Aperçu des sections

  • الشعبة: علم الاجتماع؛ اسم المقياس : سوسيولوجيا الرّابط الاجتماعي؛

    المستوى المُستهدف: السنة الثانية؛

    وحدة التعليم الأساسية: المادة: سوسيولوجيا الرابط الاجتماعي  (السداسي الرابع)؛

    دعامة المادة: مكوّنة من مُحاضرة + أعمال موجهة / الرصيد: 05، المُعامل: 02 / التقييم: مُتواصل + امتحان؛

    المشرف على المادة: أ. د. نابـتي علـي  

     محاور المقياس 

    مدخل إلى سوسيولوجيا الرابط الاجتماعي؛

    الرابط الاجتماعي في فكر رواد النظرية الاجتماعية الغربية؛

    الرابط الاجتماعي في فكر عبد الرحمن بن خلدون؛

    الرابط الاجتماعي في فكر مالك بن نبي؛ 

    نماذج سوسيولوجية لفهم الرابط الاجتماعي؛

    أبعاد وتحوّلات الرابط الاجتماعي؛

    ممارسات الاتصال والرابط الاجتماعي.

    ملاحظة: في ما يتعلق بالجزء المتعلق بالمقاربات الغربية تم الاعتماد في تحضير محاضرات هذا المقياس على الكتاب المرجعي الأكاديمي الموسوم: علي نابتي، سوسيولوجيا الرّابط الاجتماعي: مقاربات ونماذج (ج.1)، ط.1، دار نشر الآن ناشرون وموزعون، عمّان (الأردن)، 384 ص، 2025.  

    - مراجع الكتاب (الجزء الأول): باللغة العربية (18 مرجعاً)؛ مجموع عدد المراجع باللغتيّن الفرنسيّة والانجليزيّة (262 مرجعاً)؛ المصادر الالكترونيّة (12 مصدراً).



  • مدخل إلى سوسيولوجيا الرابط الاجتماعي

       شَهِد القرن التاسع عشر الميلادي تقلبات على أكثر من صعيد. حيث عرف نتائج الثورات المتعددة التي حدثت في القرن الذي سبقه. على الصّعيد السياسي، شكّكت مختلف الثورات، الانجليزية، الأمريكية أو الفرنسية، بعمق في النظام الاقطاعي  الذي ساد طيلة القرون الوسطى. في الواقع، لم تكن تأثيرات هذه الثورات مباشرة حيث كان يجب انتظار تهدئة أوضاع النسق السياسي (نهاية الرعب والحروب النابليونية بالنسبة لفرنسا مثلا) حتى يتسنى لهذه الثورات القيام بدور مستدام في الحياة السياسية. وبالموازاة لهذه الثورات السياسية، عرف القرن الثامن عشر الميلادي أيضا ثورة فكرية، سُميت بالأنوار. برز من بين العديد من الأفكار التي كانت مُتداولة، شكل العقد الاجتماعي الذي وضعه ابتداءً جان جاك روسو وبدأ يُفرض شيئا فشيئا. أمّا ثالث ثورة فكانت اقتصادية، مع بداية الثورة الصناعية، نتيجة النهضة التقنية، لكن أيضا انتشار الليبيرالية وحرية التعهّد.

    انصب انشغال علماء الاجتماع الأوائل في أوربا الغربية على فهم كيف يستطيع أفراد منفصلون الاتحاد لتكوين مجتمع والحال مادام    البشر مُتحدون يستمرون في العيش ضمن جماعة.   حاول كل واحد من هؤلاء العلماء البحث بطريقته الخاصة عن الشيء الذي يساهم في إبقاء البشر مجموعين أكثر من الشكل الذي اتخذه هذا الاجتماع. يبدو أنّ الرابط الاجتماعي كان موجودا في صلب انشغالاتهم حتى وإن لم يستعمل أبدا هؤلاء الباحثون هذا المُصطلح. يُبنى المجتمع في جانب على المعايير والقيّم، التي تُكتسب في خضم عملية تُدعى   التطويع الاجتماعيّ أو التنشئة الاجتماعية  

    يُطلق على مجموع العلاقات التي تُوَحِد الأفراد الرابط الاجتماعي. يعرف المجتمع تحوّلات تحت تأثير ظاهرات اجتماعية واقتصادية. حيث يُعدّ تنامي الفردانية واحدة من بين أكبر تطوّرات القرن الماضي، بعبارة أخرى الميل إلى تفضيل مصالح وقيّم الفرد على الجماعة. سنرى كيف تكون لهذا الميل تبعات على طبيعة وكثافة العلاقات الاجتماعية، طالما  أنّ كلّ فرد ينكفئ على شخصه، يكون لهذا الفعل نتائج على تماسك الجماعة بأكملها. 

       يجد الفرد وصله بالمجتمع بأنواع مختلفة من الروابط الاجتماعية. ضمن مسار حياته، يتعلم الطفل تدريجيا قواعد الحياة في المجتمع بمساعدة عائلته. وباحترام تلك القواعد يحتل مكانة في جماعته العائلية ثم ضمن المجتمع. إذاً الروابط الاجتماعية هي هامة لبناء الفرد. ثم يُجاور الفرد مؤسسات أخرى مثل جماعات النظراء. الأمر يتعلق، مثلا، بأصدقاء المدرسة التي تُمكنه من استبطان القواعد والقيّم الخاصة بالجماعة التي ينتمي إليها. من خلال الألعاب، تُصنع التفاعلات وتمنح مكانة لكلّ واحد. يكون الفرد في تبعية متبادلة مع نظرائه.

    ضمن هذا الأفق المنظور، « فإنّ الرابط الاجتماعي ليس واقعة؛ بل فئة يحاول أن يفهم بها علم الاجتماع، حيث تتلخص الواقعة في أنّ أفرادا متفرقون تمكنوا من الاجتماع وكونوا مجتمعا، لقد اتحدوا ليستمروا في العيش معا »

    والحال، لكي يصبح فهم فئة الرابط الاجتماعي ممكنـا تحتاج المقاربة إلى فئات أخرى أو مفاهيم وسيطة بينها وبين التنوع التجريبي للواقع الاجتماعي. تتمظهر تلك المفاهيم الوسيطة في شكل العديد من الفروع الثنائية : طبيعة- اتفاقية؛ جماعة - مجتمع؛ تضامن آلي - تضامن عضوي؛ سلطة تقليدية - سلطة عقلانية.

       يُمثل رواد علم الاجتماع مصدر هذا المنظور الثنائي القطبية للواقع الاجتماعي، والذي لا يزال قائما إلى اليوم بوسمه للتعدد المجازي لمفهوم الرابط الاجتماعي. « (...) يبرز الرابط الاجتماعي (...) في مجمل تعاريفه وتغيّراته، واصطلاحاته العملية الشاملة، ترجماته المتعددة للاجتماعي، المُدركة في بُعده الأساسي، (...) ومن خلال تعدّد شكله ليس في ثباته وتفرده، ولكن في شروط تغييره في حد ذاتها »  

       بهذا المعنى، تتعلق فئة الرابط الاجتماعي بالأسطورة إلى درجة أنّ تعريفاته المتنوعة لا تخبرنا عن كيفية تشكل الرابط الاجتماعي، ولكن تكشف لنا عن الكيفية التي يتمثل بها الانسان، وبالأخص علماء الاجتماع، الأسلوب والطرائق التي تشكل وفقها.  

       لكن في كلّ الحالات، يظل تناول الرابط الاجتماعي بوصفه في أساس وجود المجتمع في حد ذاته. بدون رابط اجتماعي مؤسس، لا حياة جماعية. بدون رابـط اجتماعي، سنشهد لا محالة تفكك المجتمع وتفسخه حرب كل واحد ضد الكلّ. يحيلنا تعدد تعريفات الرابط الاجتماعي أيضا على مختلف أبعاد هذا الرابط المؤسس لكلّ حياة جماعية. فعندما نتحدث عن الأبوة والنسب، عن صلة الرحم والقرابة، عن الجيرة والجوار، عن العلاقات الاجتماعية والمهنية، عن الاندماج في وسط من حياة، عن المشاركة السياسية، عن الانتماء لجماعة ما، فإننا نسلك طريق العرفان والاعتراف التي تُشكل الرابط الاجتماعي، بجميع هذه العناصر اليومية التي تؤتيه عمقه ونسيجه.      

     أولا. تعريف الرابط الاجتماعي: 

       1- التعريف اللغوي: ورد تعريف ومعنى كلمة "رابط" في: لسان العرب؛ المعجم الوسيط، معجم المعاني الجامع؛ الرائد؛ القاموس المحيط

          - رابَطَ: (فعل) ربَطَ / ربَطَ على / ربَطَ لـ يَربُط، رَبْطًا، فهو رابط، وهو مربوط، ورَبيط ؛ رابطَ / رابطَ في يُرابط، رِباطًا ومُرابَطةً، فهو مُرابِط، والمفعول مُرابَطٌ فيه. أمثلة: رابط الرَّجلُ في المكان: أقام فيه ولم يغادرْه؛ رَابَطَ عَلَى عَمَلِهِ : وَاظَبَ عَلَيْهِ، لاَزَمَهُ رَابَطَ مُرَابَطة، ورِباطًا: لَازَم الثّغر وموضعَ المَخَافَة؛ المرابطون: اسم لدولة المرابطين حكمت في المغرب، موريتانيا، غرب الجزائر والأندلس (1056م-1147م)؛ - رابِطٌ: (اسم) الجمع : روابِطُ ، المؤنث : رابطة ، و الجمع للمؤنث : رابطات وروابِطُ. أمثلة : اسم فاعل من ربَطَ؛ نَفَسٌ رَابطٌ: واسع عَريض؛ رابط الجَأش: شجاعٌ قويّ القلب؛ رابط منطقيّ: رابط بين عبارات منطقيّة في لغة من لغات الحاسوب؛ رَابَطَ الجَيْشُ فِي الجَبْهَةِ: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا » (قرآن كريم).  

    2- اصطلاحاً: يُعرّف بيار إيف كيسات الرابط الاجتماعي بوصفه مجموع العناصر التي تجمع الأفراد مع بعضهم بعضا. يتعلق الأمر أكثر بالعلاقات الملموسة بين أعضاء العائلة نفسها، بين الأصدقاء، بين الجيران، بين الزملاء، الخ. وصولاً إلى آليات التضامن، والهويات الجماعية والمعايير المُشتركة. انطلاقا من هذا التعريف، يشمل الرابط الاجتماعي عددا كبيرا من ربط الأفراد لعلاقة بين بعضهم بعضا ليس هذا فحسب، بل يضع في الحسبان الكيفية التي يندمج وفقها الفرد ضمن مجتمع خاص. ومن جهتها، تُعرّف ماريا انغراسيا ليندرو الرابط الاجتماعي بأنّه مجموع العلاقات أو الروابط الاجتماعية التي تضم الأفراد فيما بينهم أمّا فريديريك لوبارون فيرى أنّ الرابط يجمع بين فرديّن أو أكثر متى كانت العلاقات الشخصية الداخلية تلقائية بينهم، باتكائها على أشكال التفاعل المتنوعة، وعليه نُعرّف الرابط الاجتماعي بوصفه تفاعلا خاصا، منتظما بين فرديّن في سياق متصل، جاء تعريف الرّابط الاجتماعي في القاموس الفرنسي Le Robert بصيغة الجمع معتبراً الروابط الاجتماعية أنها أشكال العلاقات التي تربط الفرد بجماعات اجتماعية وبالمجتمع، حيث تُمكنه من عملية التنشئة والاندماج ضمن المجتمع، وتلقي عناصر هويته. وإذاً فعِلم اجتماع الروابط الاجتماعية هو علم أشكال التنشئة الاجتماعية وأشكال الضبط الاجتماعي في الوقت نفسه. في حين أنّ تأزم الروابط الاجتماعية فينتج عنه حالة لا معيارية. ومن الجزائر، تناول الباحث رشيد حمدوش مصطلح الرابط الاجتماعي في أطروحته الجامعية مستعملا كلمة "رِباط" مُعرّفا الرباط الاجتماعي بأنّه تلك العلاقات التي تتمّ وتجمع بين الأفراد في حالات وجه لوجه، سواء أكانت علاقات شخصية أو لا شخصية. فالرباط الاجتماعي إذاً يعني بالنسبة لنا مجموع العلاقات الاجتماعية سواء أتعلّق الأمر بالألفة أو الأنسة الاجتماعية Sociabilité) أو الروابط الاجتماعية Rapports sociaux)، أو أيّ شكل من أشكال الرباط الاجتماعي.    

    ثانيا. أنواع الروابط الاجتماعية وأشكالها: من خلال هذه التعاريف نُجمِل لنقول بأنّ الرابط الاجتماعي مفهوم مُولِد يشير بطريقة واسعة إلى الكيفية التي يرتبط بها الأفراد في ما بينهم. بات واضحا أنّ الاهتمام بالرابط الاجتماعي بدلا من المجتمع يُتيح حينئذ تجاوز القوالب الجاهزة للعيش معاً. فعوضا عن الانشغال بوجود المجتمع من عدمه، ينبغي الانتباه إلى الكيفية التي يتعايش ويتصرف بها الأفراد. فعلى مستوى هؤلاء وعلى مستوى أفعالهم يتم تجسيد طرائق العيش مع الغير. حيث لا ينبغي اختزال الرابط في مجرد علاقات شخصية أو علاقات اجتماعية بل علينا التفكير في ضرورة تبني مقاربة أكثر بنيوية للعلاقات الاجتماعية، يمكن أن تفضي إلى الكشف عن تُحوُّل الرّوابط الاجتماعية.

    النوع الأول: وفق طبيعة الارتباط

        - رابط أوليّ: ويجمع أفراد العائلة أو الأسرة؛ الجيران؛ جماعة المسجد؛ جماعة المدرسة.

        - رابط ثانوي: ويجمع أعضاء الجمعيات؛ والنقابات؛ والأحزاب السياسية.

     - النوع الثاني: وفق درجة التفاعل

        - الرابط الاجتماعي: مجموع العلاقات التي تجمع أفرادا ينتمون إلى الجماعة الاجتماعية نفسها.

        - الرابط الديني: ويُحدده الدّين من خلال علاقة الانسان بربه وعلاقته بنفسه وعلاقته بمجتمعه وبالناس.

        - الرابط الاقتصادي: يقوم على معاملات البيع والشراء للسلع في السوق الفعلية أو الافتراضية.

        - الرابط السياسي: في اطار علاقة المواطنين بالدولة وهيئاتها المختلفة من خلال الحقوق والواجبات واختيار مُمثليهم بالانتخاب أو الاستفتاء حول القضاء المجتمع الكبرى.

    النوع الثالث: وفق درجة الشدّة

       - رابط قويّ (شديد): برز أكثر بالمجتمعات التقليدية بالخضوع للجماعة أو القبيلة من خلال الامتثال للأعراف والعادات والتقاليد بالطاعة والولاء، والتضحية.

       - رابط ضعيف (مُتراخي): برز في المجتمعات الحديثة، وتزايدت شدّته من خلال مراعاة الانسان في أبعاده النفسية والاجتماعية لاسيما في مؤسسات العمل.

      

  • التقاطعات المفاهمية للرابط الاجتماعي

      يذكر الباحث في علم الاجتماع الفرنسيّ بير بوفـي الموسوم بـ الرابط الاجتماعي أنّ هذا المصطلح الأخير لم يُستخدم سوى  في أواخر القرن العشرين  حيث أصبح    يدُل على العلاقات الاجتماعية، وعلى النظام الاجتماعي، والسِّلم والتسامح.   كما لاحظنا في المطلب السالف الذكر كيف أنّ تعدد أشكال الرابط الاجتماعي يلقي الضوء على تنوع العلاقات والروابط الاجتماعية التي تعتمد غالبا على التبادل والتعاون نظرا لتشابه المصالح وتشاركها بين أفراد المجتمع في مختلف مستويات الأنظمة الاجتماعية سواء كانت محلية، وطنية أو دولية، وهذا بحثا عن الضمان الاجتماعي للجماعات والأفراد والاعتراف بوجودهم الاجتماعي وحمايته.     

       أ/ الرابط الاجتماعي والتفاعل الاجتماعي: يرى الأخصائيون في علم النفس الاجتماعي ومن بينهم بيليس - Beles أنّ التفاعل الاجتماعي هو كل فعل يؤدي إلى استجابة في اطار عملية تبادل للأفعال والاستجابات حتى لو كان بين الفرد ونفسه. فهم يرون أن الفرد يتفاعل منذ لحظة ميلاده وحتى موته، وفي أوقات اليقظة وحتى أثناء النوم في شكل أحلام، كما يتفاعل الفرد مع غيره وهو جالس وحده عندما يتذكر شخصا ما وهذا ما يُسمونه بالتفاعل الرمزي. وحسب رأي أولئك المختصين فإنّ حدوث التفاعل الاجتماعي بين أفراد المجتمع يتطلب حدوثه جملة من الشروط، كاللقاء فالتبادل بوصفهما شرطيّن أساسيّن وبدونهما يكون السلوك إما مؤثرا أو متأثرا من طرف واحد فحسب.

     وكذلك يندرج التوافق أو التفاهم والانسجام بين المتفاعلين ضمن هذه الشروط حتى  تتكامل استجابات الأشخاص في الموقف الاجتماعي بطريقة سهلة.  وفي السياق نفسه، خلُص كوبر وَ ورتشر Worcher, Cooper في بحثيّها إلى أنّ التفاعل الاجتماعي يمر عبر أربع خطوات أساسيّة وهي: أولا، التعارف؛ ثانيا، التفاوض والمساومة: وتعني تحديد كل طرف نوع العلاقة التي يفكر التوصل إليها أو إقامتها؛ ثالثا، مرحلة التوافق والالتزام وهي أن يقتنع كل طرف بالطرف الآخر من حيث المزايا والقيمة، رابعا، مرحلة الإعلان عن العلاقة وتعزيزها وتثبيتها. في الأخير، استنتج الباحثان مجموعة من أهداف التفاعل الاجتماعي نذكرها كالتالي:

      1. يُسهِّل التفاعل بلوغ الجماعة لأهدافها حيث يسهم ذلك في تحديد طرق إشباع حاجات أفرادها؛

     2. يساهم التفاعل في تلقين الأفراد أنماط السلوك المتنوعة والاتجاهات التي تنظم العلاقات الاجتماعية  وِفق منظومة القيم والثقافة السائدة من عادات وتقاليد وأعراف اجتماعية؛

    3. يُساعد التفاعل على إثبات الذات ويخفف وطأة الشعور بالضيق، لأن العزلة كثيرا ما تؤدي إلى الإصابة بالأمراض النفسية.

    4. يُؤدي التفاعل دورا بالغا في التنشئة الاجتماعية والتطويع الاجتماعي للأفراد.

     بات واضحا أنّ تشكُّل العلاقة الاجتماعية يحدث بعد التفاعل؛ إذاً هو مرحلة أساسية لظهور العلاقات والروابط الاجتماعية بين الأفراد. وحسب ما يؤكده الأخصائيون الاجتماعيون على أنّ التفاعل يحدث بمجموعة من الطرق أو الشروط، مثلما أوضحنا آنفا حيث تكون المبادأة بالاتصال عن طريق اللغة كوسيلة للتفاهم الذي يقود عادة إلى وحدة الفكر والشعور المفضيان إلى التواصل والوصول لسلوك تعاوني. ثم يكون التوقع بوصفه اتجاها عقليا واستعدادا للاستجابة لمنبه ما، نسلكه اتجاه الآخرين طبقا لما نتوقعه منهم وطبقا لما يتوقعوه منا ولتوقع أثر كبير في عملية التفاعل الاجتماعي. فعندما يقوم الفرد بفعل معين يضع في اعتباره توقعات عدة للاستجابات الآخرين، كالرفض أو القبول، حيث يُكيِّف سلوكه على حسب توقعاته، إذاً التوقع مبني على الخبرات السابقة.

       وبعد التوقع يأتي الدور الاجتماعي: ويقصد به السلوك الذي ينتظر من الفرد القيام به في موقف ما مع العلم أن الأدوار التي يؤديها الفرد تتعدد بتعدد المواقف التي يتعرض لها، وتزداد اتجاه الفرد لأدواره كلما تكررت المواقف التي تستدعي دورا بعينه زيادة على ذلك يمر التفاعل بمجموعة من العمليات الاجتماعية أبرزها: التعاون؛ التنافس؛ الصراع.

       ب/ الرابط الاجتماعي والتضامن الاجتماعي: يؤشر مصطلح التضامن إلى الاشتراك في المصالح والغايات، ويُعد من أهم مصادر التعاون والقوة والمقاومة، حيث يختزل التضامن وَحدة الهدف والاصرار على بلوغه، ويعتقد أن الايمان بالتضامن كغاية في ذاته وليست كوسيلة لبلوغ غاية معينة، وهي الرؤية الاستراتيجية التي سبق إليها ابن خلدون في مُقدَّمته، موضحا أنّ الفرد الواحد لا يمكنه تحصيل قوته اليومي، إلا بمساعدة بني جنسه، وهذا ما يسمى بالتضامن عن طريق تقسيم العمل. ضمن هذا المساق، تتضح الصلة الوطيدة بين التضامن الاجتماعي والرابط الاجتماعي، من منطلق أنّ الروابط الاجتماعية بين الأفراد  لا تتشكل إلا بتضامنهم. يُعرّف التضامن في معجم علم الاجتماع بأنّه التماسك الذاتي للجماعة، حيث شاع استخدمه منذ أن استعمله أوغست كومت للدلالة على عملية التآزر في الحياة الاجتماعية. كما عرّفه محمد عاطف غيث في قاموس علم الاجتماع على أنه حالة أو ظرف تتميز به الجماعة، يسود فيه الالتحام الاجتماعي والتعاون والعمل الجماعي الموجه نحو إنجاز أهدافها. ويكاد ايميل دورخيم يتفرد بسبق استخدامه لمصطلح التضامن لاسيما في كتابه الموسوم بـ  تقسيم العمل الاجتماعي (1893م) حيث اشتغل في أطروحته على مصطلحيّن هما التضامن الآلي والتضامن العضوي. ومن جهته  فقد رأى ماكس فيبر أنّ نداء ماركس لعمال العالم،كي يتحدوا يتسم بالمثالية بالنظر إلى تعدد الفوارق بين العمال وهم الجماعة المتضامنة، بسبب المصلحة المشتركة. ولقد تم تشكيل اتحاد عمالي عالمي بالرغم من اختلاف المكان والصناعة والجنس والعمر والعرق وحتى الدِّين والقومية. في السياق، ثمّن فيبر هذا المسعى معتبرا إياه دعوة ايجابية وفعالة، تُفضي إلى الاجتماعي وتحقيق التضامن والترابط الاجتماعييّن. 

    ج/ الرابط الاجتماعي والتماسك الاجتماعي: يُعدّ مصطلح التماسك الاجتماعي من المصطلحات التي لم تحظ على العموم بتعريف مُتفق عليه بين الباحثين، حيث يُستخدم في أغلب الحالات بطريقة غير رسمية، ليؤشر إلى المواقف التي يرتبط فيها الأفراد ببعضهم بعضا بروابط اجتماعية وثقافية. والتماسك عامة، صفة تطلق على الجماعات الصغيرة، حين تعمل على اجتذاب أعضائها وتدفعهم إلى الاحتفاظ بعضويتهم فيها. إلا أنّ محمد عاطف غيث يرى أن هذا المصطلح يمكن شرحه على أنّه  تكامل سلوك الجماعة، باعتباره نتيجة للروابط الاجتماعية أو هو أقصى درجات الترابط الاجتماعي، أو القوى التي تجعل أعضاء الجماعة في حالة تفاعل لفترة معينة من الزمن، وحينما يُحقق مستوى عال للتماسك الاجتماعي في جماعة ما، فإن أعضائها يشعرون بمشاعر إيجابية قوية نحو جماعتهم وتكون لديهم رغبة في استمرار عضويتهم فيها، فتتوافر الروح الجماعية العالية. على العموم، توجد عوامل بارزة تساعد على زيادة درجة التماسك الاجتماعي في الجماعة نذكر أهمها:

       1عادة، يُؤدي التهديد أو الخطر الخارجي إلى تماسك الجماعة والصف الداخلي لها؛

       2قبول أعضاء الجماعة لمعايير وقوانين الجماعة وأفكارها يؤدي إلى زياد التماسك؛

      3تعاون الأعضاء وتفاعلهم بشكل مباشر، فالجماعة المتماسكة تتميز بالتضامن والانتماء والتعاون لخدمة الجماعة، حيث يستخدمون لفظة نحن، في مقابل لفظة أنا. تأكيدا على قيمة الأهداف المشتركة للجماعة في مقابل الأهداف الفردية لكل عضو من أعضاء الجماعة. 

     د/ الرّابط الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية: يُعرِّف معجم علم الاجتماع، العلاقات الاجتماعية على أنها: « العمليات والتفاعلات الناجمة عن تفاعل، واعتراك الأفراد في البيئتيّن الطبيعية أو الاجتماعية، وهي الإطار الذي يُحدد تصرفات الأفراد واختلاف مظاهر سلوكياتهم و أنشطتهم، وتُعرف أيضا أنها العلاقات التي تنشأ بين كائنيّن إنسانييّن أو أكثر، عندما يوجد نوع من الاتفاق بين مصالح كل منهما أو نتيجة لتقارب هذه المصالح أو للحدّ من الصّراعات، التي قد تنشأ نتيجة لاختلاف مصالحهم »  كما يعرفها عبد العزيز الخزاعلة بقوله : « بأنها الروابط والآثار المتبادلة بين الأفراد في المجتمع وهي تنشأ من طبيعة اجتماعهم، وتبادل مشاعرهم وأحاسيسهم واحتكاك بعضهم مع البعض.» . وهذا ما أوضحه ماكس فيبر عندما كان بصدد شرح العلاقات الاجتماعية الناتجة عن الفعل والتفاعلات الاجتماعية، فهو يرى أن مفهوم العلاقات الاجتماعية يشير إلى الترتيب أو تنظيم ثابت للعناصر التي تظهر في الفعل الاجتماعي، فهي-أي العلاقات-لا توجد بمعزل أو خارج الأفعال الاجتماعية، بل هي ترتيبات متخيّلة للفعل يمكن تصورها على نحو مجرد كأنماط للفعل الاجتماعي الظاهر. ويتطلب تحقق العلاقة الاجتماعية توافر ثلاثة شروط أساسية هي:

      1. وجود الأدوار الاجتماعية التي يشغلها الأفراد الذين يُكوِّنون العلاقة الاجتماعية؛

      2. وجود مجموعة رموز سلوكية وكلامية ولغوية يستعملها أطراف العلاقة الاجتماعي؛

      3. وجود هدف أو غاية يتوخى العلاقة الاجتماعية إشباعها والإيفاء بالتزامها والعلاقة الاجتماعية بذلك هي عبارة عن روابط متبادلة بين أفراد وجماعات المجتمع، تنشأ عن اتصال بعضهم ببعض وتفاعل بعضهم مع بعض مثل روابط القرابة والجيرة والروابط التي تنشأ بين أعضاء الجمعيات التعاونية. 

     قسّم علماء النفس الاجتماعي وعلماء الاجتماع، العلاقات إلى عدّة أنواع، علاقات على حسب المدة أو الزمن، وعلاقات على حسب التبادل:

    علاقات اجتماعية طويلة الأجل: وهي نموذج التفاعل المتبادل الذي يستمر فترة معينة من الزمن، تؤدي إلى ظهور مجموعة توقعات اجتماعية ثابتة وتعتبر علاقة الدور المتبادل بين الزوج والزوجة على سبيل المثال، حيث يطلق عليها عدنان أبو مصلح في معجمه اسم العلاقات الدموية وهي تلك العلاقات التي تتميز برابط القرابة الدموية، كالعلاقة بين الأبناء والآباء والزوج والزوجة والإخوة والأخواتفهذه العلاقات نجدها في العلاقات الأسرية التي تقوم على القرابة، كما يمكن للعلاقات الجوارية أن تكون طويلة المدى إذا استمر وجود الأسرتان في مكان واحد، وتختفي أو تزول في حالة رحيل إحدى الأسرتيّن، في حين يبقى رابط الجيرة محافظا على قوته الاتصالية بين أسر معينة على الرّغم من التباعد الجغرافي بينهما حيث تقهر أواصر المحبة والذكريات عامل البُعْد.

    كما يمكن أن نُدرج العلاقات الروحية ضمن العلاقات الاجتماعية طويلة الأمد على غرار علاقات الصداقة المُتكون نتيجة لتبادل العلاقة العاطفية والتي تتكون بحتمية تشابه وتجانس أنماط التفكير وظروف العمل. ويسمي عالم الأنثروبولوجيا راد فيلد هذا النوع من العلاقات الطويلة الأمد بالعلاقات العميقة، وهي التي تتمتع بدرجة عالية من الثبات والاستقرار في المجتمع ولا يمكنها أن تزول، لأن هذا إذا افترضنا حدوثه، سيؤدي إلى تغيير جوهري في المجتمع مثال عن الزواج أو العلاقات الأسرية. 

    علاقة اجتماعية محدودة: وهي نموذج للتفاعل الاجتماعي بين شخصين أو أكثر ويمثل هذا النموذج، أبسط وحدة من وحدات التحليل السوسيولوجي، كما أنه ينطوي على الاتصال الهادف والمعرفة المسبقة بسلوك الشخص الآخر، وقد تكون العلاقة الاجتماعية ذات أمد قصير، كما هي الحال في قائد السيارة الذي يريد إقناع رجل الشرطة بأنه ليس مخطأ.


  • الرابط الاجتماعي في فكر رواد النظرية الاجتماعية (فرديناند تونيز واميل دورخيم)

       بوسعنا أن نسمي السوسيولوجيين الأوائل الذين اهتموا بالرابط الاجتماعي: مفكري التمايز أو الفوارق. حيث بانطلاقنا من معاينة وجود تمايز في المجتمع، يسري سوية مع ضرب من التعقّد، استلهم منه تونيز ودورخيم منظورا تصنيفيّا ميّز به الأول، جماعة المجتمع، وميّز به الثاني، التضامن الآلي للتضامن العضوي. شكلت الثورة الفرنسية، في الأفق المنظور للعالميّن، نقطة القطيعة بين مفهوميّ التصنيف. تشتغل ضمن تاريخ علم الاجتماع، « بوصفها أسطورة مؤَسِسة للمجتمع الليبيرالي التعاقديّ »  

       أ/ طبيعة وأشكال الرابط الاجتماعي في فكر فرديناند تونيز - Ferdinand Tönnies:

       ميّز علم الاجتماع الألماني فرديناند تونيز (1855م- 1936م) في كتابه الموسوم بـ العشيرة والمجتمع – Communauté et Société (1887م)، مُرتكزا على مقاربة بسيكولوجية، بين العشيرة التي تولد انطلاقا من العائلةemeinschaft) communauté – ) والمجتمع société (Gesellschaft) المُكوَّن من أملاك وأفراد، مفصولان عضويّا؛ حيث التبادل هو المحتوى الوحيد للحياة الاجتماعية، يبرز بالعقد. في السياق، يرى تونيز أنّ الأفراد يدخلون في علاقة ويشتركون بـ « إرادة أن يكونوا معا » .(Leandro, 1997) غير أنّ ما يُغاير بين العشيرة والمجتمع، هي طريقة التشارك. ففـي الأولى تنشأ الروابط بإرادة عضوية نابعة من روابط الدّم، صلة الرحم، ذوي القربى. هي إرادة ملازمة لطبيعة الانسان، تدفعه للعيش ضمن فصيلة تأويه وعشيرة تحميه.

       يُؤشر المجتمع إلى إرادة التفكير حيث أنّ الروابط التي تنشأ وفق هذه القاعدة تكون مقصودة ومدروسة، بارزة وعقلية. « تنطبع الارادة العضوية على المجتمعات التي تتشكل حـول الوقائع التالـية : العائلة، أواصر الـدم و المشاعر الأصيلة، الشعور بالانتماء، بالأخوة، بالأمومة، بالأبوة، بالصداقة؛ تتكئ هذه الوقائع على العـادات والطقوس وذاكرة العشيرة. فالحق الطبيعي يؤسس واقع الحال. يتم التعبير عن حيـاة العشيرة في حـياة العائلة وفي حياة القرية، وحياة القصر. حيث الاقتصاد العائلي، الفلاحة والفن هي جوهر العشيرة. على العكس يؤكد تونيز، في أفق العقد، (بالنسبة للنظرية التعاقدية وليس البتة الطبيعية للرابط )، على أنّ القانون الايجابي والعقلاني يؤسس المجتمع ويتحكم في العلاقات الأخرى بين الأفراد. الارادة التي تتصدر التنظيم الاجتماعي ليست أبدا إرادة اعتباطية، ولكن مُفَكَر فيها. لا يتماسك التجمع الاجتماعي للأفراد إلا بالتفكير، بالرجاء الأنانيّ في تحصيل الفائدة والمكسب، فالعلاقات البشرية هي بالعموم تجارية ومُهتمَة، يتعلق الأمـر نكرر، بمجموع فرديات يربطها عقد ربحي؛ تكون فيه الهيمنة هي الغاية والرابط لا يبدو سوى ظاهريا. » (Farrugia, 1993: 98-99) حسب تونيز، إذن، يستدعي الانتقال من الجماعة إلى المجتمع التخلي عن جميع الروابط الطبيعية والأصلية التي تربط بين البشر.

       سنكون، حسبه، بصدد تفسخ الأخلاق داخل المجتمع بالمعنى الصّريح للكلمة : « تمثل كلا من المدينة الكبيرة والمجتمع عامة الرّشوة وموت الشعب ». كان على تفكيره أن يُفضي إلى تحليل تاريخي شامل لتطوّر المجتمع المُعاصر، غير أنّه لم يُخلف وراءه غير مقاطع: روح الحقبة المُعاصرة - Geist des Neuzeit (1935م)، تقدُّم ونمو اجتماعي (1926م). ضمن هذا المنظور، قسّم تونيز الإرادة إلى نوعيّن هما: الارادة العضوية -Organique  (Wesenwille) والارادة المفكّرة réfléchie (Kürwille).

       رأى تونيز في القرن التاسع عشر الميلادي المرحلة الأخيرة لتطوّر بطيء في دوافع البشر ليكونوا أو يبقوا مع بعضهم بعضا، مُنْشِئين لتجمعات. هذا التطوّر هو الانتقال من جماعات بالأساس، مبنية على إرادة غريزية، عضوية لتكون معاً إلى جماعات بالأحرى مجتمعية، بمعنى مرتكزة على إرادة أكثر تفكيرية، مرتبطة مع استمرار المصالح الشخصية. باسترجاع عبارات الكاتب، العشيرة تجعل « البشر متحدون بالرغم من كلّ ما يمكن أن يفرقهم » بينما المجتمع « يُفرقهم بالرّغم من كلّ ما يمكن أن يجمعهم » بالنسبة لـ تونيز التقدّم والنمو في العمل (عبر توزيع الرأسمالية والدولة الأمة) يُنذر بزوال العشيرة، بوصفها شكلاّ ساميا للرابط الاجتماعي بتضامنه.

    حيث تتكئ الروابط على علاقات كثيفة مُرتكزة على الجوار والثقة المُتبادلة. عكس المجتمع الذي توصف الروابط فيه بالمُصطنعة بحكم أنها تستجيب لاتباع المصالح الصِّرفة وإذا ليست بالضرورة دائمة لخلوها من المعنى الرمزي على حدّ تعبير فيبر (1921م). كشف تونيز عن تشائم نظير : البُعد المادي للرابط (قصديّته) طغى على بُعده الرمزي (قيّمه)، تكون حينئذ المجتمعات الحديثة  « في خيبة أمل ». لا تجد هذه الخيبة مصدرها في مجيء العقلانية في مجملها، ولكن في مجيء عقلانية لها مقصد، بمعنى أدويّ واقتصادي. يُصبح الرابط بالأساس اقتصاديا، يميل ليكون أقل اشتمالا وإذاً ليزول بسبب انحراف أدواتي يستحيل معه بروز أيّ قيّم مُشتركة وكونية. 

       ب/ طبيعة وأشكال الرابط الاجتماعي في فكر اميل دورخيم - Durkheim Emile :

       اميل دورخيم (1858م- 1917م) يهودي فرنسي يعتبره فريق من الفرنسيين مؤسس علم الاجتماع من منطلق تعريفه لنفسه على أنّه عالم اجتماع، وزعمه السبق في تطوير هذا التخصص الجديد. اهتمت أبحاثه أساسا بالبنيات التي تُمكِّن الأفراد من التكامل وتضمن لهم التماسك الاجتماعي. يرى الباحثون الفرنسيون أنّ ايميل دوخيم هو أول من تناول في أعماله فكرة الرابط الاجتماعي دون الاحالة الصريحة على هذا المُصطلح. والحال، فإنّ مفهوم التضامن الاجتماعيّ الذي جاء به دورخيم (1863) يدل بوضوح على الرابط الذي يربط الفرد بمجتمعه. بهذا المعنى، يُؤدي التضامن دور الرابط الاجتماعي كواحد من  «العناصر التي تجمع الأفراد في ما بينهم » وحتى يفهم كيفية اشتغال الرابط الاجتماعي استعمل دورخيم مفهوم التضامن، الذي هو في الواقع شكل رابط اجتماعي.

       قام بتحليل التطوّر التاريخي لأشكال التضامن المختلفة، ليفضي إلى نموذجيّن مُختلفيّن من المجتمع يقومان على ما سماه « المجتمع الآلي » و« المجتمع العضوي ». ضمن هذا الأفق، يبتعد دورخيم شيئا ما عن المنظور «التونيزي» الذي يرى، أنّ العلاقات الاجتماعية في المجتمع التعاقدي ما هي سوى نتاج عقلانية محسوبة ومُدبرة وربحية. ويؤشر عند تناوله للوعي الجماعي الضروري لحياة المجتمع، على أهمية وجود روابط غير مُفكّرة، أي "تلقائية". كذلك، « يرتكز الاندماج المعياري للمجتمع ويمتد ضمن وبالاندماج الشكلي، أو بتناوب، دون أن يدعي كلا منهما مقدرته على الاتيان بإجابة راضية. » 

       من الواضح، بالنسبة لـ دورخيم، أنّ التماسك الاجتماعي لا يمكن بلوغه بأفراد منعزلين فيما بينهم ولكن باندماج الأفراد بالمجتمع. حسبه، يُشكل المجتمع واقعا مستقلا عن الأفراد المُكوّنين له. « (...) المجتمع، بهيئاته، قيمه هو الأول بالنسبة للأفراد المُكوّنين له والذين لا يصبحون أعضاءً إلا بعد أن تُرسخ فيهم قيمه »، تدلل هذه العبارة على أهمية الألفة الاجتماعية عند هذا العالم. يتمفصل التصور المفاهمي الدورخيمي إذن حول ثلاثة مفاهيم : الفرد، المجتمع والضمير « تعبر هذه الأخيرة عن الرابطة بين الفرد والمجتمع أو تعبر بالأحرى عن الرابط الاجتماعي الذي يجمع الفرد والمجتمع ضمن مستوى تعمل فيه الممارسات الأخلاقية على ترجمة الوحدة بين-ذاتية للجماعة، الهوية الجماعية. والحال، فإنّ وحدة الجماعة الاجتماعية بعنوان الانتماء للمجتمع، تشتغل بالخضوع للضمير الجمعي، المُنجز عقلانيا، حيث يعيشون هذه الطاعة بوصفها انخراط منير. »

    1) تطوّر أشكال التضامن من خلال آلية تقسيم العمل:

       عرف المجتمع الأوربي، مع تطوّر الرأسمالية في القرن التاسع عشر للميلاد، تحوّلات اجتماعية هامة: تهيئة عمرانيّة، تطوّر الصناعة، نزوح ريفي، تصاعد الفردانية، الخ. وشيئا فشيئا أدت علاقات جديدة اجتماعية اقتصادية وسياسية إلى قلب النظام الاجتماعي التقليدي:

         - أدى ضعف الوازع الديني في التمثلات الاجتماعية إلى تراجع سلطة الأديان التي كانت إلى غاية بداية القرن العشرين للميلاد في صميم تنظيم الحياة بالمجتمع؛ - نقص تأثير سلطة العائلة على توجهات أفرادها وسلوكياتهم؛ - تراجع سلطة المؤسسات التقليدية على أفراد المجتمع؛

         - نظام تربوي جديد يَعِد بالنجاح الفردي ويغرس فضائل النظام الجمهوري.

        في نهاية القرن 19م، كان اميل دورخيم، أب علم الاجتماع الفرنسي، شاهدا على جميع هذه التغيّرات حيث تساءل عن كيف سيكون التماسك الاجتماعي مُمكنا في مجتمع لم يعد فيه الرابط الاجتماعي (سمّاه التضامن) على سجيّته لقد أضحى في خطر جراء تنامي الفردانية : « كلما أصبحنا أكثر استقلالية، كلما انحصرت تبعية الفرد أكثر للمجتمع؟ كيف نستطيع في الآن أن نكون أكثر فردانية وأكثر تضامنا ؟ » 

         انطلق دورخيم في دراسته بتحليل سياق الثورات الديموقراطية والصناعية التي قامت في منتصف ونهاية القرن التاسع عشر للميلاد. والتي أدت إلى قلب نماذج الانتاج من وجهة نظر اقتصادية. لقد أدى التطوّر السريع للتصنيع إلى انتاج المنتجات بكميات كبيرة في ظرف وجيز. وأدى تفسخ مراحل الانتاج ذات المهام المُتخصصة إلى توظيف عمال أقل تأهيل ضمن سلسلة العمل. أحدث تخصص المهام الانتاجية إلى ترابط بين كلّ عامل : حيث يحتاج بعضهم بعضا لضمان الأجر. يُسمى هذا التنظيم تقسيم العمل. لكن بالنسبة لـ دورخيم، هل تتعدى الروابط التي يفرضها تقسيم العمل القطاع الصناعي ؟ لقد شرح أنّ ما يجري داخل القطاع الاقتصادي يؤثر في الواقع في جملة الحياة الاجتماعية. والحال فإنّ ظاهرة التخصص في العمل قد انتقلت إلى الوظائف السياسية، الادارية والقضائية. وأُطلق على هذه الظاهرة مصطلح تقسيم العمل.

       تخصص المهام ضمن مجتمع، بين الأفراد، حرف ومهن أو جماعات اجتماعية مختلفة. بهذه الأبعاد الاجتماعية والمؤسساتية، حوّل تقسيم العمل البشر مُترابطين مهنيّا واقتصاديّا. شرح دورخيم كيف أنّ تقسيم العمل يُنتج نظاما بأكمله من الحقوق والواجبات التي تربط البشر ببعضهم بعضا بطريقة مستدامة وتُنشأ إذاً التضامن الاجتماعي. يندرج هذا التقسيم إجمالا ضمن سياق خاص تُبرزه الخطاطة أدناه.

        اعتمد دورخيم في شرح العبور من نموذج إلى آخر على كشف دور التقدم التقني وتحرر الأفراد. أول الشروحات التي وضعها هي زيادة الساكنة، التي تسببت في الحاجة إلى التخصُّص : فكلما تزايد تجمع الأشخاص، يكون تقاسم المهام والانتقال إلى التكامل أكثر ملائمة عوض التمسك بنموذج حيث يشغل كلّ واحد وضعية مُماثلة. بما أنّ تقسيم العمل يؤدي إلى التضامن، فهو يُسلط الضوء على نموذجيّن: الخاص بالمجتمعات التقليدية، يرتكز على تضامن آلي، وخاص بالمجتمعات الحديثة، يرتكز على تضامن عضوي.

       وُجد نموذج التضامن الآلي على مدار تاريخ البشرية، إنه يعني المجتمعات المُسماة بـ التقليدية، بمعنى المجتمعات ما قبل صناعية والمجتمعات البدائية. يتشابه الأفراد ضمن مخططات تنظيم الحياة الاجتماعية، لديهم نفس أساليب العيش والتفكير، الحكم، فهُم متبادلون. الملاحظ على هذه المجتمعات أنها أقل تمايزا بما أنّ الجميع لديهم أدوار مُتشابهة. تجعل هذه التجاورية الأفراد يشعرون بالتضامن والاتحاد. أهمية الجماعة تتجاوز أهمية كلّ واحد، فإذاً الوعيّ الجماعي قويّ جدّا ومُهيّمن على الوعيّ الفردي. لا توجد استقلالية، على الأفراد الخضوع لحركية الجماعة، وإن هم خرجوا عن هذا سيتعرضون للعقاب.

     

     الجدول 1  يُلخِّص منظورات دورخيم

    التصوّر المفاهيمي لـ دورخيم

    التضامن الآلي

    التضامن العضوي

    نوع المجتمع

    تقليدي

    حديث

    مواصفات الأفراد

    مُتشابهة

    مُتمايزة

    الوعي الجماعي

    قوي

    ضعيف

    الفردانية

    ضعيفة

    قوية

    تنظيم العمل

    عمل استقلالي

    تقسيم العمل

    أصل التماسك الاجتماعي

    المجتمع

    تقسيم العمل الاجتماعي

    نوع القانون

    قمعي

    تعويضي

     

     ص ص: 36-53 بتصرف من كتاب: علي نابتي، سوسيولوجيا الربط الاجتماعي مقاربات ونماذج  

     

  • الرابط الاجتماعي في فكر رواد النظرية الاجتماعية (فيبر؛ زيمل؛ كولي)

    أولا/ فكرة الرابط الاجتماعي في اسهامات ماكس فيبر -  Max Weber (1864م – 1920م):
    يبتعد فيبر بطريقة مهمة عن المنظور الشمولي الذي طوّره تونيز وَ دورخيم والقائل بأنّ المجتمع يُمثل حقيقة أولى، تسبق الأفراد وتحتويهم. بالنسبة لـ فيبر فإنّ الفرد هو الذي يُشكّل عنصر القاعدة ويفك شفرة المجتمع. ضمن هذا المنظور، « فإنّ المجتمع يتجسد ويحي بالمعنى الذي يعطيه الفرد لأفعاله ». إذن، هو السبب الذي دفع بـ فيبر إلى الاهتمام بالأفراد، وبالمعنى الذي يعطونه لأفعالهم، وهو الأمر الذي قاده إلى تطوير أطروحته التوافقية التي استهدف بها أساسا رصد وفهم الدّلالات والمبررات التي بوسع الفرد أن يضمنها أفعاله. في السّياق، أولى فيبر عناية خاصة للتفاعلات الاجتماعية والآليات التي تُمكن الأفراد من التواصل في ما بينهم.لدى فيبر، فإنّ النشاط الاجتماعي الموجود في أساس الرابط الاجتماعي بالقدر الذي يجعل « التفاعل الاجتماعي يقود من جهة إلى المشاركة ضمن نسق اجتماعي له مؤسساته، قواعده، عاداته وقوانينه؛ من الجهة الأخرى، يعطي الانسان دلالة لما يقوم به، بمعنى أنّه يضع مقصدا يُمكنه من توجيه فعله ». ضمن هذا المنظور، يُميّز فيبر بين أربعة نماذج مثالية للممارسات الاجتماعية:
     الممارسة الاجتماعية التقليدية، التي تستمد دلالتها من العادة؛ -
     الممارسة الاجتماعية العاطفية التي ترتكز على المشاعر العاطفية؛ -
     الممارسة العقلانية ذات قيم؛ -
    4) الممارسة العقلانية ذات مقصد (عقلانية أداتية). بهذه الطريقة يُشرك كلّ شكل من النشاط في الآن ذاته بُعديّن مختلفيّن وإن كانا مرتبطيّن : بُعد يمكن تصنيفه بالمؤسساتي، يفرض على الأفراد إطارا لممارساتهم يتعلق بالقواعد الواجب اتباعها، وبالسلوكات الواجب تبنيها؛ بُعد أكثر ذاتية يحيل على ما يمنحه الأفراد من دلالة مختلفة لأفعالهم استنادا للنشاط الاجتماعي. فالشخص الذي يلتزم بممارسة اجتماعية عاطفية عليه الخضوع لقوانين خاصة حيث، مثلا، تحتل المعاملة بالمثل مكانة هامة، وتُترجم الوضعية وفق « مقاييس » محدّدة للتبادل العاطفي.
       ويختلف الأمر تماما في حال الفرد الذي ينخرط ضمن ممارسة عقلانية ذات مقصد مثل التبادل التجاري حيث لا تخضع قواعد الاشتغال إلى المعاملة بالمثل، لكن للفعالية والحساب الذهني، وهذا ما يؤثر بشكل بالغ على الدلالة التي تُمنح لسلوك الشخص المُتفاعل معها. « سمحت هذه النماذج المثالية الأربعة للأنشطة لـ فيبر بتمييز نموذجيّن مثاليين للعلاقات الاجتماعية تحيل على تمييز تونيز بين عشيرة ومجتمع : الطابع الجمعي الذي يجمع النموذجين الأوليّن للممارسات والجمعية التي تجمع الأخيريّن. » 
       الطابع الجمعي- la communalisation هو علاقة تضغط على الشعور الذاتي للأفراد المشاركين في تبادل الانتماء لنفس الجماعة : العائلة، العلاقة العاطفية أو الأمة التي تُشكّل أمثلة الطابع الجمعي. أمّا الجمعية فهي علاقة اجتماعية مؤسسة على التوافق وتنسيق المصالح المدفوعة عقلانيا نحو قيمة – مثل النِحل/الطوائف أو بعض الجمعيات غير الربحية - أو بالمحصلة - نستطيع الاشارة إلى المؤسسات الخاصة

    هذا الاهتمام الذي أولاه فيبر لأشكال الممارسة الاجتماعية أفضى به إلى تمييز ثلاثة نماذج مثالية للهيمنة الشرعية: الهيمنة التقليدية التي تحيل على الممارسة التقليدية؛ الهيمنة القانونية - العقلانية - التي تتضمن في الآن ذاته الممارسات العقلانية ذات قيمة وذات مقصد. وبالتالي، يمكن أن نجد العديد من أشكال أو نماذج مثالية للرابط الاجتماعي بنفس الصفة التي يوجد بها العديد من أشكال الهيمنة. لكن بالنسبة لـ فيبر، يكمن المشكل الرئيس في أنّ العقلانية ذات مقصد (عقلانية أداتية للاقتصاد) قد حلت محل الأشكال الأخرى للعقلانية، خاصة العقلانية ذات قيمة. وبالتالي ستعرض التماسك الاجتماعي للخطر. تسمح لنا بعض هذه العناصر بوضع مساهمة تونيز وَ دورخيم في الأفق.

     ومع ذلك، تجدر الاشارة إلى أنّ مسألة الرابط الاجتماعي لا تحتل مكانة راجحة في مُؤلف فيبر مقارنة بالشّيخين تونيز وَ دورخيم. تكمن النقطة التي وجب التنبيه إليها في رفض فيبر اعتبار المجتمع بوصفه حقيقة أولى تستمد كينونتها من عوامل وجودية. يسمح رفض هذا الجوهر الطبيعي للرابط الاجتماعي والمجتمع بالنظر إلى كليهما بوصفه أسساً اجتماعية ووضع فعل الانسان في صميم التفكير واجراء الفهم. وبهذا يُلقي فيبر الضوء على الفرد بوصفه حالاّ لشفرة الحقيقة الاجتماعية وباب ولوج رئيس لفهم الظواهر الاجتماعية. لقد ألح، مثل دورخيم، على البُعد المزدوج للظواهر الاجتماعية، لكن بطريقة مختلفة في الأساس. لئن ألح دورخيم على التمييز بين بُعد موضوعي (مادي/مورفولوجي) وبُعد ذاتي (معياري) للرابط الاجتماعي، فإنّ فيبر يُؤشر على أنّ الفرد مُلزم بالانخراط، غداة تفاعلاته، في هكذا اطار مؤسساتي ومعياري، مع أنّه في الوقت ذاته، يتمتع بسلطة تأويل تسمح له بمنح معنى لفعله.  يجعل هذا المنظور من الفرد فاعلا اجتماعيا قائما بذاته، يُطوّر دلالات رمزية، يُفسر الوضعيات التي يوجد فيها ويمتلك بعض القدرات التفكيرية. ولهذا الغرض، فإنّ الفاعل باستطاعته كذلك تنمية علاقات اجتماعية مختلفة أو بعبارات فيبر، ممارسات اجتماعية تقليدية، عاطفية، عقلانية ذات قيمة أو مقصد. أدخل فيبر عنصرا أساسا آخر يتجلى في التمييز الذي وَسمَه بين ثلاثة أشكال مختلفة من الهيمنة، إذن ثلاثة أشكال مُختلفة من الرابط الاجتماعي. بهذا يكون فيبر قد تجاوز ثنائية تونيز وَ دورخيم ونوّع طرائق التفاعلات المُدرجة في الحسبان عند تحليل الرابط الاجتماعي.

    ثانيا/ فكرة الرابط الاجتماعي في أعمال تشارلز هورتون كولي – Ch. Cooley (1864م- 1929م)   

     اعتبر كولي أنّ الفرد والمجتمع يُشكّلان وَحدة عضوية مُتكاملة، بحيث لا يكتشف الفرد ذاته إلاّ حينما تُصبح ذاتا اجتماعية بانتقالها من النزعة الفطرية الذاتية إلى نزعة اجتماعية آخرية، وعبر هذا التحوّل ينشأ  الرابط الاجتماعي بالانتقال من الشعور بـ الأنا إلى الشعور بـ نحن، فتتقمص ذات الفرد الذوات الاجتماعية للآخرين من خلال مشاركته الوجدانية معهم. وفي خضم هذا الانتقال رصد كولي نوعيّن من الجماعات، صنّفها إلى جماعات أولية وثانوية:

       أ/ الجماعة الأوّلية: وهي الجماعة الصغيرة التي يحتفظ فيها الأعضاء بعلاقة مواجهة - face to face relationship  بحيث يعيش الأفراد في وجود وتفكير بعضهم بعضا وتمارس الجماعة الأوّلية تأثيرا أساسيا حيّا - First hand في تكوين مثاليات الفرد، ومعايير سلوكه، وفكرته عن الخطأ و الصواب. كما تقوم بدور عريض وباق في تكوين الخطوط الرئيسية لشخصية الفرد.   ومن أكبر مظاهر الجماعة الأوّلية حقيقة كونها تزرع في الشخص ما يسمى الشعور بـ النحن - Feeling We فهذا الشعور بكل ما يمتاز به من قـوى انفعالية وجاذبة هو الذي يجعل الشخص "داخل الجماعة " ويفصله عن " الجماعات الخارجية". ويتصل بـ النحن عند كولي الشعور بالتبعية، الذي يعني أنّ الفرد يتقمص مصالحه وميوله - إلى حد ما - ذاته بالآخرين وبجماعته، وبدون الشعور بالتبعية لجماعة أو أخرى وإذا فقد الشعور بالتبعية فإنه يصبح مفكك الشخصية وغير مسؤول اجتماعيا 

     ب/ الجماعة الثانوية: وهي الجماعة التي تكون غير مباشرة في ممارسة التأثير على الأفراد، مثال ذلك: جمعية محلية، نادي رياضي، حزب سياسي، الاتحادات المهنية والنقابية، الطرق الدينية.. الخ، فالعضو لا يعرف إلا القليل من الأعضاء الآخرين، وهو يؤدي وظيفة في الجماعة الثانوية، كواحد فقط بين أعداد لا حصر لها تقريبا وهو شاعر بالآخرين و يستجيب لهم، خصوصا في أوقات مناسبة خاصة قد تمر بها الجماعة، والرأي العام هو إلى حد كبير تعبير الجماعات الثانوية، فبالقدر الذي به يستجيب الفرد للرأي العام أو يساعد في تشكيله أو تغييره يكون مؤديا وظيفته كعضو في جماعة ثانوية

     

  • الرابط الاجتماعي في فكر رواد النظرية الاجتماعية (فيبر؛ زيمل؛ كولي) تابع


       ثالثا/ فكرة الرابط الاجتماعي في أعمال جورج زيمل -   G. Simmel (1858م- 1918م):
        يُثير زيمل في نص قصير موسوم بـ « استطرادات حول الغريب »، علاقة التجاذب بين غريب وجماعة علاقة تنشأ في الآن ذاته من الجوار الجسدي والبُعد الذهني. ما دام الأمر متعلقا بالغريب لارتباطه بجماعة محدّدة مجاليّا، إلاّ أنّه غير منتمي إليها حقيقيا، من منطلق عدم توفره على مجموع العناصر « الموروثة » الخاصة بالجماعة المعنية، وهذا نظرا لولوجه المُتأخر فيها. عندئذ، تصبح العلاقة المعقودة بين الجماعة والغريب مصبوغة في الآن بالبُعد والتجاور. « يدل البُعد داخل العلاقة على أنّ القريب بعيد، لكن عامل الغيرية يدل على أنّ البعيد قريب ». بصيغة أخرى البُعد يُؤشر على الفرق الموجود بين أعضاء الجماعة والغريب، في حين أن المجاورة هي تظاهر الملامح المُشتركة التي يمكن أن تجعل الغريب يحظى، بطريقة ما، بالقبول في الجماعة
       وما دام يُنظر للغريب بوصفه غيريّة فهذا يجعل منه كائنا يمكن فهمه، بالقدر الذي يتقاسم به مع الجماعة عددا معينا من المواصفات، يصبح باستطاعته أن يطوّر بها وصلا.
       ومتى رفضت الجماعة الاعتراف بهذه الملامح المشتركة، تكون بالتالي لا صلة بين الطرفيّن ويجد الغريب نفسه خارج الجماعة. « ما دام يُعامل الغريب من وجهة نظر اختلافاته، سيبقى خارج الجماعة. (...) لكن، ما إن يُدرك من منطلق مشابهاته أو محاكاته، يُعامل باعتباره واحدا من الجماعة؛ التي تصبح مُرغمة على تعديل تمثلاتها الجماعية ». في حال العكس، سيتبوأ الغريب مكانة « امتياز » بالقدر الذي يُمكنه من عرض نظرة موضوعية عن الوضعيات التي يُجابهها.
       الغريب، وِفق جورج زيمل، هو الذي لم يستدمج مجموع معايير وقيم الجماعة التي ينخرط فيها، يكن أكثر حرية في طريقته في فهم الأحداث، لأنه لم يتأثر بالأحكام المُسبقة الحاصلة داخل الجماعة ويصبح قادرا على تشغيل مخططات تحليل أكثر عمومية. ضمن هذا الأفق، بالنسبة للغريب يُشكّل حضوره ضمن الجماعة رهانا خاصا بمقدار الصّلة الهامة لتماسكه الداخلي بالعلاقات التي سينسجها مع هذا العنصر الجديد الذي يُمارس ضغطا على التمثلات الجماعية من خارج الجماعة، وكذلك من داخلها.
    تبقى عملية اندماج الغريب دوما محفوفة بالمخاطر قابلة لمُساءلة وجود الجماعة نفسها إن كانت غير متأكدة من حقيقتها، أو من هويتها، إن كانت غير مُتأكدة من قدرتها على قبول النظرة الموضوعية والنقدية للغريب. العلاقة البشرية هي دائما علاقة بالآخر بوصفه يُمثل الغيريّة، وما العلاقة بالغريب إلاّ واحدة من الأشكال التي يمكن أن تأخذها العلاقات الانسانية. لكن على كلّ حال، توسم العلاقة بالآخر بالصلة بين البُعد والمجاورة.
    في الحالة الخاصة بالغريب، تُحيلنا المجاورة على المشابهات العامة التي يمكن أن توجد بين الغريب والجماعة؛ في حين يعكس البُعد الفكرة التي بموجبها أنّ هذه المشابهة أو التماثل، هي تحديدا، عامة وتُبقي الغريب يتصرف عن بُعد.
    بإدراجه للزوج الاشكالي مجاورة/بُعد، خطى سيمل خطوة أولى باتجاه أخذ الفضاء في الحسبان بوصفه عنصرا مركزيا للعلاقات الاجتماعية. صحيح أنّه لم يفصح عن عبارات الاقليم والعلاقة الفضائية، غير أنّه أورد مفاتيح قراءة ملائمة في هذا الميدان تمكننا من تناول الرابط الاجتماعي من زاوية جديدة والتساؤل عن العلاقة القائمة بين المجاورة الفضائية والمجاورة الاجتماعية، موضوع يُثار غالبا غداة النقاشات حول ملائمة السُّلم المحلي أو الجزئي المحلي (الحيّ) في تحليل العلاقات الاجتماعية، ودراسة الروابط الموجودة بين الأفراد ضمن بنية المجتمع، وفهم معنى تلك التفاعلات وتأويلها.
     وفي هذا، يقول زيمل: « يتبادل الأفراد النظرات، يغارون من بعضهم، يأكلون سوية ويتبادلون الرسائل، يشعرون تجاه بعضهم بالكراهية أو المحبة، يعترفون بالجميل.. إلخ، آلاف الأفعال المؤقتة أو الدائمة، الواعية أو اللاواعية، السطحية السريعة أو الغنية بنتائجها.. إلخ، تربطنا الواحد بالآخر، وهي التي ترعى صلابة الحياة المجتمعية ومرونتها وتنوعها ووحدتها وتماسكها. إن التنظيمات المجتمعية الكبرى والأنساق المجتمعية الكبرى التي تتضمنها فكرة المجتمع ليست أكثر من أساليب وطرائق ووسائل للحفاظ، في أطر مجتمعية باقية ومستقلة، على الأفعال المباشرة التي تربط الأفراد بعضهم ببعض. »
     يتبنى زيمل المقاربة التفاعلية في دراسة الظواهر المجتمعية بمعنى أنه يستعمل المنهجية الكيفية. في حين يستعمل ماكس فيبر المنهج التفهمي، بينما يستخدم دورخيم المنهج التفسيري الوضعي والكمي. ويعني هذا كلّه أن زيمل قد ركز على الفرد في علاقته التفاعلية مع الأفراد الآخرين، ضمن سياق تفاعلي مجتمعي قائم على الفعل ورد الفعل. أي: دراسة العلاقة التفاعلية القائمة بين الفرد والمجتمع، أو دراسة مختلف التفاعلات المتبادلة بين الأفراد، مثل: الصراع، والتنافس، والتعاون، والتضامن، والغيرة، والأهواء والعواطف، والجمعيات، وتبادل الرسائل وغيرها. وهذا يعني الاشتغال على التفاعلات التي تفرزها الحياة اليومية العادية بأشكالها الاجتماعية. كما أن هذه المقاربة التفاعلية ذات طبيعة سياقية مرتبطة بالفعل المتبادل في نطاقه الزماني والمكاني.
    لا يقتصر تحليل زيمل على الفرد، ولا على المجتمع بما هما عليه، بل  يولي اهتماما بالغا بالتفاعل بين هذين القطبين، المُنتجيّن للرابط الاجتماعي. وعلى العكس من دورخيم ينحاز زيمل إلى صيرورة المجتمع، وليس إلى الضغط الذي يمارسه هذا المجتمع. ولهذا السبب سيتكلم بأريحية عن التنشئة الاجتماعية أكثر من حديثه عن المجتمع 
    وعليه، فعلم الاجتماع عند جورج زيمل هو الذي يدرس التفاعل الاجتماعي المتبادل بين الأفراد، داخل سياق مجتمعي معين. ويعني هذا أن زيمل يوفق بين تيارين : تيار فيبر الذي يعنى بالفرد، وتيار دورخيم الذي يهتم بالمجتمع. ومن ثم، فقد ركز زيمل على العلاقة التفاعلية الموجودة بين الفرد والمجتمع، تلك العلاقة التي تتخذ مضمونا وشكلا، وتنتج عنها تأثيرات متبادلة بين الأفراد، سواء أكانت إيجابية أم سلبية.

     

     

     

     

     

      

  • الأبعاد النفسية الاجتماعية والثقافية للرابط الاجتماعي


    أولا/ التفاعل "وقود" الرابط الاجتماعي:

       من منطلق أن الإنسان كائن اجتماعي وكل سلوك هو اتصال، فكل تفاعل مهما كان يفترض تحديد نموذج اتصـال، بمعنى مجموعة من التركيبات اللفظية وغير اللفظية، مكلفة بالتعبير، بالترجمة بالتدليل، في كلمة تقول: « ماذا يريد هؤلاء إيصاله للآخرين في مضمار علاقة ». فكل شخص يعبر في إطار التفاعل: من يكون؟، ماذا يفعل ؟، في ما يفكر ؟، ماذا يعرف ؟، ماذا يرغب ؟، ماذا يفضل ؟ يُعبّر بينفينيست - Benveniste (1966) عن هذا بقوله :« في العالم يتكلم الإنسان مع إنسان آخر واللغة تشرح نفس تعريف الإنسان. » من جهتهم، أجمع كلاّ من ميـلر- Muller و لوكس – Lucas  (1975)  بودونيير - Baudonnière (1988) على أنّ التفاعل الاجتماعي : « هو ما يترتب بعديا عن سلوكين موجهين يكتسيان صبغة اجتماعية. » أمّا ميد G. H. Mead – (1934) فيرى أنّ التفاعل الاجتماعي هو ما يفضي إلى بناء هوية الشخص، من خلال مشاركته الآخرين في الفعل الذي يسمح له بإجراء جيد للأدوار على صعيد آخر أعطى قوفمان - Goffman (1973) تعريفا يعتبر أن : « كل تفاعل اجتماعي هو بمثابة الحيز الذي يبحث فيه الفرد بسلوكه على مراقبة التمثلات التي يُشكلها الآخر عنه. » ثم سرعان ما جاء (1974) بتصور استمده من العلوم الفيزيائية، اعتبر فيه :« ... التفاعلات ذرات - atomes المجتمع، فهي خاضعة لنظام سابق في الوجود للقائمين بالاتصال، إنهم يكتفون بمجرد التموقع. فالمبادلات لا تتشابك بفضل هذا النظام المتفوق عليهم، وحتى التيارات العدائية لا تتصادم. تتعلق هذه المسألة بمرجعية مزودة بسيناريوهات ومساعدات إدراكية معرفية يتشرب منها الفرد، لفهم العالم حتى يتصرف بفاعلية. »

       أمّا شيرر - Scherrer (1977) فقد جاء بمفهوم " الاتصال التفاعلي " حيث عرّفه بأنّه : « نسق يقوم فيه شخصان أو أكثر بتبادل الإعلام بطريقة تعاضديه، يأخذ فيه الاتصال أشكالا متعددة القنوات"  

    ومن جهته، رفض بيير بورديو- P. Bourdieu (1980) اختزال أفعال الأفراد سواء تلك العقلانية أو الميكانيكية، فهو يقبل بفكرة الأفعال الإرادية للأفراد والمتعلقة بالإجباريات الموضوعية التي تحد أفعالهم.

       حاول الجمع بين الذاتية والموضوعية، مستعملا مفتاحا مفاهيميا سمّاه " الهابتوس- Habitus " ترجمه الأستاذ عبد الجليل الكوى بـ: " السمت " وهو نظام من الاستعدادات والتصورات التي يصدر الفعل وفقه وبالتناغم معه  »  حسب فهمنا، فأنساق الاستعدادات هي بصورة ما الحقائق الموضوعية المدمجة في الحياة اليومية وهو ما سماه بورديو « المعنى التطبيقي »، ويعني بها التجارب الماضية المحشوة في المنطق التطبيقي. جملة مفاهيم، وأنساق الاستعدادات والتصورات التي يصدر الفعل وفقها وبالتناغم معها هي : «Les habitus وَ المعنى التطبيقي » كل ما يمنح معنا لأفعال الأفراد، ليس من حيث التحديد الميكانيكي لها ولا من حيث تصويبها الواعي لغاياتهم ولكن لأنها تُفسر أفعالهم بما يتماشى مع وظيفة الاستعدادات المكتسبة، والقابلة لاستعمال فعل في هكذا حقل. يشرح بورديو الواقعة بقوله : « يتوافق الفاعلون بشكل ما مع التطبيق، الذي ليس سوى ملكهم لم يختاروه ضمن مشروع حر، كما لم يُدفعوا إليه بإكراه ميكانيكي. فهو كما يبدو نسقا (أنساقا) للاستعدادات المكتسبة في العلاقة مع ميدان معين. يصبح ذلك التطبيق ماهرا ومؤثرا في حالة تزامنه مع شروط فعاليته، تلك المطابقة أو المماثلة مع شروط المنتج. » 

    ثانيا/ التفاعل والأنساق النفسية:

       كل تفاعل يؤدي إلى تحريك الأنساق النفسانية، المستمدة من قاعدة النمو الإدراكي المعرفي والعاطفي للكائن البشري، فهي التي تمثل الجزء المغمور من التفاعل. لقد أظهرت الدراسات في علم النفس وعلم النفس التحليلي بأنّ الأنساق النفسانية تُصاحب كلّ كلمة وكلّ خطاب وكلّ فعل. يرى أونريكاز – Enriquez (1983) بأنّ : « كل اتصال هو دائما جزئيا، بالنظر إلى وجود جزء كذوب ، بسبب الميكانيزمات النفسية للكبت والتفسخ، والحاجة إلى الحماية، تحويلات سلبية يمكن أن تحدث اتجاه بعض المواضيع. (...) وما يبقى ممكنا، هو ما ينتج عن إلزامية العيش والعمل مع الآخرين، هي إذن المحاولة المُعرضة دائما للخطأ والتي تُعاد ضمن اتصال لا يُؤدَى بعنف صارخ، هو قريب جدا من آليات إعادة الثقة النرجسية وحاجات هوية الأفراد، الذين يعرفون القسمة بين اعتراف الرغبة ورغبة الاعتراف فيما بينهم. » 

       إذن ليس بمقدور كل اتصال، حتى من منطلق شموليته الإحاطة التامة بمعرفة وتفهم شخصية الآخرين. فالدلالة التي نعطيها لبعض الحركات، ولبعض الألفاظ علينا إرجاعها دوما إلى الأطر النفسية التي أثارتها. علينا التصرف بالطريقة التي تمكننا من التعرف أحسن على بعض السلوكيات التي تبدو لأول وهلة غامضة، متناقضة أو غير عقلانية بالمرة. فالانفعالات والمشاعر العاطفية لا يمكن الاستغناء أو غمد أبعادها في العلاقات الإنسانية سواء في الاتصال وجها لوجه أو في جماعة 

    ثالثا/ الاتصال عصب الرابط الاجتماعي:

       نجد في تراث علماء الاجتماع الأوائل الأفكار التي تناولت موضوع الاتصال من زاوية سوسيولوجية، أعطى فيها أصحابها أهمية للاتصال في ضوء مفاهيم: الرابط الاجتماعي والجماعات الاجتماعية. عارض جورج زيمل أفكار السوسيولوجيا التنظيمية التي ترى في السلوكيات الفردية انعكاسا لمعطى معين أو " أحداث اجتماعية " خارجية، وطرح بدلا منها فكرة الواقع الاجتماعي الذي تسبقه وتشكله التبادلات والعلاقات التفاعلية بين الأفراد، أي حركة تفاعلات بين ذوات لها خصوصيتها، وهو ما أطلق عليه زيمل  "شبكة الانتماءات".    لقد اهتم بالأفراد في علاقتهم الجماعية التفاعلية اليومية، مقابل نظرة سوسيولوجية تعتمد على ما هو "مؤسس" مثل الدولة، والعائلة، والطبقات، والكنائس، والتجمعات وجماعات المصالح المشتركة. في السياق رأى زيمل أن هذه التفاعلات اليومية هي التي تكشف لنا طبيعة السيرورة الثنائية المتناقضة للظاهرة الاجتماعية التي تنشأ عن المكملات والتعارضات المتلازمة " التآلف والتنافر"؛ فالفكرة الأولى عبر عنها، مجازيا، بالجسر وهي تحيل على قدرة الفرد على الجمع بين المتناقض والمتنافر. أما الفكرة الثانية، فقد أوردها، مجازيا بكلمة الباب، وهي تمثل قدرة الفرد على الربط، بحيث تتيح له الوصول إلى نظام آخر من الدلالات  من جهته، اهتم تشارلز كولي في موضوع اثنوغرافيا التفاعلات الرمزية للفاعلين الاجتماعيين بالجماعة البدائية النووية التي : « تتميز بالتلاحم والتعاون الحميمي بين أعضائها، فهي بدائية أكثر من معنى، كونها تمثل الأساس في تشكل الطبيعة الاجتماعية والتصورات الفردية. »  

    كما انتقد  بأعماله القراءات الأحادية لسيرورة التحضر التي أوهمت الكثيرين، باختفاء الجماعات النووية تحت طائلة تلك البيئة الغربية التي غدا يحكمها التوتر بين المجتمع والفرد. لقد أهمل أولئك في تحليلاتهم التفاعلات القائمة بين النزعات التوحدية للمدينة والواقع المعيش للسكان.  والواقع أن الخيار الاثنوغرافي نفسه يحكمه تصور معين لسيرورة الفردية وبناء الذات، فالفرد الذي يخضع لقوى المجانسة والتوحيد القيمي والسلوكي ( تلقينه وتمثله لمعايير وقيم الجماعة) يحوز تجربة خاصة متفردة تتجلى في تاريخ حياته. من جهتها، تطرقت مدرسة شيكاغو لهذه التصورات فيما يتعلق بالازدواجية في الشخصية الحضرية حيث  رأى روادها بأنه لا يمكن الحديث عن الاتصال من دون ربطه بالتعددية الفردية، فإذا كان الفرد خاضعا لقوى التوحيد، فإنه مع ذلك يملك القدرة على "التحايل" عليها وإبراز فرديته 

    غدى التكافل بين الثقافة والاتصال أشد وضوحا وجلاء من ذي قبل، خاصة إذا استخدمنا مصطلح الثقافة ليعني « مجموع إنجازات الإبداع الإنساني كل ما أضافه الإنسان إلى الطبيعة » وإذا اعتبرناها تجسيدا لكل ما يسمو بالحياة الإنسانية على المستوى الحيواني، لتضم كافة جوانب الحياة وكل طرائق التفاهم.

     رابعا/ الأبعاد الاجتماعية للرابط الاجتماعي:  

       نقصد بالأبعاد الاجتماعية للرابط الاجتماعي المعايير والعوامل التي تؤثر على العلاقات والروابط بين الأفراد في المجتمع. وتشمل هذه الأبعاد العديد من العوامل المختلفة نكتفي بذكر أبرزها :

    - العرق والانتماء القومي: يمكن أن يؤثر العرق والانتماء القومي على العلاقات الاجتماعية والرابط الاجتماعي، حيث يمكن أن تكون هناك تمييز وتفضيل لبعض الأعراق أو القوميات على حساب الأخرى.

    -  الجنس والجندر: يمكن أن يؤثر الجنس والجندر على الرابط الاجتماعي، حيث توجد توزيعات قوية للأدوار والمسؤوليات بين الجنسين في المجتمع، وقد يتم تمييز المرأة أو الرجل في بعض الأحيان.

    - الطبقة الاجتماعية: يمكن أن تؤثر الطبقة الاجتماعية على الرابط الاجتماعي، حيث توجد تفاوتات في الوضع الاجتماعي والاقتصادي بين الطبقات المختلفة، وقد يؤدي ذلك إلى انعدام المساواة والتمييز.

    - الدِّين والمعتقدات: يمكن أن يؤثر الدين والمعتقدات على الرابط الاجتماعي، حيث يمكن أن تكون هناك تفسيرات وقيم مختلفة تؤثر على العلاقات والروابط بين الأفراد.

    -  الثقافة والقيم: يمكن أن تؤثر الثقافة والقيم على الرابط الاجتماعي، حيث توجد اختلافات في الممارسات والمعتقدات بين ثقافات مختلفة، وقد يؤدي ذلك إلى توترات وتحديات في العلاقات الاجتماعية.

    - العلاقات الاقتصادية: يمكن أن تؤثر العلاقات الاقتصادية على الرابط الاجتماعي، حيث قد يكون هناك فقر أو ثروة غير متكافئة بين الأفراد، وقد يؤدي ذلك إلى توترات وتمييز.

     

  • الرابط الاجتماعي ومؤسسات التنشئة الاجتماعية

     

     الرابط الاجتماعي ومؤسسات التنشئة الاجتماعية : 

    التنشئة الإجتماعية هي وسيلة للاتصال بين الماضي والحاضر والإنتقال إلى المستقبل، فهي أيضا وسيلة للتغيير والتطبع الإجتماعي بما يمكن إدخاله من قيم ومعايير جديدة تتماشى والواقع المعاش والأهداف المستقبلية، وتشترك عدة مؤسسات رسمية وغير رسمية في عملية التنشئة الإجتماعية مثل الأسرة، المدرسة، جماعة الأقران  دور العبادة، وسائل الإعلام . 

    - الأسرة : تُعدّ الأسرة ذات أهمية كبيرة في تشكيل شخصية الأفراد ، فالأسرة هي النواة التي ينشأ فيها الفرد ، كما أنها الجماعة الأولى التي يتصل بها ، وللأسرة صور عديدة وكثيرة تصنف حسب عدد الأفراد ، ولكل أسرة طابعها المميز ، وصفاتها ، وتقاليدها ، وعاداتها ، وسلوكياتها ، التي تجعلها تحيط بالأفراد في الأسر الأخرى . (أبو جادو، 2007) وبالزواج والإنجاب تتحول الأسرة إلى أهم عوامل التنشئة الإجتماعية للطفل والأسرة ، وهي الممثلة الأولى للثقافة وأقوى الجماعات تأثيراً في سلوك الفرد ، وللأسرة وظيفة إجتماعية بالغة الأهمية ، فهي المدرسة الإجتماعية الأولى للطفل . ويؤثر سلوك الوالدين والراشدين المحيطين بالطفل على تشكل الخصائص الشخصية المرغوب فيها لدى الطفل ، ويأتي هذا التأثير من خلال الرعاية والإثارة اللغوية والمعرفية وضبط سلوك الطفل. (حمدي: 2009) فالأسرة هي المسؤولة عن التنشئة الإجتماعية والضبط الإجتماعي، وتقوم بدور أساسي في سلوك الأفراد بطريقة سوية، أو غير سوية، من خلال النماذج السلوكية التي تقدمها لصغارها، فأنماط السلوك والتفاعلات التي تدور داخل الأسرة، هي النماذج التي تؤثر سلباً أو إيجاباً في التربية المرجعية للناشئين. (أبو جادو، 2007) لذا فإنّ الأسرة كانت وما زالت أقوى مؤسسة إجتماعية تؤثر في مكتسبات الإنسان المادية والمعنوية، فهي المؤسسة الأولى في حياة الإنسان، وهي المؤسسة المستمرة معه إستمرار حياته طفلا فمراهقاً فشاباً فزوجاً.

       فإذا كانت الأسرة تعمل على الإستمرار المادي للمجتمع بإمداده بأعضاء جدد عن طريق التناسل، وبهذا تحفظ كيانه العضوي، فإنها تتولى أيضا الإستمرار المعنوي لهذا المجتمع وذلك بتأصيل قيمه ومعايير سلوكه وإتجاهاته وعوائده وطرائقه عند أطفال المجتمع ، وبهذا تحفظ كيانه .  (الرشدان، 2005)

    مما سبق يمكننا ان نستنتج انه رغم تعدد مؤسسات التنشئة الإجتماعية التي تعنى بتربية الطفل واعداده للحياة ، فإن الأسرة كانت وما زالت ولا تزال أهم وكالة إجتماعية أوكلت لها مهمة تربية النشيء وتنمية قواه المختلفة من خلال وظائفها المتعددة . 

       - المدرسة : هي المؤسسة الإجتماعية الرسمية التي تقوم بوظيفة التربية ، ونقل الثقافة المتطورة وتوفير الظروف المناسبة لنمو الطفل جسمياً وعقلياً وانفعالياً واجتماعياً ، وتعلم المزيد من المعايير الإجتماعية ، والأدوار الإجتماعية . وهي الوسط الثاني الذي يبدأ فيه الفرد بتوسيع دائرة علاقاته الإجتماعية ، حيث تتعدد صداقاته ومعارفه ، وهي تعد مؤسسة إجتماعية تشرف على عملية التنشئة الإجتماعية والتثقيف العلمي للأجيال . (ابن حسن، 2001)

    وتأتي المدرسة في المرتبة الثانية من حيث الأهمية في تنشئة الطفل ، خاصة بعد أن عمم التعليم وأصبح إجبارياً في سنواته الأولى في أغلب الدول ، وتحملت المدرسة تعليم الصغار بالتعاون مع الأسرة من أجل توسيع مدارك الطفل وجعله يحب المعرفة والتعليم ، مما أدى إلى بروز المدرسة كمؤسسة إجتماعية مهمة، لها أثرها الفعال في مختلف جوانب الطفل النفسية، الإجتماعية، والأخلاقية، والسلوكية، خاصة وأن الطفل في السنوات الأولى من عمره يكون مطبوعاً على التقليد والتطبع بالقيم التي تسود مجتمعه الذي يعيش فيه، فهو يتأثر في الغالب في الجو الإجتماعي الذي يعيشه في المدرسة. لذا فإن المدرسة تعد عاملا عظيم الأثر في تكوين شخصية الفرد التكويني العلمي والتربوي السليم . (رشيد ،2003 )

       مما سبق يمكننا ان نقول أن دور المدرسة مكمل لدور الأسرة حيث تعمل على الرعاية النفسية للطفل وذلك بإدماجه مع زملاءه من خلال مشاركته في أنشطة عديدة من قراءة ورياضة ... الخ .ومن الناحية الإجتماعية تعمل على تنمية الجانب الإجتماعي بنقل تقافة وقيم ومعايير المجتمع ، ومن الناحية الأخلاقية تعمل على تحسين سلوك الطفل وزرع فيه صفات الإحترام والصدق والتعاون مع الآخرين ... الخ .

    كما تعمل من الناحية العلمية والتربوية على تنمية قدراته الفكرية وإكسابه خبرات وتوسيع خياله من أجل الإبداع والابتكار ، ومن الناحية الإقتصادية توفر له تكوين مهنية بما يناسب مستواه الفكري وما يطلبه المجتمع من أيد عاملة ، ومن هنا تبرز أهمية المدرسة كمؤسسة إجتماعية أوكل إليها المجتمع مهمة تربية الطفل وتدريبه على أساليب السلوك التي يرتضيها المجتمع .   

    - جماعة الأقران : 

    تشكل جماعة الأقران النافذة الأولى التي يطل منها الطفل على الحياة الإجتماعية ، وذلك بما تحققه للطفل من علاقات إجتماعية قائمة ، على خلاف ما يجري في إطار الأسرة . (ابن حسن، 2001 ) وهم جماعة من الأفراد يلتقون في الميول والدوافع والطموحات والحاجات والإهتمامات الإجتماعية ويقومون بأدوار إجتماعية معينة سواء كانت هذه الأدوار آنية أو دائمة وكل ذلك بشكل متعارف عليه تلقائية في غالب الأحيان . (العناني، 2000) 

       إنّ دور جماعة الأقران مهم في عملية التنشئة الإجتماعية حيث يتمحور في تكوين معايير إجتماعية جديدة وتنمية إتجاهات نفسية جديدة للمساعدة في تحقيق الإستقلال، وإتاحة الفرصة للتجريب، وإشباع حاجات الفرد للمكانة والإنتماء ، علاوة على أن الأقران يؤثرون في بعضهم البعض بشكل كبير ، وذلك لما تتميز به جماعة الأقران عن الجماعات الأخرى من خصائص أساسية تزيد من تأثيرها وهي : 

      • التجانس العمري ( أعضاء هذه الجماعة من فئة عمرية واحدة.)

      • تشكل هذه الجماعة على أساس الجنس الواحد ( ذكور أو إناث.)

           • التفاعل بين الأعضاء بشكل مباشر ، وجها لوجه . 

           • تعد جماعات صغيرة ( يتميز عدد أفرادها بالمحدودية.) تتكون على نحو عضوي، بحكم عدة عوامل  على غرار الجوار ، السكن، الإنتماء المدرسي. (ابن حسن :2001 ) 

       - المسجد : لقد كان هدف الرسالات السماوية التي أنزلها الله عز وجل على رسله هداية بني البشر وإحداث تغيير على المستوى الفكري ، وبالتالي على المستوى السلوكي لإبعاد الفرد على مهاوي الرذيلة والإنحلال ، فالتغيير إذن هو أساس أي عمل جاد وخاصة العمل التربوي ، لأنه يوجه مسار الفرد بالتعليمات والأوامر الربانية الحقة ، ولعل أول مؤسسة عملت على صقل العقول وتهذيب النفوس وتغيير المجتمعات نجد المسجد وهو أول مؤسسة دينية تنشيئية بنيت بعد الهجرة ، ولعل وظيفة المسجد أكبر من أن تحدد في أي إطار كان فهي تساوي في حجمها ووظيفتها جميع المؤسسات التنشيئية الأساسية . (رحيمة، 2004)

       تقوم المساجد بدور فعال في تربية الطفل وتشكيل شخصيته وتنشئته الإجتماعية ، لما تتميز به من خصائص فريدة ، أهمها إحاطتها بهالة من التقديس ، وثبات وإيجابية المعايير السلوكية والتي تعلمها للأفراد ، والإجتماع على تدعيمها . (زهران، 2003) 

    وكذلك تقوم على  تعليم الفرد والجماعة التعاليم والمعايير الدينية التي تمد الفرد بإطار سلوكي معياري وتنمية الصغير وتوحيد السلوك الإجتماعي والتقريب بين الطبقات وترجمة التعاليم الدينية إلى سلوك عملي . وكثيرا ما تعدت المساجد حدود هذا الدور الروحي والديني ، فمزجت به تدريس المواد المختلفة، على نحو ما تفعل المدارس النظامية ، فاتخذت من نفسها أو لنفسها مدارس خاصة تزاول فيها هذه المهمة ويتولى رجال الدين التعليم فيها . ( مطاوع، 1981)

         ويتلخص دور المساجد في عملية التنشئة الإجتماعية للطفولة بتعليم الفرد والجماعة التعاليم الدينية السماوية التي تحكم السلوك بما يتضمن سعادة الفرد والمجتمع والدعوة إلى ترجمة التعاليم السماوية إلى سلوك عملي ، وكذلك إمداد الطفل بإطار سلوكي معياري راض عنه ويعمل في إطاره كما تكسب الطفل قيمة وإتجاهات ومعارف دينية وإجتماعية وخلقية وثقافية متنوعة وتنمي الضمير لدى الطفل " الفرد والجماعة وأيضا توحد السلوك الإجتماعي والتقريب بينه وبين مختلف الطبقات الإجتماعية . (زهران، 2003) 

       - وسائل الإعلام :تؤثر وسائل الإعلام المختلفة من إذاعة وتلفزيون وسينما وصحف ومجلات وكتب وإعلانات ووسائط شبكة الانترنت... الخ، بما تنشره وما تقدمه من معلومات وحقائق وأخبار ووقائع وأفكار وآراء لتحيط بالناس علماً بموضوعات معينة من السلوك مع إتاحة فرصة الترفيه والترويح. ( زهران، 2003) وأمّا عن أثر وسائل الإعلام في عملية التنشئة الإجتماعية فيتلخص في النواحي التالية منها إشباع الحاجات النفسية مثل الحاجة إلى المعرفة والترفيه والمعارف والثقافة والتوافق مع المواقف الجديدة . ( نعيمة، 2002 )

       دور وسائل الإعلام في نشر المعلومات المتنوعة، واشباع الحاجات النفسية المختلفة ودعم الإتجاهات النفسية وتعزيز القيم والمعتقدات أو تعديلها، والتوافق في المواقف الجديدة. وتُعدُّ وسائل الإعلام من أقوى مؤسسات التنشئة الاجتماعية، خاصة منها الفيديو والهوائيات والأقراص أو الإسطوانات ... الخ والتي تشترك جميعها على إستعمال جهاز التلفزيون الذي أصبح ينافس الأسرة والمدرسة وكل المؤسسات الإجتماعية الأخرى إلى درجة عدم القدرة في التحكم فيه حتى من طرف الكبار أنفسهم ، وهذا بواسطة الإعلانات إلى جانب الخيال بفضل تقنيات الصوت والصورة العالية والقصص السينمائية، كما إنه جهاز متعدد الإستعمالات وسهل الحصول عليه، كما يعد وسيلة ترفيهية وتثقيفية . 

       ختاما يمكن ان نقول أن التنشئة الإجتماعية من أخطر العمليات شأناً في حياة الفرد لأنها تلعب دورا أساسيا في تكوين الشخصية الإجتماعية للفرد ، والتنشئة الإجتماعية يصبح بها الفرد واعياً ومستجيباً للمؤثرات الإجتماعية بكل ما تشتمل عليه هذه المؤثرات من ضغوط وما تفرضه عليه من واجبات وما يحدث للطفل - بل وللراشد أيضا - من تغيرات ، وما يتعرض له من مؤثرات إجتماعية كلما دخل في دور من الأدوار الإجتماعية غير المؤلفة له ، والتي تتطلب منه تعديلا لسلوكه ،أو إكتسابة لأنماط جديدة من السلوك ، من خلال عمليات التنشئة الإجتماعية والأساليب الوالدية المختلفة . 

     

     


  • منصات وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيراتها المختلفة

       تحتوي منصات التواصل الاجتماعي على تضمينات سريعة لقيم وأنماط ثقافية تؤثر على عمليات التنشئة الصحية، تزيد من مخاطر الإنترنت وتثير قلق وكالات التنشئة الاجتماعية، وقد أصبح هذا التأثير السلبي على الأطفال والشباب مصدر قلق اجتماعي خطير بشكل فقد ظهرت مفاهيم جديدة لتسمية المشاكل مثل الاستمالة من شخص بالغ، تهديد وابتزاز قاصر للحصول على بعض الفوائد، عادة ما يكون ذلك من النوع الجنسي، أو التنمر الإلكتروني أو إرسال الرسائل النصية ونشر معلومات جنسية عن شخص ما، كما وضحت دراسة  Cubillas et al(2017) أن الأطفال الذين يستخدمون الشبكات الاجتماعية هم أكثر عرضة بنسبة 46٪ لتلقي رسائل جنسية، و 55٪ أكثر احتمالًا لمشاهدة صور جنسية على مواقع الويب، و 56٪ أكثر عرضة لمحتوى سلبي من إنشاء المستخدمين، 114٪ أكثر عرضة للتنمر على الإنترنت و 163٪ على الأرجح لمقابلة أشخاص خارج الإنترنت كانوا قد التقوا بهم عبر الإنترنت فقط من قبل، ما يؤدي إلى إنشاء فضاء إلكتروني خطير يعرض سلامة الأطفال للخطر، ويؤثر على دور وكالات التنشئة الاجتماعية (Cubillas et al 2017). إضافة إلى أن منصات وسائل التواصل الاجتماعي من خلال نشر رسائل ضارة تدغدغ الآذان والحواس دون تقييم العواقب، تحرم الأفراد من القدرة على التحكم في النفس والتفكير بشكل مستقل، وبدلاً من ذلك تجعلهم يرون أنفسهم من خلال عيون الآخرين، والتقاط أساسيات كل من الثقافة المادية وغير المادية، كل شيء من كيفية ارتداء الملابس المناسبة إلى ما ينامون عليه وما يعتبر مناسبا لتناول العشاء إلى كيفية استخدام الموقد لتحضيره، وكذلك تأثيرها على لغة التواصل المستخدمة والتي تعد أول ما يكتسب الفرد من خلاله ثقافة مجتمعه، فمن خلال رسائل منصات التواصل الاجتماعي يجد الفرد نفسه مجبراً أو حتى دون أن يشعر تعلم لغة تواصل أخرى سواء أكانت لفظية أو من خلال الإشارات من أجل التواصل والتفكير مع مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي (Schlör 2016). كما يعد التثاقف أحد الأنشطة الاجتماعية المؤثرة لوسائل التواصل الاجتماعي، على المستخدمين، إذ توفر وسائل التواصل الاجتماعي القدرة على تكوين مجموعة من الأشخاص ذوي التفكير المماثل للعمل أو التأثير معًا.
     فنرى أن الهوية الثقافية للناس قد تتفاعل مع الذات المثالية المعروضة في وسائل التواصل، قدمت نتائج دراسة Chung & Tai (2021) أدلة تجريبية لدعم المساهمة الإيجابية لأنشطة وسائل التواصل الاجتماعي اليومية التي تبدأ ذاتيًا في إدارة مفهوم الذات والطموح لمتعلمي اللغة، وما يصاحب ذلك من دافع لتعلم اللغة، وتعد هذه الأنشطة ضرورية في سياقات التعلم حيث يتشابك تعلم اللغة بشكل وثيق مع المشاركة الاجتماعية وبناء الذات، نظرًا لأن بعض الدراسات الحالية ركزت بشكل أساسي على استكشاف الاستخدام التعليمي لوسائل التواصل الاجتماعي وضرورة توجيه المزيد من الاهتمام نحو فهم إمكانات وسائل التواصل الاجتماعي اليومية والاستفادة منها، بالنظر إلى الوجود الكلي لأنشطة الوسائط الاجتماعية متعددة اللغات في الحياة اليومية (Reinhardt، 2019؛ Rosell-Aguilar، 2018). كما تستخدم بعض المدارس المدونات بنجاح كأدوات تعليمية، والتي لها فائدة في تعزيز مهارات اللغة الإنجليزية والتعبير الكتابي والإبداع.
    علاوة على أن مواقع التواصل الاجتماعي تساعد الطلاب على الأداء بشكل أفضل في المدرسة، وذلك بشكل أساسي من خلال الاستفادة من التواصل مع بعضهم البعض في المهام المدرسية والمشاريع الجماعية التعاونية خارج الفصل الدراسي (Jacob , 2015). ويدعم تلك النتائج الفرضيات القائلة بأن المتعلمين غير المألوفين الذين تلقوا مهام اجتماعية واضحة قبل أنشطة التعلم كان لديهم نتائج تعليمية أفضل، وكان لديهم تفاعلات أكثر في مراحل التعلم، وشهدوا مستويات أقل من الحمل المعرفي، وأدركوا درجة أعلى من التواجد الاجتماعي مع المتعلمين غير المألوفين، باستخدام أداء كتابة المقالات للمشاركين بالإضافة إلى التقييمات الذاتية للحمل المعرفي، والحضور الاجتماعي كمؤشرات للأداء ( Reinhardt، 2019؛ Rosell-Aguilar، 2018)
     علاوة على أنه وفي مجال المؤسسات المرتبطة بتقديم أنشطة التنشئة الاجتماعية نجد أن منصات الوسائل الاجتماعية تساهم في تسهيل تقديم التعلم التعاوني الأكثر فعالية، إذ أظهرت نتائج دراسة (  Jiang &  Zhang2020)  أن تقديم أنشطة اجتماعية واضحة للمتعلمين غير المألوفين في ظروف التعلم التعاوني بمساعدة منصات التواصل الاجتماعي يمكن أن يزيد من مستوى الحضور الاجتماعي، ويسهل اكتساب المهارات المعرفية المعقدة مثل مهارات كتابة المقالات الجدلية باللغة الإنجليزية كلغة أجنبية، ويقلل من مستوى الحمل المعرفي في التعلم. 
    هل تؤثر منصات التواصل الاجتماعي على مفاهيم الأفراد المعرفية والسلوكية؟
    تؤثر منصات التواصل الاجتماعي على مفاهيم ومواقف الأفراد المعرفية والسلوكية التي يسعى وكلاء التنشئة الاجتماعية عادة وخاصة الأسرة إلى إكسابها للفرد، تسعى الأسرة إلى تلقين طفلها العديد من العادات الصحية الجيدة التي تساعد على نموه الجسدي والصحي بشكل سليم، أحد هذه العادات هو الحرص على حصول الفرد على فترة كافية من النوم تساعده على التركيز وتدعم نشاطه العقلي، بينما نجد أن منصات التواصل الاجتماعي تدمر هذا السلوك، تم التأكيد في دراسة Serenkoa et al (2021) على أن استخدام منصات وسائل التواصل الاجتماعي مرتبط بحرمان المراهقين الذكور والإناث من النوم إما من خلال نوم أقصر أو الاستيقاظ مبكراً لصالح الاستمرار في الأنشطة الاجتماعية عبر الإنترنت، وبسبب عوامل تشتيت الانتباه والشعور بالإلحاح للتحقق من الإشعارات أو المعاناة من صعوبة النوم بسبب كثرة التعرض لإضاءة الشاشات.
    كما أن أحد العادات التي تحرص على إكسابها لأطفالها الأسرة عادة تناول الطعام الصحي بينما أكدت دراسةSerenkoa et al (2021) كذلك فإن استخدام منصات التواصل الاجتماعي مرتبط بعلاقة سلبية بسلوك الأكل الصحي، إذ ينشر المؤثرين والمهيمنين على هذه المنصات صور غير واقعية عن الأجساد المثالية ما يؤثر على رغبة الفتيات في تناول الطعام للوصول للجسد المثالي المعروض ويدفعهن أحيانا للتوقف عن تناول بعض الوجبات. إضافة إلى أن قضاء الوقت داخل المنزل لمتابعة منصات التواصل يعرض الأفراد لخطر الإصابة بالسمنة. إن تغيير قناعات الأبناء فيما يتعلق بمدة النوم الكافية وسلوك الأكل الصحي وارتباط ذلك إيجابيًا بالصحة الجيدة يضع الأسرة أمام تحدي قد تعجز أحياناً عن مواجهته.
    هل تؤثر منصات التواصل الاجتماعي على الهوية الاجتماعية التي يكتسبها الفرد؟
       تؤثر منصات التواصل الاجتماعي على تشكيل الهوية الاجتماعية للفرد من خلال ردود الفعل الاجتماعية، أي ممارسة تأثير اجتماعي على مستخدم، من خلال قرارات مستخدم الآخر، لأن هذه الوسائط التفاعلية تعتبر قناة لنقل المعلومات حول الأدوار والقيم الاجتماعية (,Black et al2014) التي يتم تبنيها من قبل كل فرد، وبالتالي لها دور مهم في تجارب وسلوكيات المستخدمين، وإنشاء قوالب نمطية احترافية، على سبيل المثال "Barbie Girls" منتج تم تطويره بواسطة شركة  Mattel Incوتم إطلاقه في عام 2007  باستخدام شعار هذا العالم مخصص للفتيات، ثم بتنا نرى أن اللون السائد والمستخدم في جميع أنحاء العالم هو اللون الوردي. كما يتيح تنوع الموارد وحرية تصميم الصور الرمزية للمستخدمين من خلال ملفاتهم الشخصية بإنشاء صورهم التي ترمز إلى هويتهم وفقًا لرغباتهم وتوقعاتهم، ومع ذلك لا يمكن أن يكون هناك فرق بين بناء الهوية الافتراضية والهوية الحقيقية في العالم الاجتماعي لأن كلاهما توجد فيها جوانب شخصية الفرد التي تؤثر في كلا العالمين Cubillas et al, 2017، ومن أجل التوافق مع الملفات الشخصية يحاول المستخدمين تصوير واجهات سعيدة وعصرية لأن هذا ما يفعله المستخدمون الآخرون، ولعكس الرغبة في الكيفية التي يريد الفرد أن ينظر إليه الآخرون بها، بدلاً من إظهار صورة صادقة لما هو عليه حقاً.
       وبالتالي يفضل الكثيرون تبني هذا الوهم الآمن والسعيد، بالاتصال الافتراضي بدلاً من مشاركة علاقات الحياة الحقيقية وتطويرها، أظهرت العديد من الدراسات أن هذه الروابط السطحية يمكن أن تؤدي في النهاية إلى مشاكل عاطفية ونفسية طويلة المدى .(Jacob 2015) 
    على الرغم من التركيز على آثار منصات وسائل التواصل الاجتماعي السلبية، إلا أنه من المهم أن ندرك أن هناك العديد من الجوانب الإيجابية المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تدعم وكالات التنشئة الاجتماعية من أجل القيام بدورها، أحد هذه الإيجابيات هي تكون الاستقلالية، إذ يتمتع المستخدمون الصغار للشبكات الاجتماعية بقدر أكبر من الاستقلالية في السياقات الرقمية والحقيقية، علاوة على كثافة العلاقات الاجتماعية، يرتبط الاستخدام المتزايد للشبكات الاجتماعية عبر الإنترنت بكثافة العلاقات الاجتماعية الحقيقية مع أقرب أصدقائه ومعارفه. كما أن أحد أهم الإيجابيات والتي تناسب العصر الحالي هي اكتساب المهارة الرقمية، استخدام هذه البيئات الافتراضية يسهل تطوير المهارات التكنولوجية وتنوع الإمكانات البشرية، أي أن الأطفال الذين يشاركون في المعرفة البشرية يتم وضعهم موضع تنفيذ الألعاب عبر الإنترنت من أجل إعادة إنتاج السلوكيات في سياق حقيقي وبالتالي يتم قبول انتاجهم الرقمي وتعزيزه، مما يسمح للآخرين بتصفح بيئات إنترنت أكثر ملاءمة وأمانًا، لأنها ستغرس السلوكيات المراد تعلمها .(Black et al2014)
    ومن الملاحظ أن منصات التواصل الاجتماعي قد تجعل من السهل على بعض الأفراد التعبير عن أنفسهم بعكس التواصل وجهاً لوجه، إذ تجعلهم قريبين من أصدقائهم الافتراضيين وغالبًا ما يناقشون أحدث الاتجاهات والموضوعات عبر الإنترنت معهم، مع عدم الخوف من معرفة أصدقاؤهم عبر الانترنت ما يعرفونه بالفعل .(Mary W 2020) 
    من ناحية أخرى توفر منصات التواصل الاجتماعي الدعم الاجتماعي والمعلوماتي، استخدام الشبكات الاجتماعية من قبل الأسرة أو المهنيين المرتبطين بالطفولة يؤثر عليهم بشكل مباشر، إذ أن استخدامها من قبل العائلات التي يتلقى أطفالها رعاية طبية يمكن أن يؤثر بشكل إيجابي على الأطفال. فانضمام الآباء الذين أصيب أبناؤهم بأمراض مزمنة لشبكات دعم عبر منصات التواصل الاجتماعي تمكنهم من التعرف على مجموعة واسعة من الخيارات والنتائج، مثلاً ما ذكر في دراسة Cubillas et al, 2017))، أن دمج آباء الأطفال الذين تم تشخيص إصابتهم حديثًا بـ T13-18 في شبكات دعم عبر وسائل التواصل الاجتماعية لاكتساب وجهات نظر وآمال وتوقعات، وتسهيل التواصل واتخاذ القرار بين الأطباء والآباء كان له تأثير مباشر على رفاهية الأطفال.
    التحديات التي تواجه الأسرة والمجتمع بسبب منصات وسائل التواصل الاجتماعي:
       يعد الاختراق أحد أهم التحديات التي تواجه وكلاء التنشئة الاجتماعية الأسرة والمجتمع بسبب منصات التواصل الاجتماعي. أعلى معدلات اختراق للحسابات كانت للمراهقين بين (10 إلى 19) في الدول المتقدمة حسب منظمة الصحة العالمية (2019)، والذي غالباً ما يكون من خلال جمع جهات التسويق للمعلومات التي يشاركها المراهقون عبر الإنترنت للاستفادة منها في الإعلانات والترويج لاستهلاك سلع معينة إذ لدى منصات التواصل الاجتماعي القدرة على قراءة اهتمامات أي شخص وهو أمر مررنا به جميعاً عند البحث عن منتج أو موضوع معين حتى تصلنا رسائل أو إعلانات تتضمن أشياء تشبه ما كنا نبحث عنه، لذا فعلى الأسر دعم وعي أبنائهم بتفعيل الخصوصية على أي منصة مستخدمة من قبلهم وعدم الوثوق بالشركات الدعائية أو الرسائل التي تصلها منهم، ذكرت دراسة Feng & Xie (2014) أن هناك علاقة إيجابية بين مستوى قلق الوالدين بشأن الخصوصية ومستوى قلق المراهقين بشأن الخصوصية، يمكن للوالدين التأثير على مواقف وسلوكيات أطفالهم من خلال الوساطة الأبوية التي تتضمن مراقبة استهلاك أطفالهم لمنصات التواصل الاجتماعي وإبراز الملف الشخصي في تحفيز المراهقين على زيادة مخاوف الخصوصية عبر الإنترنت، والتي بدورها تدفع المراهقين إلى تبني المزيد من استراتيجيات إعداد الخصوصية على شبكات التواصل الاجتماعي وتعيين ملفاتهم الشخصية على فيسبوك إلى خاصة، عن طريق الوساطة النشطة بمناقشة الوالدين مع الأطفال الجوانب غير المرغوب فيها لمحتويات الوسائط والطرق المرغوبة لاستهلاك الوسائط، ثانيًا، الوساطة التقييدية، والتي تشير إلى قواعد وضع الوالدين للتحكم في استخدام الأطفال لوسائل الإعلام من حيث محتوى الوسائط المناسب ووقت عرض الوسائط (Feng & Xie 2014).
        تسعى كل من الأسرة والمجتمع بمؤسساته إلى تنمية الدوافع الإبداعية لدى الفرد لمساعدته على التطور والنمو ودفع عجلة التنمية، من خلال تحقيق الاندماج الاجتماعي والتعلم وتنمية المهارات المختلفة، لتتدخل منصات وسائط التواصل الاجتماعي مسببة إعاقة هذه العملية عبر تأثيراتها، أحد هذ المؤثرات هو ظهور الاكتئاب نتيجة الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، فالسعي المستمر للحصول على القبول والوعي الذاتي من خلال البقاء على اتصال مع الأقران، وكثافة التواصل الاجتماعي في عالم الإنترنت والذي يتطلب مشاركة مستمرة، يؤدي إلى ما يعرف بـ اكتئاب Facebook، والذي يعرض لخطر العزلة الاجتماعية واللجوء إلى مواقع الإنترنت والمدونات الخطرة للحصول على المساعدة، التي قد تروج لتعاطي المخدرات والممارسات الجنسية غير الآمنة والسلوكيات العدوانية والمدمرة للذات. أجرت الدكتورة جوان دافيلا وزميلتها ليزا ستار باحثتا جامعة ستوني بروك دراسة لإثبات الارتباط بين الاكتئاب ووسائل التواصل الاجتماعي، على عينة من الفتيات المراهقات، وكشفت الدراسة أن الاستخدام المفرط لموقع Facebook يجعل الفتيات أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب والقلق.
       وبعد عام، أعاد الباحثون تقييم المجموعة بحثًا عن أي علامات للاكتئاب أو القلق، وأثبتت نتائج الدراسة أنّ المستخدمين الذين ناقشوا مشاكلهم مع الأصدقاء بشكل متكرر، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عانوا من مستويات أعلى من القلق من أولئك الذين لم يفعلوا ذلك. ووفقًا للدكتور دافيلا أن الرسائل الفورية والشبكات الاجتماعية تجعل من السهل جدًا على المراهقين أن يصبحوا أكثر قلقًا، مما يؤدي إلى الاكتئاب، لأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت وسيلة انتقال لهذه المناقشات المتكررة، مما يسمح بإعادة صياغة المناقشات باستمرار حول مشاكل هؤلاء الفتيات، مما يجعلهن مهووسين بـ المشكلة ويمنعهن من المضي قدمًا في الحياة. ووسائل التواصل الاجتماعي الآن هي القناة الأساسية للمراهقين للتنفيس عن المشاكل الحالية في حياتهم، وبالتالي عندما ينشر مراهق مشكلة عبر الإنترنت، فمن المحتمل أن يتلقى تعليقات إيجابية أو سلبية، مما يتسبب في تطوير هوسه بشأن المشكلة المنشورة وبمجرد مشاركة شيء ما عبر الإنترنت، لا يمكن استعادته أبدًا حتى إذا حذف المنشور، مما يؤدي بالمرسل إلى مزيد من الاكتئاب والقلق (Chung & Tai ,2021).
    إضافة إلى ذلك فإن أحد أهم التحديات التي وكلاء التنشئة الاجتماعية الأسرة والمجتمع، هو تمكين الأنشطة الإجرامية من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أداة للمجرمين والمفترسين والإرهابيين لتمكينهم من ارتكاب أعمال غير قانونية، من خلال استغلال العديد من المجرمين وسائل التواصل الاجتماعي لإخفاء هويتهم وارتكاب العديد من الجرائم مثل التنمر الإلكتروني والإرهاب السيبراني والاتجار بالبشر والاتجار بالمخدرات (, Jacob 2015).
    الخلاصة
    أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي واحدة من أهم المنصات لربط البشر من كل مكان في العالم، كأداة اتصال وتفاعل، وقد تم إنشاؤها لبناء العلاقات والحفاظ عليها بغض النظر عن القيود الجغرافية أو الزمنية، ومع ذلك فقد زادت وسائل التواصل الاجتماعي من وظيفتها بشكل أساسي من خلال تأثيرها على التنشئة الاجتماعية ومنافسة وكالات التنشئة التقليدية في القيام بدورهم، نتيجة استخدامها وتوظيفها في مجالات متنوعة، عبر زيادة الاتصال والتعبئة والتمايز والتوسع المكاني وهو ما له عواقب بعيدة المدى على عمليات التنشئة الاجتماعية، مثل تشويش التفاعلات الاجتماعية وتحولات الأدوار وغير ذلك كثير. ولا نغفل عن أن تجارب التنشئة الاجتماعية تؤثر أيضًا على طريقة استخدام الناس لمنصات وسائل التواصل الاجتماعي وللتعامل معها كنشاط اجتماعي ثقافي، هذا أيضًا له أهمية تجريبية تظهر عبر أنماط الاتصال والروابط التي يسعى الأفراد لتحقيقها.