، محمد صوالح، محمد الصالح بن جلول...كان لها مساعي في تحقيق بعص المطالب التي خدمت الشعب الجزائري عامة والمثقفين خاصة.
- لكن رغم هذا لا ننسى أن التعليم الفرنسي لم يفتح أمام الجزائريين مقارنة بالأوروبيين فحسب تقرير ورد سنة 1917م ذكر فيه أن فرص التعليم الثانوي والعالي كانت شبه محرمة على الشباب الجزائري، بحيث لم يزد عن حوالي مائتين مقابل ألف و ثمانمائة أوروبي.
4- ردود الفعل والمواقف حول السياسة التعليمية الفرنسية في الجزائر.
أ- موقف السلطة الفرنسية:
اختلفت مواقف السلطة الفرنسية الحاكمة بين من أرادوا أن تكون المدرسة الفرنسية بالنسبة للجزائريين المدرسة الأولية للحضارة، في حين كان الجمهوريون معادين لنفوذ الكولون ومع فكرة ما عرف عنهم بمبدأ " الحياد المدرسي" والدعوة الى تلقين الجزائريين تعليما شاملا وحضاريا، بهدف تسهيل إدماجهم بفرنسا.
و قد ذكر ذلك الجمهوري رامبو ( a.ramboud) موضحا سياستهم اتجاه المدرسة الجزائرية و كتب يقول:" لقد انتهى الغزو الأول للجزائر الذي تم بالسلاح في 1871م- بتهدئة منطقة القبائل، و يتطلب الغزو الثاني حمل الجزائريين لتقبل إدارتنا وقضائنا، أما الغزو الثالث فسيتم بالمدرسة، يجب ان تحقق المدرسة الفرنسية تفوق لغتها على مختلف اللهجات المحلية، و ترسخ في أذهان الجزائريين عظمة فرنسا ودورها في العالم، وتستبدل الجهل والأفكار المسبقة والمتعصبة بالمبادئ الأولية للعلم الأوروبي"
- كانت القوانين والمراسيم التي أصدرها الجمهوريون في حق تعليم الجزائريين انطلاقا من مرسوم 1883 إلى 1892م تسير في اتجاه ادماجي واضح، لكن رغم هذا لم يتم تحديد ومعرفة المدرسة التي لا تلقى معارضة المجتمع الجزائري من جهة وتكون مفيدة للكولون والعمل الاستعماري من جهة أخرى، لتتحول هذه المواقف الى الرفض مع سنة 1891م بعد فرض زيادة في القروض الموجهة للتعليم الجزائري.
- أما موقف البرلمان الفرنسي فقد انقسم بين معارض و ذلك لأنه كان يشرف على الأموال المخصصة للتعليم بالجزائر، واعتبر مقررو ميزانية الجزائر أن القروض المخصصة للمدارس الجزائرية تبذيرا للأموال التي يمكن استغلالها في استثمارات تخدم المستعمرة الفرنسية والكولون كما دعوا المعارضون الى تطوير التعليم المهني وتنظيم وإصلاح المدارس الإسلامية في اطار فرنسي.
- أما الموقف المؤيد من البرلمان الفرنسي فقد كانوا يرون أن المدرسة تساعد على كسب العنصر الوطني التغلغل في أعماقه لتفادي غضبه ضد الاحتلال واستخدامه في المشاريع الاستعمارية وكان هدفهم الأساسي ليس تثقيف الجزائريين و خدمتهم و إنما خدمة أنفسهم.
ب- موقف المعمرين: الكولون.
رفض الكولون التعليم التحضيري التثقيفي، و دعو إلى فرض التعليم المهني و التطبيقي والفلاحي خاصة، وذلك بهدف تحضير يد عاملة رخيصة دون الاهتمام بمستواها التعليمي والثقافي عامة، و أن المدرسة كوسيلة للإدماج كانت تشكل خطرا عليهم، و يعللون موقفهم بأنه : " كلما خرجنا كنا نستقبل ببنادق هؤلاء الوحوش الذين لا يريدون التحضر"
و كانت أصوات المعارضة وموجات الغضب في صفوف الأوروبيين تعلوا كلما ناقشوا موضوع تعليم الجزائريين في المجالس والاجتماعات، وظهر هذا العداء بكثرة بعد سنة 1871م، كما طالبوا أن يتم تعليم الجزائريين قراءة وكتابة اللغة الفرنسية الدارجة.
وكانت المعارضة قد أدرجت في الصحافة المحلية الناطقة باسم الأوروبيين و طالبوا بتطبيق التعليم المهني واليدوي، وكانت المعارضة زادت مع سنوات 1899-1908م وذلك مع الأزمات المالية، بحيث رفضت البلديات الجزائرية وبتحريض من الكولون تقديم القروض المخصصة لبناء المدارس ، وخاصة بعد الاستقلال المالي للجزائر ، وبعد انعقاد المؤتمر العام لكولون الجزائر سنة 1908م بالعاصمة الجزائرية و اقتراح إلغاء تعليم الجزائريين وتحويل القروض المخصصة لتعليم الجزائريين إلى تطوير التعليم الفلاحي والتطبيقي، ومن الحجج التي قدمها الأوروبيين المعارضين ما يلي:
- الجزائري ينتمي إلى جنس منحط ودنئ ، ولا يمكن تغييره لأنه يرفض التقدم وغير قابل للتعلم.
- تأسيس المدارس للجزائريين مساهمة في خراب البلديات ماديا، ودعت الى توقف مشاريع بناء المدارس وكذلك سنة 1901م.
- كان يرى اغلب الأوروبيين ان نشر التعليم بين الجزائريين يعنى تبديدا أو تبذيرا لأموال لا مبرر لها، " فكل شيء لا يذهب أو يصرف لتحقيق مصالح الكولون هو تبذير للأموال.."
- تعليم الجزائريين يشكل خطورة على سيطرة الأوروبيين السياسية والاقتصادية بقولهم: "يأتي اليوم الذي ييأس فيه الجزائريون من حضارتنا و يطالبون بالانتخاب العام ويؤسسون المدارس وينظمون الاجتماعات واللقاءات..." ويكون لهم ذلك بعد خضوع الحكومة الفرنسية أمام طلبات الجزائريين وإلحاحهم لتمنحهم في النهاية حق الانتخاب.
- من بين كل هؤلاء المعارضين الأوروبيين كانت هناك مجموعة أخرى من الكولون ترى ضرورة تعليم الجزائريين لتفادي خطرهم وكسب ولائهم إلى فرنسا، فعندما يتعلم الجزائريون بالمدارس الفرنسية يصبحون " مساعدين فعالين للكولون الفرنسيين الذين يستخدمونهم..."، وتعليم هذه الفئة تجعلهم أسر قابلة للاستخدام والاستغلال ، وقد كتب احدهم يقول مخاطبا الفرنسيين الذين يتجاهلون قضية تعليم الجزائريين: " خذوا حذركم انتم الذين تريدون ترك الشعب الجزائري في الجهل، فأنتم الذين ستصبحون المهددين، ألا ترون كيف يمكن أن تجعل من غبي ساذج غبيا متوحشا"
- و بذلك أصبحت قضية تعليم الجزائريين قضية معلقة دون حلول امام تآمر الإدارة الفرنسية في الجزائر مع الكولون الأوروبيين ضد العنصر الجزائري وضد تعليمه وتثقيفه وبالتالي تحريره.
ج - موقف الجزائرين من السياسة التعليمية الفرنسية في الجزائر:
كان للسياسة التعليمية الفرنسية ردود فعل متباينة بين الطرفين الجزائري و الأوروبي يمكن حصرها كالتالي:
موقف الجزائريين وردود فعلهم:
كان الجزائريين رافضين لفكرة تعليم أبنائهم في المدارس الفرنسية حتى ولو كانت بقيم عربية و عبروا عن موقفهم الرافض بمجموعة من السلوكيات مثل:
- تحفظ الجزائريين في إرسال أبنائهم إلى المدرسة الفرنسية.
- اتخاذ موقف متشدد من طرف بعض الجزائريين اتجاه التعليم الفرنسي.
- معارضة رجال الطرق الصوفية ورجال الدين والزوايا بشكل شديد للمدرسة والتعليم الفرنسي.
- تأسيس مدراس متشابهة للمدارس الفرنسية.
- إقامة مدارس تقليدية ( عربية إسلامية) تحت الرقابة الفرنسية.
- خلق مدارس تلعب دور الوسيط سميت بالمدارس العربية الفرنسية والتي لقيت بعض الإقبال من الجزائريين.
- تقديم مطالب من طرف اعيان الجزائر للمطالبة بتعليم عربي ويدل على ذلك ما قدمه احد المستشارين العاملين بمقاطعة قسنطينة هو القائد يحيى شريف بن سليمان المقدم للجنة يقول فيه:" ان مطلبنا الغالي هو ان نشاهد تكاثر المدارس حيث يكون في كل مدرسة مدرسان الأول يختص بالتعليم الفرنسي و ما يتصل به من علوم، والثاني يختص بتعليم القران ومبادئ دينهم كالصلاة والعلوم وغيرها....لان إعطائهم التعليم الفرنسي المحض ستكون من نتائجه العمل على إهمال دينهم و قوانينه المعروفة" ، وبهذا التصريح ظهر أن الجزائريين لا يرفضون تعلم الفرنسية وإنما يرفضون ما اقترن معها من مساعي لمحاربة الدين الإسلامي.
- المطالبة بتعليم أبناء الجزائريين الذين هدرت حقوقهم في ظل الحكم المدني بعد سنة 1870م و كل المساعي لتعليمهم وفتح الفرص أمامهم.
- المطالبة بتعليم وتربية بنات الأهالي عن طريق انشاء مدارس لبنات الأهالي، ومن الأفضل تعليمهم تعليم مهني وبيتي.
- تحقيق المساواة بين المعلمين من أصول أوروبية والمعلمين من أصول جزائرية من حيث المنح والرواتب، والعلاوات وغيرها.
- ولذلك يرجع سبب رفض الجزائريين للتعليم ليس كعامل تثقيفي و إنما لأنه سياسي تهدف السلطات الفرنسية من ورائه تحويل الجزائريين إلى رعايا فرنسيين يخدمون المصالح الأوروبية دون إعطائهم حق المواطنة الفرنسية كحق الانتخاب وغيره.
الطبقة المثقفة:
مع بداية القرن 20 م بدأت العرائض الوطنية والاحتجاجات المطالبة بتأسيس المدارس ونشر التعليم لدى الجزائري الذي حرم منه وسط معارضة المستعمر، وقد أخذت هذه المطالب طابع الحق، وذلك عندما أدرك الجزائريون والمثقفون أو المتعلمون منهم أهمية التعليم حتى لو كان فرنسيا، وذلك لخوض غمار الحركة الوطنية.
و كانت مطالب الجزائريين للتعليم شاهد آخر على تفهمهم وإدراكهم ووعيهم لفائدة وأهمية هذا التعليم، وكانت المطالب تقدم في شكل عرائض مكتوبة أو أثناء المداولات والاجتماعات وعن طريق اللجان البلدية، لتكون هذه القنوات صوتهم في المطالبة بتأسيس المدارس لأبنائهم وتوسيع مجال الموجود منها.
قيام بعض الاعيان بجلب المدرسين إلى بيوتهم لتدريس أبنائهم اللغة الفرنسية ، خاصة بالنسبة للبنات.
المطالبة بتحويل التعليم الى مكمل لثقافة الجزائريين ومعارفهم لتصبح أكثر شمولية دون تحويله إلى عامل مخرب لمعتقداتهم ودينهم ، أو عامل تقليل من قيمتهم الفكرية وهو أمر قدمه ابن رحال للإدارة الفرنسية.
مع عودة المثقفين الجزائريين من المشرق و نذكر على رأسهم العلامة الشيخ ابن باديس والعلامة الشيخ البشير الإبراهيمي إلى الجزائر بدأت مساعيهم في إحياء العلوم الإسلامية والعربية عن طريق فتح المدارس بداية من مدرسة ابن باديس سنة 1921 بقسنطينة الى العديد من المدارس في الشرق والغرب الجزائري تحت راية جمعية العلماء المسلمين، التي أصبح علمائها والمنخرطون فيها يقومون على التعليم وفتح المدارس وإرسال البعثات للخارج من اجل احياء التعليم العربي الإسلامي وإعادة روح اللغة العربية الى الجزائريين ومحاربة الشوائب التي مست المجتمع الجزائري بكل الطرق والوسائل متحدين بذلك السلطات الفرنسية وسياستها لمحاربة لمثل هذه النشاطات بشتى الطرق والوسائل المباشرة منها وغير المباشرة.
وبظهور الصحف ودورها في التعريف بالجمعية ونشاطاتها تحت الرقابة الفرنسية جعلها تحصل على الكثير من المنخرطين خاصة فئة الشباب التي أقبلت وبكثرة على حلقات العلم التي كان علماء ومشايخ الجمعية يقدمونها في المدارس التي كانت تفتحها الجمعية وتشرف عليها.
- دخول الجزائر مرحلة جديدة من الوعي جعل شبابها وأبنائهم من المقبلين على المدارس للتعليم والتثقف واكتساب المعارف، وهو امر أصبح مثل السلاح ضد السلطات الفرنسية وفئة المعمرين الأوروبيين، كما كان هذا الوعي هو القاعدة التي قامت عليها الثورة التحريرية الكبرى، ثورة 01 نوفمبر 1954، والمجال الذي انتشرت فيه واتخذت منه.
- مراجع الدرس: - عبد القادر حلوش، سياسة فرنسا التعليمية في الجزائر.
- محمد الطيب العلوي، مظاهر المقاومة الجزائرية، 1830-1954م
- محفوظ قداش، الجزائر صمود و مقاومات ، 1830-1962