مخطط الموضوع

  • الشعبة: علم الاجتماع؛ اسم المقياس : سوسيولوجيا الرّابط الاجتماعي؛

    المستوى المُستهدف: السنة الثانية؛

    وحدة التعليم الأساسية: المادة: سوسيولوجيا الرابط الاجتماعي  (السداسي الرابع)؛

    دعامة المادة: مكوّنة من مُحاضرة + أعمال موجهة / الرصيد: 05، المُعامل: 02 / التقييم: مُتواصل + امتحان؛

    المشرف على المادة: أ. د. نابـتي علـي  

     محاور المقياس 

    مدخل إلى سوسيولوجيا الرابط الاجتماعي؛

    الرابط الاجتماعي في فكر رواد النظرية الاجتماعية الغربية؛

    الرابط الاجتماعي في فكر عبد الرحمن بن خلدون؛

    الرابط الاجتماعي في فكر مالك بن نبي؛ 

    نماذج سوسيولوجية لفهم الرابط الاجتماعي؛

    أبعاد وتحوّلات الرابط الاجتماعي؛

    ممارسات الاتصال والرابط الاجتماعي.

    ملاحظة: في ما يتعلق بالجزء المتعلق بالمقاربات الغربية تم الاعتماد في تحضير محاضرات هذا المقياس على الكتاب المرجعي الأكاديمي الموسوم: علي نابتي، سوسيولوجيا الرّابط الاجتماعي: مقاربات ونماذج (ج.1)، ط.1، دار نشر الآن ناشرون وموزعون، عمّان (الأردن)، 384 ص، 2025.  

    - مراجع الكتاب (الجزء الأول): باللغة العربية (18 مرجعاً)؛ مجموع عدد المراجع باللغتيّن الفرنسيّة والانجليزيّة (262 مرجعاً)؛ المصادر الالكترونيّة (12 مصدراً).



  • الاجابة النموذجية لامتحان مقياس سوسيولوجيا الرابط الاجتماعي يوم 19 ماي 2026

    أذكر أنواع الروابط الاجتماعيّة على حسب طبيعتها وسياقها ؟

    - النوع الأول: وفق طبيعة الارتباط

     - رابط أوليّ؛ - رابط ثانوي

     - النوع الثاني: وفق درجة التفاعل

     - الرابط الاجتماعي؛ -الرابط الديني؛ - الرابط الاقتصادي؛ - الرابط السياسي.

    - النوع الثالث: وفق درجة الشدّة

     - رابط قويّ (شديد): برز أكثر بالمجتمعات التقليدية؛ - رابط ضعيف (مُتراخي): برز في المجتمعات الحديثة.

    ناقش مع الشرح أبرز العناصر التي يتقاطع فيها مفهوم الرابط الاجتماعي مع مفهوم العلاقات الاجتماعية، مدعما إجابتك بأمثلة؟

     - الرّابط الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية: يُعرِّف معجم علم الاجتماع، العلاقات الاجتماعية على أنها: « العمليات والتفاعلات الناجمة عن تفاعل، واعتراك الأفراد في البيئتيّن الطبيعية أو الاجتماعية، وهي الإطار الذي يُحدد تصرفات الأفراد واختلاف مظاهر سلوكياتهم و أنشطتهم، وتُعرف أيضا أنها العلاقات التي تنشأ بين كائنيّن إنسانييّن أو أكثر، عندما يوجد نوع من الاتفاق بين مصالح كل منهما أو نتيجة لتقارب هذه المصالح أو للحدّ من الصّراعات، التي قد تنشأ نتيجة لاختلاف مصالحهم »  كما يعرفها عبد العزيز الخزاعلة بقوله : « بأنها الروابط والآثار المتبادلة بين الأفراد في المجتمع وهي تنشأ من طبيعة اجتماعهم، وتبادل مشاعرهم وأحاسيسهم واحتكاك بعضهم مع البعض.» . وهذا ما أوضحه ماكس فيبر عندما كان بصدد شرح العلاقات الاجتماعية الناتجة عن الفعل والتفاعلات الاجتماعية، فهو يرى أن مفهوم العلاقات الاجتماعية يشير إلى الترتيب أو تنظيم ثابت للعناصر التي تظهر في الفعل الاجتماعي، فهي-أي العلاقات-لا توجد بمعزل أو خارج الأفعال الاجتماعية، بل هي ترتيبات متخيّلة للفعل يمكن تصورها على نحو مجرد كأنماط للفعل الاجتماعي الظاهر. ويتطلب تحقق العلاقة الاجتماعية توافر ثلاثة شروط أساسية هي:

      1. وجود الأدوار الاجتماعية التي يشغلها الأفراد الذين يُكوِّنون العلاقة الاجتماعية؛

      2. وجود مجموعة رموز سلوكية وكلامية ولغوية يستعملها أطراف العلاقة الاجتماعية؛

      3. وجود هدف أو غاية يتوخى العلاقة الاجتماعية إشباعها والإيفاء بالتزامها والعلاقة الاجتماعية بذلك هي عبارة عن روابط متبادلة بين أفراد وجماعات المجتمع، تنشأ عن اتصال بعضهم ببعض وتفاعل بعضهم مع بعض مثل روابط القرابة والجيرة والروابط التي تنشأ بين أعضاء الجمعيات التعاونية.

      أذكر ثلاثة عوامل تساعد على تعزيز التماسك الاجتماعي في الجماعة؟

    - القيم (الايثار، الاحترام، العمل، الخير..الخ) والأهداف المشتركة؛ - التواصل الفعال والمستمر (الحوار وتبادل الآراء)؛ - العدل وتكافؤ الفرص؛ - التعاون والدعم المتبادل؛ - احترام التنوع والاختلاف؛ - المشاركة المجتمعية (انخراط الأفراد في الأنشطة والفعاليات الجماعية)..الخ

         

  • مدخل إلى سوسيولوجيا الرابط الاجتماعي

       شَهِد القرن التاسع عشر الميلادي تقلبات على أكثر من صعيد. حيث عرف نتائج الثورات المتعددة التي حدثت في القرن الذي سبقه. على الصّعيد السياسي، شكّكت مختلف الثورات، الانجليزية، الأمريكية أو الفرنسية، بعمق في النظام الاقطاعي  الذي ساد طيلة القرون الوسطى. في الواقع، لم تكن تأثيرات هذه الثورات مباشرة حيث كان يجب انتظار تهدئة أوضاع النسق السياسي (نهاية الرعب والحروب النابليونية بالنسبة لفرنسا مثلا) حتى يتسنى لهذه الثورات القيام بدور مستدام في الحياة السياسية. وبالموازاة لهذه الثورات السياسية، عرف القرن الثامن عشر الميلادي أيضا ثورة فكرية، سُميت بالأنوار. برز من بين العديد من الأفكار التي كانت مُتداولة، شكل العقد الاجتماعي الذي وضعه ابتداءً جان جاك روسو وبدأ يُفرض شيئا فشيئا. أمّا ثالث ثورة فكانت اقتصادية، مع بداية الثورة الصناعية، نتيجة النهضة التقنية، لكن أيضا انتشار الليبيرالية وحرية التعهّد.

    انصب انشغال علماء الاجتماع الأوائل في أوربا الغربية على فهم كيف يستطيع أفراد منفصلون الاتحاد لتكوين مجتمع والحال مادام    البشر مُتحدون يستمرون في العيش ضمن جماعة.   حاول كل واحد من هؤلاء العلماء البحث بطريقته الخاصة عن الشيء الذي يساهم في إبقاء البشر مجموعين أكثر من الشكل الذي اتخذه هذا الاجتماع. يبدو أنّ الرابط الاجتماعي كان موجودا في صلب انشغالاتهم حتى وإن لم يستعمل أبدا هؤلاء الباحثون هذا المُصطلح. يُبنى المجتمع في جانب على المعايير والقيّم، التي تُكتسب في خضم عملية تُدعى   التطويع الاجتماعيّ أو التنشئة الاجتماعية  

    يُطلق على مجموع العلاقات التي تُوَحِد الأفراد الرابط الاجتماعي. يعرف المجتمع تحوّلات تحت تأثير ظاهرات اجتماعية واقتصادية. حيث يُعدّ تنامي الفردانية واحدة من بين أكبر تطوّرات القرن الماضي، بعبارة أخرى الميل إلى تفضيل مصالح وقيّم الفرد على الجماعة. سنرى كيف تكون لهذا الميل تبعات على طبيعة وكثافة العلاقات الاجتماعية، طالما  أنّ كلّ فرد ينكفئ على شخصه، يكون لهذا الفعل نتائج على تماسك الجماعة بأكملها. 

       يجد الفرد وصله بالمجتمع بأنواع مختلفة من الروابط الاجتماعية. ضمن مسار حياته، يتعلم الطفل تدريجيا قواعد الحياة في المجتمع بمساعدة عائلته. وباحترام تلك القواعد يحتل مكانة في جماعته العائلية ثم ضمن المجتمع. إذاً الروابط الاجتماعية هي هامة لبناء الفرد. ثم يُجاور الفرد مؤسسات أخرى مثل جماعات النظراء. الأمر يتعلق، مثلا، بأصدقاء المدرسة التي تُمكنه من استبطان القواعد والقيّم الخاصة بالجماعة التي ينتمي إليها. من خلال الألعاب، تُصنع التفاعلات وتمنح مكانة لكلّ واحد. يكون الفرد في تبعية متبادلة مع نظرائه.

    ضمن هذا الأفق المنظور، « فإنّ الرابط الاجتماعي ليس واقعة؛ بل فئة يحاول أن يفهم بها علم الاجتماع، حيث تتلخص الواقعة في أنّ أفرادا متفرقون تمكنوا من الاجتماع وكونوا مجتمعا، لقد اتحدوا ليستمروا في العيش معا »

    والحال، لكي يصبح فهم فئة الرابط الاجتماعي ممكنـا تحتاج المقاربة إلى فئات أخرى أو مفاهيم وسيطة بينها وبين التنوع التجريبي للواقع الاجتماعي. تتمظهر تلك المفاهيم الوسيطة في شكل العديد من الفروع الثنائية : طبيعة- اتفاقية؛ جماعة - مجتمع؛ تضامن آلي - تضامن عضوي؛ سلطة تقليدية - سلطة عقلانية.

       يُمثل رواد علم الاجتماع مصدر هذا المنظور الثنائي القطبية للواقع الاجتماعي، والذي لا يزال قائما إلى اليوم بوسمه للتعدد المجازي لمفهوم الرابط الاجتماعي. « (...) يبرز الرابط الاجتماعي (...) في مجمل تعاريفه وتغيّراته، واصطلاحاته العملية الشاملة، ترجماته المتعددة للاجتماعي، المُدركة في بُعده الأساسي، (...) ومن خلال تعدّد شكله ليس في ثباته وتفرده، ولكن في شروط تغييره في حد ذاتها »  

       بهذا المعنى، تتعلق فئة الرابط الاجتماعي بالأسطورة إلى درجة أنّ تعريفاته المتنوعة لا تخبرنا عن كيفية تشكل الرابط الاجتماعي، ولكن تكشف لنا عن الكيفية التي يتمثل بها الانسان، وبالأخص علماء الاجتماع، الأسلوب والطرائق التي تشكل وفقها.  

       لكن في كلّ الحالات، يظل تناول الرابط الاجتماعي بوصفه في أساس وجود المجتمع في حد ذاته. بدون رابط اجتماعي مؤسس، لا حياة جماعية. بدون رابـط اجتماعي، سنشهد لا محالة تفكك المجتمع وتفسخه حرب كل واحد ضد الكلّ. يحيلنا تعدد تعريفات الرابط الاجتماعي أيضا على مختلف أبعاد هذا الرابط المؤسس لكلّ حياة جماعية. فعندما نتحدث عن الأبوة والنسب، عن صلة الرحم والقرابة، عن الجيرة والجوار، عن العلاقات الاجتماعية والمهنية، عن الاندماج في وسط من حياة، عن المشاركة السياسية، عن الانتماء لجماعة ما، فإننا نسلك طريق العرفان والاعتراف التي تُشكل الرابط الاجتماعي، بجميع هذه العناصر اليومية التي تؤتيه عمقه ونسيجه.      

     أولا. تعريف الرابط الاجتماعي: 

       1- التعريف اللغوي: ورد تعريف ومعنى كلمة "رابط" في: لسان العرب؛ المعجم الوسيط، معجم المعاني الجامع؛ الرائد؛ القاموس المحيط

          - رابَطَ: (فعل) ربَطَ / ربَطَ على / ربَطَ لـ يَربُط، رَبْطًا، فهو رابط، وهو مربوط، ورَبيط ؛ رابطَ / رابطَ في يُرابط، رِباطًا ومُرابَطةً، فهو مُرابِط، والمفعول مُرابَطٌ فيه. أمثلة: رابط الرَّجلُ في المكان: أقام فيه ولم يغادرْه؛ رَابَطَ عَلَى عَمَلِهِ : وَاظَبَ عَلَيْهِ، لاَزَمَهُ رَابَطَ مُرَابَطة، ورِباطًا: لَازَم الثّغر وموضعَ المَخَافَة؛ المرابطون: اسم لدولة المرابطين حكمت في المغرب، موريتانيا، غرب الجزائر والأندلس (1056م-1147م)؛ - رابِطٌ: (اسم) الجمع : روابِطُ ، المؤنث : رابطة ، و الجمع للمؤنث : رابطات وروابِطُ. أمثلة : اسم فاعل من ربَطَ؛ نَفَسٌ رَابطٌ: واسع عَريض؛ رابط الجَأش: شجاعٌ قويّ القلب؛ رابط منطقيّ: رابط بين عبارات منطقيّة في لغة من لغات الحاسوب؛ رَابَطَ الجَيْشُ فِي الجَبْهَةِ: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا » (قرآن كريم).  

    2- اصطلاحاً: يُعرّف بيار إيف كيسات الرابط الاجتماعي بوصفه مجموع العناصر التي تجمع الأفراد مع بعضهم بعضا. يتعلق الأمر أكثر بالعلاقات الملموسة بين أعضاء العائلة نفسها، بين الأصدقاء، بين الجيران، بين الزملاء، الخ. وصولاً إلى آليات التضامن، والهويات الجماعية والمعايير المُشتركة. انطلاقا من هذا التعريف، يشمل الرابط الاجتماعي عددا كبيرا من ربط الأفراد لعلاقة بين بعضهم بعضا ليس هذا فحسب، بل يضع في الحسبان الكيفية التي يندمج وفقها الفرد ضمن مجتمع خاص. ومن جهتها، تُعرّف ماريا انغراسيا ليندرو الرابط الاجتماعي بأنّه مجموع العلاقات أو الروابط الاجتماعية التي تضم الأفراد فيما بينهم أمّا فريديريك لوبارون فيرى أنّ الرابط يجمع بين فرديّن أو أكثر متى كانت العلاقات الشخصية الداخلية تلقائية بينهم، باتكائها على أشكال التفاعل المتنوعة، وعليه نُعرّف الرابط الاجتماعي بوصفه تفاعلا خاصا، منتظما بين فرديّن في سياق متصل، جاء تعريف الرّابط الاجتماعي في القاموس الفرنسي Le Robert بصيغة الجمع معتبراً الروابط الاجتماعية أنها أشكال العلاقات التي تربط الفرد بجماعات اجتماعية وبالمجتمع، حيث تُمكنه من عملية التنشئة والاندماج ضمن المجتمع، وتلقي عناصر هويته. وإذاً فعِلم اجتماع الروابط الاجتماعية هو علم أشكال التنشئة الاجتماعية وأشكال الضبط الاجتماعي في الوقت نفسه. في حين أنّ تأزم الروابط الاجتماعية فينتج عنه حالة لا معيارية. ومن الجزائر، تناول الباحث رشيد حمدوش مصطلح الرابط الاجتماعي في أطروحته الجامعية مستعملا كلمة "رِباط" مُعرّفا الرباط الاجتماعي بأنّه تلك العلاقات التي تتمّ وتجمع بين الأفراد في حالات وجه لوجه، سواء أكانت علاقات شخصية أو لا شخصية. فالرباط الاجتماعي إذاً يعني بالنسبة لنا مجموع العلاقات الاجتماعية سواء أتعلّق الأمر بالألفة أو الأنسة الاجتماعية Sociabilité) أو الروابط الاجتماعية Rapports sociaux)، أو أيّ شكل من أشكال الرباط الاجتماعي.    

    ثانيا. أنواع الروابط الاجتماعية وأشكالها: من خلال هذه التعاريف نُجمِل لنقول بأنّ الرابط الاجتماعي مفهوم مُولِد يشير بطريقة واسعة إلى الكيفية التي يرتبط بها الأفراد في ما بينهم. بات واضحا أنّ الاهتمام بالرابط الاجتماعي بدلا من المجتمع يُتيح حينئذ تجاوز القوالب الجاهزة للعيش معاً. فعوضا عن الانشغال بوجود المجتمع من عدمه، ينبغي الانتباه إلى الكيفية التي يتعايش ويتصرف بها الأفراد. فعلى مستوى هؤلاء وعلى مستوى أفعالهم يتم تجسيد طرائق العيش مع الغير. حيث لا ينبغي اختزال الرابط في مجرد علاقات شخصية أو علاقات اجتماعية بل علينا التفكير في ضرورة تبني مقاربة أكثر بنيوية للعلاقات الاجتماعية، يمكن أن تفضي إلى الكشف عن تُحوُّل الرّوابط الاجتماعية.

    النوع الأول: وفق طبيعة الارتباط

        - رابط أوليّ: ويجمع أفراد العائلة أو الأسرة؛ الجيران؛ جماعة المسجد؛ جماعة المدرسة.

        - رابط ثانوي: ويجمع أعضاء الجمعيات؛ والنقابات؛ والأحزاب السياسية.

     - النوع الثاني: وفق درجة التفاعل

        - الرابط الاجتماعي: مجموع العلاقات التي تجمع أفرادا ينتمون إلى الجماعة الاجتماعية نفسها.

        - الرابط الديني: ويُحدده الدّين من خلال علاقة الانسان بربه وعلاقته بنفسه وعلاقته بمجتمعه وبالناس.

        - الرابط الاقتصادي: يقوم على معاملات البيع والشراء للسلع في السوق الفعلية أو الافتراضية.

        - الرابط السياسي: في اطار علاقة المواطنين بالدولة وهيئاتها المختلفة من خلال الحقوق والواجبات واختيار مُمثليهم بالانتخاب أو الاستفتاء حول القضاء المجتمع الكبرى.

    النوع الثالث: وفق درجة الشدّة

       - رابط قويّ (شديد): برز أكثر بالمجتمعات التقليدية بالخضوع للجماعة أو القبيلة من خلال الامتثال للأعراف والعادات والتقاليد بالطاعة والولاء، والتضحية.

       - رابط ضعيف (مُتراخي): برز في المجتمعات الحديثة، وتزايدت شدّته من خلال مراعاة الانسان في أبعاده النفسية والاجتماعية لاسيما في مؤسسات العمل.

      

  • التقاطعات المفاهمية للرابط الاجتماعي

      يذكر الباحث في علم الاجتماع الفرنسيّ بير بوفـي الموسوم بـ الرابط الاجتماعي أنّ هذا المصطلح الأخير لم يُستخدم سوى  في أواخر القرن العشرين  حيث أصبح    يدُل على العلاقات الاجتماعية، وعلى النظام الاجتماعي، والسِّلم والتسامح.   كما لاحظنا في المطلب السالف الذكر كيف أنّ تعدد أشكال الرابط الاجتماعي يلقي الضوء على تنوع العلاقات والروابط الاجتماعية التي تعتمد غالبا على التبادل والتعاون نظرا لتشابه المصالح وتشاركها بين أفراد المجتمع في مختلف مستويات الأنظمة الاجتماعية سواء كانت محلية، وطنية أو دولية، وهذا بحثا عن الضمان الاجتماعي للجماعات والأفراد والاعتراف بوجودهم الاجتماعي وحمايته.     

       أ/ الرابط الاجتماعي والتفاعل الاجتماعي: يرى الأخصائيون في علم النفس الاجتماعي ومن بينهم بيليس - Beles أنّ التفاعل الاجتماعي هو كل فعل يؤدي إلى استجابة في اطار عملية تبادل للأفعال والاستجابات حتى لو كان بين الفرد ونفسه. فهم يرون أن الفرد يتفاعل منذ لحظة ميلاده وحتى موته، وفي أوقات اليقظة وحتى أثناء النوم في شكل أحلام، كما يتفاعل الفرد مع غيره وهو جالس وحده عندما يتذكر شخصا ما وهذا ما يُسمونه بالتفاعل الرمزي. وحسب رأي أولئك المختصين فإنّ حدوث التفاعل الاجتماعي بين أفراد المجتمع يتطلب حدوثه جملة من الشروط، كاللقاء فالتبادل بوصفهما شرطيّن أساسيّن وبدونهما يكون السلوك إما مؤثرا أو متأثرا من طرف واحد فحسب.

     وكذلك يندرج التوافق أو التفاهم والانسجام بين المتفاعلين ضمن هذه الشروط حتى  تتكامل استجابات الأشخاص في الموقف الاجتماعي بطريقة سهلة.  وفي السياق نفسه، خلُص كوبر وَ ورتشر Worcher, Cooper في بحثيّها إلى أنّ التفاعل الاجتماعي يمر عبر أربع خطوات أساسيّة وهي: أولا، التعارف؛ ثانيا، التفاوض والمساومة: وتعني تحديد كل طرف نوع العلاقة التي يفكر التوصل إليها أو إقامتها؛ ثالثا، مرحلة التوافق والالتزام وهي أن يقتنع كل طرف بالطرف الآخر من حيث المزايا والقيمة، رابعا، مرحلة الإعلان عن العلاقة وتعزيزها وتثبيتها. في الأخير، استنتج الباحثان مجموعة من أهداف التفاعل الاجتماعي نذكرها كالتالي:

      1. يُسهِّل التفاعل بلوغ الجماعة لأهدافها حيث يسهم ذلك في تحديد طرق إشباع حاجات أفرادها؛

     2. يساهم التفاعل في تلقين الأفراد أنماط السلوك المتنوعة والاتجاهات التي تنظم العلاقات الاجتماعية  وِفق منظومة القيم والثقافة السائدة من عادات وتقاليد وأعراف اجتماعية؛

    3. يُساعد التفاعل على إثبات الذات ويخفف وطأة الشعور بالضيق، لأن العزلة كثيرا ما تؤدي إلى الإصابة بالأمراض النفسية.

    4. يُؤدي التفاعل دورا بالغا في التنشئة الاجتماعية والتطويع الاجتماعي للأفراد.

     بات واضحا أنّ تشكُّل العلاقة الاجتماعية يحدث بعد التفاعل؛ إذاً هو مرحلة أساسية لظهور العلاقات والروابط الاجتماعية بين الأفراد. وحسب ما يؤكده الأخصائيون الاجتماعيون على أنّ التفاعل يحدث بمجموعة من الطرق أو الشروط، مثلما أوضحنا آنفا حيث تكون المبادأة بالاتصال عن طريق اللغة كوسيلة للتفاهم الذي يقود عادة إلى وحدة الفكر والشعور المفضيان إلى التواصل والوصول لسلوك تعاوني. ثم يكون التوقع بوصفه اتجاها عقليا واستعدادا للاستجابة لمنبه ما، نسلكه اتجاه الآخرين طبقا لما نتوقعه منهم وطبقا لما يتوقعوه منا ولتوقع أثر كبير في عملية التفاعل الاجتماعي. فعندما يقوم الفرد بفعل معين يضع في اعتباره توقعات عدة للاستجابات الآخرين، كالرفض أو القبول، حيث يُكيِّف سلوكه على حسب توقعاته، إذاً التوقع مبني على الخبرات السابقة.

       وبعد التوقع يأتي الدور الاجتماعي: ويقصد به السلوك الذي ينتظر من الفرد القيام به في موقف ما مع العلم أن الأدوار التي يؤديها الفرد تتعدد بتعدد المواقف التي يتعرض لها، وتزداد اتجاه الفرد لأدواره كلما تكررت المواقف التي تستدعي دورا بعينه زيادة على ذلك يمر التفاعل بمجموعة من العمليات الاجتماعية أبرزها: التعاون؛ التنافس؛ الصراع.

       ب/ الرابط الاجتماعي والتضامن الاجتماعي: يؤشر مصطلح التضامن إلى الاشتراك في المصالح والغايات، ويُعد من أهم مصادر التعاون والقوة والمقاومة، حيث يختزل التضامن وَحدة الهدف والاصرار على بلوغه، ويعتقد أن الايمان بالتضامن كغاية في ذاته وليست كوسيلة لبلوغ غاية معينة، وهي الرؤية الاستراتيجية التي سبق إليها ابن خلدون في مُقدَّمته، موضحا أنّ الفرد الواحد لا يمكنه تحصيل قوته اليومي، إلا بمساعدة بني جنسه، وهذا ما يسمى بالتضامن عن طريق تقسيم العمل. ضمن هذا المساق، تتضح الصلة الوطيدة بين التضامن الاجتماعي والرابط الاجتماعي، من منطلق أنّ الروابط الاجتماعية بين الأفراد  لا تتشكل إلا بتضامنهم. يُعرّف التضامن في معجم علم الاجتماع بأنّه التماسك الذاتي للجماعة، حيث شاع استخدمه منذ أن استعمله أوغست كومت للدلالة على عملية التآزر في الحياة الاجتماعية. كما عرّفه محمد عاطف غيث في قاموس علم الاجتماع على أنه حالة أو ظرف تتميز به الجماعة، يسود فيه الالتحام الاجتماعي والتعاون والعمل الجماعي الموجه نحو إنجاز أهدافها. ويكاد ايميل دورخيم يتفرد بسبق استخدامه لمصطلح التضامن لاسيما في كتابه الموسوم بـ  تقسيم العمل الاجتماعي (1893م) حيث اشتغل في أطروحته على مصطلحيّن هما التضامن الآلي والتضامن العضوي. ومن جهته  فقد رأى ماكس فيبر أنّ نداء ماركس لعمال العالم،كي يتحدوا يتسم بالمثالية بالنظر إلى تعدد الفوارق بين العمال وهم الجماعة المتضامنة، بسبب المصلحة المشتركة. ولقد تم تشكيل اتحاد عمالي عالمي بالرغم من اختلاف المكان والصناعة والجنس والعمر والعرق وحتى الدِّين والقومية. في السياق، ثمّن فيبر هذا المسعى معتبرا إياه دعوة ايجابية وفعالة، تُفضي إلى الاجتماعي وتحقيق التضامن والترابط الاجتماعييّن. 

    ج/ الرابط الاجتماعي والتماسك الاجتماعي: يُعدّ مصطلح التماسك الاجتماعي من المصطلحات التي لم تحظ على العموم بتعريف مُتفق عليه بين الباحثين، حيث يُستخدم في أغلب الحالات بطريقة غير رسمية، ليؤشر إلى المواقف التي يرتبط فيها الأفراد ببعضهم بعضا بروابط اجتماعية وثقافية. والتماسك عامة، صفة تطلق على الجماعات الصغيرة، حين تعمل على اجتذاب أعضائها وتدفعهم إلى الاحتفاظ بعضويتهم فيها. إلا أنّ محمد عاطف غيث يرى أن هذا المصطلح يمكن شرحه على أنّه  تكامل سلوك الجماعة، باعتباره نتيجة للروابط الاجتماعية أو هو أقصى درجات الترابط الاجتماعي، أو القوى التي تجعل أعضاء الجماعة في حالة تفاعل لفترة معينة من الزمن، وحينما يُحقق مستوى عال للتماسك الاجتماعي في جماعة ما، فإن أعضائها يشعرون بمشاعر إيجابية قوية نحو جماعتهم وتكون لديهم رغبة في استمرار عضويتهم فيها، فتتوافر الروح الجماعية العالية. على العموم، توجد عوامل بارزة تساعد على زيادة درجة التماسك الاجتماعي في الجماعة نذكر أهمها:

       1عادة، يُؤدي التهديد أو الخطر الخارجي إلى تماسك الجماعة والصف الداخلي لها؛

       2قبول أعضاء الجماعة لمعايير وقوانين الجماعة وأفكارها يؤدي إلى زياد التماسك؛

      3تعاون الأعضاء وتفاعلهم بشكل مباشر، فالجماعة المتماسكة تتميز بالتضامن والانتماء والتعاون لخدمة الجماعة، حيث يستخدمون لفظة نحن، في مقابل لفظة أنا. تأكيدا على قيمة الأهداف المشتركة للجماعة في مقابل الأهداف الفردية لكل عضو من أعضاء الجماعة. 

     د/ الرّابط الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية: يُعرِّف معجم علم الاجتماع، العلاقات الاجتماعية على أنها: « العمليات والتفاعلات الناجمة عن تفاعل، واعتراك الأفراد في البيئتيّن الطبيعية أو الاجتماعية، وهي الإطار الذي يُحدد تصرفات الأفراد واختلاف مظاهر سلوكياتهم و أنشطتهم، وتُعرف أيضا أنها العلاقات التي تنشأ بين كائنيّن إنسانييّن أو أكثر، عندما يوجد نوع من الاتفاق بين مصالح كل منهما أو نتيجة لتقارب هذه المصالح أو للحدّ من الصّراعات، التي قد تنشأ نتيجة لاختلاف مصالحهم »  كما يعرفها عبد العزيز الخزاعلة بقوله : « بأنها الروابط والآثار المتبادلة بين الأفراد في المجتمع وهي تنشأ من طبيعة اجتماعهم، وتبادل مشاعرهم وأحاسيسهم واحتكاك بعضهم مع البعض.» . وهذا ما أوضحه ماكس فيبر عندما كان بصدد شرح العلاقات الاجتماعية الناتجة عن الفعل والتفاعلات الاجتماعية، فهو يرى أن مفهوم العلاقات الاجتماعية يشير إلى الترتيب أو تنظيم ثابت للعناصر التي تظهر في الفعل الاجتماعي، فهي-أي العلاقات-لا توجد بمعزل أو خارج الأفعال الاجتماعية، بل هي ترتيبات متخيّلة للفعل يمكن تصورها على نحو مجرد كأنماط للفعل الاجتماعي الظاهر. ويتطلب تحقق العلاقة الاجتماعية توافر ثلاثة شروط أساسية هي:

      1. وجود الأدوار الاجتماعية التي يشغلها الأفراد الذين يُكوِّنون العلاقة الاجتماعية؛

      2. وجود مجموعة رموز سلوكية وكلامية ولغوية يستعملها أطراف العلاقة الاجتماعي؛

      3. وجود هدف أو غاية يتوخى العلاقة الاجتماعية إشباعها والإيفاء بالتزامها والعلاقة الاجتماعية بذلك هي عبارة عن روابط متبادلة بين أفراد وجماعات المجتمع، تنشأ عن اتصال بعضهم ببعض وتفاعل بعضهم مع بعض مثل روابط القرابة والجيرة والروابط التي تنشأ بين أعضاء الجمعيات التعاونية. 

     قسّم علماء النفس الاجتماعي وعلماء الاجتماع، العلاقات إلى عدّة أنواع، علاقات على حسب المدة أو الزمن، وعلاقات على حسب التبادل:

    علاقات اجتماعية طويلة الأجل: وهي نموذج التفاعل المتبادل الذي يستمر فترة معينة من الزمن، تؤدي إلى ظهور مجموعة توقعات اجتماعية ثابتة وتعتبر علاقة الدور المتبادل بين الزوج والزوجة على سبيل المثال، حيث يطلق عليها عدنان أبو مصلح في معجمه اسم العلاقات الدموية وهي تلك العلاقات التي تتميز برابط القرابة الدموية، كالعلاقة بين الأبناء والآباء والزوج والزوجة والإخوة والأخواتفهذه العلاقات نجدها في العلاقات الأسرية التي تقوم على القرابة، كما يمكن للعلاقات الجوارية أن تكون طويلة المدى إذا استمر وجود الأسرتان في مكان واحد، وتختفي أو تزول في حالة رحيل إحدى الأسرتيّن، في حين يبقى رابط الجيرة محافظا على قوته الاتصالية بين أسر معينة على الرّغم من التباعد الجغرافي بينهما حيث تقهر أواصر المحبة والذكريات عامل البُعْد.

    كما يمكن أن نُدرج العلاقات الروحية ضمن العلاقات الاجتماعية طويلة الأمد على غرار علاقات الصداقة المُتكون نتيجة لتبادل العلاقة العاطفية والتي تتكون بحتمية تشابه وتجانس أنماط التفكير وظروف العمل. ويسمي عالم الأنثروبولوجيا راد فيلد هذا النوع من العلاقات الطويلة الأمد بالعلاقات العميقة، وهي التي تتمتع بدرجة عالية من الثبات والاستقرار في المجتمع ولا يمكنها أن تزول، لأن هذا إذا افترضنا حدوثه، سيؤدي إلى تغيير جوهري في المجتمع مثال عن الزواج أو العلاقات الأسرية. 

    علاقة اجتماعية محدودة: وهي نموذج للتفاعل الاجتماعي بين شخصين أو أكثر ويمثل هذا النموذج، أبسط وحدة من وحدات التحليل السوسيولوجي، كما أنه ينطوي على الاتصال الهادف والمعرفة المسبقة بسلوك الشخص الآخر، وقد تكون العلاقة الاجتماعية ذات أمد قصير، كما هي الحال في قائد السيارة الذي يريد إقناع رجل الشرطة بأنه ليس مخطأ.


  • الرابط الاجتماعي في فكر رواد النظرية الاجتماعية (فرديناند تونيز واميل دورخيم)

       بوسعنا أن نسمي السوسيولوجيين الأوائل الذين اهتموا بالرابط الاجتماعي: مفكري التمايز أو الفوارق. حيث بانطلاقنا من معاينة وجود تمايز في المجتمع، يسري سوية مع ضرب من التعقّد، استلهم منه تونيز ودورخيم منظورا تصنيفيّا ميّز به الأول، جماعة المجتمع، وميّز به الثاني، التضامن الآلي للتضامن العضوي. شكلت الثورة الفرنسية، في الأفق المنظور للعالميّن، نقطة القطيعة بين مفهوميّ التصنيف. تشتغل ضمن تاريخ علم الاجتماع، « بوصفها أسطورة مؤَسِسة للمجتمع الليبيرالي التعاقديّ »  

       أ/ طبيعة وأشكال الرابط الاجتماعي في فكر فرديناند تونيز - Ferdinand Tönnies:

       ميّز علم الاجتماع الألماني فرديناند تونيز (1855م- 1936م) في كتابه الموسوم بـ العشيرة والمجتمع – Communauté et Société (1887م)، مُرتكزا على مقاربة بسيكولوجية، بين العشيرة التي تولد انطلاقا من العائلةemeinschaft) communauté – ) والمجتمع société (Gesellschaft) المُكوَّن من أملاك وأفراد، مفصولان عضويّا؛ حيث التبادل هو المحتوى الوحيد للحياة الاجتماعية، يبرز بالعقد. في السياق، يرى تونيز أنّ الأفراد يدخلون في علاقة ويشتركون بـ « إرادة أن يكونوا معا » .(Leandro, 1997) غير أنّ ما يُغاير بين العشيرة والمجتمع، هي طريقة التشارك. ففـي الأولى تنشأ الروابط بإرادة عضوية نابعة من روابط الدّم، صلة الرحم، ذوي القربى. هي إرادة ملازمة لطبيعة الانسان، تدفعه للعيش ضمن فصيلة تأويه وعشيرة تحميه.

       يُؤشر المجتمع إلى إرادة التفكير حيث أنّ الروابط التي تنشأ وفق هذه القاعدة تكون مقصودة ومدروسة، بارزة وعقلية. « تنطبع الارادة العضوية على المجتمعات التي تتشكل حـول الوقائع التالـية : العائلة، أواصر الـدم و المشاعر الأصيلة، الشعور بالانتماء، بالأخوة، بالأمومة، بالأبوة، بالصداقة؛ تتكئ هذه الوقائع على العـادات والطقوس وذاكرة العشيرة. فالحق الطبيعي يؤسس واقع الحال. يتم التعبير عن حيـاة العشيرة في حـياة العائلة وفي حياة القرية، وحياة القصر. حيث الاقتصاد العائلي، الفلاحة والفن هي جوهر العشيرة. على العكس يؤكد تونيز، في أفق العقد، (بالنسبة للنظرية التعاقدية وليس البتة الطبيعية للرابط )، على أنّ القانون الايجابي والعقلاني يؤسس المجتمع ويتحكم في العلاقات الأخرى بين الأفراد. الارادة التي تتصدر التنظيم الاجتماعي ليست أبدا إرادة اعتباطية، ولكن مُفَكَر فيها. لا يتماسك التجمع الاجتماعي للأفراد إلا بالتفكير، بالرجاء الأنانيّ في تحصيل الفائدة والمكسب، فالعلاقات البشرية هي بالعموم تجارية ومُهتمَة، يتعلق الأمـر نكرر، بمجموع فرديات يربطها عقد ربحي؛ تكون فيه الهيمنة هي الغاية والرابط لا يبدو سوى ظاهريا. » (Farrugia, 1993: 98-99) حسب تونيز، إذن، يستدعي الانتقال من الجماعة إلى المجتمع التخلي عن جميع الروابط الطبيعية والأصلية التي تربط بين البشر.

       سنكون، حسبه، بصدد تفسخ الأخلاق داخل المجتمع بالمعنى الصّريح للكلمة : « تمثل كلا من المدينة الكبيرة والمجتمع عامة الرّشوة وموت الشعب ». كان على تفكيره أن يُفضي إلى تحليل تاريخي شامل لتطوّر المجتمع المُعاصر، غير أنّه لم يُخلف وراءه غير مقاطع: روح الحقبة المُعاصرة - Geist des Neuzeit (1935م)، تقدُّم ونمو اجتماعي (1926م). ضمن هذا المنظور، قسّم تونيز الإرادة إلى نوعيّن هما: الارادة العضوية -Organique  (Wesenwille) والارادة المفكّرة réfléchie (Kürwille).

       رأى تونيز في القرن التاسع عشر الميلادي المرحلة الأخيرة لتطوّر بطيء في دوافع البشر ليكونوا أو يبقوا مع بعضهم بعضا، مُنْشِئين لتجمعات. هذا التطوّر هو الانتقال من جماعات بالأساس، مبنية على إرادة غريزية، عضوية لتكون معاً إلى جماعات بالأحرى مجتمعية، بمعنى مرتكزة على إرادة أكثر تفكيرية، مرتبطة مع استمرار المصالح الشخصية. باسترجاع عبارات الكاتب، العشيرة تجعل « البشر متحدون بالرغم من كلّ ما يمكن أن يفرقهم » بينما المجتمع « يُفرقهم بالرّغم من كلّ ما يمكن أن يجمعهم » بالنسبة لـ تونيز التقدّم والنمو في العمل (عبر توزيع الرأسمالية والدولة الأمة) يُنذر بزوال العشيرة، بوصفها شكلاّ ساميا للرابط الاجتماعي بتضامنه.

    حيث تتكئ الروابط على علاقات كثيفة مُرتكزة على الجوار والثقة المُتبادلة. عكس المجتمع الذي توصف الروابط فيه بالمُصطنعة بحكم أنها تستجيب لاتباع المصالح الصِّرفة وإذا ليست بالضرورة دائمة لخلوها من المعنى الرمزي على حدّ تعبير فيبر (1921م). كشف تونيز عن تشائم نظير : البُعد المادي للرابط (قصديّته) طغى على بُعده الرمزي (قيّمه)، تكون حينئذ المجتمعات الحديثة  « في خيبة أمل ». لا تجد هذه الخيبة مصدرها في مجيء العقلانية في مجملها، ولكن في مجيء عقلانية لها مقصد، بمعنى أدويّ واقتصادي. يُصبح الرابط بالأساس اقتصاديا، يميل ليكون أقل اشتمالا وإذاً ليزول بسبب انحراف أدواتي يستحيل معه بروز أيّ قيّم مُشتركة وكونية. 

       ب/ طبيعة وأشكال الرابط الاجتماعي في فكر اميل دورخيم - Durkheim Emile :

       اميل دورخيم (1858م- 1917م) يهودي فرنسي يعتبره فريق من الفرنسيين مؤسس علم الاجتماع من منطلق تعريفه لنفسه على أنّه عالم اجتماع، وزعمه السبق في تطوير هذا التخصص الجديد. اهتمت أبحاثه أساسا بالبنيات التي تُمكِّن الأفراد من التكامل وتضمن لهم التماسك الاجتماعي. يرى الباحثون الفرنسيون أنّ ايميل دوخيم هو أول من تناول في أعماله فكرة الرابط الاجتماعي دون الاحالة الصريحة على هذا المُصطلح. والحال، فإنّ مفهوم التضامن الاجتماعيّ الذي جاء به دورخيم (1863) يدل بوضوح على الرابط الذي يربط الفرد بمجتمعه. بهذا المعنى، يُؤدي التضامن دور الرابط الاجتماعي كواحد من  «العناصر التي تجمع الأفراد في ما بينهم » وحتى يفهم كيفية اشتغال الرابط الاجتماعي استعمل دورخيم مفهوم التضامن، الذي هو في الواقع شكل رابط اجتماعي.

       قام بتحليل التطوّر التاريخي لأشكال التضامن المختلفة، ليفضي إلى نموذجيّن مُختلفيّن من المجتمع يقومان على ما سماه « المجتمع الآلي » و« المجتمع العضوي ». ضمن هذا الأفق، يبتعد دورخيم شيئا ما عن المنظور «التونيزي» الذي يرى، أنّ العلاقات الاجتماعية في المجتمع التعاقدي ما هي سوى نتاج عقلانية محسوبة ومُدبرة وربحية. ويؤشر عند تناوله للوعي الجماعي الضروري لحياة المجتمع، على أهمية وجود روابط غير مُفكّرة، أي "تلقائية". كذلك، « يرتكز الاندماج المعياري للمجتمع ويمتد ضمن وبالاندماج الشكلي، أو بتناوب، دون أن يدعي كلا منهما مقدرته على الاتيان بإجابة راضية. » 

       من الواضح، بالنسبة لـ دورخيم، أنّ التماسك الاجتماعي لا يمكن بلوغه بأفراد منعزلين فيما بينهم ولكن باندماج الأفراد بالمجتمع. حسبه، يُشكل المجتمع واقعا مستقلا عن الأفراد المُكوّنين له. « (...) المجتمع، بهيئاته، قيمه هو الأول بالنسبة للأفراد المُكوّنين له والذين لا يصبحون أعضاءً إلا بعد أن تُرسخ فيهم قيمه »، تدلل هذه العبارة على أهمية الألفة الاجتماعية عند هذا العالم. يتمفصل التصور المفاهمي الدورخيمي إذن حول ثلاثة مفاهيم : الفرد، المجتمع والضمير « تعبر هذه الأخيرة عن الرابطة بين الفرد والمجتمع أو تعبر بالأحرى عن الرابط الاجتماعي الذي يجمع الفرد والمجتمع ضمن مستوى تعمل فيه الممارسات الأخلاقية على ترجمة الوحدة بين-ذاتية للجماعة، الهوية الجماعية. والحال، فإنّ وحدة الجماعة الاجتماعية بعنوان الانتماء للمجتمع، تشتغل بالخضوع للضمير الجمعي، المُنجز عقلانيا، حيث يعيشون هذه الطاعة بوصفها انخراط منير. »

    1) تطوّر أشكال التضامن من خلال آلية تقسيم العمل:

       عرف المجتمع الأوربي، مع تطوّر الرأسمالية في القرن التاسع عشر للميلاد، تحوّلات اجتماعية هامة: تهيئة عمرانيّة، تطوّر الصناعة، نزوح ريفي، تصاعد الفردانية، الخ. وشيئا فشيئا أدت علاقات جديدة اجتماعية اقتصادية وسياسية إلى قلب النظام الاجتماعي التقليدي:

         - أدى ضعف الوازع الديني في التمثلات الاجتماعية إلى تراجع سلطة الأديان التي كانت إلى غاية بداية القرن العشرين للميلاد في صميم تنظيم الحياة بالمجتمع؛ - نقص تأثير سلطة العائلة على توجهات أفرادها وسلوكياتهم؛ - تراجع سلطة المؤسسات التقليدية على أفراد المجتمع؛

         - نظام تربوي جديد يَعِد بالنجاح الفردي ويغرس فضائل النظام الجمهوري.

        في نهاية القرن 19م، كان اميل دورخيم، أب علم الاجتماع الفرنسي، شاهدا على جميع هذه التغيّرات حيث تساءل عن كيف سيكون التماسك الاجتماعي مُمكنا في مجتمع لم يعد فيه الرابط الاجتماعي (سمّاه التضامن) على سجيّته لقد أضحى في خطر جراء تنامي الفردانية : « كلما أصبحنا أكثر استقلالية، كلما انحصرت تبعية الفرد أكثر للمجتمع؟ كيف نستطيع في الآن أن نكون أكثر فردانية وأكثر تضامنا ؟ » 

         انطلق دورخيم في دراسته بتحليل سياق الثورات الديموقراطية والصناعية التي قامت في منتصف ونهاية القرن التاسع عشر للميلاد. والتي أدت إلى قلب نماذج الانتاج من وجهة نظر اقتصادية. لقد أدى التطوّر السريع للتصنيع إلى انتاج المنتجات بكميات كبيرة في ظرف وجيز. وأدى تفسخ مراحل الانتاج ذات المهام المُتخصصة إلى توظيف عمال أقل تأهيل ضمن سلسلة العمل. أحدث تخصص المهام الانتاجية إلى ترابط بين كلّ عامل : حيث يحتاج بعضهم بعضا لضمان الأجر. يُسمى هذا التنظيم تقسيم العمل. لكن بالنسبة لـ دورخيم، هل تتعدى الروابط التي يفرضها تقسيم العمل القطاع الصناعي ؟ لقد شرح أنّ ما يجري داخل القطاع الاقتصادي يؤثر في الواقع في جملة الحياة الاجتماعية. والحال فإنّ ظاهرة التخصص في العمل قد انتقلت إلى الوظائف السياسية، الادارية والقضائية. وأُطلق على هذه الظاهرة مصطلح تقسيم العمل.

       تخصص المهام ضمن مجتمع، بين الأفراد، حرف ومهن أو جماعات اجتماعية مختلفة. بهذه الأبعاد الاجتماعية والمؤسساتية، حوّل تقسيم العمل البشر مُترابطين مهنيّا واقتصاديّا. شرح دورخيم كيف أنّ تقسيم العمل يُنتج نظاما بأكمله من الحقوق والواجبات التي تربط البشر ببعضهم بعضا بطريقة مستدامة وتُنشأ إذاً التضامن الاجتماعي. يندرج هذا التقسيم إجمالا ضمن سياق خاص تُبرزه الخطاطة أدناه.

        اعتمد دورخيم في شرح العبور من نموذج إلى آخر على كشف دور التقدم التقني وتحرر الأفراد. أول الشروحات التي وضعها هي زيادة الساكنة، التي تسببت في الحاجة إلى التخصُّص : فكلما تزايد تجمع الأشخاص، يكون تقاسم المهام والانتقال إلى التكامل أكثر ملائمة عوض التمسك بنموذج حيث يشغل كلّ واحد وضعية مُماثلة. بما أنّ تقسيم العمل يؤدي إلى التضامن، فهو يُسلط الضوء على نموذجيّن: الخاص بالمجتمعات التقليدية، يرتكز على تضامن آلي، وخاص بالمجتمعات الحديثة، يرتكز على تضامن عضوي.

       وُجد نموذج التضامن الآلي على مدار تاريخ البشرية، إنه يعني المجتمعات المُسماة بـ التقليدية، بمعنى المجتمعات ما قبل صناعية والمجتمعات البدائية. يتشابه الأفراد ضمن مخططات تنظيم الحياة الاجتماعية، لديهم نفس أساليب العيش والتفكير، الحكم، فهُم متبادلون. الملاحظ على هذه المجتمعات أنها أقل تمايزا بما أنّ الجميع لديهم أدوار مُتشابهة. تجعل هذه التجاورية الأفراد يشعرون بالتضامن والاتحاد. أهمية الجماعة تتجاوز أهمية كلّ واحد، فإذاً الوعيّ الجماعي قويّ جدّا ومُهيّمن على الوعيّ الفردي. لا توجد استقلالية، على الأفراد الخضوع لحركية الجماعة، وإن هم خرجوا عن هذا سيتعرضون للعقاب.

     

     الجدول 1  يُلخِّص منظورات دورخيم

    التصوّر المفاهيمي لـ دورخيم

    التضامن الآلي

    التضامن العضوي

    نوع المجتمع

    تقليدي

    حديث

    مواصفات الأفراد

    مُتشابهة

    مُتمايزة

    الوعي الجماعي

    قوي

    ضعيف

    الفردانية

    ضعيفة

    قوية

    تنظيم العمل

    عمل استقلالي

    تقسيم العمل

    أصل التماسك الاجتماعي

    المجتمع

    تقسيم العمل الاجتماعي

    نوع القانون

    قمعي

    تعويضي

     

     ص ص: 36-53 بتصرف من كتاب: علي نابتي، سوسيولوجيا الربط الاجتماعي مقاربات ونماذج  

     

  • الرابط الاجتماعي في فكر رواد النظرية الاجتماعية (فيبر؛ زيمل؛ كولي)

    أولا/ فكرة الرابط الاجتماعي في اسهامات ماكس فيبر -  Max Weber (1864م – 1920م):
    يبتعد فيبر بطريقة مهمة عن المنظور الشمولي الذي طوّره تونيز وَ دورخيم والقائل بأنّ المجتمع يُمثل حقيقة أولى، تسبق الأفراد وتحتويهم. بالنسبة لـ فيبر فإنّ الفرد هو الذي يُشكّل عنصر القاعدة ويفك شفرة المجتمع. ضمن هذا المنظور، « فإنّ المجتمع يتجسد ويحي بالمعنى الذي يعطيه الفرد لأفعاله ». إذن، هو السبب الذي دفع بـ فيبر إلى الاهتمام بالأفراد، وبالمعنى الذي يعطونه لأفعالهم، وهو الأمر الذي قاده إلى تطوير أطروحته التوافقية التي استهدف بها أساسا رصد وفهم الدّلالات والمبررات التي بوسع الفرد أن يضمنها أفعاله. في السّياق، أولى فيبر عناية خاصة للتفاعلات الاجتماعية والآليات التي تُمكن الأفراد من التواصل في ما بينهم.لدى فيبر، فإنّ النشاط الاجتماعي الموجود في أساس الرابط الاجتماعي بالقدر الذي يجعل « التفاعل الاجتماعي يقود من جهة إلى المشاركة ضمن نسق اجتماعي له مؤسساته، قواعده، عاداته وقوانينه؛ من الجهة الأخرى، يعطي الانسان دلالة لما يقوم به، بمعنى أنّه يضع مقصدا يُمكنه من توجيه فعله ». ضمن هذا المنظور، يُميّز فيبر بين أربعة نماذج مثالية للممارسات الاجتماعية:
     الممارسة الاجتماعية التقليدية، التي تستمد دلالتها من العادة؛ -
     الممارسة الاجتماعية العاطفية التي ترتكز على المشاعر العاطفية؛ -
     الممارسة العقلانية ذات قيم؛ -
    4) الممارسة العقلانية ذات مقصد (عقلانية أداتية). بهذه الطريقة يُشرك كلّ شكل من النشاط في الآن ذاته بُعديّن مختلفيّن وإن كانا مرتبطيّن : بُعد يمكن تصنيفه بالمؤسساتي، يفرض على الأفراد إطارا لممارساتهم يتعلق بالقواعد الواجب اتباعها، وبالسلوكات الواجب تبنيها؛ بُعد أكثر ذاتية يحيل على ما يمنحه الأفراد من دلالة مختلفة لأفعالهم استنادا للنشاط الاجتماعي. فالشخص الذي يلتزم بممارسة اجتماعية عاطفية عليه الخضوع لقوانين خاصة حيث، مثلا، تحتل المعاملة بالمثل مكانة هامة، وتُترجم الوضعية وفق « مقاييس » محدّدة للتبادل العاطفي.
       ويختلف الأمر تماما في حال الفرد الذي ينخرط ضمن ممارسة عقلانية ذات مقصد مثل التبادل التجاري حيث لا تخضع قواعد الاشتغال إلى المعاملة بالمثل، لكن للفعالية والحساب الذهني، وهذا ما يؤثر بشكل بالغ على الدلالة التي تُمنح لسلوك الشخص المُتفاعل معها. « سمحت هذه النماذج المثالية الأربعة للأنشطة لـ فيبر بتمييز نموذجيّن مثاليين للعلاقات الاجتماعية تحيل على تمييز تونيز بين عشيرة ومجتمع : الطابع الجمعي الذي يجمع النموذجين الأوليّن للممارسات والجمعية التي تجمع الأخيريّن. » 
       الطابع الجمعي- la communalisation هو علاقة تضغط على الشعور الذاتي للأفراد المشاركين في تبادل الانتماء لنفس الجماعة : العائلة، العلاقة العاطفية أو الأمة التي تُشكّل أمثلة الطابع الجمعي. أمّا الجمعية فهي علاقة اجتماعية مؤسسة على التوافق وتنسيق المصالح المدفوعة عقلانيا نحو قيمة – مثل النِحل/الطوائف أو بعض الجمعيات غير الربحية - أو بالمحصلة - نستطيع الاشارة إلى المؤسسات الخاصة

    هذا الاهتمام الذي أولاه فيبر لأشكال الممارسة الاجتماعية أفضى به إلى تمييز ثلاثة نماذج مثالية للهيمنة الشرعية: الهيمنة التقليدية التي تحيل على الممارسة التقليدية؛ الهيمنة القانونية - العقلانية - التي تتضمن في الآن ذاته الممارسات العقلانية ذات قيمة وذات مقصد. وبالتالي، يمكن أن نجد العديد من أشكال أو نماذج مثالية للرابط الاجتماعي بنفس الصفة التي يوجد بها العديد من أشكال الهيمنة. لكن بالنسبة لـ فيبر، يكمن المشكل الرئيس في أنّ العقلانية ذات مقصد (عقلانية أداتية للاقتصاد) قد حلت محل الأشكال الأخرى للعقلانية، خاصة العقلانية ذات قيمة. وبالتالي ستعرض التماسك الاجتماعي للخطر. تسمح لنا بعض هذه العناصر بوضع مساهمة تونيز وَ دورخيم في الأفق.

     ومع ذلك، تجدر الاشارة إلى أنّ مسألة الرابط الاجتماعي لا تحتل مكانة راجحة في مُؤلف فيبر مقارنة بالشّيخين تونيز وَ دورخيم. تكمن النقطة التي وجب التنبيه إليها في رفض فيبر اعتبار المجتمع بوصفه حقيقة أولى تستمد كينونتها من عوامل وجودية. يسمح رفض هذا الجوهر الطبيعي للرابط الاجتماعي والمجتمع بالنظر إلى كليهما بوصفه أسساً اجتماعية ووضع فعل الانسان في صميم التفكير واجراء الفهم. وبهذا يُلقي فيبر الضوء على الفرد بوصفه حالاّ لشفرة الحقيقة الاجتماعية وباب ولوج رئيس لفهم الظواهر الاجتماعية. لقد ألح، مثل دورخيم، على البُعد المزدوج للظواهر الاجتماعية، لكن بطريقة مختلفة في الأساس. لئن ألح دورخيم على التمييز بين بُعد موضوعي (مادي/مورفولوجي) وبُعد ذاتي (معياري) للرابط الاجتماعي، فإنّ فيبر يُؤشر على أنّ الفرد مُلزم بالانخراط، غداة تفاعلاته، في هكذا اطار مؤسساتي ومعياري، مع أنّه في الوقت ذاته، يتمتع بسلطة تأويل تسمح له بمنح معنى لفعله.  يجعل هذا المنظور من الفرد فاعلا اجتماعيا قائما بذاته، يُطوّر دلالات رمزية، يُفسر الوضعيات التي يوجد فيها ويمتلك بعض القدرات التفكيرية. ولهذا الغرض، فإنّ الفاعل باستطاعته كذلك تنمية علاقات اجتماعية مختلفة أو بعبارات فيبر، ممارسات اجتماعية تقليدية، عاطفية، عقلانية ذات قيمة أو مقصد. أدخل فيبر عنصرا أساسا آخر يتجلى في التمييز الذي وَسمَه بين ثلاثة أشكال مختلفة من الهيمنة، إذن ثلاثة أشكال مُختلفة من الرابط الاجتماعي. بهذا يكون فيبر قد تجاوز ثنائية تونيز وَ دورخيم ونوّع طرائق التفاعلات المُدرجة في الحسبان عند تحليل الرابط الاجتماعي.

    ثانيا/ فكرة الرابط الاجتماعي في أعمال تشارلز هورتون كولي – Ch. Cooley (1864م- 1929م)   

     اعتبر كولي أنّ الفرد والمجتمع يُشكّلان وَحدة عضوية مُتكاملة، بحيث لا يكتشف الفرد ذاته إلاّ حينما تُصبح ذاتا اجتماعية بانتقالها من النزعة الفطرية الذاتية إلى نزعة اجتماعية آخرية، وعبر هذا التحوّل ينشأ  الرابط الاجتماعي بالانتقال من الشعور بـ الأنا إلى الشعور بـ نحن، فتتقمص ذات الفرد الذوات الاجتماعية للآخرين من خلال مشاركته الوجدانية معهم. وفي خضم هذا الانتقال رصد كولي نوعيّن من الجماعات، صنّفها إلى جماعات أولية وثانوية:

       أ/ الجماعة الأوّلية: وهي الجماعة الصغيرة التي يحتفظ فيها الأعضاء بعلاقة مواجهة - face to face relationship  بحيث يعيش الأفراد في وجود وتفكير بعضهم بعضا وتمارس الجماعة الأوّلية تأثيرا أساسيا حيّا - First hand في تكوين مثاليات الفرد، ومعايير سلوكه، وفكرته عن الخطأ و الصواب. كما تقوم بدور عريض وباق في تكوين الخطوط الرئيسية لشخصية الفرد.   ومن أكبر مظاهر الجماعة الأوّلية حقيقة كونها تزرع في الشخص ما يسمى الشعور بـ النحن - Feeling We فهذا الشعور بكل ما يمتاز به من قـوى انفعالية وجاذبة هو الذي يجعل الشخص "داخل الجماعة " ويفصله عن " الجماعات الخارجية". ويتصل بـ النحن عند كولي الشعور بالتبعية، الذي يعني أنّ الفرد يتقمص مصالحه وميوله - إلى حد ما - ذاته بالآخرين وبجماعته، وبدون الشعور بالتبعية لجماعة أو أخرى وإذا فقد الشعور بالتبعية فإنه يصبح مفكك الشخصية وغير مسؤول اجتماعيا 

     ب/ الجماعة الثانوية: وهي الجماعة التي تكون غير مباشرة في ممارسة التأثير على الأفراد، مثال ذلك: جمعية محلية، نادي رياضي، حزب سياسي، الاتحادات المهنية والنقابية، الطرق الدينية.. الخ، فالعضو لا يعرف إلا القليل من الأعضاء الآخرين، وهو يؤدي وظيفة في الجماعة الثانوية، كواحد فقط بين أعداد لا حصر لها تقريبا وهو شاعر بالآخرين و يستجيب لهم، خصوصا في أوقات مناسبة خاصة قد تمر بها الجماعة، والرأي العام هو إلى حد كبير تعبير الجماعات الثانوية، فبالقدر الذي به يستجيب الفرد للرأي العام أو يساعد في تشكيله أو تغييره يكون مؤديا وظيفته كعضو في جماعة ثانوية

     

  • الرابط الاجتماعي في فكر رواد النظرية الاجتماعية (فيبر؛ زيمل؛ كولي) تابع


       ثالثا/ فكرة الرابط الاجتماعي في أعمال جورج زيمل -   G. Simmel (1858م- 1918م):
        يُثير زيمل في نص قصير موسوم بـ « استطرادات حول الغريب »، علاقة التجاذب بين غريب وجماعة علاقة تنشأ في الآن ذاته من الجوار الجسدي والبُعد الذهني. ما دام الأمر متعلقا بالغريب لارتباطه بجماعة محدّدة مجاليّا، إلاّ أنّه غير منتمي إليها حقيقيا، من منطلق عدم توفره على مجموع العناصر « الموروثة » الخاصة بالجماعة المعنية، وهذا نظرا لولوجه المُتأخر فيها. عندئذ، تصبح العلاقة المعقودة بين الجماعة والغريب مصبوغة في الآن بالبُعد والتجاور. « يدل البُعد داخل العلاقة على أنّ القريب بعيد، لكن عامل الغيرية يدل على أنّ البعيد قريب ». بصيغة أخرى البُعد يُؤشر على الفرق الموجود بين أعضاء الجماعة والغريب، في حين أن المجاورة هي تظاهر الملامح المُشتركة التي يمكن أن تجعل الغريب يحظى، بطريقة ما، بالقبول في الجماعة
       وما دام يُنظر للغريب بوصفه غيريّة فهذا يجعل منه كائنا يمكن فهمه، بالقدر الذي يتقاسم به مع الجماعة عددا معينا من المواصفات، يصبح باستطاعته أن يطوّر بها وصلا.
       ومتى رفضت الجماعة الاعتراف بهذه الملامح المشتركة، تكون بالتالي لا صلة بين الطرفيّن ويجد الغريب نفسه خارج الجماعة. « ما دام يُعامل الغريب من وجهة نظر اختلافاته، سيبقى خارج الجماعة. (...) لكن، ما إن يُدرك من منطلق مشابهاته أو محاكاته، يُعامل باعتباره واحدا من الجماعة؛ التي تصبح مُرغمة على تعديل تمثلاتها الجماعية ». في حال العكس، سيتبوأ الغريب مكانة « امتياز » بالقدر الذي يُمكنه من عرض نظرة موضوعية عن الوضعيات التي يُجابهها.
       الغريب، وِفق جورج زيمل، هو الذي لم يستدمج مجموع معايير وقيم الجماعة التي ينخرط فيها، يكن أكثر حرية في طريقته في فهم الأحداث، لأنه لم يتأثر بالأحكام المُسبقة الحاصلة داخل الجماعة ويصبح قادرا على تشغيل مخططات تحليل أكثر عمومية. ضمن هذا الأفق، بالنسبة للغريب يُشكّل حضوره ضمن الجماعة رهانا خاصا بمقدار الصّلة الهامة لتماسكه الداخلي بالعلاقات التي سينسجها مع هذا العنصر الجديد الذي يُمارس ضغطا على التمثلات الجماعية من خارج الجماعة، وكذلك من داخلها.
    تبقى عملية اندماج الغريب دوما محفوفة بالمخاطر قابلة لمُساءلة وجود الجماعة نفسها إن كانت غير متأكدة من حقيقتها، أو من هويتها، إن كانت غير مُتأكدة من قدرتها على قبول النظرة الموضوعية والنقدية للغريب. العلاقة البشرية هي دائما علاقة بالآخر بوصفه يُمثل الغيريّة، وما العلاقة بالغريب إلاّ واحدة من الأشكال التي يمكن أن تأخذها العلاقات الانسانية. لكن على كلّ حال، توسم العلاقة بالآخر بالصلة بين البُعد والمجاورة.
    في الحالة الخاصة بالغريب، تُحيلنا المجاورة على المشابهات العامة التي يمكن أن توجد بين الغريب والجماعة؛ في حين يعكس البُعد الفكرة التي بموجبها أنّ هذه المشابهة أو التماثل، هي تحديدا، عامة وتُبقي الغريب يتصرف عن بُعد.
    بإدراجه للزوج الاشكالي مجاورة/بُعد، خطى سيمل خطوة أولى باتجاه أخذ الفضاء في الحسبان بوصفه عنصرا مركزيا للعلاقات الاجتماعية. صحيح أنّه لم يفصح عن عبارات الاقليم والعلاقة الفضائية، غير أنّه أورد مفاتيح قراءة ملائمة في هذا الميدان تمكننا من تناول الرابط الاجتماعي من زاوية جديدة والتساؤل عن العلاقة القائمة بين المجاورة الفضائية والمجاورة الاجتماعية، موضوع يُثار غالبا غداة النقاشات حول ملائمة السُّلم المحلي أو الجزئي المحلي (الحيّ) في تحليل العلاقات الاجتماعية، ودراسة الروابط الموجودة بين الأفراد ضمن بنية المجتمع، وفهم معنى تلك التفاعلات وتأويلها.
     وفي هذا، يقول زيمل: « يتبادل الأفراد النظرات، يغارون من بعضهم، يأكلون سوية ويتبادلون الرسائل، يشعرون تجاه بعضهم بالكراهية أو المحبة، يعترفون بالجميل.. إلخ، آلاف الأفعال المؤقتة أو الدائمة، الواعية أو اللاواعية، السطحية السريعة أو الغنية بنتائجها.. إلخ، تربطنا الواحد بالآخر، وهي التي ترعى صلابة الحياة المجتمعية ومرونتها وتنوعها ووحدتها وتماسكها. إن التنظيمات المجتمعية الكبرى والأنساق المجتمعية الكبرى التي تتضمنها فكرة المجتمع ليست أكثر من أساليب وطرائق ووسائل للحفاظ، في أطر مجتمعية باقية ومستقلة، على الأفعال المباشرة التي تربط الأفراد بعضهم ببعض. »
     يتبنى زيمل المقاربة التفاعلية في دراسة الظواهر المجتمعية بمعنى أنه يستعمل المنهجية الكيفية. في حين يستعمل ماكس فيبر المنهج التفهمي، بينما يستخدم دورخيم المنهج التفسيري الوضعي والكمي. ويعني هذا كلّه أن زيمل قد ركز على الفرد في علاقته التفاعلية مع الأفراد الآخرين، ضمن سياق تفاعلي مجتمعي قائم على الفعل ورد الفعل. أي: دراسة العلاقة التفاعلية القائمة بين الفرد والمجتمع، أو دراسة مختلف التفاعلات المتبادلة بين الأفراد، مثل: الصراع، والتنافس، والتعاون، والتضامن، والغيرة، والأهواء والعواطف، والجمعيات، وتبادل الرسائل وغيرها. وهذا يعني الاشتغال على التفاعلات التي تفرزها الحياة اليومية العادية بأشكالها الاجتماعية. كما أن هذه المقاربة التفاعلية ذات طبيعة سياقية مرتبطة بالفعل المتبادل في نطاقه الزماني والمكاني.
    لا يقتصر تحليل زيمل على الفرد، ولا على المجتمع بما هما عليه، بل  يولي اهتماما بالغا بالتفاعل بين هذين القطبين، المُنتجيّن للرابط الاجتماعي. وعلى العكس من دورخيم ينحاز زيمل إلى صيرورة المجتمع، وليس إلى الضغط الذي يمارسه هذا المجتمع. ولهذا السبب سيتكلم بأريحية عن التنشئة الاجتماعية أكثر من حديثه عن المجتمع 
    وعليه، فعلم الاجتماع عند جورج زيمل هو الذي يدرس التفاعل الاجتماعي المتبادل بين الأفراد، داخل سياق مجتمعي معين. ويعني هذا أن زيمل يوفق بين تيارين : تيار فيبر الذي يعنى بالفرد، وتيار دورخيم الذي يهتم بالمجتمع. ومن ثم، فقد ركز زيمل على العلاقة التفاعلية الموجودة بين الفرد والمجتمع، تلك العلاقة التي تتخذ مضمونا وشكلا، وتنتج عنها تأثيرات متبادلة بين الأفراد، سواء أكانت إيجابية أم سلبية.

     

     

     

     

     

      

  • تصنيفات الجماعة ودورها في تشكيل الرابط الاجتماعي


    أولا/ التعريف السوسيولوجي لمفهوم الجماعة:

       يُعرّف سلافو الجماعة بأنها: " تتكون من ثلاثة أشخاص أو أكثر بينهم علاقة ودية، حيث يوجد تأثير قوي متبادل، ونشاط انفعالي مباشر طويل الأمد بين الأفراد الذين يكونونها، ونتيجة لذلك تتعدل شخصية كلّ عضو فيها » ومن جهته، يعرفها عبد العزيز سلامة وَعبد السلام عبد الغفار في كتابهما الموسوم بـ علم النفس الاجتماعي كما يلي: « الجماعة هي وحدة اجتماعية تتكون من عدد من الأفراد، لكل منهم دوره الذي يقوم به، والذي ينظم له علاقاته مع غيره، ويشتركون جميعا في تنظيم معين من المعايير ينظم سلوك كل منهم. فالجماعة سواء أكانت أولية أو ثانوية، أو كانت رسمية أو غير رسمية أو كانت دينية أو ثقافية أو اجتماعية أو سياسية أو غير ذلك من أنواع الجماعات هي؛ عدد من الأفراد الذين يتفاعلون بعضهم مع البعض الآخر ويحدد إدراك الأفراد لطبيعة الأدوار التي يقومون بها، التفاعل الذي يتم بينهم، وبعبارة أخرى ينظم هذا الإدراك العلاقات المختلفة الموجودة بين الأفراد، ويشترك أعضاء الجماعة الواحدة في تنظيم من القيم والمعايير بمثابة إطار يسلكون في ضوئه. وتختلف الجماعات فيما بينها في عدد من الأبعاد؛ فقد تختلف الجماعات في عدد أفرادها كما تختلف في نوع العلاقة الموجودة بين أفرادها، إن كانت علاقات مباشرة أو غير مباشرة، أو كانت علاقات عميقة ووطيدة، أم علاقات سطحية. وتختلف الجماعات أيضا من حيث أهدافها وطبيعة الأعمال التي تقوم بها كما تختلف من حيث مدى الحرية التي يمارسها الفرد في انتمائه إلى الجماعة، أو غير ذلك من الاختلافات التي توضح أبعاد يمكن على أساس منها تقسيم الجماعات إلى أنواع. "

       نلاحظ تقارب التعريفين الآنفين سواء من حيث وجهة نظر الخدمة الاجتماعية أو الاجتماع

    وعلم النفس الاجتماعي، حيث أنه من المعلوم ترابط وتداخل وتكامل العلوم الإنسانية حيث يكمل بعضها البعض الآخر بغية خدمة الإنسان بعد سبر أغواره وهو يسعى في الحياة مع غيره من البشر في علاقاته المختلفة المتبادلة المتداخلة المتغيرة، وهذا ما يؤكده موريس جنزبرج أستاذ علم الاجتماع بجامعة لندن بقوله: " أنّ كل أجزاء الحياة الاجتماعية متداخلة ومرتبطة ارتباطا وثيقا بمعنى أنّ أجزاءه تؤدي وظائفها معا وفي نفس الوقت وأنّ أي تغييرات تطرأ على أيّ جزء منها يؤثر في الكل، وعلى ذلك، فمن المهم إلى أقصى حد أن تدرس المجتمعات من جميع جوانبها الكلية وأن تفهم طبيعة التفاعلات بين عناصرها المختلفة"

    ثانيا/ تصنيفات الجماعة من المنظور السوسيولوجي:

       مثلما ذكرنا آنفا، تعتبر تصنيفات شارلز كولي للجماعات من أكثر التصنيفات شيوعا، حيث صنفها إلى جماعات أولية وجماعات ثانوية. واستلهاما من أفكاره صنّف العلماء والمختصون، الجماعات الإنسانية تصنيفات مختلفة متباينة، وفقا للأساس أو المحور الذي يقيمون عليه التصنيف. ومن هذه التقسيمات: جماعات الجيرة أو الجماعات المتجاورة، والجماعات المحلية والجماعات القومية، في حالة التقسيم على أساس المكان مثلا أمّا في حالة التصنيف على أساس اندماج شخصية الأفراد في الجماعة، فتقسم إلى جماعات أولية و ثانوية، وقد يمكن تقسيمها على أساس العدد أو الجنس أو السن أو العقيدة أو الثقافة أو المهنة وغيرها من التقسيمات.

      إلاّ أنّ أكثر تصنيفات الجماعة أهمية هي تلك التي تقوم على أساس النظر لعنصر الاختيار أو الإجبار في تكوينها أو عضويتها. فهناك التصنيف الثلاثي  لـ ساندرسون Dwinght Sanderson  إلى جماعات غير اختيارية، واختيارية ومفوضة الجماعة غير الاختيارية، هي الجماعة التي تقوم على أساس القرابة

    أو العنصر، فالشخص يولد في جماعة قرابية وفي عنصر سلالي، وليس له خيار في تقرير إلى أي الأسر أو السلالات ينتمي، والجماعة الاختيارية هي الجماعة التي ينضم إليها الشخص باختياره، فله أن يقبل العضوية فيها أو يرفض الدعوة إلى ذلك.   

    قد تكون جماعة منظمة تنظيما راقيا أو غير منظمة كثيرا؛ لكن للفرد في كل الأحوال حرية الانضمام أو الاعتذار، فالجماعة المفوضة هي الجماعة التي ينتخب أو يعين فيها الشخص ممثلا لعدد من الناس، فهو يمثل ضرورة معينة. فالمجالس المنتخبة والهيئات التشريعية جماعات تفويض وهي صورة من الديمقراطية النيابية ذات سلطة معينة تمنح للنواب. 

    وهناك تقسيم هام آخر يظهر بوضوح في التجمعات البشرية ذات الاختصاصات المحددة مثل الوحدات الاقتصادية والمدارس والمصانع، ونعني بذلك: الجماعات الرسمية والجماعات غير الرسمية. أما الجماعات الرسمية فتتكون من عدد من الأشخـاص يعمل كل منهم في تخصصه لتحقيق الأهـداف المنشودة تحت توجيه الإدارة والمسؤولين. والأفراد هنا يعملون كادحين جادين هادفين بكل جهد إلى تحقيق أكبر الانجازات.

    وفي مقابل هذه الجماعات توجد الجماعات غير الرسمية أو غير الشكلية، وهي تعمل بأقل قدر من القواعد وأكبر قدر من الحرية في التفكير والعمل من كل أعضائها، وتجمعاتها وأمورها غير متكلفة، وقادتها غالبا محبوبون من الأفراد، ويمكن بشيء من الكياسة والفطنة استغلال أنشطتها لتحقيق الأهداف المنشودة للجماعة. 

      ويمكن تلخيص علاقات الجماعة غير الرسمية بالجماعة الرسمية التي تنبثق عنها، أو علاقة الجماعة الصغرى بالجماعة الأكبر التي تنظمها أو تشرف عليها - خصوصا في مجال العمل- وما يكون بين كلا النوعين من الجماعات من تأثير وتأثر في النقاط التالية: 

    - تميل معايير و مستويات الجماعة الرسمية الأكبر ( المنظمة الصناعية) إلى التأثير في سلوك الجماعات غير الرسمية الصغيرة؛

       - إذا ما نشأ الاعتراض على بعض معايير المنظمة الأكبر، تصمم الجماعة غير الرسمية التي تعمل وجها لوجه معاييرها وكذلك مستويات مقننات الإنتاج؛

       - وإذا لم تكن الجماعة غير الرسمية قائمة على معارضة معايير المنظمة الأكبر، تقوي الجماعة غير الرسمية (داخل الجماعة الأكثر رسمية) دوافع الوصول لأهداف رسمية أبعد؛

       - ينمي أعضاء الجماعة غير الرسمية تشاطرا منسجما للميول نحو المصلحة المشتركة تميل معه المصلحة الذاتية إلى التبعية و الثانوية؛

       - تهيئ الجماعات غير الرسمية لظهور قادة اجتماعين (غير رسمين) يختارهم الأعضاء تلقائيا ويخضعون لهم أكثر من الخضوع للقائد الرسمي المفروض عليهم بحكم التنظيم؛ 

       - يقوم هؤلاء القادة غير الرسمين بدور أدوات بلورة وتدعيم مستويات فاعلية الجماعة؛

       - عدم التوافق مع معايير الجماعة غير الرسمية (الاجتماعية) يعاقب عليه؛

       - لدى أعضاء الجماعة غير الرسمية استعداد لمعاونة بعضهم بعضا في تحقيق معايير الجماعة؛

       - يتصرف القائد (غير الرسمي) كأداة دفاع كبرى من جماعته في البيئة الخارجية الأوسع للتنظيم الأكبر التي هي جزء منه..؛

       - يظهر تسلسل هرمي للقيادة غير الرسمية في الجماعة، وكلما ارتقت مرتبة العضو داخل الجماعة، كانت فاعلياته أكثر قربا في تماشيها مع معايير الجماعة.

    ثالثا/ الجماعة المرجعية وجماعة العضوية:

       وضع الباحثون الاجتماعيون والسيكولوجيون فروقا مُختلفة بين ما يُعرف بالجماعة المرجعية وجماعة العضوية. أو الجماعة النفسية والجماعة الاجتماعية كما تقتضي العضوية في جماعة ما، أن يستمد الفرد اتجاهاته وقيمه العقلية ومعايير سلوكه منها كأن يكون فردا في أسرة، أو عضو في نقابة، أو طالبات في كلية، أو لاعبا في نادي رياضة؛ فبحكم عضوية الشخص الفعلية، عليه أن يلتزم بولائه لجماعته. غير أنه هنالك تمة ظاهرة مفادها، أن يكون الفرد عضو في جماعة، غير أنّ ميولاته النفسية تدفعه نحو جماعة مختلفة هي التي تسيطر على اتجاهاته وأمانيه وآماله، فتكون هذه الجماعة المرجعية أو النفسية؛ كالفرد من طبقة وسطى ينسب نفسه لأبناء طبقة أعلى ويحاول أن يعيش مثلهم أو يظهر بمظهرهم...الخ 

       فالجماعات المرجعية هي تلك الجماعات التي يرتبط بها الفرد أو يتمنى أن يصبح عضوا فيها.

    ويتقمص الفرد منها في حياته اليومية ما يراه أكثر إشباعا لحاجاته وتحقيقا لرغباته، يشارك أعضائها (من خارج جماعتهم) الدوافع والميول والاتجاهات، ويتجاوب معهم ويتصور جماعة تتكون منه معهم وكأنه عضو عامل يتشرب قيمهم ومعاييرهم ومثلهـم في نفسه، واعتزازه النفسي إنما هو بعضوية هذه الجمـاعة التي تحقق مُثله وأمانيه لا بجماعة العضوية الرسمية التي تضمنه قسرا عنه، أو التي وجد نفسه منتميا إليها دون إرادة أو اختيار في أغلب الأحيان، خصوصا، في مجتمعاتنا الحديثة المعقدة التي " تُقيّد " فيها العضوية بالاسم، فلا يملك الأعضاء غير الانتساب لأسرهم ومعاهدهم، وبيئاتهم، وطبقاتهم الاجتماعية، ونشاطهم المهني أو الترويحي بحكم كونهم أعضاء في هذه الجماعات، حينئذ تكون الجماعة المرجعية هي جماعة الشخص الحقيقية لا جماعة العضوية. لهذا كثيرا ما يظهر التغاير - Discrepency في نفس الفرد بين انتمائه للجماعة المرجعية بحسه وجوارحه وانتسابه لجماعة العضوية، حيث يكون ولاؤه للأولى التي توجه ميوله واتجاهاته وتشبع مطامحه وآماله... أكثر من الثانية التي ليس له بها إلا مجرد الارتباط دون التعلق أو الانتماء العاطفــــي ومجرد التبعية لا التجاوب أو الاندماج. ولهذا التغاير بين العضوية النفسية والعضوية الاجتماعية عواقبه السلبية على الفرد والجماعة كليهما، أثبته مورينو - Moreno في قياساته للعلاقات الاجتماعية وهو يفرق بين البُعد الاجتماعي والبُعد العاطفي أو النفسي، وتنبه لخطورته أيضا علماء الإدارة وهم يفرقون بين التنظيم الرسمي الذي تفرضه اللوائح وخرائط التـوزيع والتنظيم غير الرسمي أو الاجتمـاعي الذي يوجه مشاعـر العمـال واتجاهاتهم نحو العمل والرؤساء والمنظمة على خلاف مـا تقضي به اللوائح غالبا، لأنه هو الذي يحقق أمانيهم ويشبع حاجاتهم. بل إنّ فكرة الجماعة المرجعية في أصل نشأتها وليدة ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بمفهوم الاطار المرجعي Frame of reference للفرد الذي يُحدِد إدراكه للعالم الخارجي واتجاهاته العقلية والاجتماعية نحو الأشياء والأشخاص والمواقف.. كما أنها ثمرة العمل التجريبي على هذه الأطر المرجعية والارتباطات أو المراسي و المرافئ التي تكشف عن ارتباط الفرد النفسي - لا الاجتماعي - بالجماعة. 

       توجد حالات يكون فيها تطابق بين الجماعة المرجعية وجماعة العضوية، فتكون عضوية جماعة واحدة، قد تم باختيار الأعضاء وإرادتهم، ومعاييرها قد تحددت برغبتهم وليست مفروضة عليهم وحيث الجماعة أيضا تشبع حاجات الأعضاء وتحقق آمالهم وأمانيهم بما لا يحتاجون معه إلى التطلع لجماعات أخرى، أو الارتماء في أحضان خارجية، تكون جماعة العضوية هي نفسها الجماعة المرجعية. فليس ثمة ما يمنع إذن من أن تكون عضوية الجماعة هي ذاتها المرجعية، وأن تكون اجتماعية الجماعة سيكولوجية، ولكن الذي يحدث عادة، إزاء تعقد المجتمع الحديث ونظمه وتقاليده، أن تعمد الجماعات إلى الإسراف في التنظيم وفرض القيود والعقبات المحبطة لآمال الأفراد ومشاعرهم داخل الجماعة فيلجؤون بالضرورة إلى خارجها.

       فمثلا في علاقات العمل بين العمال والإدارة تكون لائحة تنظيمية، وتصبح النقابات واتحادات العمال إذن هي الجماعات المرجعية - ولو أنها في نفس الوقت جماعة عضوية - لكنها تكونت بالاختيار ولتحقيق الآمال فهي تجمع بين العضوية والمرجعية.

    رابعا/ الجماعة المرجعية والبناء الاجتماعي للرابط:

       لقد سمحت البحوث التي طبقت على مفهوم الجماعة المرجعية، إلى معرفة خصائص الرابط الاجتماعي، من خلال تفاعل فرد معين مع أفراد آخرين مؤثرا فيهم ومتأثرا بهم. وهذه العلاقة في الرابط الاجتماعي قد تكون واضحة أو خفية، أولية أو ثانوية مباشرة أو غير مباشرة. قد يقف الرابط الاجتماعي وراء التباين الكبير في استيعاب الأفراد واستجابتهم لرسالة الاتصال بل ويعمل على تكامل هذا التباين. فغالبا ما يُقرر الفرد أن يشتري شيئا، أو يُدلي بصوته في الانتخابات، أو يعتنق أفكارا أو معتقدات دينية متأثرا بأناس يثق بهم، كما أنّ إدراك الفرد واستيعابه واستجابته تشكل جزءا من نمط تفاعله مع أعضاء جماعته. 

    أدى التركيز على فهم وضع " المُتلقي " في بناء الرابط الاجتماعي من خلال الاستفادة من نظرية الجماعة المرجعية إلى الأخذ في الحسبان دور الجماعات الأولية التي تساهم في صياغة قيم الفرد و تحديد سلوكه.

    تُعدّ مقاربة روبرت ميرتون من الأبحاث التي حلّلت الكيفية  التي يرتبط بها رد فعل " المُستقبِل " بعضويته في جماعة أولية واحدة حيث أظهرت كيف يتباين رد الفعل وفقا لمشاعر " المُتلقي  " السلبية أو الإيجابية نحو أعضاء الجماعة من جانب والكيفية التي يحدث بها التباين وفقا لموافقته على قيم الجماعة أو معارضته لها. كيف يكون تأثير الجماعات المرجعية على ردود فعل العضو للأنماط المختلفة من الاتصالات ؟ وكيف تكون الاستجابة حين يرتبط رد الفعل بأدواره العديدة باعتباره عضوا في جماعات مرجعية متعددة ؟ أو متصارعة ؟ وكيف أن استجابته تتباين تبعا للأهمية النسبية نحوها ؟   

       يتمحور المنظور السوسيولوجي لموضوع الرابط الاجتماعي حول البيئة الاجتماعية التي تحتضن المُتلقي للرسالة، حيث يتأثر بقيم وأهداف الجماعات المرجعية المختلفة المسؤولة على صياغتها، وهذا ما شكّل اهتمام الدراسات السوسيولوجية، للبحث في الكيفية التي يتم بها صياغة القيم والأهداف، ومصدرها، والبحث عن ماهية الروابط بين الجماعات الأولية وكيف تتكامل داخل البناء الاجتماعي الأكثر شمولا، وبهذا فقد تعدت تلك الدراسات التركيز على المُتلقي وجماعته الأولية فهي تدرس، أولا، العلاقات المتبادلة بين الجماعات الأولية ثم تبحث، ثانيا، عن وضع المُتلقي للرسالة في تلك البيئة الكُليَّة.

     

  • المعايير الاجتماعية ودورها في تشكيل الرابط الاجتماعي

         

       تنتظم الجماعات صغيرة كانت أو كبيرة، حيث يدرك كل فرد فيها مقتضيات الدور الملقى على عاتقه. وتتفق تلك   الجماعات على اتجاهات معينة حيال من ينتمون إليها، حيث يطلق عليهم الأفراد الداخلون في الجماعة -  In-group ومن لا ينتمون إليها ممن يطلق عليهم الخارجون عن الجماعة Out-group، وهي تتطلب من أعضائها نوعا من الاتفاق والموافقة (المسايرة- الانصياع) على أساليب معينة للسلوك بل وقد تتطلب الجماعة من أعضائها درجة معينة من الموافقة في آمالهم وأهدافهم. 
       وتنتظم جميع هذه المتطلبات في شكل مجموعة من المعايير التي تقبلها الجماعة وكلما كان الفرد أكثر تقبلا لهذه المعايير اعتبرته الجماعة فردا ملتزما ومواظبا. ويحتاج الفرد عندما يسلك أو يتفاعل مع غيره في أي موقف من مواقف الحياة إلى إطار مرجعي - Frame of reference به من المؤشرات ما يساعد على اختبار الاستجابة التي يستجيب بها. فإن سئل عن مكان معين فقد يقول بأنّ هذا المكان قريب من موقعه أو بعيد عنه. وفي كلتا الاستجابتين يستجيب الفرد في ضوء إطار معين، فالمكان قريب بالنسبة إلى مفهومه عما هو قريب أو بعيد بالنسبة إلى مفهومه عن البعد. هنا القرب والبعد يحددان من وجهة نظره في ضوء مفهومه الخاص الذي هو بمثابة جزء أو مؤشر من المؤشرات التي تكون إطاره المرجعي. 
       كذلك إن أخذ رأي الفرد في آخر فقد تكون استجابته بأنه شخص تسهل معاملته أو يصعب التعامل معه. وفي الحالتين هو يستجيب على أساس مفهومه عن التعامل ومتى يصبح سهلا أو صعبا ويعتبر مفهومه هنا جزءا من إطاره المرجعي. وعندما يستجيب الفرد إلى مثيرات مألوفة وواضحة المعالم ومحددة فإن استجابته ستتحدد إلى درجة كبيرة بما يدركه من هذه المثيرات وسوف لا نجد اختلافا كبيرا بين الأفراد نظرا لألفة هذه المثيرات ووضوح معالمها. أما إن واجه الفرد مثيرا غريبا عنه وغير محدد المعالم أو غامض، فإن استجابته ستحدد بعدد من  العوامل، منها الداخلية كدوافعه، ومنها مـا استمد منه أو تمثله من خبراته السابقة كقيمه ومعاييره، ومنها ما يرتبط بالموقف وما يتعرض له من ضغوط الجماعة التي ينتمي إليها....وغير ذلك من عوامل قد لا ترتبط بالمثير بصورة موضوعية.
       فإذا انتقلنا من موقف الفرد إلى الموقف الذي يوجد به مجموعة من الأفراد أو جماعة ما، فإننا نلحظ ميلا عند هؤلاء الأفراد إلى تكوين مفهوم معين أو معيار معين عن كيفية الاستجابة إليه؛ بمعنى أنّ الجماعة ستميل إلى تكوين إطار مرجعي معين أو معيار اجتماعي يسلك في ضوئه أفرادها. 
       طبَّق بعض الباحثين مثل مظفر شريف و نيوكمب و ميرتون " نظرية الجماعة المرجعية " على العمليات التي ينتمي إليها الناس - من خلالها – إلى جماعات ويرجعون بسلوكهم إليها. فالجماعة لا تقدم معيارا للسلوك فقط ولكن الجماعة الأولية هي الأكثر أهمية حيث أنها هي التي تعلم الفرد قيمها الخاصة وتصوغ قيم الفرد وفقا لمعتقدات الجماعة. وقد لوحظ وفقا لبعض الدراسات أن إحدى نتائج ميل الفرد إلى تبني الجماعة كمصدر للتوجيه تتمثل في تطور التجانس بدرجة ملحوظة بين أعضاء الجماعة في المواقف والقيم والاتجاهات والعادات وغير ذلك من محددات، هي معايير اجتماعية يرجع إليها الفرد كي تكون موجها لما ينبغي أن يكون سلوكه عليه. فهي بذلك تحدد الأساليب السلوكية المختلفة المتداولة والمقبولة بين أفراد الجماعة، والتي تُيَسر للأفراد تعاملهم بعضهم من بعض، والتي تسهل عليهم التفاعل الاجتماعي. 
        أخذ نيوكمب - Newcomb في تطوير نظريته الاجتماعية فكرة تجانس أعضاء الجماعة في معاييرها الاجتماعية، وشرح كيف أن أعضاءها – خلال عملية التفاعل – يترقبون الثواب أو الجزاء عندما تتحد مواقفهم أو تتفق، ومن ثم يميلون إلى التأثير على بعضهم بعض ليصلوا إلى مواقف متشابهة. من ناحية أخرى فلقد أفضت التجارب التي قام بها مظفر شريف إلى إخضاع هذه الظاهرة النفسية الاجتماعية للبحث العلمي حيث بدأ دراسته بافتراض أن المعايير الاجتماعية هي نتيجة للتفاعل الذي يحدث بين الأفراد وهي كذلك مثير اجتماعي يؤثر على أفراد الجماعة التي تقبلها. وأنه يمكن على أساس هذه الافتراضات إخضاع تكون المعايير الاجتماعية للبحث التجريبي.
        إننا نعيش حياة مليئة بالمواقف والقضايا التي تتطلب الوصول إل رأي بشأنها، وقد يكون لكل منا رأي إزاءها أو قد يجتمع أفراد الجماعات المختلفة ويبدي كل منهم رأيا. وقد يحدث التغير الذي حدث في التجربة السابقة فيصل الجميع إلى رأي معين، ويصبح هذا الرأي ملزما لنا إلى حد كبير سواء تناول هذا الرأي أسلوبا سلوكيا معينا في موقف معين، و اتجاها أو قيمة، وهكذا تتكون التقاليد و العادات المتعارف عليها. وبمثل هذه الطريقة أيضا يرى الباحثون في علم النفس الاجتماعي أن المعايير الاجتماعية تتكون لدى الأفراد.
       ويكتسب أفراد الجماعة هذه المعايير في أثناء مراحل نموهم المختلفة، فهم يكافئون إن صدر عنهم السلوك المرضي عنه من آبائهم في مراحل نموهم الأولى، وهم أيضا يعاقبون إن أتوا سلوكا لا ترض عنه الأسرة التي تعتبر بمثابة حلقة الوصل بين الثقافة السائدة في المجتمع و الطفل، فإذا ما شب الطفل عن الطوق وانتقل إلى مراحل أخرى من مراحل النمو، أصبح المجتمع الجهة التي تكافئ و التي تعاقب الفرد إن هو التزم في سلوكه بمعايير المجتمع، وإن خرج عن هذه المعايير الاجتماعية.  
       تؤشر الأبحاث التي قام بها إميل دورخيم عند دراسته للدين والعقل الجمعي، إلى أنّ الجماعة الاجتماعية هي المسئولة عن تكوين الدّين والأخلاق والتعبير عن ذلك رمزيا، فهو يرفض تفسير الدّين على أنّه نتاج تقسيمات عقلية زائفة أو توهم ناجم عن ضغط مشاعر معينة؛ ويعتقد دورخيم أنّ القيم والقواعد الخاصة بأيّ مجتمع تكون بالنسبة لأعضائه في مكانة عليا وفوق كل الأفراد وكل عضو يدرك هذه القيم والقواعد السلوكية ويدرك أن لها وجود مستقل عنه ولها القدرة على إكراهه على الالتزام بها. يُعتبر بناء الجماعة عند دورخيم متغيرا مستقلا والدّين فيه متغيرا تابعا، ولكن من الناحية الوظيفية يرى أنّ الدّين من دعامات بناء اجتماعي معين، عن طريق منع الانحراف وتحديد مجريات التغيير وإعطاء سلطة مُقدّسة للقواعد والقيم الثابتة للجماعة.
       أمّا ماكس فيبر فقد تعرض إلى مفاهيم الرّوح، الأخلاق والرأسمالية في مقالته (1908) عن الأخلاق البروستانتية  فالبروتستانت حسب "مبدأ كالفن"، كما يؤكد فيبر متحمسين للفكر في عملهم اليومي بأي مهنة على اعتبار أنها وسيلة يقدمون من خلالها الشكر لله. أعطى فيبر أهمية قصوى لدور الأفكار في بناء الرابط الاجتماعي حيث رأى بأنه يمكن فهم البواعث الأخلاقية لتلك العقائد على أنها استجابة للاهتمامات المادية والفكرية للجماعات الاجتماعية، كما يمكن فهمها على أنها تأثيرات اجتماعية شكلية ومستقلة للإلهامات الدينية و الشخصيات الكارزمية. انصب مجهود فيبر في أساسه على تحليل الظروف الاجتماعية التي من خلالها، أصبح الإلهام الكرزماتي للأقلية أسلوبا للجماعة المتميزة والتي أصبحت فيها بعد التوجيه السائد. لا ينتمي الفرد إلى جماعة واحدة بل إلى جماعات متعددة وقد تطغى جماعة ما على أخرى، فإن كانت قيم هذه الجماعـات متفقة أو متصالحة فإن مساحة الصراع ستنحصر، أما إن كانت هذه القيم في حالة صراع وتنافر فسيكون الفرد في موقف صراع أو ضغوط متعارضة.
    من جهته، يرى كارل ماركس أن الدّين مظهر من علاقة معينة للتفاعل وليس انعكاس مباشر للعلاقة البنائية بين الأفراد والجماعات. لخص ماركس أفكاره عن الدّين في عبارته الشهيرة: " أنّ الدّين هو أنين الكائن المضطهد،   وقلب العالم عديم الرحمة، وحس الظروف القاسية، إنه أفيون الشعب. " أراد انجلز وماركس أن يبينا أنّ الدّين يمكن أن يكون وسيلة للاعتراض والقبول والخضوع، فالأفكار الدينية لها أهمية عليا في أي نسق يتعلق بالفعل الاجتماعي أو التغير الاجتماعي.
    ثانيا/ العوامل المساعدة على تقوية المعايير الاجتماعية:
       يختلف أفراد المجتمع فيما بينهم في مدى التزامهم بالمعايير الاجتماعية السائدة، فالبعض يلتزم بها في سلوكه بمواظبة واستمرارية والبعض الآخر قد يلتزم بأجزاء منها ، وهناك من يخرج عن دائرة تلك المعايير ولا يعترف بها. وقد تناولت بعض الأبحاث العوامل التي قد تؤدي إلى التزام الفرد بالمعايير الاجتماعية. ونورد بعضا من العوامل التي توصل إليها الباحث سولومون آش وآخرون (1951) إذ تشير نتائج ما قاموا به من دراسات إلى أن ميل الفرد لقبول آراء الآخرين يزداد في وجود ظروف معينة أو عوامل معينة، منها ما يأتي: 
    - أن تكون الدلائل المقدمة من الآخرين مقنعة، إما بسبب الاتفاق التام بين الآخرين، أو لثقة الفرد في أحكام هؤلاء الآخرين،
    - أن تكون الدلائل لدى الفرد غامضة،
    - أن يتسع الاختلاف بين رأي الفرد و رأي الآخرين،
    - أن تنخفض ثقته في مدى صحة إدراكه،
    - أن يكون عل معرفة بأن الآخرين يعلمون عن اختلاف رأيه عن رأيهم.
       وهناك أيضا عوامل تقف وراء تحديد مدى استعداد الفرد للاتفاق مع الآخرين، أو مدى التزامه بالمعايير الاجتماعية نذكر من هذه العوامل بعض سمات شخصية الفرد، ونخص بالذكر ما يشير إليه مكدافيد (1959) حيث اعتبر الاتفاق مع الآخرين أو الموافقة بمثابة حل لصراع داخلي، كما استطاع التعرف على صفتين مختلفتين ترتبطان بهذه الظاهرة؛ فهنالك من يهتم بمصدر الرسالة، وهناك من يهتم بمضمون الرسالة. 
    وقد وجد مكدافيد في إحدى تجاربه أن هؤلاء الذين يهتمون بمصدر الرسالة يتوافقون مع الآخرين أسرع من هؤلاء الذين يهتمون بمضمون الرسالة، وبصفة عامة نجد أن من يهتم بعلاقاته مع الآخرين يحل ذلك الصراع المعرفي الناشئ عن الاختلاف بين رأيه ورأي الآخرين بالموافقة أو التوافق. وقد أظهرت العديد من الدراسات التي أجريت في مجال دينامية الجماعة أن عضوية الفرد فيها وشعوره بالانتماء إلى ثقافة معينة وحرصه على علاقاته مع أعضاء الجماعة تعتبر بمثابة عامل هام من وامل الالتزام بمعايير الجماعة.
    وكلما كان الفرد حريصا على انتمائه للجماعة ازداد ميله إلى الحفاظ على عضويته داخلها دونما الحرص على بلوغ الوضوح المعرفي. فكلما تماسكت الجماعة التي ينتمي إليها الفرد، ازدادت محاولات تأثيرها في أعضائها، وكذلك ازدادت الضغوط التي توقعها على أعضائها بنية الالتزام بمعاييرها، وبالأخص إذا تبين للجماعة بأنّ التزام الأفراد بمعاييرها ضروري لتحقيق أهدافها. كما يعتبر مدى التقدير الذي يخص به الأفراد أهداف الجماعة بمثابة عامل آخر يقوي من التزام الفرد بمعاييرها.
    وهكذا تتفق كل جماعة على معايير، تحدد الإطار العام الذي ينشط فيه أعضاؤها وتصر على إكساب أفرادها ما اتفقت عليه من معايير في خضم مراحل نموهم المختلفة، كما تمارس ضغوطا على الأفراد كي يلتزموا بهذه المعايير بغية ترسيخها.
    ثالثا/ مُدخل المسايرة الاجتماعية (الامتثال) في تحليل الرابط الاجتماعي:
       تُعرّف المسايرة أو الامتثال بأنّها التزام الأفراد بالمعايير الاجتماعية السائدة في الجماعة أو المجتمع. ومن الدراسات التي انصبت على تأثير الجماعة على سلوك الفرد تلك الدراسات التي بدأت منذ عشرينيات القرن الماضي كذلك والتي عدّلت من مفهوم معايير الجماعة وتوجهت إلى تحليل أدق لتأثير سلوك الفرد بالجماعة عن طرق دراسة ظاهرة المسايرة أو الانصياع، نخص بالذكر الباحث سولومون آش بوصفه من أبرز الباحثين في هذا المضمار، حيث استحدث منهجا أضحى دليلا لكثير من الدارسين.
       ويتلخص هذا المنهج في استخدام الباحث نوعين من المفحوصين الجماعة الأولى يتفق معها الباحث ليكون أفرادها مخيرين له، يُبيِّن لهم مسبقا نوع السلوك الذي ينبغي أن يصدر عنهم؛ أما الجماعة الثانية فهم الذين لا يوجههم الباحث توجيها مسبقا ويكون سلوكهم أصيلا حقيقيا معبرا عن ذواتهم بالفعل.
       في السياق، لاحظ من جهته الباحث كرتشفيلد أنّ إجراء هذا النوع من التجارب على عينات من المثقفين المشتغلين بالمهن الراقية من قبيل الطب والهندسة والمحاماة يؤدي إلى المسايرة والانصياع لا في الأعمال المتعلقة بإصدار الأحكام على المدركات فقط بل وكذلك في التعبير عن الاتجاهات المتصلة بأمور خارجية عن الفرد والاتجاهات المتصلة بالفرد نفسه، والتي تكون من نوع « أنا أشك في أنّ لي القدرة على قيادة الآخرين والتأثير فيهم » كما استخدم كرتشفيلد بعض العبارات المتصلة بقضايا اجتماعية مثل: « حرية التعبير عن الرأي منحة وليست حقا ولهذا فإنّ من اللائق أن يُعطل المجتمع هذه الحرية، إن وجد نفسه في موقف ينطوي على شيء من الخطر أو التهديد. » أما المفحوصون الأبرياء الذين كانوا يواجهون موافقة إجماعية من جانب المفحوصين الاخباريين فقد جنح 58% منهم إلى الموافقة على هذه العبارة، على حين لم يوافق عليها أكثر من 19من أفراد المجموعة الضابطة. وبذلك تبين في وضوح أن ما يكون للجماعة من ضغط وسلطان على أفرادها يحملهم على تغيير اتجاهاتهم أو تغيير التعبير عنها. 
       ومن النتائج التي توصل إليها الباحث أيضا أن هناك فروقا فردية بين الناس من حيث مدى الاستعداد للمسايرة بمعنى أنه كان من بين المفحوصين الأبرياء من إنصاع في 17 مرة من جملة المرات التي تعرض فيها لضغط الجماعة والتي بلغت 21 مرة، على أنه كان من بينهم من إنصاع مرة واحدة فقط. ونظرا لأن الدراسات التي تعرضنا إليها، لم تقف على الأسباب التي تحمل الناس على المسايرة، قام بعض الباحثين من أمثال إدوارد واكر وَ هاينز باستخدام صورة معدلة من منهج  آش وَ كرتشفيلد للتعرف على أسباب المسايرة؛ فمن بين ما أفضت إليه نتائجهم أن المسايرة نوع من السلوك الذي يعين الفرد على تقبل الجماعة له ورضاها عنه، بعد أن توصلوا إلى أن المسايرة تزداد كلما كانت الجماعة أكثر جاذبية للفرد المساير أي كلما كان الائتمان لهذه الجماعة مؤديا إلى قدر أكبر من الإثارة الاجتماعية، أي أن الفرد يكون أميل إلى الانصياع لمعايير الجماعة التي يحرص على تقبلها له و يكون أميل إلى التمرد من الجماعات التي لا يرى في الائتمان إليها نوعا من الإشباع له. ولما كان لكلّ فرد عددا من الجماعات التي يحرص على تقبلها له، نجد أن لدى كل فرد، مهما كانت شخصيته، قدرا من الميل إلى المسايرة متى كانت الظروف ملائمة.
       إنّ أكثر أنواع المسايرة شيوعاً هما: المسايرة الاجتماعية والمسايرة الفردية. ويُقصد بالمسايرة الاجتماعية تغيير اتجاهات الجماعة، حتى تُساير المعايير السائدة والجديدة، وقد بيّنت الدراسات اختلاف المُسايرة الاجتماعية من مجتمع لآخر، ومن ثقافة لأخرى. ومرد ذلك إلى الفروق الاجتماعية والسياسية والجغرافية والأسرية والتربوية في كلّ مجتمع. أما المسايرة الفردية فهي تأثر الفرد في أحكامه بوجود الآخرين، بحيث يجعل اتجاهه موافقا مع ما تذهب إليه غالبية الجماعة. وهناك عوامل متعددة تؤدي إلى المسايرة الفردية :
       - كلما زاد ذكاء الفرد كانت مسايرته التلقائية أضعف وأقل، وذلك لقدرته على الفحص والتمحيص والدراسة المُتأنية للمواقف والمعايير؛
       - تتأثر مسايرة الفرد بدرجة اعتماده على الآخرين، كلما كان الآخرون أكثر خبرة وأرقى مكانة منه؛
       - تتوقف المسايرة الفردية على مدى إدراك الفرد لمعايير الجماعة، ذلك أنّ الأفراد لا يدركون معايير الجماعة بالدرجة نفسها؛ بل إنّ بعض الأفراد يكون إدراكهم لمعايير الجماعة وفقاً لظنهم، وليس لما هو مُعلن ومعروف. ومما سهم في تفاوت إدراك الأفراد لمعايير الجماعة غموض تلك المعايير ذاتها؛
       - يُعَد غموض الموقف أساسا مُهما لمسايرة الفرد؛ فكلما ازداد غموض الموقف يزداد اعتماد الفرد على أعضاء الجماعة وعلى ما لديهم من معلومات، ومسايرتهم في أحكامهم، على اعتبار أنّ الجماعة هي المرجع الذي يعتمد عليه في مواجهة مثل هذا الموقف الغامض.


     

  • شبكة العلاقات وتشكيل الرّابط الاجتماعي

       هل يُعتبر عالم الاناسة والاجتماع البريطاني جون أروندل بارنز- (1918م-2010م) السَّباق إلى إبداع فكرة شبكة العلاقة الاجتماعية (1954) ؟ هو لا يدعي هذا : يُبيّن ما سبق كيف يندرج هو ذاته ضمن تقليد فكري هام. ولا يقول بأولية التحدث عن « الشبكات الاجتماعية »  إذ سبق لـ اميل دورخيم توظيف هذا المصطلح: « العالم منجز من عدد لا يُعد من الشبكات التي تُوحِد الأشياء والكائنات ببعضها بعضا »، هكذا كتب في الدرس الرابع الموسوم بـ نفعية وعلم اجتماع (1913م-1914م)، حيث كان لديه حتى حدس انتقالية العلاقات، ضمن مصطلحات نجدها عند بارنز : « يُحصر البشر داخل شبكات واسعة من العلاقات الاجتماعية، هكذا، نفترض أنّ "أ" يعرف "ب"، أنّ "ب" يعرف "ج"، أنّ "ج" يعرف "د" : نستطيع إذاً تمرير رسالة من "أ" إلى "د" ». يحضر المصطلح كذلك عند جاكوب مورينو- Jacob Moreno باعتباره واحدا من الرواد الأوائل في تحليل الشبكات: ضمن فصل الأسس السوسيوميترية المُخصصة « للتيارات البسيكولوجية »، يعتبر في الواقع أنّ هذه التيارات تتكون من التعاطف والعداء، « لا تتخط خطوط الجماعة بشكل عشوائي وأحيانا حتى خطوط المجتمع، تعتمد على البنيات الدائمة تقريبا التي تجمع الأفراد ضمن شبكات واسعة » 
       إنّ الاستحقاق الأول لمقال بارنز، وهو ما يمنحه بطريقة ما السبق الافتتاحي، هو عدم الاقتصار على الاستخدام المجازي لمفهوم الشبكة الاجتماعية، بل في الآن ذاته مُؤَسَس تجريبياً وتحليلي بشكل صحيح  لوصف طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تأكد له أنها هامة في فهم السلوك الاجتماعي، والتي لم تكن موجودة في المفاهيم البنائية مثل الجماعات التي قامت على المواقع الإقليمية أو على الأنشطة الوظيفية. وفي سياق مُتصل، قامت بوت- Bott بتطوير مفهوم الشبكة الذي استخدمه بارنز وحولته إلى مفهوم مفيد من الناحية التحليلية، خصوصا في دراستها عن الأدوار الزواجية في العائلات اللندنية، وفي هذه الدراسة ماثلت بوت بين المميزات المورفولوجية لشبكات العائلات التي كانت تدرسها من ناحية، وبين توزيع الأدوار داخل العائلة. على خطى بوت استخدم فيليب ماير - Phillip Mayer وزميله بو- Pauw فكرة الشبكة الاجتماعية ليكشفوا سلوك مختلف أنماط المهاجرين، وسكان المدن المستوطنين في مدينة بجنوب إفريقيا وقد ركزوا في بحثهم على أهم نقطة وضعتها بوت وهي أنّ سلوك الأعضاء في جماعة من الأصدقاء يتأثر برغبات وتوقعات أولئك الأصدقاء ككل، بينما الزملاء الذين لا يعرف كل منهم الآخر من الممكن أن يسلكوا بطريقة مختلفة ومتغيرة من وقت لآخر. 
       وقد رأى إبستين- Epstein (1961) عند دراسته للعلاقات الاجتماعية أن تقسيم بوت لشبكات العلاقات الاجتماعية إلى أنماط مغلقة وأخرى مفتوحة، يمكن تطبيقه على الشبكات الفردية فالأجزاء المغلقة نسبيا تشكل شبكة مؤثرة وفعالة، أما الجزء المفتوح نسبيا فيشكل شبكة ممتدة. أما الإطار الذي كان يعمل داخله بارنز في هذا الوقت فقد تأثر بالمدخل البنائي، لاسيما أعمال إيفانز بريتشارد - Evans Pritchard وَ فورتيس- Fortes في الفترة ما بين  1940م- 1950م ففي هذا المدخل انعكس أيضا، في الكثير من دراسات علم الاجتماع الأمريكي في نفس الفترة تفسير سلوك الأفراد في ضوء عضويتهم في الجماعات المنتمين إليها وارتباطهم بالنظم الاجتماعية، وفي نهاية المدى بالجماعات الصغيرة في حدود التفاعل داخل هذه الجماعات. 
    1/ خواص الشبكات الاجتماعية:
       رأى الباحثون الذين استخدموا فكرة شبكة العلاقات أنه من الضروري توضيح خواص تلك الشبكات لتفسير المادة الحقلية، فقد ركزوا على طبيعة العلاقات بين الناس في الشبكة على أنها أهم خاصية. إن الدراسات التي أجريت على شبكة العلاقات تظهر بعض الخواص المورفولوجية أو الشكلية كما تظهر خواص تفاعلية عديدة. 
       أ-المعايير أو الخواص المورفولوجية 
       أ.1. البداية أو المرسى: يتحدّد مبدأ الشبكة بعنصريّن : الاتصالات والرابطات بين الاتصالات. كلما تزايدت اتصالات المرء كلما أصبحت شبكته أكثر أهمية لاسيما من حيث نفعية قدرته على تداول الأخبار. بمرور الوقت، تتعقد الشبكات إلى درجة يُشتبه فيها بين الاتصالات والرابطات. في خضم كلّ هذا، تتعلق المسألة كذلك بالعاطفة والشعور. 
       قد يكون اتصال أ1 معزولا بالرغم من أنّ لديه نوعيّات، ومواصفات هامة إلاّ أنّ عزلته تجعل مصادره ميّتة بما أنّ أي شخص لا يستطيع استعمالها وحتى هو لا يمكنه استعمال نوعيات الآخرين. مثال: مُخترع موهوب في تطوير طُرق تحسين الريّ الفلاحي معزول في بلدة صحراوية. لئن تكون اختراعاته نافعة وقوية إلا أنّه ليس لديه أيّ رابط. تبدأ الشبكة الاجتماعية من نقطة أولية، عادة ما تبدأ بالفرد على اعتبار أن تلك الشبكة متمركزة على "الأنا"، ويُدلل بارنز على أنّ شبكة العلاقات يمكن أن تبدأ بجماعة، حيث في الشبكة الاجتماعية ذاتها تتعدد العلاقات الاجتماعية بين الناس.
    أ.2. الامتداد أو المدى: يشير المدى إلى أنّ كلّ شخص يمكنه الاتصال داخل عدد صغير من النقاط إلى أن تتجمع الشبكة في نقطة واحدة، فالدرجة التي يتأثر بها سلوك الفرد بعلاقاته مع الآخرين تتحدد بمقدار العلاقات التي تربطه بغيره من الأفراد المهمين بالنسبة له في الجماعة، أو بمعنى آخر المقدار الذي يمكن أن يتصل به الفرد من أفراد المهمين بالنسبة له من خلال تلك العلاقات. يقول برنز في هذا الصّدد : « كلّ فرد له عدد من الأصدقاء، وهؤلاء الأصدقاء لديهم أصدقاؤهم؛ بعض من أصدقائهم يتعارفون في ما بينهم، وآخرون لا يعرفون بعضهم بعضا. يبدو لي من الأجدى الحديث عن شبكة لتحديد هذا المجال الاجتماعي. الصورة التي برأسي هي جملة من النقاط تربطها خطوط. نقاط هذه الصورة هم الأفراد، أو أحيانا جماعات، والخطوط تُؤشر إلى الأشخاص المُتفاعلين في ما بينهم. »   
       أ.3. الكثافـة: عندما تكون العلاقات بين الأفراد كبيرة، ويعرف كل منهم الآخر، تكون الشبكة كثيفة وقوية ومندمجة، لهذا فإن مصطلح الكثافة الذي أطلقه بارنز يستخدم بالمعنى الذي تستخدم به فكرة التمام الذي يشير إلى المقدار الذي يعرف به كل فرد داخل نطاق العلاقات الذاتية كل فرد آخر.
       أ.4. المجــال: هناك أفراد لهم علاقات عديدة مباشرة بينما هناك آخرون لهم علاقات قليلة، فمجال الفئة الأولى أو عدد الأفراد الذين تربطهم علاقات مباشرة، مع الفرد داخل الشبكة لها دلالة هامة في الشبكة الشخصية؛ فبالنسبة لـ ويلدون فإنّ المجال عبارة عن عدد الأفراد الذين تربطهم علاقات مباشرة بالشخص Ego، والذين لا تربطهم علاقات بالأشخاص الآخرين، فالفرد الذي يتصل ويرتبط بثلاثين فردا يختلفون عنه كثيرا في الخلفيات الاجتماعية ستكون شبكته واسعة المجال، عن أي شخص آخر له اتصالات بثلاثين شخصا ينتمون إلى نفس الخلفية الاجتماعية العامة التي ينتمي إليها هذا الشخص.
     2/المعايير أو الخواص التفاعلية
     أ.1. المضمون:
       إنّ أهم جانب تفاعلي للعلاقات في الشبكة الشخصية من وجهة النظر السوسيولوجية هي التي تتعلق بالمعاني التي ينسبها الفرد لعلاقاته في الشبكة، أو بمعنى آخر المعاني التي يضفيها الفرد على علاقاته سواء كانت علاقات اقتصادية أو دينية أو اجتماعية...، فعلاقة الفرد بالناس الذين يتفاعل معهم تأتي إلى الوجود لغرض معين، أو بسبب بعض الاهتمامات التي يعترف بها بعض أو كل الأطراف، و مضمون الروابط في شبكة الفرد ربما يكون معونة اقتصادية أو التزام قرابي، أو تعاون ديني أو ربما صداقة والقائمون بهذا السلوك، يتصرفون في حدود المعايير و القيم و المعتقدات التي ينخرطون فيها. 
    ويشير كابفرر- Kapferer إلى أن مضمون التفاعل هو التبادل، وهو يميّزه عن فكرة المضمون التي استخدمتها ويلدون حيث أنّ مضمونها يشير إلى السياق المعياري الذي يحدث فيه التفاعل مثل القرابة والصّداقة، والمعتقدات الدينية الشائعة.. إلخ. فمضمون العلاقة في شبكة العلاقـات الاجتماعية غير ظاهر ولا يلاحظ مباشرة، حيث يستدل عليه في السياق العادي للمبحث.
       ب.2. الاتجـاه: عندما يختار فرد فردا آخر على أنه صديقه دون أن يكون هذا الاختيار متبادلا، تكون العلاقة هنا ذات اتجاه واحد فقط، هذه المشكلة انصبت عليها جهود الدّراسات السوسيومترية، أما في دراسات الشبكات الاجتماعية فإنّ اتجاه العلاقات لا تكون له أهمية، حيث أنها تكون متبادلة، ففي الشبكات التي درسها كل من بارنز وَ بوت كانت أغلبية المضامين: قرابة، وصداقة، وجيرة، وهي علاقات تبادلية، ولا أهمية فيها للاتجاه.
     ج.3. الاستمـرارية:
       الشبكة توجد باعتراف وتسليم الناس بمجموعة من الالتزامات والحقوق مع غيرهم من الأفراد وتكوين علاقات معترف بها لغرض ما، لإنجاز موضوع ما، أو اكتساب بعض المعلومات، أو التأثير في بعض الأفراد الآخرين.
       وتلك الحقوق المعترف بها والالتزامات تعتبر علاقات فعالة في الجماعة التي تأتي إلى الوجود لموضوع معين وتختفي ثانية بانتهاء هذا الموضوع. ولكن التوقعات الواعية والواضحة التي يقيمها الناس مع غيرهم ممن يعرفونهم تستمر وتدوم لأطول فترة أكثر من عملية الاتصال نفسها، كما هو الحال في حالة القرابة وتستمر مـدى فترة حياة الشخص. إنّ الملاحظ أو الباحث لا يدرك إلا العلاقات التي تعتبر مؤثرة ويستخدمها المبحوث في أي لحظة والتي يرى الباحث أنها تكتسي أهمية في المشكلة التي يعالجها. وقد ذهبت بوت إلى حد القول :« استخدمت كلمة العقدة المربوطة أو المعقودة - Close Knit، لأصف تلك الشبكة التي تتميز بالعديد من العلاقات بين وحداتها، واستخدمت كلمة العقدة المحلولة - Losse Knit لأصف الشبكة التي تتميز بالعلاقات القليلة. » هناك علاقات تقوم بين مجموعة من الناس لتتفاعل مع أزمة معينة، مثل تلك المجموعة التي وصفها بوسويل- Boswell والتي تحركت لتشارك في المأتم الذي أقامته المرأة الغريبة التي توفيت أختها في المستشفى ، فهذه العلاقات أتت إلى الوجود لهدف و لغرض معين استمر لعدة أيام، و انتهت بانتهاء الموقف والهدف.
       وعلى صعيد آخر هناك شبكات دائمة ومستمرة، وهي عبارة عن وسائل للعديد من المعاملات قبل وبعد الحدث الذي يعتبر نقطة التحليل، إن المجموعة الواضحة من الحقوق المعترف بها، و المسؤوليات التي تظهر منها شبكة شخصية أو شبكة مجموعة من الأفراد تتغير باستمرار، فمن بين النتائج التي توصلت إليها بوت في أبحاثها قولها: « أن من بين العشرين عائلة التي درستهم كانت هناك خمس عائلات في تغيير دائم لشبكة علاقاتهم. »
     د.4. الشدة أو القـوة:
       شدة العلاقة أو قوتها في الشبكة الشخصية تشير إلى الدرجة التي يقبل بها الأفراد الالتزامات، فشدة علاقات الفرد بقريبه أو صهره- على سبيل المثال- لا شك أنها أقوى من علاقات هذا الفرد بجاره. وقد استخدم ريدر- Reader تعريفا مطابقا ومماثلا لمفهوم الشدة وهو مفهوم القوة، ويقصد به شدة العلاقات التي تربط فردا بآخر، وكثيرا ما تكون هناك علاقات قوية بين بعض الأفراد على الرغم من البعد الفيزيقي أو اتساع المسافة بينهم، فالناس الذين تحركوا حديثا ليعيشوا في منازل حديثة والذين كانت تربطهم علاقات الجيرة والصداقة بسكان المنطقة التي تحركوا منها، وكذلك العلاقات التي تظل بين العمال المهاجرين وأسرهم؛ كلها تعتبر أمثلة لهذا النمط من العلاقات القوية. والنقطة الجوهرية هنا هي أنه على الرغم من قلة الاتصال بين الفرد وبقية أفراد الشبكة، فإن شدة وقوة العلاقات تكون مؤثرة وفعالة وتعوض عن هذا النقص، وتجعل الناس عناصر هامة في شبكة الفرد.
       هـ.5. التردد أو التكرار: تعتبر خاصية تردد أو تكرار الاتصال بين الناس في الشبكة أكثر صلاحية للتكميم بالمقارنة مع الخواص السالفة الذكر، فهي مدخل للتفاعل في الشبكة، فمن بين ميزاتها -كما أشار إليه ريدر عملية انتظام الاتصال كعامل هام في تفسير السلوك الاجتماعي. والتردد أو التكرار للاتصال لا يتضمن بالضرورة شدة أو قوة  في العلاقات الاجتماعية، فالاتصالات والالتقاء بزملاء ورفقاء العمل يمكن أن يتم بصفة منتظمة ومتتالية، غير أنّ تأثير رفقاء العمل أو الأصدقاء على سلوك الفرد قد يكون أقل من تأثير القريب أو النسيب القوي الذي يراه الفرد أحيانا أو نادرا وبصورة غير منتظمة.

     

  • رأس المال الاجتماعي والألفة الاجتماعية ودورهما في تشكيل الرّابط الاجتماعي

       

    أ/ رأس المال الاجتماعي:

      يقصد برأس المال « جملة الموارد الحالية أو المُمكنة التي ترتبط بحيازة شبكة مُستدامة من العلاقات المُنتظمة نوعا ما بالتعارف المشترك وبالاعتراف المشترك؛ أو بعبارة أخرى بالانتماء إلى جماعة بوصفها جملة من الأعوان لا يتوفرون فقط على ملكيات مُشتركة، بل مُتحدون كذلك بوصلات دائمة ونفعية. »

       يندرج تحليل رأس المال الاجتماعي الذي أنجزته سوسيولوجيا الشبكات ضمن هذا المنظور الفرداني والمنفعي (بالمعنى الواسع وليس الاقتصادي فحسب). أعمال م. قرانوفيتر-  M. Granovetter (1973) حول القوة الكبرى للروابط الضعيفة لإيجاد منصب شغل، أو أعمال ر. بيرت - R. Burt حول الفجوات البنيوية كأوضح أمثلة؛ حيث تُشير في الشبكة إلى العلاقات المُسماة غير الزائدة (أ يعرف ب وَ ج/ ب وَ ج لا يعرفان بعضهما). على غرار الروابط الضعيفة، كلما احتوت شبكة الفرد على فجوات بنيوية أكثر كلما كان رأس ماله الاجتماعي أكثر قوة. من هذه الزاوية، لم تتوقف سوسيولوجيا الشبكات عند أسبقيتها في التأصيل الأكاديمي لمفهوم رأس المال الاجتماعي بل حظيت بالتنظير من لدن ب. بورديو. 

    أظهر بيير بورديو أنّ هذا المخزون العلائقي الفردي هو « منتج عمل إقامة وصيانة يعتبر ضروريا لإنتاج وإعادة  إنتاج الوصلات المُستدامة والنفعية خاصة بالإمداد بمنافع مادية ورمزية. »   

          بهذا، يُتيح رأس المال الاجتماعي منظورا أداتيا ومتفردا للرابط الاجتماعي. تتشكّل الجماعات وتعيد إنتاج ذاتها، لأن الأفراد لديهم مصلحة في البقاء مرتبطين في ما بينهم. والحال، فإنّ اقتسام هذا الرأس المال من فرد إلى آخر لا يتم كذلك بالتساوي مثل باقي رؤوس الأموال التي تناولها بورديو. يُشير الباحث هنا أيضا إلى الدور  الانتاجي مثل المدرسة.  

    بصفة عامة، باقتصارنا على فرد معين، متى كان لديه رأس مال اجتماعي إلى جانب رأس ماله الخاص فإنّ ذلك يُحفزه للاحتفاظ برؤية قصوى. وكلما كان حجم رأس المال مُهما كلما كان عدد الروابط المُحافظ عليها أكبر،   حيث يكون أكثر إنتاجا، ومنفعة للفرد الذي يحشدُه. 

       كان على هذه الرؤى النفعية، الاقتصادية لرأس المال الاجتماعي وبالتالي الروابط التي تجمع فردا بآخرين أن  توضع ضمن أفق منظور على غرار التحاليل المُجدية التي تضمنتها أعمال بيتنام الذي أثارت أعماله عناية برأس المال الاجتماعي انطلاقا من الجمهور العريض الذي أفاد منها. اهتم بوتنام برأس المال الاجتماعي باعتباره رأس مال جمعي لجماعة، لمجتمع، لدولة. تميّزت هذه التحليلات بـ « تعدّد مفاهيمي »، لكن ذي « الفكرة  العامة البسيطة: قد يكون للاشتراك ضمن جماعات تأثيرات نافعة للأفراد والجماعية. » 

    لمّا اعتبر رأس المال الاجتماعي بمثابة ملكية عامة، حيث جعل من رأس المال الاجتماعي في البداية مفهوما أقل فردية من ما فحصه آنفا (والذي لم يكن كذلك كُلِية). بالنسبة لديه، « يُحيل رأس المال الاجتماعي على مواصفات التنظيم الاجتماعي ومن ذلك الشبكات، المعايير، والثقة الاجتماعية التي تُسهِل التنسيق والتعاون  من أجل منفعة تعاضدية. »  

    تحتل الشبكات والعلاقات التي تحملها مكانة أولية في التحليل المُنجز بالقدر الذي تكون فيه كثافتها القوية (مُرسخة ومُتماسكة بالمعايير والثقة) شرطا ضروريا لنجاح المفاوضات السياسية والاقتصادية. 

       تستدعي فكرة إعادة تشكيل رأس المال الاجتماعي، تسهيل الأفعال المُترابطة من أجل زيادة فعالية المجتمع إنّ إنشاء روابط مشتركة بين الأفراد هو أساس بناء رأس المال الاجتماعي وحتى الجمعي. أورد بيتنام التعريف معكوسا، في كتابه الصادر منذ سنة (2000)، بوضعه الوصلات بين الأفراد كعنصر أول مؤسس لرأس المال مولدة بعد ذلك شبكات اجتماعية، معايير المعاملة بالمثل والثقة.

       يُلاحظ هذا التفوق المُتنامي للتفاعلات الفعلية أو العلاقات بين الأفراد في مختلف تقنيات قياس رأس المال  الاجتماعي. تدمج هذه المقاييس  بطريقة أكثر فأكثر أهمية شبكات الفرد المبحوث، لكن أيضا نزوعه إلى الثقة  بآخرين ضمن اطار تفاعل موجود، بالمشاركة في الحياة المجتمعية (مثلا عبر ممارسات الدعم الاجتماعي أو المشاركة الفعالة ضمن الهيئات) أو كذلك الطرق التي يضعها بها قيد التشغيل معاملة بالمثل ضمن العلاقات التي يُقيمها. تبدو المكانة الهامة التي تحتلها الشبكات ومن خلالها العلاقات الشخصية المُشتركة حاسمة : الرابط الاجتماعي مُقاس عند أساس أفقيّ قبل كلّ شيء. بديهيا، يُتيح رأس المال الاجتماعي من خلال مفاهيم المعايير والهدف السياسي لمشاركة المجتمع المدني من ضبط بناء الرابط في بُعدِه العمودي.  

       مع ذلك، يبقى هذا البُعد تابعا لبُعده الأفقي. في المحصلة، يظل رأس المال الاجتماعي موضوع الانتقادات الجديّة واللاذعة: فلا فائدة يجنيها إلاّ بالمفاهيم والمقاربات التي يُغديها وليس بفهم الظاهرات التي يُريد تفسيرها بعد كلّ هذا، فقد بدى واضحا أنّ تصوّر الرابط الاجتماعي قد تأثر بالمصلحة الحية المُثارة حول رأس المال الاجتماعي. جعل رأس المال الاجتماعي من البُعد الأفقي للرابط تركيبته الأولى والمُقدَمة عن غيرها. 

       ب/ الألفة الاجتماعية:

       الألفة الاجتماعية مفهوم قديم نسبيا، تجاوز تعريفه الحالي بشكل شاسع تعريفه الافتتاحي  كان يُقصد به في الماضي قابليّة النوع البشري للعيش ضمن مجتمع بطريقة سعيدة أو شكل سلس للألفة الاجتماعية. تُعرّف الألفة الاجتماعية اليوم كطريقة للكينونة مع الآخرين. تشير في الآن إلى حجم الاتصالات التي يُحافظ عليها الفرد مع الآخرين فضلا عن شكل أو نوعية هذه الاتصالات في معناها الآني، تُشكّل الألفة الاجتماعية « الدرجة صفر من التحليل البنيوي للشبكات » 

    بعبارة أخرى، هي حجر الزاوية لمفهوم الشبكات. حيث ترتكز دراسة الشبكات أساسا على دراسة الألفة الاجتماعية الفردية لمسائل جمع المعطيات (لاسيما لتكلفتها). تبدو المقاربة بصيغة الشبكات الشخصية، بمعنى لفرد واحد، بذلك أغلبية. والحال، فإنّ مفهوم الألفة الاجتماعية هو الأكثر استقرارا من حيث الكم (أمبريقيا) مقارنة بمفهوميّ على التوالي: الشبكة الاجتماعية ورأس المال الاجتماعي. حيث يفضي اعتماد الفرد كنقطة انطلاق الألفة الاجتماعية إلى اصطفائية أين يتم رصد البُعد المُنتقى من الرابط إذ تنطلق الروابط من الفرد ويتم تحليلها من خلاله. أدت الروابط الاجتماعية التي ينسجها الفرد والطريقة التي يبنيها بها إلى ظهور العديد من التحليلات الكمية والنوعية. تظل هذه التحليلات مختصة بشدة بفئة من الروابط الاجتماعية الأفقية أو بصيغة تعبير لهؤلاء. تُركّز الدراسات على مختلف فئات العلاقات الشخصية المشتركة مثل علاقات أعضاء العائلة الواحدة من روابط بين الأولياء، الأبناء الجد والجدة. 

    لا تنتهي القائمة عند هذا الحد: علاقات العمال بالإدارة ضمن جماعات العمل، علاقات الجيرة، اشراك الجمعيات، كلّها جديرة بالدراسة. أصبحت أيضا طريقة التعبير عن هذه العلاقات موضوعا للعديد من الاعتبارات: تحوّلت الألفة الاجتماعية غذائية بمجرد التحلق حول الوجبات، هي بالأحرى خارجية بالنسبة للأطر أو العزاب فيما تجري بالداخل بالنسبة لفئات أخرى من الساكنة. كما تم تطويع وضبط الألفة الاجتماعية ضمن تكنولوجيات الاعلام والاتصال الموصولة بالشبكة العنكبوتية على غرار الهاتف المحمول الذكيّ. والحال هذه، فإنّ الدّراسات تُركزّ على فئة مُخصصة من الروابط وعلى عدد محدود من طرائق تعبيرها.


  • الأبعاد النفسية الاجتماعية والثقافية للرابط الاجتماعي


    أولا/ التفاعل "وقود" الرابط الاجتماعي:

       من منطلق أن الإنسان كائن اجتماعي وكل سلوك هو اتصال، فكل تفاعل مهما كان يفترض تحديد نموذج اتصـال، بمعنى مجموعة من التركيبات اللفظية وغير اللفظية، مكلفة بالتعبير، بالترجمة بالتدليل، في كلمة تقول: « ماذا يريد هؤلاء إيصاله للآخرين في مضمار علاقة ». فكل شخص يعبر في إطار التفاعل: من يكون؟، ماذا يفعل ؟، في ما يفكر ؟، ماذا يعرف ؟، ماذا يرغب ؟، ماذا يفضل ؟ يُعبّر بينفينيست - Benveniste (1966) عن هذا بقوله :« في العالم يتكلم الإنسان مع إنسان آخر واللغة تشرح نفس تعريف الإنسان. » من جهتهم، أجمع كلاّ من ميـلر- Muller و لوكس – Lucas  (1975)  بودونيير - Baudonnière (1988) على أنّ التفاعل الاجتماعي : « هو ما يترتب بعديا عن سلوكين موجهين يكتسيان صبغة اجتماعية. » أمّا ميد G. H. Mead – (1934) فيرى أنّ التفاعل الاجتماعي هو ما يفضي إلى بناء هوية الشخص، من خلال مشاركته الآخرين في الفعل الذي يسمح له بإجراء جيد للأدوار على صعيد آخر أعطى قوفمان - Goffman (1973) تعريفا يعتبر أن : « كل تفاعل اجتماعي هو بمثابة الحيز الذي يبحث فيه الفرد بسلوكه على مراقبة التمثلات التي يُشكلها الآخر عنه. » ثم سرعان ما جاء (1974) بتصور استمده من العلوم الفيزيائية، اعتبر فيه :« ... التفاعلات ذرات - atomes المجتمع، فهي خاضعة لنظام سابق في الوجود للقائمين بالاتصال، إنهم يكتفون بمجرد التموقع. فالمبادلات لا تتشابك بفضل هذا النظام المتفوق عليهم، وحتى التيارات العدائية لا تتصادم. تتعلق هذه المسألة بمرجعية مزودة بسيناريوهات ومساعدات إدراكية معرفية يتشرب منها الفرد، لفهم العالم حتى يتصرف بفاعلية. »

       أمّا شيرر - Scherrer (1977) فقد جاء بمفهوم " الاتصال التفاعلي " حيث عرّفه بأنّه : « نسق يقوم فيه شخصان أو أكثر بتبادل الإعلام بطريقة تعاضديه، يأخذ فيه الاتصال أشكالا متعددة القنوات"  

    ومن جهته، رفض بيير بورديو- P. Bourdieu (1980) اختزال أفعال الأفراد سواء تلك العقلانية أو الميكانيكية، فهو يقبل بفكرة الأفعال الإرادية للأفراد والمتعلقة بالإجباريات الموضوعية التي تحد أفعالهم.

       حاول الجمع بين الذاتية والموضوعية، مستعملا مفتاحا مفاهيميا سمّاه " الهابتوس- Habitus " ترجمه الأستاذ عبد الجليل الكوى بـ: " السمت " وهو نظام من الاستعدادات والتصورات التي يصدر الفعل وفقه وبالتناغم معه  »  حسب فهمنا، فأنساق الاستعدادات هي بصورة ما الحقائق الموضوعية المدمجة في الحياة اليومية وهو ما سماه بورديو « المعنى التطبيقي »، ويعني بها التجارب الماضية المحشوة في المنطق التطبيقي. جملة مفاهيم، وأنساق الاستعدادات والتصورات التي يصدر الفعل وفقها وبالتناغم معها هي : «Les habitus وَ المعنى التطبيقي » كل ما يمنح معنا لأفعال الأفراد، ليس من حيث التحديد الميكانيكي لها ولا من حيث تصويبها الواعي لغاياتهم ولكن لأنها تُفسر أفعالهم بما يتماشى مع وظيفة الاستعدادات المكتسبة، والقابلة لاستعمال فعل في هكذا حقل. يشرح بورديو الواقعة بقوله : « يتوافق الفاعلون بشكل ما مع التطبيق، الذي ليس سوى ملكهم لم يختاروه ضمن مشروع حر، كما لم يُدفعوا إليه بإكراه ميكانيكي. فهو كما يبدو نسقا (أنساقا) للاستعدادات المكتسبة في العلاقة مع ميدان معين. يصبح ذلك التطبيق ماهرا ومؤثرا في حالة تزامنه مع شروط فعاليته، تلك المطابقة أو المماثلة مع شروط المنتج. » 

    ثانيا/ التفاعل والأنساق النفسية:

       كل تفاعل يؤدي إلى تحريك الأنساق النفسانية، المستمدة من قاعدة النمو الإدراكي المعرفي والعاطفي للكائن البشري، فهي التي تمثل الجزء المغمور من التفاعل. لقد أظهرت الدراسات في علم النفس وعلم النفس التحليلي بأنّ الأنساق النفسانية تُصاحب كلّ كلمة وكلّ خطاب وكلّ فعل. يرى أونريكاز – Enriquez (1983) بأنّ : « كل اتصال هو دائما جزئيا، بالنظر إلى وجود جزء كذوب ، بسبب الميكانيزمات النفسية للكبت والتفسخ، والحاجة إلى الحماية، تحويلات سلبية يمكن أن تحدث اتجاه بعض المواضيع. (...) وما يبقى ممكنا، هو ما ينتج عن إلزامية العيش والعمل مع الآخرين، هي إذن المحاولة المُعرضة دائما للخطأ والتي تُعاد ضمن اتصال لا يُؤدَى بعنف صارخ، هو قريب جدا من آليات إعادة الثقة النرجسية وحاجات هوية الأفراد، الذين يعرفون القسمة بين اعتراف الرغبة ورغبة الاعتراف فيما بينهم. » 

       إذن ليس بمقدور كل اتصال، حتى من منطلق شموليته الإحاطة التامة بمعرفة وتفهم شخصية الآخرين. فالدلالة التي نعطيها لبعض الحركات، ولبعض الألفاظ علينا إرجاعها دوما إلى الأطر النفسية التي أثارتها. علينا التصرف بالطريقة التي تمكننا من التعرف أحسن على بعض السلوكيات التي تبدو لأول وهلة غامضة، متناقضة أو غير عقلانية بالمرة. فالانفعالات والمشاعر العاطفية لا يمكن الاستغناء أو غمد أبعادها في العلاقات الإنسانية سواء في الاتصال وجها لوجه أو في جماعة 

    ثالثا/ الاتصال عصب الرابط الاجتماعي:

       نجد في تراث علماء الاجتماع الأوائل الأفكار التي تناولت موضوع الاتصال من زاوية سوسيولوجية، أعطى فيها أصحابها أهمية للاتصال في ضوء مفاهيم: الرابط الاجتماعي والجماعات الاجتماعية. عارض جورج زيمل أفكار السوسيولوجيا التنظيمية التي ترى في السلوكيات الفردية انعكاسا لمعطى معين أو " أحداث اجتماعية " خارجية، وطرح بدلا منها فكرة الواقع الاجتماعي الذي تسبقه وتشكله التبادلات والعلاقات التفاعلية بين الأفراد، أي حركة تفاعلات بين ذوات لها خصوصيتها، وهو ما أطلق عليه زيمل  "شبكة الانتماءات".    لقد اهتم بالأفراد في علاقتهم الجماعية التفاعلية اليومية، مقابل نظرة سوسيولوجية تعتمد على ما هو "مؤسس" مثل الدولة، والعائلة، والطبقات، والكنائس، والتجمعات وجماعات المصالح المشتركة. في السياق رأى زيمل أن هذه التفاعلات اليومية هي التي تكشف لنا طبيعة السيرورة الثنائية المتناقضة للظاهرة الاجتماعية التي تنشأ عن المكملات والتعارضات المتلازمة " التآلف والتنافر"؛ فالفكرة الأولى عبر عنها، مجازيا، بالجسر وهي تحيل على قدرة الفرد على الجمع بين المتناقض والمتنافر. أما الفكرة الثانية، فقد أوردها، مجازيا بكلمة الباب، وهي تمثل قدرة الفرد على الربط، بحيث تتيح له الوصول إلى نظام آخر من الدلالات  من جهته، اهتم تشارلز كولي في موضوع اثنوغرافيا التفاعلات الرمزية للفاعلين الاجتماعيين بالجماعة البدائية النووية التي : « تتميز بالتلاحم والتعاون الحميمي بين أعضائها، فهي بدائية أكثر من معنى، كونها تمثل الأساس في تشكل الطبيعة الاجتماعية والتصورات الفردية. »  

    كما انتقد  بأعماله القراءات الأحادية لسيرورة التحضر التي أوهمت الكثيرين، باختفاء الجماعات النووية تحت طائلة تلك البيئة الغربية التي غدا يحكمها التوتر بين المجتمع والفرد. لقد أهمل أولئك في تحليلاتهم التفاعلات القائمة بين النزعات التوحدية للمدينة والواقع المعيش للسكان.  والواقع أن الخيار الاثنوغرافي نفسه يحكمه تصور معين لسيرورة الفردية وبناء الذات، فالفرد الذي يخضع لقوى المجانسة والتوحيد القيمي والسلوكي ( تلقينه وتمثله لمعايير وقيم الجماعة) يحوز تجربة خاصة متفردة تتجلى في تاريخ حياته. من جهتها، تطرقت مدرسة شيكاغو لهذه التصورات فيما يتعلق بالازدواجية في الشخصية الحضرية حيث  رأى روادها بأنه لا يمكن الحديث عن الاتصال من دون ربطه بالتعددية الفردية، فإذا كان الفرد خاضعا لقوى التوحيد، فإنه مع ذلك يملك القدرة على "التحايل" عليها وإبراز فرديته 

    غدى التكافل بين الثقافة والاتصال أشد وضوحا وجلاء من ذي قبل، خاصة إذا استخدمنا مصطلح الثقافة ليعني « مجموع إنجازات الإبداع الإنساني كل ما أضافه الإنسان إلى الطبيعة » وإذا اعتبرناها تجسيدا لكل ما يسمو بالحياة الإنسانية على المستوى الحيواني، لتضم كافة جوانب الحياة وكل طرائق التفاهم.

     رابعا/ الأبعاد الاجتماعية للرابط الاجتماعي:  

       نقصد بالأبعاد الاجتماعية للرابط الاجتماعي المعايير والعوامل التي تؤثر على العلاقات والروابط بين الأفراد في المجتمع. وتشمل هذه الأبعاد العديد من العوامل المختلفة نكتفي بذكر أبرزها :

    - العرق والانتماء القومي: يمكن أن يؤثر العرق والانتماء القومي على العلاقات الاجتماعية والرابط الاجتماعي، حيث يمكن أن تكون هناك تمييز وتفضيل لبعض الأعراق أو القوميات على حساب الأخرى.

    -  الجنس والجندر: يمكن أن يؤثر الجنس والجندر على الرابط الاجتماعي، حيث توجد توزيعات قوية للأدوار والمسؤوليات بين الجنسين في المجتمع، وقد يتم تمييز المرأة أو الرجل في بعض الأحيان.

    - الطبقة الاجتماعية: يمكن أن تؤثر الطبقة الاجتماعية على الرابط الاجتماعي، حيث توجد تفاوتات في الوضع الاجتماعي والاقتصادي بين الطبقات المختلفة، وقد يؤدي ذلك إلى انعدام المساواة والتمييز.

    - الدِّين والمعتقدات: يمكن أن يؤثر الدين والمعتقدات على الرابط الاجتماعي، حيث يمكن أن تكون هناك تفسيرات وقيم مختلفة تؤثر على العلاقات والروابط بين الأفراد.

    -  الثقافة والقيم: يمكن أن تؤثر الثقافة والقيم على الرابط الاجتماعي، حيث توجد اختلافات في الممارسات والمعتقدات بين ثقافات مختلفة، وقد يؤدي ذلك إلى توترات وتحديات في العلاقات الاجتماعية.

    - العلاقات الاقتصادية: يمكن أن تؤثر العلاقات الاقتصادية على الرابط الاجتماعي، حيث قد يكون هناك فقر أو ثروة غير متكافئة بين الأفراد، وقد يؤدي ذلك إلى توترات وتمييز.

     

  • الرابط الاجتماعي ومؤسسات التنشئة الاجتماعية

     

     الرابط الاجتماعي ومؤسسات التنشئة الاجتماعية : 

    التنشئة الإجتماعية هي وسيلة للاتصال بين الماضي والحاضر والإنتقال إلى المستقبل، فهي أيضا وسيلة للتغيير والتطبع الإجتماعي بما يمكن إدخاله من قيم ومعايير جديدة تتماشى والواقع المعاش والأهداف المستقبلية، وتشترك عدة مؤسسات رسمية وغير رسمية في عملية التنشئة الإجتماعية مثل الأسرة، المدرسة، جماعة الأقران  دور العبادة، وسائل الإعلام . 

    - الأسرة : تُعدّ الأسرة ذات أهمية كبيرة في تشكيل شخصية الأفراد ، فالأسرة هي النواة التي ينشأ فيها الفرد ، كما أنها الجماعة الأولى التي يتصل بها ، وللأسرة صور عديدة وكثيرة تصنف حسب عدد الأفراد ، ولكل أسرة طابعها المميز ، وصفاتها ، وتقاليدها ، وعاداتها ، وسلوكياتها ، التي تجعلها تحيط بالأفراد في الأسر الأخرى . (أبو جادو، 2007) وبالزواج والإنجاب تتحول الأسرة إلى أهم عوامل التنشئة الإجتماعية للطفل والأسرة ، وهي الممثلة الأولى للثقافة وأقوى الجماعات تأثيراً في سلوك الفرد ، وللأسرة وظيفة إجتماعية بالغة الأهمية ، فهي المدرسة الإجتماعية الأولى للطفل . ويؤثر سلوك الوالدين والراشدين المحيطين بالطفل على تشكل الخصائص الشخصية المرغوب فيها لدى الطفل ، ويأتي هذا التأثير من خلال الرعاية والإثارة اللغوية والمعرفية وضبط سلوك الطفل. (حمدي: 2009) فالأسرة هي المسؤولة عن التنشئة الإجتماعية والضبط الإجتماعي، وتقوم بدور أساسي في سلوك الأفراد بطريقة سوية، أو غير سوية، من خلال النماذج السلوكية التي تقدمها لصغارها، فأنماط السلوك والتفاعلات التي تدور داخل الأسرة، هي النماذج التي تؤثر سلباً أو إيجاباً في التربية المرجعية للناشئين. (أبو جادو، 2007) لذا فإنّ الأسرة كانت وما زالت أقوى مؤسسة إجتماعية تؤثر في مكتسبات الإنسان المادية والمعنوية، فهي المؤسسة الأولى في حياة الإنسان، وهي المؤسسة المستمرة معه إستمرار حياته طفلا فمراهقاً فشاباً فزوجاً.

       فإذا كانت الأسرة تعمل على الإستمرار المادي للمجتمع بإمداده بأعضاء جدد عن طريق التناسل، وبهذا تحفظ كيانه العضوي، فإنها تتولى أيضا الإستمرار المعنوي لهذا المجتمع وذلك بتأصيل قيمه ومعايير سلوكه وإتجاهاته وعوائده وطرائقه عند أطفال المجتمع ، وبهذا تحفظ كيانه .  (الرشدان، 2005)

    مما سبق يمكننا ان نستنتج انه رغم تعدد مؤسسات التنشئة الإجتماعية التي تعنى بتربية الطفل واعداده للحياة ، فإن الأسرة كانت وما زالت ولا تزال أهم وكالة إجتماعية أوكلت لها مهمة تربية النشيء وتنمية قواه المختلفة من خلال وظائفها المتعددة . 

       - المدرسة : هي المؤسسة الإجتماعية الرسمية التي تقوم بوظيفة التربية ، ونقل الثقافة المتطورة وتوفير الظروف المناسبة لنمو الطفل جسمياً وعقلياً وانفعالياً واجتماعياً ، وتعلم المزيد من المعايير الإجتماعية ، والأدوار الإجتماعية . وهي الوسط الثاني الذي يبدأ فيه الفرد بتوسيع دائرة علاقاته الإجتماعية ، حيث تتعدد صداقاته ومعارفه ، وهي تعد مؤسسة إجتماعية تشرف على عملية التنشئة الإجتماعية والتثقيف العلمي للأجيال . (ابن حسن، 2001)

    وتأتي المدرسة في المرتبة الثانية من حيث الأهمية في تنشئة الطفل ، خاصة بعد أن عمم التعليم وأصبح إجبارياً في سنواته الأولى في أغلب الدول ، وتحملت المدرسة تعليم الصغار بالتعاون مع الأسرة من أجل توسيع مدارك الطفل وجعله يحب المعرفة والتعليم ، مما أدى إلى بروز المدرسة كمؤسسة إجتماعية مهمة، لها أثرها الفعال في مختلف جوانب الطفل النفسية، الإجتماعية، والأخلاقية، والسلوكية، خاصة وأن الطفل في السنوات الأولى من عمره يكون مطبوعاً على التقليد والتطبع بالقيم التي تسود مجتمعه الذي يعيش فيه، فهو يتأثر في الغالب في الجو الإجتماعي الذي يعيشه في المدرسة. لذا فإن المدرسة تعد عاملا عظيم الأثر في تكوين شخصية الفرد التكويني العلمي والتربوي السليم . (رشيد ،2003 )

       مما سبق يمكننا ان نقول أن دور المدرسة مكمل لدور الأسرة حيث تعمل على الرعاية النفسية للطفل وذلك بإدماجه مع زملاءه من خلال مشاركته في أنشطة عديدة من قراءة ورياضة ... الخ .ومن الناحية الإجتماعية تعمل على تنمية الجانب الإجتماعي بنقل تقافة وقيم ومعايير المجتمع ، ومن الناحية الأخلاقية تعمل على تحسين سلوك الطفل وزرع فيه صفات الإحترام والصدق والتعاون مع الآخرين ... الخ .

    كما تعمل من الناحية العلمية والتربوية على تنمية قدراته الفكرية وإكسابه خبرات وتوسيع خياله من أجل الإبداع والابتكار ، ومن الناحية الإقتصادية توفر له تكوين مهنية بما يناسب مستواه الفكري وما يطلبه المجتمع من أيد عاملة ، ومن هنا تبرز أهمية المدرسة كمؤسسة إجتماعية أوكل إليها المجتمع مهمة تربية الطفل وتدريبه على أساليب السلوك التي يرتضيها المجتمع .   

    - جماعة الأقران : 

    تشكل جماعة الأقران النافذة الأولى التي يطل منها الطفل على الحياة الإجتماعية ، وذلك بما تحققه للطفل من علاقات إجتماعية قائمة ، على خلاف ما يجري في إطار الأسرة . (ابن حسن، 2001 ) وهم جماعة من الأفراد يلتقون في الميول والدوافع والطموحات والحاجات والإهتمامات الإجتماعية ويقومون بأدوار إجتماعية معينة سواء كانت هذه الأدوار آنية أو دائمة وكل ذلك بشكل متعارف عليه تلقائية في غالب الأحيان . (العناني، 2000) 

       إنّ دور جماعة الأقران مهم في عملية التنشئة الإجتماعية حيث يتمحور في تكوين معايير إجتماعية جديدة وتنمية إتجاهات نفسية جديدة للمساعدة في تحقيق الإستقلال، وإتاحة الفرصة للتجريب، وإشباع حاجات الفرد للمكانة والإنتماء ، علاوة على أن الأقران يؤثرون في بعضهم البعض بشكل كبير ، وذلك لما تتميز به جماعة الأقران عن الجماعات الأخرى من خصائص أساسية تزيد من تأثيرها وهي : 

      • التجانس العمري ( أعضاء هذه الجماعة من فئة عمرية واحدة.)

      • تشكل هذه الجماعة على أساس الجنس الواحد ( ذكور أو إناث.)

           • التفاعل بين الأعضاء بشكل مباشر ، وجها لوجه . 

           • تعد جماعات صغيرة ( يتميز عدد أفرادها بالمحدودية.) تتكون على نحو عضوي، بحكم عدة عوامل  على غرار الجوار ، السكن، الإنتماء المدرسي. (ابن حسن :2001 ) 

       - المسجد : لقد كان هدف الرسالات السماوية التي أنزلها الله عز وجل على رسله هداية بني البشر وإحداث تغيير على المستوى الفكري ، وبالتالي على المستوى السلوكي لإبعاد الفرد على مهاوي الرذيلة والإنحلال ، فالتغيير إذن هو أساس أي عمل جاد وخاصة العمل التربوي ، لأنه يوجه مسار الفرد بالتعليمات والأوامر الربانية الحقة ، ولعل أول مؤسسة عملت على صقل العقول وتهذيب النفوس وتغيير المجتمعات نجد المسجد وهو أول مؤسسة دينية تنشيئية بنيت بعد الهجرة ، ولعل وظيفة المسجد أكبر من أن تحدد في أي إطار كان فهي تساوي في حجمها ووظيفتها جميع المؤسسات التنشيئية الأساسية . (رحيمة، 2004)

       تقوم المساجد بدور فعال في تربية الطفل وتشكيل شخصيته وتنشئته الإجتماعية ، لما تتميز به من خصائص فريدة ، أهمها إحاطتها بهالة من التقديس ، وثبات وإيجابية المعايير السلوكية والتي تعلمها للأفراد ، والإجتماع على تدعيمها . (زهران، 2003) 

    وكذلك تقوم على  تعليم الفرد والجماعة التعاليم والمعايير الدينية التي تمد الفرد بإطار سلوكي معياري وتنمية الصغير وتوحيد السلوك الإجتماعي والتقريب بين الطبقات وترجمة التعاليم الدينية إلى سلوك عملي . وكثيرا ما تعدت المساجد حدود هذا الدور الروحي والديني ، فمزجت به تدريس المواد المختلفة، على نحو ما تفعل المدارس النظامية ، فاتخذت من نفسها أو لنفسها مدارس خاصة تزاول فيها هذه المهمة ويتولى رجال الدين التعليم فيها . ( مطاوع، 1981)

         ويتلخص دور المساجد في عملية التنشئة الإجتماعية للطفولة بتعليم الفرد والجماعة التعاليم الدينية السماوية التي تحكم السلوك بما يتضمن سعادة الفرد والمجتمع والدعوة إلى ترجمة التعاليم السماوية إلى سلوك عملي ، وكذلك إمداد الطفل بإطار سلوكي معياري راض عنه ويعمل في إطاره كما تكسب الطفل قيمة وإتجاهات ومعارف دينية وإجتماعية وخلقية وثقافية متنوعة وتنمي الضمير لدى الطفل " الفرد والجماعة وأيضا توحد السلوك الإجتماعي والتقريب بينه وبين مختلف الطبقات الإجتماعية . (زهران، 2003) 

       - وسائل الإعلام :تؤثر وسائل الإعلام المختلفة من إذاعة وتلفزيون وسينما وصحف ومجلات وكتب وإعلانات ووسائط شبكة الانترنت... الخ، بما تنشره وما تقدمه من معلومات وحقائق وأخبار ووقائع وأفكار وآراء لتحيط بالناس علماً بموضوعات معينة من السلوك مع إتاحة فرصة الترفيه والترويح. ( زهران، 2003) وأمّا عن أثر وسائل الإعلام في عملية التنشئة الإجتماعية فيتلخص في النواحي التالية منها إشباع الحاجات النفسية مثل الحاجة إلى المعرفة والترفيه والمعارف والثقافة والتوافق مع المواقف الجديدة . ( نعيمة، 2002 )

       دور وسائل الإعلام في نشر المعلومات المتنوعة، واشباع الحاجات النفسية المختلفة ودعم الإتجاهات النفسية وتعزيز القيم والمعتقدات أو تعديلها، والتوافق في المواقف الجديدة. وتُعدُّ وسائل الإعلام من أقوى مؤسسات التنشئة الاجتماعية، خاصة منها الفيديو والهوائيات والأقراص أو الإسطوانات ... الخ والتي تشترك جميعها على إستعمال جهاز التلفزيون الذي أصبح ينافس الأسرة والمدرسة وكل المؤسسات الإجتماعية الأخرى إلى درجة عدم القدرة في التحكم فيه حتى من طرف الكبار أنفسهم ، وهذا بواسطة الإعلانات إلى جانب الخيال بفضل تقنيات الصوت والصورة العالية والقصص السينمائية، كما إنه جهاز متعدد الإستعمالات وسهل الحصول عليه، كما يعد وسيلة ترفيهية وتثقيفية . 

       ختاما يمكن ان نقول أن التنشئة الإجتماعية من أخطر العمليات شأناً في حياة الفرد لأنها تلعب دورا أساسيا في تكوين الشخصية الإجتماعية للفرد ، والتنشئة الإجتماعية يصبح بها الفرد واعياً ومستجيباً للمؤثرات الإجتماعية بكل ما تشتمل عليه هذه المؤثرات من ضغوط وما تفرضه عليه من واجبات وما يحدث للطفل - بل وللراشد أيضا - من تغيرات ، وما يتعرض له من مؤثرات إجتماعية كلما دخل في دور من الأدوار الإجتماعية غير المؤلفة له ، والتي تتطلب منه تعديلا لسلوكه ،أو إكتسابة لأنماط جديدة من السلوك ، من خلال عمليات التنشئة الإجتماعية والأساليب الوالدية المختلفة . 

     

     


  • منصات وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيراتها المختلفة

       تحتوي منصات التواصل الاجتماعي على تضمينات سريعة لقيم وأنماط ثقافية تؤثر على عمليات التنشئة الصحية، تزيد من مخاطر الإنترنت وتثير قلق وكالات التنشئة الاجتماعية، وقد أصبح هذا التأثير السلبي على الأطفال والشباب مصدر قلق اجتماعي خطير بشكل فقد ظهرت مفاهيم جديدة لتسمية المشاكل مثل الاستمالة من شخص بالغ، تهديد وابتزاز قاصر للحصول على بعض الفوائد، عادة ما يكون ذلك من النوع الجنسي، أو التنمر الإلكتروني أو إرسال الرسائل النصية ونشر معلومات جنسية عن شخص ما، كما وضحت دراسة  Cubillas et al(2017) أن الأطفال الذين يستخدمون الشبكات الاجتماعية هم أكثر عرضة بنسبة 46٪ لتلقي رسائل جنسية، و 55٪ أكثر احتمالًا لمشاهدة صور جنسية على مواقع الويب، و 56٪ أكثر عرضة لمحتوى سلبي من إنشاء المستخدمين، 114٪ أكثر عرضة للتنمر على الإنترنت و 163٪ على الأرجح لمقابلة أشخاص خارج الإنترنت كانوا قد التقوا بهم عبر الإنترنت فقط من قبل، ما يؤدي إلى إنشاء فضاء إلكتروني خطير يعرض سلامة الأطفال للخطر، ويؤثر على دور وكالات التنشئة الاجتماعية (Cubillas et al 2017). إضافة إلى أن منصات وسائل التواصل الاجتماعي من خلال نشر رسائل ضارة تدغدغ الآذان والحواس دون تقييم العواقب، تحرم الأفراد من القدرة على التحكم في النفس والتفكير بشكل مستقل، وبدلاً من ذلك تجعلهم يرون أنفسهم من خلال عيون الآخرين، والتقاط أساسيات كل من الثقافة المادية وغير المادية، كل شيء من كيفية ارتداء الملابس المناسبة إلى ما ينامون عليه وما يعتبر مناسبا لتناول العشاء إلى كيفية استخدام الموقد لتحضيره، وكذلك تأثيرها على لغة التواصل المستخدمة والتي تعد أول ما يكتسب الفرد من خلاله ثقافة مجتمعه، فمن خلال رسائل منصات التواصل الاجتماعي يجد الفرد نفسه مجبراً أو حتى دون أن يشعر تعلم لغة تواصل أخرى سواء أكانت لفظية أو من خلال الإشارات من أجل التواصل والتفكير مع مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي (Schlör 2016). كما يعد التثاقف أحد الأنشطة الاجتماعية المؤثرة لوسائل التواصل الاجتماعي، على المستخدمين، إذ توفر وسائل التواصل الاجتماعي القدرة على تكوين مجموعة من الأشخاص ذوي التفكير المماثل للعمل أو التأثير معًا.
     فنرى أن الهوية الثقافية للناس قد تتفاعل مع الذات المثالية المعروضة في وسائل التواصل، قدمت نتائج دراسة Chung & Tai (2021) أدلة تجريبية لدعم المساهمة الإيجابية لأنشطة وسائل التواصل الاجتماعي اليومية التي تبدأ ذاتيًا في إدارة مفهوم الذات والطموح لمتعلمي اللغة، وما يصاحب ذلك من دافع لتعلم اللغة، وتعد هذه الأنشطة ضرورية في سياقات التعلم حيث يتشابك تعلم اللغة بشكل وثيق مع المشاركة الاجتماعية وبناء الذات، نظرًا لأن بعض الدراسات الحالية ركزت بشكل أساسي على استكشاف الاستخدام التعليمي لوسائل التواصل الاجتماعي وضرورة توجيه المزيد من الاهتمام نحو فهم إمكانات وسائل التواصل الاجتماعي اليومية والاستفادة منها، بالنظر إلى الوجود الكلي لأنشطة الوسائط الاجتماعية متعددة اللغات في الحياة اليومية (Reinhardt، 2019؛ Rosell-Aguilar، 2018). كما تستخدم بعض المدارس المدونات بنجاح كأدوات تعليمية، والتي لها فائدة في تعزيز مهارات اللغة الإنجليزية والتعبير الكتابي والإبداع.
    علاوة على أن مواقع التواصل الاجتماعي تساعد الطلاب على الأداء بشكل أفضل في المدرسة، وذلك بشكل أساسي من خلال الاستفادة من التواصل مع بعضهم البعض في المهام المدرسية والمشاريع الجماعية التعاونية خارج الفصل الدراسي (Jacob , 2015). ويدعم تلك النتائج الفرضيات القائلة بأن المتعلمين غير المألوفين الذين تلقوا مهام اجتماعية واضحة قبل أنشطة التعلم كان لديهم نتائج تعليمية أفضل، وكان لديهم تفاعلات أكثر في مراحل التعلم، وشهدوا مستويات أقل من الحمل المعرفي، وأدركوا درجة أعلى من التواجد الاجتماعي مع المتعلمين غير المألوفين، باستخدام أداء كتابة المقالات للمشاركين بالإضافة إلى التقييمات الذاتية للحمل المعرفي، والحضور الاجتماعي كمؤشرات للأداء ( Reinhardt، 2019؛ Rosell-Aguilar، 2018)
     علاوة على أنه وفي مجال المؤسسات المرتبطة بتقديم أنشطة التنشئة الاجتماعية نجد أن منصات الوسائل الاجتماعية تساهم في تسهيل تقديم التعلم التعاوني الأكثر فعالية، إذ أظهرت نتائج دراسة (  Jiang &  Zhang2020)  أن تقديم أنشطة اجتماعية واضحة للمتعلمين غير المألوفين في ظروف التعلم التعاوني بمساعدة منصات التواصل الاجتماعي يمكن أن يزيد من مستوى الحضور الاجتماعي، ويسهل اكتساب المهارات المعرفية المعقدة مثل مهارات كتابة المقالات الجدلية باللغة الإنجليزية كلغة أجنبية، ويقلل من مستوى الحمل المعرفي في التعلم. 
    هل تؤثر منصات التواصل الاجتماعي على مفاهيم الأفراد المعرفية والسلوكية؟
    تؤثر منصات التواصل الاجتماعي على مفاهيم ومواقف الأفراد المعرفية والسلوكية التي يسعى وكلاء التنشئة الاجتماعية عادة وخاصة الأسرة إلى إكسابها للفرد، تسعى الأسرة إلى تلقين طفلها العديد من العادات الصحية الجيدة التي تساعد على نموه الجسدي والصحي بشكل سليم، أحد هذه العادات هو الحرص على حصول الفرد على فترة كافية من النوم تساعده على التركيز وتدعم نشاطه العقلي، بينما نجد أن منصات التواصل الاجتماعي تدمر هذا السلوك، تم التأكيد في دراسة Serenkoa et al (2021) على أن استخدام منصات وسائل التواصل الاجتماعي مرتبط بحرمان المراهقين الذكور والإناث من النوم إما من خلال نوم أقصر أو الاستيقاظ مبكراً لصالح الاستمرار في الأنشطة الاجتماعية عبر الإنترنت، وبسبب عوامل تشتيت الانتباه والشعور بالإلحاح للتحقق من الإشعارات أو المعاناة من صعوبة النوم بسبب كثرة التعرض لإضاءة الشاشات.
    كما أن أحد العادات التي تحرص على إكسابها لأطفالها الأسرة عادة تناول الطعام الصحي بينما أكدت دراسةSerenkoa et al (2021) كذلك فإن استخدام منصات التواصل الاجتماعي مرتبط بعلاقة سلبية بسلوك الأكل الصحي، إذ ينشر المؤثرين والمهيمنين على هذه المنصات صور غير واقعية عن الأجساد المثالية ما يؤثر على رغبة الفتيات في تناول الطعام للوصول للجسد المثالي المعروض ويدفعهن أحيانا للتوقف عن تناول بعض الوجبات. إضافة إلى أن قضاء الوقت داخل المنزل لمتابعة منصات التواصل يعرض الأفراد لخطر الإصابة بالسمنة. إن تغيير قناعات الأبناء فيما يتعلق بمدة النوم الكافية وسلوك الأكل الصحي وارتباط ذلك إيجابيًا بالصحة الجيدة يضع الأسرة أمام تحدي قد تعجز أحياناً عن مواجهته.
    هل تؤثر منصات التواصل الاجتماعي على الهوية الاجتماعية التي يكتسبها الفرد؟
       تؤثر منصات التواصل الاجتماعي على تشكيل الهوية الاجتماعية للفرد من خلال ردود الفعل الاجتماعية، أي ممارسة تأثير اجتماعي على مستخدم، من خلال قرارات مستخدم الآخر، لأن هذه الوسائط التفاعلية تعتبر قناة لنقل المعلومات حول الأدوار والقيم الاجتماعية (,Black et al2014) التي يتم تبنيها من قبل كل فرد، وبالتالي لها دور مهم في تجارب وسلوكيات المستخدمين، وإنشاء قوالب نمطية احترافية، على سبيل المثال "Barbie Girls" منتج تم تطويره بواسطة شركة  Mattel Incوتم إطلاقه في عام 2007  باستخدام شعار هذا العالم مخصص للفتيات، ثم بتنا نرى أن اللون السائد والمستخدم في جميع أنحاء العالم هو اللون الوردي. كما يتيح تنوع الموارد وحرية تصميم الصور الرمزية للمستخدمين من خلال ملفاتهم الشخصية بإنشاء صورهم التي ترمز إلى هويتهم وفقًا لرغباتهم وتوقعاتهم، ومع ذلك لا يمكن أن يكون هناك فرق بين بناء الهوية الافتراضية والهوية الحقيقية في العالم الاجتماعي لأن كلاهما توجد فيها جوانب شخصية الفرد التي تؤثر في كلا العالمين Cubillas et al, 2017، ومن أجل التوافق مع الملفات الشخصية يحاول المستخدمين تصوير واجهات سعيدة وعصرية لأن هذا ما يفعله المستخدمون الآخرون، ولعكس الرغبة في الكيفية التي يريد الفرد أن ينظر إليه الآخرون بها، بدلاً من إظهار صورة صادقة لما هو عليه حقاً.
       وبالتالي يفضل الكثيرون تبني هذا الوهم الآمن والسعيد، بالاتصال الافتراضي بدلاً من مشاركة علاقات الحياة الحقيقية وتطويرها، أظهرت العديد من الدراسات أن هذه الروابط السطحية يمكن أن تؤدي في النهاية إلى مشاكل عاطفية ونفسية طويلة المدى .(Jacob 2015) 
    على الرغم من التركيز على آثار منصات وسائل التواصل الاجتماعي السلبية، إلا أنه من المهم أن ندرك أن هناك العديد من الجوانب الإيجابية المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تدعم وكالات التنشئة الاجتماعية من أجل القيام بدورها، أحد هذه الإيجابيات هي تكون الاستقلالية، إذ يتمتع المستخدمون الصغار للشبكات الاجتماعية بقدر أكبر من الاستقلالية في السياقات الرقمية والحقيقية، علاوة على كثافة العلاقات الاجتماعية، يرتبط الاستخدام المتزايد للشبكات الاجتماعية عبر الإنترنت بكثافة العلاقات الاجتماعية الحقيقية مع أقرب أصدقائه ومعارفه. كما أن أحد أهم الإيجابيات والتي تناسب العصر الحالي هي اكتساب المهارة الرقمية، استخدام هذه البيئات الافتراضية يسهل تطوير المهارات التكنولوجية وتنوع الإمكانات البشرية، أي أن الأطفال الذين يشاركون في المعرفة البشرية يتم وضعهم موضع تنفيذ الألعاب عبر الإنترنت من أجل إعادة إنتاج السلوكيات في سياق حقيقي وبالتالي يتم قبول انتاجهم الرقمي وتعزيزه، مما يسمح للآخرين بتصفح بيئات إنترنت أكثر ملاءمة وأمانًا، لأنها ستغرس السلوكيات المراد تعلمها .(Black et al2014)
    ومن الملاحظ أن منصات التواصل الاجتماعي قد تجعل من السهل على بعض الأفراد التعبير عن أنفسهم بعكس التواصل وجهاً لوجه، إذ تجعلهم قريبين من أصدقائهم الافتراضيين وغالبًا ما يناقشون أحدث الاتجاهات والموضوعات عبر الإنترنت معهم، مع عدم الخوف من معرفة أصدقاؤهم عبر الانترنت ما يعرفونه بالفعل .(Mary W 2020) 
    من ناحية أخرى توفر منصات التواصل الاجتماعي الدعم الاجتماعي والمعلوماتي، استخدام الشبكات الاجتماعية من قبل الأسرة أو المهنيين المرتبطين بالطفولة يؤثر عليهم بشكل مباشر، إذ أن استخدامها من قبل العائلات التي يتلقى أطفالها رعاية طبية يمكن أن يؤثر بشكل إيجابي على الأطفال. فانضمام الآباء الذين أصيب أبناؤهم بأمراض مزمنة لشبكات دعم عبر منصات التواصل الاجتماعي تمكنهم من التعرف على مجموعة واسعة من الخيارات والنتائج، مثلاً ما ذكر في دراسة Cubillas et al, 2017))، أن دمج آباء الأطفال الذين تم تشخيص إصابتهم حديثًا بـ T13-18 في شبكات دعم عبر وسائل التواصل الاجتماعية لاكتساب وجهات نظر وآمال وتوقعات، وتسهيل التواصل واتخاذ القرار بين الأطباء والآباء كان له تأثير مباشر على رفاهية الأطفال.
    التحديات التي تواجه الأسرة والمجتمع بسبب منصات وسائل التواصل الاجتماعي:
       يعد الاختراق أحد أهم التحديات التي تواجه وكلاء التنشئة الاجتماعية الأسرة والمجتمع بسبب منصات التواصل الاجتماعي. أعلى معدلات اختراق للحسابات كانت للمراهقين بين (10 إلى 19) في الدول المتقدمة حسب منظمة الصحة العالمية (2019)، والذي غالباً ما يكون من خلال جمع جهات التسويق للمعلومات التي يشاركها المراهقون عبر الإنترنت للاستفادة منها في الإعلانات والترويج لاستهلاك سلع معينة إذ لدى منصات التواصل الاجتماعي القدرة على قراءة اهتمامات أي شخص وهو أمر مررنا به جميعاً عند البحث عن منتج أو موضوع معين حتى تصلنا رسائل أو إعلانات تتضمن أشياء تشبه ما كنا نبحث عنه، لذا فعلى الأسر دعم وعي أبنائهم بتفعيل الخصوصية على أي منصة مستخدمة من قبلهم وعدم الوثوق بالشركات الدعائية أو الرسائل التي تصلها منهم، ذكرت دراسة Feng & Xie (2014) أن هناك علاقة إيجابية بين مستوى قلق الوالدين بشأن الخصوصية ومستوى قلق المراهقين بشأن الخصوصية، يمكن للوالدين التأثير على مواقف وسلوكيات أطفالهم من خلال الوساطة الأبوية التي تتضمن مراقبة استهلاك أطفالهم لمنصات التواصل الاجتماعي وإبراز الملف الشخصي في تحفيز المراهقين على زيادة مخاوف الخصوصية عبر الإنترنت، والتي بدورها تدفع المراهقين إلى تبني المزيد من استراتيجيات إعداد الخصوصية على شبكات التواصل الاجتماعي وتعيين ملفاتهم الشخصية على فيسبوك إلى خاصة، عن طريق الوساطة النشطة بمناقشة الوالدين مع الأطفال الجوانب غير المرغوب فيها لمحتويات الوسائط والطرق المرغوبة لاستهلاك الوسائط، ثانيًا، الوساطة التقييدية، والتي تشير إلى قواعد وضع الوالدين للتحكم في استخدام الأطفال لوسائل الإعلام من حيث محتوى الوسائط المناسب ووقت عرض الوسائط (Feng & Xie 2014).
        تسعى كل من الأسرة والمجتمع بمؤسساته إلى تنمية الدوافع الإبداعية لدى الفرد لمساعدته على التطور والنمو ودفع عجلة التنمية، من خلال تحقيق الاندماج الاجتماعي والتعلم وتنمية المهارات المختلفة، لتتدخل منصات وسائط التواصل الاجتماعي مسببة إعاقة هذه العملية عبر تأثيراتها، أحد هذ المؤثرات هو ظهور الاكتئاب نتيجة الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، فالسعي المستمر للحصول على القبول والوعي الذاتي من خلال البقاء على اتصال مع الأقران، وكثافة التواصل الاجتماعي في عالم الإنترنت والذي يتطلب مشاركة مستمرة، يؤدي إلى ما يعرف بـ اكتئاب Facebook، والذي يعرض لخطر العزلة الاجتماعية واللجوء إلى مواقع الإنترنت والمدونات الخطرة للحصول على المساعدة، التي قد تروج لتعاطي المخدرات والممارسات الجنسية غير الآمنة والسلوكيات العدوانية والمدمرة للذات. أجرت الدكتورة جوان دافيلا وزميلتها ليزا ستار باحثتا جامعة ستوني بروك دراسة لإثبات الارتباط بين الاكتئاب ووسائل التواصل الاجتماعي، على عينة من الفتيات المراهقات، وكشفت الدراسة أن الاستخدام المفرط لموقع Facebook يجعل الفتيات أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب والقلق.
       وبعد عام، أعاد الباحثون تقييم المجموعة بحثًا عن أي علامات للاكتئاب أو القلق، وأثبتت نتائج الدراسة أنّ المستخدمين الذين ناقشوا مشاكلهم مع الأصدقاء بشكل متكرر، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عانوا من مستويات أعلى من القلق من أولئك الذين لم يفعلوا ذلك. ووفقًا للدكتور دافيلا أن الرسائل الفورية والشبكات الاجتماعية تجعل من السهل جدًا على المراهقين أن يصبحوا أكثر قلقًا، مما يؤدي إلى الاكتئاب، لأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت وسيلة انتقال لهذه المناقشات المتكررة، مما يسمح بإعادة صياغة المناقشات باستمرار حول مشاكل هؤلاء الفتيات، مما يجعلهن مهووسين بـ المشكلة ويمنعهن من المضي قدمًا في الحياة. ووسائل التواصل الاجتماعي الآن هي القناة الأساسية للمراهقين للتنفيس عن المشاكل الحالية في حياتهم، وبالتالي عندما ينشر مراهق مشكلة عبر الإنترنت، فمن المحتمل أن يتلقى تعليقات إيجابية أو سلبية، مما يتسبب في تطوير هوسه بشأن المشكلة المنشورة وبمجرد مشاركة شيء ما عبر الإنترنت، لا يمكن استعادته أبدًا حتى إذا حذف المنشور، مما يؤدي بالمرسل إلى مزيد من الاكتئاب والقلق (Chung & Tai ,2021).
    إضافة إلى ذلك فإن أحد أهم التحديات التي وكلاء التنشئة الاجتماعية الأسرة والمجتمع، هو تمكين الأنشطة الإجرامية من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أداة للمجرمين والمفترسين والإرهابيين لتمكينهم من ارتكاب أعمال غير قانونية، من خلال استغلال العديد من المجرمين وسائل التواصل الاجتماعي لإخفاء هويتهم وارتكاب العديد من الجرائم مثل التنمر الإلكتروني والإرهاب السيبراني والاتجار بالبشر والاتجار بالمخدرات (, Jacob 2015).
    الخلاصة
    أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي واحدة من أهم المنصات لربط البشر من كل مكان في العالم، كأداة اتصال وتفاعل، وقد تم إنشاؤها لبناء العلاقات والحفاظ عليها بغض النظر عن القيود الجغرافية أو الزمنية، ومع ذلك فقد زادت وسائل التواصل الاجتماعي من وظيفتها بشكل أساسي من خلال تأثيرها على التنشئة الاجتماعية ومنافسة وكالات التنشئة التقليدية في القيام بدورهم، نتيجة استخدامها وتوظيفها في مجالات متنوعة، عبر زيادة الاتصال والتعبئة والتمايز والتوسع المكاني وهو ما له عواقب بعيدة المدى على عمليات التنشئة الاجتماعية، مثل تشويش التفاعلات الاجتماعية وتحولات الأدوار وغير ذلك كثير. ولا نغفل عن أن تجارب التنشئة الاجتماعية تؤثر أيضًا على طريقة استخدام الناس لمنصات وسائل التواصل الاجتماعي وللتعامل معها كنشاط اجتماعي ثقافي، هذا أيضًا له أهمية تجريبية تظهر عبر أنماط الاتصال والروابط التي يسعى الأفراد لتحقيقها.