إن العالم اليوم يشهد ثورة تكنولوجية معلوماتية في مختلف المجالات ولاسيما في المجال الاقتصادي، والتي ألقت بضلالها على مجمل الأنشطة الاقتصادية، وخاصة الأنشطة التسويقية التي كان لابد لها أن تتوافق مع هذه التطورات الهائلة. وعليه أصبح علم التسويق يلعب دورا أساسيا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وفي تحسين الإنتاج، وتوفير المنتجات وسد حاجات المستهلكين بالشكل الذي ينعكس إيجابا على مستوى الاقتصاد الوطني.
أولا: مفهوم التسويق (marketing ).
1- الأصل الاصطلاحي:
إن كلمة تسويق marketing هي "كلمة مشتـقة من المصطلح اللاتيني marcatus والذي يعني السوق، وكذلك تشتق من الكلمة اللاتينية marcari والتي تعني المتجر".وبمعنى أن market تعني السوق و ing تعني داخل أو ضمن.
ويمكن القول أن مصطلح التسويق يعني تلك الأعمال والوظائف التي تتم ضمن السوق وخارج دائرة الإنتاج، والمؤسسة تقسم وظائفها إلى وظائف مرتبطة بالإنتاج وأخرى بالتسويق، والتسويق هو ذلك النشاط الذي يسبق الإنتاج ويستمر بعده، وعموما فالتسويق يشمل الوظائف المختلفة الخاصة بالمبيعات والتوزيع والإعلان وتخطيط الإنتاج وأبحاث السوق والتي تقوم بها المؤسسة للاتصال بالمستهلكين بغرض تقدير احتياجاتهم والتعرف على آرائهم في السلع التي تنتجها وتبيعها لهم لتتوصل بذلك إلى ترجمتها في شكل إنتاج يرضي رغباتهم.
2- تعريف التسويق:
لقد اختلفت تعاريف التسويق باختلاف أفكار ووجهات نظر الدارسين له، فليس هناك تعريف واحد للتسويق متفق عليه، لذلك فان إعطاء عدة أمثلة عن التعاريف المعروفة للتسويق، يعد أمرا ضروريا للإحاطة به.
ويعرف التسويق حسب جمعية التسويق الأمريكية :" أوجه نشاط الأعمال التي توجه انسياب السلع والخدمات من المنتج الى المستهلك".
"مجموعة العمليات والمجهودات التي تبذلها المؤسسة من أجل معـرفة أكثر لمتطلبـات السوق، وما يجب إنجازه في مجال مواصفات المنتج، الشكلية والتقنية حتى تستجيب أكثر لهذه المتطلبات من جهة، وكل ما يبذل من جهود في عملية ترويج وتوفير المنتوج للمستهلك في الوقت المناسب وبالطريقة الملائمة، حتى تبيع أكبر كمية ممكنة منه وبأسعار ملائمة تحقق أكثر أرباحا لها تتوقف عليها حياتها".
منه فوظيفة التسويق هي وظيفة شاملة تبدأ من السوق وتعود إليه، ولقد أعادت الجمعية الأمريكية تعريف التسويق سنة 1985 بأنه: "عملية تخطيط وتنفيذ التصور والتسعير والترويج والتوزيع للأفكار والسلع والخدمات، وذلك لإتمام عملية التبادل التي تشبع أهداف كل من الأفراد والمنظمات".
ويعرف التسويق وفقا للمدخل الحديث بأنه: "نشاط يهدف إلى إقامة علاقة مستمرة ومربحة مع المستهلكين وعدة أطراف أخرى، وكذلك الحفاظ عليها وتدعيمها بشكل يؤدي
إلى تحقيق كل الأطراف لأهدافهم، وتتحقق هذه العلاقة من خلال القيام بعمليات المبادلة التي تراعي مصالح الطرفين، والوفاء بالوعود التي يقطعها كل الأطراف على أنفسهم ".
والاقتصادي فيليب كوتلر الذي يربط بين التسويق والسلوك البشري، حيث يرى أنه:
" عبارة عن نشاط بشري يهدف الى إشباع الحاجات والرغبات من خلال عمليات التبادل"
ثانيا: أهمية التسويق.
للتسويق أهمية بالغة لا تقتصر على مجرد إيصال السلعة أو تقديم الخدمات الى المستهلكين
أو الصناعيين فقط بل هذه الأهمية تمتد لتصل إلى:
1-خلق المنفعة الشكلية للسلع عن طريق إبلاغ إدارة الإنتاج أو التصميم بتلك الرغبات والحاجات المطلوبة من طرف المستهلك سواء تعلق الأمر بالشكل أو الجودة أو التغليف.
2-مواجهة منافسة الشركات الأجنبية أو متعددة الجنسيات داخل الأسواق المحلية.
3-غزو الأسواق الدولية من خلال اكتشاف الفرص التسويقية في هذه الأسواق سواء بالأسلوب المباشر (الاستثمار الأجنبي المباشر) أو عن طريق الأسلوب غير المباشر (التصدير وتراخيص البيع).
4- خلق الكثير من مناصب الشغل كون النشاط التسويقي للمؤسسة يعمل على خلق العمالة في مجالات مختلفة من البيع، والإعلانات، ودراسة السوق، والبحوث...الخ.
ثالثا- مراحل تطور التسويق.
عرف التسويق تغيرات كثيرة نلخصها في المراحل التالية:
1 مرحلة التوجه بالمفهوم الإنتاجي:
حتى عام 1920 كانت مشكلة الإنتاج هي محور انشغال الإدارة في المؤسسة، ولم يكن الإنتاج يواجه آنذاك أية صعوبة لأن السوق لم تكن مشبعة، في حين كان التركيز في هذه المرحلة ينصب على الإشباع الكمي للحاجات، وأن قضايا الجودة في الإنتاج كانت مبادرة من مهندسي الإنتاج، وأثناء هذه المرحلة تدخل رجال البيع في قضايا الإنتاج واقتصرت وظائفهم على إقناع المستهلك بأن ما أنتج هو ما يشبع حاجاته، ومن أشهر الأمثلة التي تضرب الدليل على هذه الفلسفة التي كانت تدعى في تلك الفترة هي ما قاله "هنري فورد" صاحب شركة فورد للسيارات عن نموذج سيارته الشهيرةT ، وهو أنه يمكن للمستهلك أن يحصل على أي لون يرغب فيه طالما أن اللون السائد هو اللون الأسود وتعود هذه العبارة إلى كون أن الطلب على هذا النموذج كان عاليا للغـاية في ذلك الوقت، غير أن رغبة المستهلك في الحصول على لون آخر لم يؤثر على مبيعات الشركة، ومن أهم ملامح المفهوم السلعي التركيز على المنتجات أكثر من التركيز على حاجات الأفراد والأسواق، والمستهلك يفضل المنتجات التي تقدم له أفضل جودة أداء، وهذا بالتركيز على جودة المنتجات والعمل على تحسينها، وقد عبر عن ذلك بعدة شعارات منها "أن المنتج الجيد يبيع نفسه" وهذا يعني بأن المستهلكين يحتاجون للمنتجات فقط وليس للمنفعة التي تعود عليهم من حصولهم على المنتج أو الخدمة.
2- مرحلة التوجه بالمفهوم البيعي (1930- 1950):
لقد زاد الإنتاج في هذه الفترة بمعدلات كبيرة بفضل إدخال أساليب الإدارة العلمية في المشروعات واقتصادها تميز بالإنتاج الكبير، ومن ثم برزت الحاجة لنظام توزيع قادر على تصريف هذا الإنتاج وازداد الاهتمام بوظيفة البيع، ولكن فلسفة البيع لم تقتصر على ذلك فازداد استخدام الإعلان وظهرت بحوث التسويق لتزود إدارة المؤسسة بالمعلومات اللازمة لترشيد قراراتها المتعلقة بالإنتاج، والتخزين والتوزيع وغيرها.
ويعد المفهوم البيعي بتركيزه على نشاط البيع نقيضا للمفهوم الإنتاجي الذي لا يعطي أي تركيز يذكر للعملية البيعية، وكلا المدخلين لا يعطيان اهتماما لحاجات ورغبات المستهلك، ومن أهم الافتراضات التي قام عليها المفهوم البيعي هو أنه لا بد من تكثيف الأنشطة والجهود الترويجية لدفع المستهلك إلى الشراء، وأن هناك فرص بيعية كثيرة متاحة في الأسواق ومنه فالهدف الأساسي من كل هذا هو تحقيق مبيعات فقط دون الاهتمام بالاحتفاظ بولاء المستهلكين لقيامهم بإعادة الشراء.
3- مرحلة التوجه بالمفهوم التسويقي:
بعد سنة 1950 تبنت الإدارة في المؤسسة الإنتاجية فلسفة جديدة للإنتاج شعارها "صنع ما يجب المستهلك أن يشتري بدلا من محاولة بيع ما يجب المنتج أن يصنع"، وتميزت هذه المرحلة بالسرعة في ابتكار المنتجات الجديدة المسايرة لسرعة تغير أذواق المستهلكين، وازدادت شدة المنافسة من أجل جذب المستهلكين وكسب رضاهم، وقد ساعد على تطور هذا المفهوم عوامل تكنولوجية، واقتصادية، واجتماعية...الخ.
ويقوم هذا المفهوم على أساس ضرورة تكامل كافة الأنشطة والجهود داخل المؤسسة لتحقيق أهدافها المزدوجة، التي تكمن في إشباع حاجات ورغبات الأفراد والمؤسسة من جهة وتحقيق الأرباح المخططة من جهة أخرى، ومغزى هذه الفكرة يكمن في كون أن كل أنشطة المؤسسة بما فيها أنشطة الإنتاج لا بد أن تركز على حاجات المستهلك، وأن تحقيق الربح في الأجل الطويل لا يتحقق إلا بإشباع المؤسسة لهذه الحاجات، ومنه يمكن القول بأن للمفهوم التسويقي ثلاثة ركائز أساسية تظهر في التوجه بحاجات المستهلك ورغباته قبل الإنتاج وبعده، وفي تكامل جهود المؤسسة وأنشطتها لخدمة هذه الحاجات وتحقيق الربح في الأجل الطويل.
ولقد كانت شركة جنرال إلكتريك General Electric من أوائل الشركات التي قدمت هذا المفهوم عام 1952 وطبق هذا التعريف في الشركات التي تقوم بإنتاج سلع يكرر المستهلك القيام بعملية شرائها، ومع بداية فترة السبعينات والثمانينات والتسعينات لم يعد نظام التسويق مقتصرا على تلك المؤسسات التي تهدف إلى تحقيق الربح فقط بل امتد أيضا إلى المؤسسات التي لا تهدف إلى تحقيق الربح.
4- المفهوم الاجتماعي للتسويق:
هذا المدخل يسعى من خلاله إلى تحقيق هدف المؤسسة الذي قد يكون تحقيق الربح أو غيره من أهدافها، أو خلق التوازن بين حاجات المستهلك وحاجات المجتمع ككل في الأجل الطويل وليس في الأجل القصير، ومن هذا يلاحظ بأنه يجب مراعاة المسؤولية الاجتماعية للمؤسسة عند اتخاذ القرارات بصفة عامة والقرارات التسويقية بصفة خاصة؛ فقد يكون على المؤسسة أحيانا أن تستجيب لبعض الحاجات والرغبات الخاصة بجماعات معينة متعارضة مع اهتمامات المؤسسة، وهذا ما أدى إلى توسع نطاق المفهوم التسويقي وتعديله، والواقع أن المجتمع يتوقع من رجال التسويق أن يتصرفوا بطريقة تعكس مسؤوليتهم الاجتماعية اتجاه المجتمع الذي يعملون فيه.