Topic outline
-
إنّ أهم ما يميز الإنسان عند اتصاله بإنسان آخر هو حدوث تفاعل معين تقوم على أساسه علاقات مختلفة. ويتخذ هذا التفاعل عادة عددا من الأشكال المختلفة، اصطلح المجتمع على اعتبار بعضها مرغوبا فيه والبعض الآخر غير مرغوب فيه، و واضح أن كلا من الاصطلاحين نسبي بمعنى خضوعـه لزمان ومكان معينين، فما يكون مرغوبا في مجتمع قد لا يكون كذلك في مجتمـع آخر و العكس صحيح، كما قد يكون ما هو مرغوب في وقت معين غير مرغوب فيه في وقت آخر في نفس المجتمع. ويهمنا من كل هذا حدوث التفاعل كصفة أولية من صفات المجتمع، فالإنسان مادام يجتمع بإنسان آخر، فلا بد أن يحدث تفاعل معين يفضي إلى قيام علاقات معينة.(5)
عرف عالم الاجتماع "إميل دور كايم - E.Durkheim " (1858-1917) الاتصال بأنه تفاعل ضمن شبكة، تتبادل فيها وتتوزع فيها التمثلات الجماعية؛ و على هذا الأساس اهتم علم الاجتماع بدراسة الجمهور و التأثير،و اهتم أيضا العلماء بدراسة مضمون الرسالة الإعلامية مثل ما قام به "ماكس فيبر- M.Weber" عند دراسته للمذهب البروتستني والفكر الرأسمالي.(6) و من جهته أعطى "ج.ميد – G.H.Mead " (1934- 1955) قانونا أوليا للتفاعلات التي بموجبها يتم تبادل اتصالات مرمزة، لقد رأى بأن ردود الأفعال المتبادلة لا تكون فقط عند العلاقة بين الأفراد، الذين لا يبالون ببعضهم البعض كالكرات المتحركة، فعلى العكس من ذلك، تم توظيف أنساق، استعملها علماء النفس في المصطلحات الخاصة بالقدرة الفطرية على تفهم شخصية الغير، من خلال تفشي الأحاسيس مما يساعد على الفحص والتعرف على العلاقات مابين الأشخاص.(7) درس "مورين- Morin" (1996) الاتصال ضمن التفاعلات : « حسب مخطط كلاسيكي فالاتصال يحدث عندما يرسل" أ " ( شخص أو جماعة) رسالة يستقبلها " ب " فهذا لا يتم دون عوائق فالمسألة تتوقف على إحداث فهم جيد متبادل، خاصة عند المحادثة، التي تبدو رهانا هاما في الحياة الاجتماعية».(8)
جاء " مورين " بخمسة عناصر مؤسسة للاتصال على النحو الآتي:
- المرسل ؛ مصدر الرسالة، والذي غالبا ما يحظى بالتحليل،
- المتلقي ؛ مستقبل الرسالة، غالبا ما يكون العنصر الأساس،
- الرسالة؛ المضمون المرسل، المهمل في التحليل،
- الوسيلة ؛ قناة الإرسال تستطيع اقتلاع الرسالة ذاتها،
- الوسطاء؛ ربط محتمل مثل الجيران، قادة الرأي.(9)
هذه العناصر – حسب مورين- تحدث الاتصال بأمواج متتالية، تترابط أو تلتحم أو تلغي
أثر الاتصال ( وقفا على ما يؤكده أو يتناقض فيه المتصلون فيما بينهم )؛ هذا التعريف يؤكد على المرسل وعلى الروابط بينه وبين المستقبل. فيبدو أنه يتلاءم جيدا مع أبعاد الاتصال الإنساني، باعتباره أداة وصل وتأثير ما بين الأشخاص والجماعات، ويبدو أكثر أهمية في إجراء مقاربة تكاملية لأنساق الاتصال.3- الاتصال من منظور علماء النفس و الألسنيين
أ. الاتصال من منظور علماء النفس:
ارتبط تعريف الاتصال ولمدة طويلة بنموذج إيصال المعلومات، الذي جاء به "شانون- Shannon" (1949-1975) يعتبر هذا الباحث مهندسا في الاتصالات، تأثر بأفكار الفيلسوف "لوك " واستوحى نموذجه من المخطط الذي أنجزه "Wiener " ( 1948). تم تطبيق هذا النموذج من لدن " Weaver " على الاتصال، تبعا للمخطط: المرسلE يرسل لمستقبل R رسالة M بواسطة إشارة مرسلة و مستقبلة عن طريق قناة C؛ يجيب بدوره المستقبل بنفس الطريقة.
تخلص علم النفس التجريبي من مفهوم غموض الرسالة ( التشويش)، بإسقاط نموذج "شانون" و "ويفر" أدبيا على الاتصال البشري.
تم تصنيف الاتصال في قاموس علم النفس Piéron (1968) في خانة " إيصال الإعلام". نلاحظ عدم الإشارة إلى أي معطى أو تركيبة اجتماعية في هذا التعريف. في مطلع التسعينيات ورد في القاموس الكبير لعلم النفس : «إيصال الإعلام بين نقطة و أخرى، بمعنى بين مصدر و مرسل ».
وعند إسقاط نموذج" شانون" و" ويفر" على سلوكات الإنسان خلص " Flament " بقوله : « [...] ما هو الاتصال؟...بالنسبة لنا، يكون الاتصال بمجرد وجود تبادل ذي دلالة، فأنساق الاتصال هي أدوات اجتماعية. وبإعتبار الاتصال تبادلا دلاليا، يصبح نسق الاتصال متصلا أو متوقفا على طبيعة الدلالات المتبادلة؛ تقوم أسباب هذا التبادل و تأثيراته، بالاتصال لأجل هدف محدد، هو في عمومه، البحث عن تحوير أو تعديل ما في السلوكيات، الاتجاهات، التمثلات أو معارف الجماعة. يتعلق هذا الهدف ببعض مظاهر الوضعية الأولية للجماعة، التي تحدد نسق الاتصال؛ غير أنه و في لحظة تعدل وضعية الجماعة بتأثير نفس الاتصالات. فمن ناحية، يتأثر كل شخص بالاتصالات التي يستقبلها، ومن ناحية ثانية، يعاين مدى فعالية الاتصالات التي أرسلها...إذن تصبح أنساق الاتصال من منطلق طبيعتها كأدوات اجتماعية خلال لحظة في وضعية وسيط: هدف، وسائل تأثيرات، فالظاهرة دائرية المسار، تعدل التأثيرات خلالها الوضعية الأولية المحددة للنسق».(10)
في مرحلة لاحقة، يدرج " موسكوفيسي- Moscovisi " تعريفه للاتصال عند حديثه عن النسيج الاجتماعي، الذي حاكه أشخاص نشطاء : « تحدد ظواهر الاتصال الاجتماعي مبادلات الرسائل الألسنية و غير الألسنية ( صور، حركات،..الخ) بين الأشخاص و الجماعات. الأمر يتعلق بالوسائل المستعملة في إيصال إعلام ما و بالتأثير في الآخرين ».(11)
قدم " نضال- Nadal " (1998) بانوراما لمختلف تداولات مفهوم الاتصال:« اختلفت الآراء حول تعريف الاتصال البشري؛ هناك من أعطى تعريفا مرنا، يجعل كلمة اتصال تنسحب على كل شكل تفاعل بين الهيئات الحية، مهما كانت مستوياتها و أشكالها: رسائل كيميائية، حسية، مشفرة،.... يرى آخرون بأن الاتصال يتوقف على القصد من الاتصال: هذا تلميح إلى النفعية المتوخاة من عملية الاتصال، والتي تضع النبرة على فعل الكلام، باعتباره عملا منجزا بمساعدة اللغة؛ و ما يترتب عنها من تأثيرات، على المتخاطبين في المقام الأول. تكمن السلبية، في إعطاء الامتياز لتعريف يتوقف على القصدية المتبادلة و وضوحها، في صعوبة وضع مقياس للقصدية الجائزة دون إبهام أو لبس في المبادلات غير اللفظية. على هذا المنوال بإمكاننا أن نميز في مستوى أول، اتصال معبر، أين نتوقع التأثيرات، دونما وجود لثمة تخطيط عقلي لتلك التأثيرات. المستوى الثاني، يتعلق بالاتصال الأداتي Instrumentale، أين تكون التأثيرات المستهدفة من الإرسال، متوخاة من منطلق تخطيط مبنى على أحداث حقيقية و واقعية؛كالإشارة بالإصبع للحصول على شيء معين.
المستوى الثالث، هو الاتصال النفعي، ومنه نتوقع من تأثيرات الإرسال، و التي تبحث و بإنتظام على أساس رسم و تخطيط تفاصيل عقلية، كالإشارة بالإصبع نحو شيء ليس بهدف الحصول عليه، وإنما لشد انتباه المشترك مع الآخر...لنتفق في هذه الحال على اعتبار لحظة الشروع في جذب انتباه المشترك هي باكورة مؤشر القصدية في توجيه الحالة العقلية للشريك ».(12)
حدد " بول واتزلويك - P.Watzlawick " نظرته إلى مفهوم القصدية في الاتصال و هل يمكن اعتبارها مقوما أساسيا؟ يرى "واتزلويك" أنه إذا كان الشخص مهتما بتبادل المعلومات انطلاقا من مستوى، يمكن أن نطلق عليه مصطلح واع أي إرادي أو قصدي، فإن الإجابة بالفعل، هي " نعم "
و استطرد مجيبا الصحفية قائلا لها : لكن إذا تبنيت وجهة نظرنا و أكدت أن كل سلوك، في حضور شخص آخر، هو اتصال، وجب عليك أن تدفعي، بالمسلمة إلى أبعد من ذلك.يرى كذلك" واتزلويك" أنه لكي يكون هناك اتصال يجب، على الأقل، أن يكون هنالك شخص آخر يمكن أن يكون هنالك شيء ما يشبه الاتصال في حالة التماهي، حسب مصطلح التحليل النفسي. إذ يمكنني التحاور ذهنيا، مع شخص يستحوذ على أهمية خاصة في حياتي- غير أن هذا الأمر لا يعيره "واتزلويك" أهمية-، ليس لأنـه يعتقـد أن ذلك غير موجود، ولكن لاعتقاده، بالأحرى، أن ذلك أمرا لا يمكن، عقلانيا استخدامه أو قياسه...قال" واتزلويك" بكل صراحة: « بأنه لا يهتم، في المقام الأول بالجوانب الباطنية للأشياء، إن ما يهمه هو بعدها النفعي».(13)
ب.الاتصال من منظور الألسنيين Les linguistes :
دعا عالم اللسانيات " سوسير- Saussure " في كتابه " محاضرات في الألسنية العامة "، إلى التمييز بين اللغة و اللسان، على اعتبار أن اللسان هو جزء جوهري من اللغة، فاللغة شيء اتفاقي مكتسب و هي عبارة عن إشارات و دلالات تعبر عن فكرها، فهي تشبه الكتابة و أبجدية الصم البكم وكذا الطقوس الرمزية و أوضاع المجاملة و الإشارات العسكرية...إلخ.(14)
إلى غاية سنة 1950 شغلت اللغة بال المختصين فقط، لتصبح بعد ذلك نموذجا و مقياسا ثقافيا خاصة عقب صدور كتاب " الانثروبولوجيا البنيوية " للانثروبولوجي الفرنسي"كلودليفي ستروس- C.Lévi-strauss ".
-
يعد الاتصال من أهم وظائف اللغة، بحيث يمتاز بنقل رسالة ما، من مرسل إلى مستقبل، كالصوت والكتابة والإشارات و الإيماءات و استعمال رموز خاصة، كالشيفرة مثلا، فمن الطبيعي- إذن – بأن يكون الاتصال مفهوما أوسع من اللغة.
يعتبر الاتصال اللغوي أكثر أنواع الاتصال انتشارا و تداولا بين الناس، لأن الإنسان، في أغلب الأحيان، هو مصدر المعلومات، فهو يستطيع، بفضل تركيبته الفيزيولوجية وخبراته المتراكمة، ومدركاته الحسية و العقلية، أن يحصل على أخبار يمكن نقلها إلى غيره. ويستعين الإنسان في إجراء عملية الاتصال بجهازه الصوتي الذي يحول الرسالة إلى أمواج صوتية تخترق الهواء. و أما القناة التي تعبرها الرسالة
فهو الهواء الذي يشكل الواصل بين المتكلم الصوتي، و بين أذني المستمع. و الأذن عبارة عن جهاز من أجهزة الالتقاط، فهي تتلقى الأمواج الصوتية و تحولها إلى حركة تدب عبر الأعصاب و تنتقل إلى منتهاها، أي إلى الجهاز العصبي المركزي.(15)
و يتضح أن تناول موضوع لسانيات اللغة، لم يكن قاصرا على المدارس الغربية بل مثل انشغالا حضاريا فكريا لدى مجتمعات عدة. فلقد تعاملت الحضارة الغربية الإسلامية، خاصة عندما تجسدت معالمها في العصر العباسي، مع مسائل اللغة. نستدل على هذا، بأبرز فقهاء اللغة ونعني به "ابن جني".
وقف "إبن جني" في كتابه " الخصائص " على عناصر اللغة حيث وضع التصنيف الآتي.(16)
1/ المحورية: الصوتية و الدلالية،
2/ التضمينية: الصرفية الصوتية، المعجمية، النحوية.
و جاء بنظرية الوضع و الاصطلاح، انطلاقا من الأصوات و الحـروف و الكلمات على القول
و الكـلام المعبر في قوله: « اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم ».
وقد أتاح هذا التعريف التقاء" ابن جني" في كثير من النقاط حول نظرية علم اللغة و علم اللسان الحديث أو اللسانيات الحديثة.
1/ تعريفه للغة على أنها:
أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم.
2/ تعريف اللسانيات الحديثة للغة:
مجموعة من الأنظمة و الرموز الجارية التعبير و التبليغ
يقول تشارلزكولي: "يكتسب الإنسان الكلمات، فيتعلم المعاني والأفكار والمفاهيم
كما اتفق" ابن جني" مع المحدثين من مدارس الغرب، في ما سماه بالتراجم ( جمع ترجمة)، وسمي كذلك لأن كلمة التي فيها تعمية، تحتاج إلى الترجمة، أي فك الترميز Décodage . فاللغة على هذا الأساس، تسمو على الإشارات بحكم نطاقها ومداها و معانيها الخاصة المحدودة و اختلافاتها و قدرتها الواضحة على التجريد، و إذا ما قارنا الإشارة باللغة فإن الأولى تكون بمثابة شكل اتصالي مساعد، ومن المعروف على صعيد آخر أن الكتابة ساعدت، بل كان لها الفضل الكبير في حفظ الأشكال اللغوية وصيانتها، والدليل على ذلك أن القصص الشعبي و الأساطير غير المدونة تدخل عليها تحويرات أو تحريفات متعددة نتيجة لعدم المعرفة الكاملة بها، أو إضافة شيء، أو حذف آخر، أو نتيجة لتغيرات طارئة تقتحم المجتمع ذاته، بالإضافة إلى عامل الذاكرة.
في هذا الإطار: « عادة ما تستحضر الكلمة ثم تثير الفكرة و هنا لا نستطيع الحصول على الفكرة
و تملكها دون الحصول على الكلمة أولا، فكأن الكلمة تقول: إن هذه فكرة مدهشة و مشوقة، اذهب إليها و اكتشفها، كما أننا نوجه أيضا نحو إعادة اكتشاف المعرفة القديمة، وكلمات مثل الخير و الحق و الحقيقة و الحب و البيت والعدالة و الجمال و الحرية، ما هي إلا كلمات قوية صنعت ما قامت من أجله ».(17)
و ينطبق ذلك أيضا على الجماعات الفرعية الداخلة في تكوين المجتمع، حيث قد تتميز كل جماعة منها بثقافة فرعية معينة و بإطار لغوي خاص " لهجة ". و ليس الشخص مقيدا فقط – في الراهن – بلغته الخاصة و حدودها، وإنما هو مقيد و محدد أيضا بواسطة اللغة أو اللغات التي هو على علم بها وبخاصة في راهن الثورة الاتصالية التي ربطت أرجاء المعمورة.
أوجه الاختلاف بين الاتصال و اللغة:
نتحدث عن هذه المسألة من خلال طرح الملاحظات الآتية:
أولا: من منطلق أن الإنسان هو الركيزة الأساسية في كل اتصال فهذا يحيل عل علاقة الاتصال اللغوي بالسلوك. فإذا أردنا أن نتعرف على نفسية شخص من الأشخاص، فما علينا إلا أ ن نطالع ما كتب، أو نستمع إليه عندما يتحدث، فقديما قال الشاعر العربي زهير بن أبي سلمى في هذا الشأن:
لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم و الدم
ثانيا: يتم الاتصال بوضع الرسالة في رموز، ثم فك تلك الرموز و تأليف الرسالة من جديد. أما اللغة فهذه العملية تتكرر عددا كبيرا من المرات، وبصورة متلاحقة، إذ أن المرسـل و المستقبل يتبادلان الأدوار، مابين الاستمـاع و التكلم،
ثالثا: تمتاز لغة البشر، بما يسمى بالاتصال الذاتي، فكل متحدث قادر على أداء عمليتي الإرسال
و الاستقبال معا. فالإنسان عندما يتكلم، يسمع في ذات الحين كلامه. و يلاحظ الأثر الذي أحدثه كلامه في السامعين؛ و هذا ما يدفع بالإنسان إلى تغيير كلامه إذا أحدث أثرا سيئا، ويعدل من صوته إذا خالطه ما يفسد صفاءه. و هذا ما يعرف برجع الصدى أي أثر التلقي في الإرسال، و له أهمية كبرى في فهم كثير من قضايا اللغة، كالخطيب الذي يراقب أثر كلامه في الجمهور، و الكاتب الذي يلتزم بمبادئ معينة تجاه قرائه، و السياسي الذي يزن كلامه بحسب مقتضيات المقام،
رابعا: الرسالة في الاتصـال عبارة عن متواليـة" Séquence" متألفة من إشارات " Signaux "
أما الرسـالة في اللغة، فهي سلسلة من الجمل و التراكيب المتألفة من علامات " Signes ".(18)
أ. عناصر الاتصال الاجتماعي:
سنعتمد في تبيان و إجلاء أهمية موضوع الاتصال الاجتماعي، على عرض مختصر للتراث السوسيولوجي المتصل بأهم الأفكار النظرية التي أعطى أصحابها عناية وتنويها خاصا، لميزات الرابطة الاجتماعية وما يتمخض عنها من تفاعلات اتصالية وتواصلية بين أفراد المجتمع، مع إدراج نماذج من بحوث الاتصال.
تعني الكفاءة في الاتصال وظيفيا، بأن ممارسته لا معنى لها إذا لم تكن لها علاقة بهدف نرمي الوصول إليه. فمصادر المرسل والمستقبل تنتظمان بمراعاة هذا الهدف، إنها ستقود إلى إنتاج إجراء فعل الاتصال. إذن، ما هي الغاية من الاتصال؟ المحاضرة الموالية ستجيب عن هذا السؤال.. -
مفهوم الرسالة (The Message)
تُعد الرسالة القلب النابض لعملية الاتصال؛ فهي المحتوى أو المنبه الذي يصوغه المرسل ليقره وينقله إلى المتلقي. ويمكن تلخيص مفهومها في النقاط التالية:
التعريف: هي الناتج الحقيقي لترجمة الأفكار والمعلومات إلى لغة أو رموز يمكن فهمها.
أشكالها: لا تقتصر على الكلمات المنطوقة أو المكتوبة فقط، بل تشمل أيضاً لغة الجسد، ونبرة الصوت، والإيماءات، والرموز.
عناصرها: تتكون من محتوى لفظي (الكلمات) ومحتوى غير لفظي (التعبيرات)، وقد تحمل معانٍ ضمنية إضافية.
خصائص الرسالة الناجحة: يجب أن تكون واضحة، صريحة، غير متحيزة، وملائمة لقدرات المستقبل الذهنية والاجتماعية لضمان تحقيق الاستجابة المطلوبة.
مكونات الرسالة
- المضمون (Content): هو الأفكار والمعلومات والآراء التي يريد المرسل نقلها.
- الرمز (Code): اللغة أو الإشارات المستخدمة (سواء كانت لفظية أو غير لفظية).
- المعالجة (Treatment): الأسلوب الذي تُقدم به الرسالة (عاطفي، منطقي، ساخر، رسمي).
شروط الرسالة الفعالة:
لكي تحقق الرسالة هدفها، يجب أن تتسم بـ
الوضوح: تجنب الغموض والدلالات المزدوجة
الدقة: صحة المعلومات المنقولة
الملاءمة: أن تناسب لغة الرسالة ومحتواها مستوى الجمهور المتلقي
التوقيت: إرسال الرسالة في الوقت الذي يكون فيه المتلقي مستعداً لاستقبالها.
ثانياً: وظائف الاتصال (Functions of Communication)
يؤدي الاتصال عدة وظائف حيوية تختلف باختلاف السياق (سواء كان اجتماعياً، إدارياً، أو شخصياً)، وأبرزها:
وظيفة الإعلام (Information) نقل وتبادل المعلومات والبيانات الضرورية لاتخاذ القرارات وإنجاز المهام.
وظيفة الرقابة والتوجيه (Control) تستخدم لتنظيم سلوك الأفراد، مثل إصدار الأوامر والتعليمات الإدارية داخل المؤسسات.
وظيفة التحفيز (Motivation): تشجيع الأفراد وتحفيزهم من خلال شرح ما يجب القيام به وتقديم التغذية الراجعة حول أدائهم.
وظيفة التعبير العاطفي (Emotional Expression): تتيح للأفراد التعبير عن مشاعرهم (مثل الحب، الغضب، أو الحزن) وتفريغ الطاقات الانفعالية.
وظيفة التفاعل الاجتماعي (Social Interaction): بناء وتقوية الروابط والعلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد.
وظيفة الإقناع (Persuasion): محاولة تغيير أو تدعيم اتجاهات وآراء المستقبلين تجاه موضوع معين.
مهارات الاتصال - التأثير في آراء واتجاهات الجمهور نحو قضايا معينة (مثل الحملات التوعوية الصحية أو السياسية). الرسالة الاتصالية هي قلب عملية الاتصال وحلقة الوصل بين المرسل والمستقبل، فلا يمكن أن تتم عملية الاتصال بدونها، ولا بد من توفر بعض. تعددت رؤى العلماء (مثل هارولد لازويل وهاريسون) لوظائف الاتصال، ويمكن تلخيصها في أربعة أبعاد رئيسية:
1. الوظيفة الإخبارية (توفير المعلومات)
تزويد أفراد المجتمع بالمعلومات والأخبار عما يحدث حولهم، مما يساعدهم على فهم بيئتهم واتخاذ قراراتهم.
2. الوظيفة التثقيفية والتعليمية
نقل التراث الثقافي من جيل إلى جيل، وتوسيع المدارك المعرفية للأفراد من خلال تبسيط المفاهيم العلمية والاجتماعية.
3. الوظيفة الاجتماعية (الترابط والتماسك)
- خلق قاعدة مشتركة من القيم والأعراف.
- تقوية الروابط الاجتماعية من خلال التفاعل والحوار.
4. وظيفة الترفيه والتسلية
تخفيف ضغوط الحياة اليومية من خلال المحتوى الفني، الدرامي، والرياضي، وهي وظيفة حيوية لتحقيق التوازن النفسي للمتلقي.
5. وظيفة الإقناع والتوجيه
التأثير في آراء واتجاهات الجمهور نحو قضايا معينة (مثل الحملات التوعوية الصحية أو السياسية).
المحور الثالث: معوقات وصول الرسالة (التشويش)
لا تصل الرسالة دائماً كما أرادها المرسل، وذلك بسبب "التشويش" الذي قد يكون:
1. تشويش دلالي: اختلاف فهم الكلمات بين المرسل والمتلقي.
2. تشويش فيزيائي: ضوضاء في المحيط أو سوء في وسيلة النقل (انقطاع إنترنت، رداءة طباعة).
3. تشويش نفسي: التحيز المسبق أو الحالة المزاجية للمتلقي التي تمنعه من استيعاب الرسالة بموضوعية.
إنّ فهمنا العميق لمفهوم الرسالة يجعلنا مرسلين أكثر ذكاءً ومتلقين أكثر وعياً. فالاتصال ليس مجرد "كلام"، بل هو هندسة دقيقة للأفكار تهدف إلى بناء مجتمع متفاهم ومتماسك.
فتحليل الرسالة كما يرى "مورين" يجب أن ينطلق من ثلاثة مستويات:
1 - البنيات المنجزة من منطلق المعالجة العقلية الإدراكية من طرف المتحدث،
2 - نمط المحتوى المرسل عبر الرسالة،
3- الأهداف التي يسعى من ورائها المرسل والمستقبل تأويل الرسائل المتبادلة .
لقد ركز السوسيولوجيون الأوائل دراستهم لموضوع الاتصال في إطار التفاعلات التي تعج بها الظاهرة الاجتماعية، فلقد أخذ "غبريال تارد –G.Tarde "(1843-1904) من " دور كايم" دراسته للظواهر الاجتماعية، مفصولة عن الأفراد باعتبارهم كائنات واعية تتمثل هذه الظواهر، ومقاربتها باعتبارها أشياء خارجة، لقد لرأى " تارد " ضرورة الاعتناء بالطبيعة الذاتية للتفاعلات الاجتماعية بهدف تشييء الأحداث الاجتماعيةتمتاز الرسالة بالإفصاح عن ما أحيلت إليه، فكلما أبعد المرسل من منطلق كفاءته التشاركية مع المستقبل، كل ما من شأنه أن يزرع الغموض وعدم الفهم في حقل الاتصال بينهما، يكون التفاعل بينهما منسجما؛ بهذا الصدد يصور لنا " ولبورشرام - W.Schramm " نموذجا للاتصال يأخذ بمفهوم" الخبرة المشتركة" و التي تعتمد بالدرجة الأولى على الإطار الدلالي لكل من المرسل والمتلقي، و الأرضية المشتركة بينهما، بحيث كلما إتسعت هذه الأرضية المشتركة زاد نجاح الاتصال كما أسلفنا.
فالكلام في عمومه ليس سوى وظيفة يضطلع بها الاتصال كما رأينا في مبحث الاتصال و اللغة؛ لقد أثر نموذج " شانون "(1958) في الاتصال على باقي النماذج التي تناولت الاتصال الإنساني فيما يتعلق بوظائف الاتصال. لقد توصل
" شانون " إلى أن اللغة تسمح أو تفسح المجال لوظائف تتلائم مع سيرورة الاتصال من المصدر إلى المستقبل، حيث ذكر ست وظائف على النحو التالي:1 – متمركزة حول المرسل: وظيفة إنفعالية، عاطفية،
2- متمركزة حول المستقبل : وظيفة إغرائية، تحريضية،
3- متمركزة حول القناة : وظيفة phatique،
4- متمركزة حول الرمز : وظيفة ذاتية الدلالة،
5- متمركزة حول بنية الرسالة: وظيفة شعرية،
6- متمركزة حول المحيط الذي فيه تبعث الرسالة: وظيفة مرجعية.
و اختصر بعض الباحثين تلك الوظائف في ثلاث وظائف:
1- مرجعية 2- تعبيرية 3- إغرائية.
هنالك مكانة مرتبطة بالاتصال ذي الوظيفة الإدراكية، تساعد عل التعرف على مظاهر الواقع وهي تتبلور في خضم تفاعلات، تستمد شدتها من وصاية و/ أو عقد تعليمي، في حالة ما إذا كان المعنيون واعون بوضعية أدوارهم وصلاحياتهم المتبادلة، و ملتزمون بمحتوى المدونة التعليمية. أما الخاصية الثانية للوظيفة الإدراكية للإتصال تتلاءم مع المراقبة المعرفية لمختلف الأفعال، هي مراجعة للعلاقة مع الوضعية الآنية، يصبح الهدف منها تسيير الصعوبات، استثمار مختلف الحلول، ضبط الانفعال.
من أبرز الدراسات السوسيولوجية، التي تستند عليها نظرتنا البحثية، هو ما اهتم به " تشارلزكولي - Ch.Cooley "(1864-1929) في موضوع اثنوغرافيا التفاعلات الرمزية للفاعلين الاجتماعيين فلقد كان أول من استخدم عبارة " الجماعة البدائية النووية " و التي : « تتميز بالتلاحم والتعاون الواجهي الحميمي بين أعضائها، فهي بدائية أكثر من معنى، كونها تمثل الأساس في تشكل الطبيعة الاجتماعية و التصورات الفردية». انتقد " كولي " بأعماله القراءات الأحادية لسيرورة التحضر التي أوهمت الكثيرين، باختفاء الجماعات النووية تحت طائلة تلك البيئة الغربية التي غدا يحكمها التوتر بين المجتمع والفرد. لقد أهمل أولئك في تحليلاتهم التفاعلات القائمة بين النزعات التوحدية للمدينة والواقع المعيش للسكان.
و الواقع أن الخيار الاثنوغرافي نفسه يحكمه تصور معين لسيرورة الفردية وبناء الذات،فالفرد الذي يخضع لقوى المجانسة و التوحيد القيمي والسلوكي ( تلقينه وتمثله لمعايير وقيم الجماعة) يحوز تجربة خاصة متفردة، تتجلى في تاريخ حياته. هذه التصورات فيما يتعلق بالإزدواجية في الشخصية الحضرية قد تطرقت إليه، كذلك،" مدرسة شيكاغو"، التي رأى روادها بأنه لا يمكن الحديث عن الاتصال من دون ربطه بالتعددية الفردية، فإذا كان الفرد خاضعا لقوى التوحيد، فإنه مع ذلك يملك القدرة على
" التحايل" عليها وإبراز فرديته.من جهته، اهتم " كيرت ليوين- K. Lewin "(1890-1947) بآليات اتخاذ القرار ضمن الجماعة وظاهرة قادة الرأي و " ردات أفعال " الأعضاء على الرسائل التي يتم بثها حسب أشكال الاتصال و التواصل المتعددة، كجماعة الاتصال الواجهي ( العائلات، الجيرة، الجماعات...)، وهو محور بحثنا.
ركز " ليوين " جهده البحثي لوضع إستراتيجيات إقناعية، استهدف بها تغيير مواقف ربات البيوت في ما يخص تحضير الوجبات الغذائية، لقد وضع " ليوين " بعد سلسلة من التجارب، فكرة " حارس البوابة "، أو المتحكم في تدفق المعلومات، بإعتبارها وظيفة يقوم بها " قادة الرأي " غير الرسميين.
-
من منطلق أن الإنسان كائن اجتماعي و كل سلوك هو اتصال، فكل تفاعل مهما كان يفترض تحديد نموذج اتصال، بمعنى مجموعة من التركيبات اللفظية و غير اللفظية، مكلفة بالتعبير، بالترجمة بالتدليل، في كلمة تقول:« ماذا يريد هؤلاء إيصاله للآخرين في مضمار علاقة ». فكل شخص يعبر في إطار التفاعل: من يكون؟، ماذا يفعل؟، في ما يفكر؟، ماذا يعرف؟، ماذا يرغب؟، ماذا يفضل؟.
يعبر عن هذا " بينفينيست – Benveniste" (1966) بقوله :« في العالم يتكلم الإنسان مع إنسان آخر، واللغة تشرح نفس تعريف الإنسان».
عرف le petit Robert " التفاعل الاجتماعي: « بأنه فعل متبادل action réciproque »، غير أن بساطة هذا التعريف أخفت وراءها تعقيدا كبيرا.
من جهتهما " ميلر- Muller " و"لوكس - Lucas " (1975)، وما أضافه
" بودونيير - Baudonnière " (1988)، عرفوا التفاعل الاجتماعي : « هو ما يترتب بعديا عن سلوكين موجهين، يكتسيان صبغة اجتماعية »
يرى " ميد G.H.Mead - " (1934) بأن التفاعل الاجتماعي هو ما يفضي إلى بناء هوية الشخص، من خلال مشاركته للآخرين في الفعل الذي يسمح له بإجراء جيد للأدوار.
على صعيد آخر أعطى " قوفمان - Goffman " (1973) تعريفا يعتبر أن : « كل تفاعل اجتماعي هو الحيز الذي يبحث فيه الفرد بسلوكه على مراقبة التمثلات التي شكلها الآخر عنه»
و جاء سنة (1974) بتصور استمده من العلوم الفيزيائية، اعتبر فيه :« ... التفاعلات ذرات atomes المجتمع، فهي خاضعة لنظام سابق في الوجود للقائمين بالاتصال، إنهم يكتفون بمجرد التموقع. فالمبادلات لا تتشابك بفضل هذا النظام المتفوق عليهم، وحتى التيارات العدائية لا تتصادم. تتعلق هذه المسألة بمرجعية مزودة بسيناريوهات ومساعدات إدراكية معرفية يتشرب منها الفرد، لفهم العالم حتى يتصرف بفاعلية»
ما " شيرر Scherrer - " (1977) فقد جاء بمفهوم " الاتصال التفاعلي "
حيث عرفه بأنه : « نسق يقوم فيه شخصان أو أكثر بتبادل الإعلام بطريقة تعاضديه، يأخذ فيه الاتصال أشكالا متعددة القنوات ».
يضع " بيار بورديو- P.Bourdieu " (1980) في صلب نظريته مسعى لتجاوز الخلاف النظري ما بين الذاتية ( الظاهرتية، التفاعلية و Ethnométhodologie ) ، و الموضوعية ( البنائية).
يرفض " بورديو " إختزال أفعال الأفراد سواء تلك العقلانية أو الميكانيكية، فهو يقبل بفكرة الأفعال الإرادية للأفراد والمتعلقة بالإجبارات الموضوعية التي تحد أفعالهم. حاول " بوديو " الجمع بين الذاتية
و الموضوعية، مستعملا مفتاحا مفاهيميا أطلق عليه اسم "Habitus "، ترجمه الأستاذ عبد الجليل الكوى بـ: " السمت " وهو نظام من الاستعدادات و التصورات التي يصدر الفعل وفقه و بالتناغم معه.
عرفه " بورديو " بأنه : « ترتيبات مشتركة في طبقة خاصة بشروط الوجود، تنتج أنساقا لإستعدادات دائمة و قابلة للتغير، هي مبنية و مهيئة سلفا لتأدية وظيفتها البنائية، معناه، هي أساسيات تجميعية
و تنظيمية لتطبيقات و تمثلات، بوسعها تكييف أهدافها موضوعيا دون إفتراض وجهة النظر الواعية للغايات و التحكم السريع للعمليات الضرورية قصد التوصل إليها. من حيث الموضوعية فهـي "مضبوطة " و " منضبطة "، دون أن يكون لها باع في نتاج الامتثال للقواعد، وهي جماعية و منسجمة دون أن تكون نتاجا لفعل منظم لرئيس جوقة ».
حسب فهمنا، فأنساق الاستعدادات هي بصورة ما الحقائق الموضوعية المدمجة في الحياة اليومية وهو ما سماه " بورديو" " المعنى التطبيقي "، ويعني بها التجارب الماضية المحشوة في المنطق التطبيقي.
مفاهيم " أنساق الاستعدادات و التصورات التي يصدر الفعل وفقها وبالتناغم معها: "Les habitus " و " المعنى التطبيقي "، هي ما يعطي معنا لأفعال الأفراد، ليس من حيث تحديدها ميكانيكيا ولا من حيث تصويبها الواعي لغاياتهم، ولكن لأنها تفسر أفعالهم بما يتماشى مع وظيفة الإستعدادات المكتسبة، والقابلة لاستعمال فعل في هكذا حقل.
يوضح " بورديو " ( 1987) أكثر بقوله : « يتوافق الفاعلون بشكل ما مع التطبيق، الذي ليس سوى ملكهم، لم يختاروه ضمن مشروع حر، كما لم يدفعوا إليه بإكراه ميكانيكي. فهو كما يبدو نسقا ( أنساقا) للاستعدادات المكتسبة في العلاقة مع ميدان معين. يصبح ذلك التطبيق ماهرا ومؤثرا في حالة تزامنه مع شروط فعاليته، تلك المطابقة أو المماثلة مع شروط المنتوج ».
التفاعل و الأنساق النفسية:
كل تفاعل يؤدي إلى تحريك الأنساق النفسانية، المستمدة من قاعدة النمو الإدراكي المعرفي و العاطفي للكائن البشري، فهي التي تمثل الجزء المغمور من التفاعل. ( أنظر نظرية التل الجليدي).
لقد أظهرت الدراسات في علم النفس و علم النفس التحليلي بأن الأنساق النفسانية تصاحب كل كلمة وكل خطاب وكل فعل.
يرى " أونريكاز – Enriquez" ( 1983) بأن : « كل اتصال هو دائما جزئيا، بالنظر إلى وجود جـزء كذوب ، بسبب الميكانيزمات النفسية للكبت، التفسخ، الحاجة إلى الحماية، تحويلات سلبية يمكن أن تحدث اتجاه بعض المواضيع.(...) وما يبقى ممكنا، هو ما ينتج عن إلزامية العيش و العمل مع الآخرين، هي إذن المحاولة المعرضة دائما للخطأ و التي تعاد ضمن اتصال لا يؤدى بعنف صارخ
هو قريب جدا من ميكانيزمات إعادة الثقة النرجسية و لحاجات هوية الأفراد، أولئك الذين يعرفون القسمة مابين اعتراف الرغبة و رغبة الاعتراف فيما بينهم ».
إذن ليس بمقدور كل اتصال، حتى من منطلق شموليته الإحاطة التامة بمعرفة و تفهم شخصية الآخرين. فالدلالة التي نعطيها لبعض الحركات، ولبعض الألفاظ علينا إرجاعها دوما إلى الأطر النفسية التي أثارتها. علينا التصرف بالطريقة التي تمكننا من التعرف أحسن على بعض السلوكات التي تبدو لأول وهلة غامضة، متناقضة أو غير عقلانية بالمرة. فالانفعالات و المشاعر العاطفية لا يمكن الاستغناء أو غمد أبعادها في العلاقات الإنسانية، سواء في الإتصال وجها لوجه أو في جماعة.
-
ارتبطت الدعاية في أذهان الناس بالكذب والخداع وتزييف الحقائق، وقد عرفها لينين بأنها:"الاستخدام العقلاني لحجج الفلسفة والتاريخ والعلم، بغرض التأثير على القلة المتعلمة"، وعلى ذلك فاستخدام الدعاية بالنسبة للعقائدي الشيوعي هو استخدام مرغوب فيه بل ويعبر عن معاني الصدق والأمانة في الدعوة.
كما عرفها معهد الدعاية الأمريكي عام 1937 "الدعاية الاعلامية تعبير عن رأي أو فعل يقوم بإعداده بصورة متعمدة وواعية، أفراد أو مجموعة من الناس بقصد التأثير على آراء وأفعال أفراد أو مجموعات أخرى لأغراض وأهداف تم تحديدها مسبقا".
من جهة أخرى ينظر إلى الدعاية والإعلام على أنهما نظام متصل، أحد طرفيه الإعلام كعملية قائمة على نشر الأخبار والمعلومات والآراء بحيادية وموضوعية، بينما تقع الدعاية في الطرف الآخر كعملية قائمة على التشويه والتدخل وحجب المعلومات والآراء أو تلوينها بحسب أهداف ومصالح الأشخاص والقوى الاجتماعية التي تسيطر على وسائل الإعلام.
الإعلام الرسالة الإعلامية الدعاية
وحسب مرتن MERTON "الدعاية مجموعة من الرموز التي تؤثر على الرأي أو الاعتقاد أو السلوك وذلك بالنسبة للقضايا غير المتفق عليها في المجتمع".
قواعد الدعاية:
1/ أسلوب التكرار: من خلال تكرار فقرات أو جمل معينة يسهل حفظها وتصديقها من قبل الناس.
2/ أسلوب المبالغة: من خلال إضافة صفات وهمية على المنتج أو الخدمة.
3/ أسلوب التقمص والتماثل والتقليد: من خلال إستخدام أحداث محلية لتوضيح القضية، واستغلال سلامة نية المتلقي بربط واقعه وخبراته ومخاوفه مع ما يتم الدعاية له.
4/ الارتباط الكاذب: مثلا استغلال تعلق الفرد بفنان أو مطرب أو شخصية عامة من أجل الترويج لأفكار معينة.
5/ أسلوب البساطة القابلة للتصديق: التعقيد في الصياغة قد يسبب الملل والعزوف عن متابعة الرسالة الدعائية من خلال شعارات يسهل حفظها.
آلية العملية الدعائية:
الدعائي - الرسالة الدعائية _ الجمهور المستهدف التأثير: اتباع الدعائي: القيام بفعل/ اتباع الرأي أو الموقف _ التوقف عن اتباع رأي الآخر
مفهوم الاشاعة
تعريف الاشاعة
لغة: الشاعة هي الأخبار المنتشرة، رجل مشياع أي مذياع لا يكتم سرا
الاشاعة لغة اشتقاق من الفعل "شاع" الشيء يشيع شيوعا ومشاعا ظهر وانتشر، شاع بالشيء أي أذاعه
مفهوم الاشاعة:
تعريف الاشاعة:
لغة: الشاعة هي الأخبار المنتشرة /// رجل مشياع أي مذياع لا يكتم سرا.
الاشاعة لغة اشتقاق من الفعل "شاع" الشيء يشيع شيوعا ومشاعا ظهر وانتشر، شاع بالشيء أي أذاعه.
تعريف تشارلز أندال هي "عبارة عن رواية تتناقلها الأفواه دون أن ترتكز على مصدر موثوق يؤكد صحتها".
العوامل السيكولوجية المسببة لنقل الاشاعة:
حب الظهور // الرغبة في التأييد العاطفي // التسلية // متابعة الاشاعات // الشهادة
أهداف الاشاعات:
تدمير القوى المعنوية وتفتيتها وبث الشقاق وعدم الثقة -
تحطيم وتفتيت معنويات الجبهتين العسكرية والداخلية -
سمات الاشاعات:
الايجاز وسهولة التذكر وسهولة النقل والرواية -
القانون الاساسي للشائعات هو "قدرة الاشاعة السارية يتغير تبعا لمدى أهمية الموضوع عند الاشخاص المعنيين تبعا لمقدار الغموض المتعلق بالمساءلة المعينة
تبدأ الشائعة من ايجاد خبر لا أساس له من الصحة أو تلفيق خبر فيه أثر من الصحة
تزدهر بالعوز إلى الأخبار وعندما تكون الأخبار في أقصى وفرتها وحينما يرتاب الأفراد في الاخبار
مفهوم الاعلان:
تعريف الاعلان:
الاعلان Advertising هو نشاط اتصالي يهدف للإعلام عن سلعة أو فكرة أو خدمة والترويج لها عبر وسائل الاتصال بالجماهير.
الاعلان التجاري Advertisement رسالة مدفوعة الثمن، محددة المضمون تشغل حيز من وسائل الاعلام بهدف اقناع المستهلك بسلعة معينة.
اذا الاعلان يستخدم في دول المشرق العربي أما الاشهار في دول المغرب العربي يقابلها في الفرنسية Publicité في الانجليزية publicity ومنه الاعلان التجاري هو الاشهار.
تعريف جمعية التسويق الامريكية للإعلان:
" مختلف نواحي النشاط التي تؤدي إلى نشر أو إذاعة الرسائل الاعلانية المرئية أو المسموعة أو المكتوبة على الجمهور بغرض حثه على شراء سلع أو خدمات أو من أجل استمالته إلى التقبل الطيب لأفكار أو أشخاص أو منشآت معلن عنها".
سلبيات الاعلان:
من سلبياته أنه:
* يدفع الناس الى المبالغة في الاستهلاك، يحبط الفقراء لان قيمة الاعلانات تضاف لسعر المنتوج.
* يبالغ في نقل المضامين أو يقدم أكاذيب.
* سيطرة المعلنين على وسائل الاعلام من خلال التهديد بحجب اعلاناتهم اذا ما بثت مضامين تضر بمصالحهم.
* رسم صور نمطية تحط من قدر بعض فئات المجتمع (مثال عرض الاشخاص الكبار في السن بصورة العاجزين، المبالغة في عرض المرأة بالتركيز على شكلها).
* دفع الناس للتركيز على الجوانب المادية وإهمال تطوير الذات (غنى النفس، العقل، الاخلاق).
الفروق الاساسية بين الاعلام ، الدعاية، الاشاعة والاعلان:الإعلام تقديم حقائق ومعلومات بهدف تنوير المتلقي.
دعاية بيضاء: أحداث وآراء وروايات قد تكون صحيحة أو خاطئة هدفها توجيه رأي المتلقي نحو سلوك أو فعل معين.
دعاية سوداء: تزييف حقائق لتشويه سمعة شخص أو مؤسسة.
الإشاعة: قد تكون صادقة أو كاذبة أو مضخمة الاشاعة دعاية سوداء.
الإعلان: الترويج لسلعة أو خدمة من خلال وسائل الاتصال ووسائل الاتصال الجماهيري (جرائد اذاعة تلفزيون وسينما، أنترنيت
-
تُعتبر سوسيولوجيا الإشاعة من أهم الحقول الفرعية في علم اجتماع الاتصال، حيث لا تُدرس الإشاعة كـ "كذبة" فحسب، بل كظاهرة اجتماعية تعكس مخاوف الجماعة وطريقة تفاعلها مع الغموض
- أ/ التحديد المفاهيمي: الإشاعة سوسيولوجياً هي: قضية أو عبارة تُتداول شفهياً (أو رقمياً) لتصديقها، دون أن تستند إلى معايير أكيدة للصدق- الفرق بينها وبين الخبر: الخبر له مصدر رسمي ومعلوم، أما الإشاعة فمصدرها مجهول وغير رسمي.
- الفرق بينها وبين الدعاية: الدعاية تخدم أهدافاً سياسية أو أيديولوجية صريحة ومنظمة، بينما الإشاعة غالباً ما تكون عفوية وناتجة عن ضغط اجتماعي.
وضع العالمان "أولبورت" و"بوستمان" معادلة شهيرة تحدد شدة الإشاعة:
شدة الإشاعة = الأهمية × الغموض- الأهمية: يجب أن يكون موضوع الإشاعة حيوياً لجمهور معين (مثل: إشاعة حول ندرة مادة غذائية).
- الغموض: تزداد الإشاعة قوة عندما تغيب المعلومة الرسمية أو تكون متناقضة.
أثناء انتقال الإشاعة من شخص لآخر، تمر بثلاث عمليات تشوه الحقيقة:
التسوية (Leveling): حذف التفاصيل المعقدة لتصبح الرسالة قصيرة وسهلة الحفظ.
الإبراز (Sharpening): تضخم جوانب معينة من الخبر (غالباً الجوانب الدرامية أو المخيفة).
الاستيعاب (Assimilation): إعادة صياغة الإشاعة لتتفق مع ثقافة وأهواء وخوف الجماعة (التأويل السياقي).
:ب/ تصنيفات الإشاعة سوسيولوجياً- الإشاعة الزاحفة: تنتشر ببطء وبشكل سري في مجموعات ضيقة.
- الإشاعة المندفعة (العنيفة): تنتشر بسرعة البرق، وغالباً ما ترتبط بالكوارث أو الحروب.
- شائعات الأحلام والأماني: تعكس رغبات الناس (مثل: إشاعة زيادة الرواتب).
- شائعات الخوف (البُعبُع): تعكس القلق الجماعي من خطر محدق.
:ج/ الوظيفة الاجتماعية للإشاعة
- سد الفراغ المعرفي: تعمل كبديل للمعلومات الرسمية الغائبة.
- تنفيس الضغوط: تسمح للأفراد بالتعبير عن مخاوفهم المكبوتة.
- تعزيز التماسك (أحياناً): قد تصنع "نحن" ضد "هم" (العدو المشترك).
كخلاصة عامة: الإشاعة ليست مجرد "كلام مقاهي"، بل هي ترمومتر اجتماعي يقيس درجة القلق والثقة في المؤسسات الرسمية داخل المجتمع.
د/ الاشاعة في عصر وسائط التواصل الاجتماعي
بما أننا في عصر "المجتمع الشبكي"، فقد انتقلت الإشاعة من "المشافهة" إلى "الخوارزمية"، مما غير سرعتها وتأثيرها. إليك أمثلة تطبيقية تربط المحاضرة بالواقع المعاصر، لتطرحها كقضايا للنقاش مع طلبتك:
- الإشاعة الصحية (مثال: لقاحات كورونا أو الأدوية)
هذا النوع يندرج تحت "شائعات الخوف".- التطبيق السوسيولوجي: في غياب خطاب علمي بسيط وموحد، سدّت منصات التواصل (فيسبوك وواتساب) الفراغ المعرفي. نلاحظ هنا عملية "الاستيعاب"، حيث تم ربط الإشاعة بنظريات المؤامرة العالمية، مما جعل الفرد يشعر بأنه "يمتلك الحقيقة المخفية" ضد السلطة.
وهي إشاعات "مندفعة" ترتبط بالأزمات الاقتصادية.- التطبيق السوسيولوجي: بمجرد انتشار صورة لنقص مادة معينة (مثل الزيت أو الحليب) على فيسبوك، يحدث ما يسمى بـ "السلوك الجمعي الهائج". هنا الإشاعة لا تكتفي بنقل الخبر، بل تدفع الناس للفعل (التخزين)، مما يخلق أزمة حقيقية من "عدم" (نبوءة تحقق ذاتها).
تنتشر في مجموعات (Groups) مغلقة وتنتقل للعلن.- التطبيق السوسيولوجي: تعتمد عملية "الإبراز" هنا على تضخيم تفاصيل أخلاقية لجذب "اللايكات". الوظيفة الاجتماعية هنا هي "الضبط الاجتماعي المشوه"؛ حيث يستخدم المجتمع الرقمي الإشاعة لمعاقبة أفراد أو فئات يراهم خارجين عن معايير الجماعة.
هذا جيل جديد من الإشاعات يعتمد على "التضليل البصري".- التطبيق السوسيولوجي: قديماً كان "السمع" هو مصدر الإشاعة، الآن "الرؤية" لم تعد دليلاً على الصدق. هذا يؤدي إلى حالة من "الاغتراب المعرفي" لدى الفرد، حيث يفقد الثقة في كل ما يراه، مما يضعف الروابط الاجتماعية ويجعل "الشك" هو القاعدة.
ماذا نصدق الإشاعة رغم ضعف منطقها؟ (التركيز على الجانب العاطفي مقابل العقلاني)
دور "المؤثرين" (Influencers): هل أصبح "المؤثر" هو المصدر البديل للمؤسسة الرسمية في نشر أو دحض الإشاعة؟
الحل السوسيولوجي: هل القوانين الردعية وحدها تكفي؟ أم نحتاج إلى "تربية إعلامية" للمواطن؟ -
لا يمكن تصور مجتمع بدون اتصال، فالاتصال هو الرابط الذي يربط الأفراد ببعضهم. في هذه المحاضرة، ننتقل من نظرة الاتصال كعملية تقنية إلى كونه عملية اجتماعية بامتياز.
أ/ التفاعل الرمزي: هندسة المعاني والواقع الاجتماعي
تركز هذه النظرية (المستوى الميكرو-سوسيولوجي) على أن المجتمع ليس كتلة صلبة، بل هو سلسلة لا تنتهي من التفاعلات الرمزية اليومية.- ثلاثية "هربرت بلومر": حدد بلومر أسس هذا الاتجاه في ثلاثة مبادئ:
هذه المعاني ليست فطرية، بل تُستمد من التفاعل الاجتماعي مع الآخرين.
المعاني ليست ثابتة، بل يتم تعديلها عبر عملية تأويلية مستمرة يقوم بها الفرد أثناء مواجهته للمواقف.- اللغة كأداة لبناء "الذات": يرى "جورج هيربرت ميد" أن اللغة هي أهم نظام رمزي؛ فمن خلال تبادل الرموز الدالة، يستطيع الفرد بناء صورة عن نفسه (المرآة العاكسة) وتحديد هويته بناءً على ردود فعل الآخرين.
- صناعة الواقع: المجتمع في هذا المنظور هو "بناء اجتماعي" يتم عبر الاتصال؛ فالمؤسسات والقواعد لا توجد إلا لأننا نمنحها معاني مشتركة ونتفاعل بناءً عليها
يُعد الاتصال المحرك الأساسي لعملية التنشئة (Socialization)، وهي العملية التي يتحول فيها الفرد من كائن بيولوجي إلى "فاعل اجتماعي"- نقل الرأسمال الثقافي: يعمل الاتصال على نقل القيم، العادات، واللغة من جيل إلى جيل. وسائل الإعلام أصبحت الآن شريكاً قوياً (وأحياناً بديلاً) للأسرة والمدرسة في هذه المهمة.
- وظائف الاتصال في التنشئة:
- الدمج الاجتماعي: تعليم الأفراد الأدوار الاجتماعية المتوقعة منهم وكيفية استدخال معايير الجماعة.
- تشكيل الوعي الجمعي: توحيد الرؤى حول القضايا الكبرى داخل المجتمع.
- التحدي المعاصر: في ظل "العولمة الاتصالية"، تساهم الوسائط الرقمية أحياناً في تنشئة متناقضة؛ حيث تقدم قيماً عالمية قد تصطدم بالقيم المحلية، مما يؤدي إلى صراع هوية لدى الفرد.
- الوساطة الاجتماعية: تلعب الأسرة، المدرسة، ثم وسائل الإعلام دور "الوسيط الاتصالي" لنقل التراث الثقافي.
- استبطان القيم: من خلال الاتصال، يستبطن الفرد معايير مجتمعه (ما هو مسموح وما هو ممنوع).
- التحول المعاصر: قديماً كان الاتصال "رأسياً" (من الأكبر للأصغر)، اليوم أصبح الاتصال "أفقياً" عبر شبكات التواصل، مما خلق صراعاً في القيم بين الأجيال (التنشئة الرقمية).
يمثل هابرماس "النظرية النقدية"، حيث يرى أن الاتصال هو الحل الوحيد لأزمات الحداثة- الفعل التواصلي مقابل الفعل الاستراتيجي:
- الفعل التواصلي: هو حوار يهدف إلى التفاهم المتبادل والوصول إلى إجماع عقلاني دون إكراه، و الاتصال الذي يهدف إلى التفاهم وليس للسيطرة أو التلاعب. الفرد هنا يستخدم الحجة والمنطق للوصول إلى اتفاق مع الآخرين .
- الفعل الاستراتيجي: اتصال يهدف للسيطرة أو التلاعب بالآخر لتحقيق مصلحة خاصة (مثل الدعاية السياسية).
- الفضاء العام (Public Sphere): هو "المجال الوسيط" بين السلطة والمجتمع (مثل المقاهي قديماً، والمنصات الرقمية حالياً)، حيث يتناقش المواطنون بحرية في الشأن العام. و الحيز الذي يلتقي فيه الأفراد كمواطنين أحرار لمناقشة الشأن العام وتشكيل "الرأي العام العقلاني"
- أداة للديمقراطية: يرى هابرماس أن الاتصال الحر والشفاف هو الضمانة الوحيدة لمنع الاستبداد وتطوير المجتمعات
- شروط الحوار المثالي: لكي يكون الاتصال أداة للديمقراطية، يجب توفر:
المصداقية: ثقة الأطراف ببعضها البعض؛ - المشروعية: الالتزام بالمعايير الأخلاقية للجماعةخلاصة للطلبة
الاتصال في علم الاجتماع ليس مجرد "رسالة وصلت"، بل هو- أداة بناء (التفاعل الرمزي).
- أداة استمرار (التنشئة الاجتماعية).
- أداة تحرر (الفعل التواصلي).
تمرين للمناقشة:
"هل تعتبر منصات التواصل الاجتماعي اليوم (مثل فيسبوك وأنستغرام) تمثيلاً حقيقياً لـ 'الفضاء العام' عند هابرماس، أم أنها أصبحت فضاءً للصراع والإشاعة فقط؟" -
تعتبر السيميولوجيا (علم العلامات) أداة حفر معرفية تسمح لطلبة علم الاجتماع بفهم "المعاني الخفية" وراء السلوكيات البشرية. في هذه المحاضرة، سننتقل من الكلمة المنطوقة إلى "لغة الجسد" و"سيميولوجيا المكان".
يقول عالم الاتصال راي بيردويستل: "إن الكلمات لا تشكل سوى 35% من المعنى في المحادثة وجهاً لوجه، بينما يُنقل 65% عبر القنوات غير اللفظية". بالنسبة لعالم الاجتماع، الجسد ليس مجرد وعاء بيولوجي، بل هو نص سوسيولوجي مكتوب.
أولاً: الاتصال غير اللفظي (اللغة الصامتة)
سوسيولوجيا الجسد (Kinesics) -
الجسد هو أول أداة تواصلية يمتلكها الإنسان. سوسيولوجياً، نحن لا نتحكم في أجسادنا بشكل فطرى تماماً، بل تخضع حركاتنا لـ "قوالب ثقافية".
الإيماءات: تختلف معانيها باختلاف المجتمعات. (مثال: إيماءة الرأس للموافقة قد تعني الرفض في ثقافات أخرى).
الوضعيات الجسدية: تعكس موازين القوى (الهيمنة مقابل الخضوع). فوضعية الوقوف للأستاذ وجلوس الطلبة هي رسالة اتصالية تعكس تراتبية السلطة المعرفية.
سوسيولوجيا المكان أو "الجوار" (Proxemics)-
أسس هذا المفهوم عالم الأنثروبولوجيا إدوارد هول، ويقصد به "الدراسة السوسيولوجية لكيفية استخدام الإنسان للمكـان". قسّم هول المسافات الاتصالية إلى أربع مناطق:
المسافة الحميمة (0-45 سم): للعلاقات القريبة جداً.
المسافة الشخصية (45 سم - 1.2 متر): للأصدقاء والزملاء.
المسافة الاجتماعية (1.2 - 3.5 متر): للمعاملات الرسمية.
المسافة العامة (أكثر من 3.5 متر): للخطابات والجماهير.
التحليل السوسيولوجي: انتهاك هذه المسافات يؤدي إلى "توتر اتصالي". كما أن توزيع الكراسي في المقاهي أو تصميم البيوت يعكس طبيعة الروابط الاجتماعية في ذلك المجتمع.
ثانياً: تحليل الرموز وإعادة إنتاج الهوية
في علم الاجتماع، الرمز هو "شيء يمثل شيئاً آخر باتفاق الجماعة". الرموز هي التي تمنح الجماعة شعوراً بالانتماء والتميز.
الرموز كأدوات للتمييز (Distinction) -
تستخدم الجماعات الاجتماعية (الطبقات، القبائل، المجموعات الفرعية) رموزاً معينة (نوع اللباس، الحلي، الوشم، الشعارات) لترسيم الحدود بينها وبين "الآخر".
* إعادة إنتاج الهوية: من خلال التمسك برموز تواصلية معينة (مثل اللباس التقليدي في المناسبات)، تقوم الجماعة بـ "إعادة إنتاج" قيمها التاريخية وحمايتها من الزوال.
سيميوطيقا الاستهلاك-
في المجتمع الحديث، أصبح "الاستهلاك" عملية اتصالية رمزية. نحن لا نشتري السلعة لمنفعتها فقط، بل لـ "قيمتها الرمزية".
* مثال: نوع الهاتف أو العلامة التجارية للملابس هي "رسائل اتصالية" يرسلها الفرد للمجتمع ليقول: "أنا أنتمي لهذه الطبقة أو هذه الجماعة الثقافية".
الطقوس الرمزية -
كل فعل اجتماعي (جنازة، عرس، احتفال وطني) هو نظام سيميائي متكامل. ترتيب الجلوس، الألوان المستخدمة، ونوع الأكل، كلها رموز تواصلية تعيد تثبيت البناء الاجتماعي وتذكر الأفراد بمركزيّة الجماعة.
خلاصة المحاضرة للطلبة
إن فهم السيميولوجيا يسمح لعالم الاجتماع بـ "قراءة" المجتمع دون أن يتحدث أفراده. فالجسد يتكلم، والمكان يتكلم، والرموز التي نرتديها هي هويتنا التي نعلنها للعالم.