1-التطور التاريخي لمفهوم الخدمة:

    شهد مفهوم الخدمة انتقالا تطوريا مهما إلى أن وصل إلى المفهوم الحديث المتميز بقدر من الدقة والذي يشير إلى علاقة الخدمة كمفهوم جديد لا غنى عنه في مختلف مراحل الانتاج بالنسبة للسلع والخدمات.

1-1-الخدمات قطاع مهمل: أهملت النظريات الاقتصادية التقليدية قطاع الخدمات وأبعدته عن حقل علم الاقتصاد بارتكازها على الفكرة الصادرة عن المدرسة الكلاسيكية المتعلقة بمادية الثروات، حيث أقرت الفائدة والمنفعة التي تنتج عن الخدمات، لكنها أكدت على بقائها غير منتجة، حيث عرفت بمجموع النشاطات التي تختلف عن الزراعة والصناعة وهي تتصف باللامادية، واللإنتاجية وهذا جعل من المستحيل أن تأسس الخدمات حقلا للدراسة خاص بها.[1]

    اعتمد تحليل الخدمات على مقارنة خصائصها مع تلك الخاصة بالسلع المادية ولفت موضوع المادية اهتمام كبار الاقتصاديين الكلاسيك، أمثال A.Smith – D-Ricardo حيث رتبوا الخدمات على أساس درجة المادية، فهي غير ملموسة، لا تحسب ولا تخزن على عكس السلع. إذن مشكل المادية هو المبرر الوحيد لإخراج الخدمات من التحليل الاقتصادي. وبالمثل اعتمد الفكر الماركسي على القيمة الاستعمالية ومفهوم العمل المنتج، وهذا ما أدى إلى إقصاء الخدمات من الفضاء الانتاجي.

    إن الحاجز بين الخدمات والسلع استمر لسنوات طويلة ليست بعيدة، إلى أن جاء التفكير المعاصر القاضي بضرورة التخلي عن فكرة المعارضة بين الخدمات والسلع، لأنه، من جهة كون دعائم بعض الخدمات هي مادية مثلها مثل العديد من السلع ومن جهة أخرى، نظرا لتطور سلع صناعة المعلومة وتزايد أهمية النوعية بالنسبة للسلع والأخذ في الاعتبار قيمة المحيط أدت إلى التشكيك في أهمية المادية كدعامة وحيدة للقيمة ومنه للثروة.

1-2-آراء الاقتصاديين حول مفهوم الخدمات: غالبا ما استعمل مفهوم الخدمة دون التدقيق فيه بالقدر الكافي، وهذا ما أدى إلى تعدد آراء الاقتصاديين والمنظرين فيما يخص هذا المفهوم. يمكن شمل هذه الآراء في أربع مجموعات، نمى وتطور من خلالها مفهوم الخدمة، من اعتبارها نشاطات غير منتجة تماما إلى المفهوم المعاصر الذي يعترف بإنتاجية وأهمية الخدمة.

2--أهمية الخدمات.

  أصبح الاهتمام بقطاع الخدمات من الظواهر الحديثة في الاقتـصاديات العالميـة بعـد أن كـان الاهتمام ينصب طيلة الفترة الماضية على القطاعات السلعية الزراعية والصناعية، والتي كـان ينظـر إليها سواء على مستوى الدول أو المنظمات بأنها القطاعات الجديرة بالاهتمام والتي يمكن لها بالتالي أن تشكل الأساس السليم للتطور، كما كانت النظرة إلى مؤسسات الخدمات على أنها منظمات هامشية لذلك لم تحظ بالاهتمام الكافي. أما وفي ظل اقتصاد المعرفة وعصر العولمة فقد تعاظم دور صناعة الخدمات في التنمية الاقتصادية وهذا من خلال خلق فرص للعمل، زيادة الدخل القومي، المـساهمة فـي إعـادة توزيع الثروة وكذلك بناء وخلق قطاعات اقتصادية متعددة.

  التغيرات الحاصلة في بيئة منظمات الأعمال وكذلك المستهلك الأخير زادت من أهمية الخدمات في الوقت الحاضر عما كان عليه الأمر في السابق.بالإضافة إلى أهمية أخرى نلمسها في:

 

  • الخدمات أصبحت تحتل دورا مهما في حياة المجتمع وتساهم فـي رفاهيتهم واستقرارهم، فما من شك أن الجميع يحتاج ويعتمد على الخدمات بشكل أو بآخر فـي الحيـاة اليومية، من صحة وكهرباء ومواصلات وبريد وتعليم وخدمات ماليـة وغيرهـا.
  • على المستوى القومي-بل الدولي -ازداد الدور الذي تلعبه صناعة الخدمات وخاصة فيما يتعلق بمدى مساهمتها في إجمالي الدخل القومي وعدد الأفراد والعاملين في هذه الصناعة، فبينما انخفضت مساهمة القطاع الصناعي في الدخل القومي، فإن هناك زيادة سريعة من جانب الخدمات بالإضافة إلى ما توفره المنظمات المختلفة في القطاع الخدمي (سواء الحكومي أو الأعمال) من فرص عمل عديدة ومتنوعة.
  • على مستوى المنظمات على اختلاف أنواعها خاصة المنظمات صغيرة الحجم، حيث تزداد فرصتها في تقديم الخدمات والتي تتصف بمحدودية النطاق الجغرافي والتي يمكن أن تغطيه الخدمة، ولهذا فان المنشآت صغيرة الحجم تجد فرصة كبيرة في الدخول في هذا النوع من الأعمال.

3-العوامل التي ساهمت في نمو الخدمات.

  من المتوقع أن يعرف قطاع الخدمات نموا نوعيا وكميا ملحوظا. حيث تشير التقارير والاحصائيات الى ان هذا القطاع كان يستحوذ على حوالي 25% من مجموع القوى العاملة في العالم سنة 1965، وارتفعت النسبة الى ما يقارب الـ 49% في الفترة 1990-1995، وفي الدول المتقدمة كانت النسبة في في الفترتين 56% و74% على التوالي.[2]

  وقد تولد تفوق قطاع الخدمات في الاقتصاد عن عدة ظواهر متداخلة جزئیا ببعضها البعض. ومن العوامل التي ساهمت في نمو الخدمات ما يلي[3]:

 أ-الطلب المتزايد على الخدمات.

  تتعدد وتختلف العوامل التي تقف وراء الطلب المتزاید للمستهلكین، والشركات في الاقتصاد المعاصر، على الخدمات[4]. فعلى سبیل المثال نجد تطور مستوى معیشة سكان البلدان المصنعة. كما أن تحرر المرأة والنزعة الثقافیة لمجتمع "الرخاء"، وكذا السعي وراء نوعیة أفضل للحیاة هي عوامل أخرى تؤدي إلى طلب المستهلكین المتزاید على الخدمات.

  ومن جهتها، تمارس الشركات والمؤسسات الطلب "الوسیط" للخدمات بشكل لا ینفك یزداد. إذ یمیل هؤلاء الفاعلون إلى إحاطة أنفسهم بالخدمات، أو بشكل خاص بإدماج خدمات ذات طابع معلوماتي، وقانوني، وتقني، ومالي بالغ التعقید في نظام الإنتاج الخاص بهم. وهذا یفسر من جملة أمور أخرى الطفرة في اللجوء إلى الاستشارات الخارجیة والتي أصبحت الشركات والمؤسسات تعتبرها حالیا أمرا لا غنى عنه من أجل تسویة المشكلات التي تعترضها، والراجعة إلى تعقدّ وضعیة مناخ الأعمال. ویمكن أن یتم الحصول على الاستشارات من خارج الشركات بشكل فردي أو جماعي.

ب-تطور طبيعة نظم الإنتاج وتقديم الخدمات.

یلعب التقدم التكنولوجي دورا حیویا في تنمیة اقتصاد الخدمات، حیث أنه یمارس تأثیرا حاسما على تحدید النظم والخدمات المعروضة في الأسواق.

ووفق فلسفة 1983 Joseph Schumpeter وهو من دعاة ظاهرة "الهدم الخلاق"، ینبغي للتكنولوجیا الحدیثة مثل "الأعمال المصرفیة المباشرة"، و"المحلات" الالكترونیة التي تعمل على شبكة الإنترنت، والتعلیم عن بعد. ...إلخ أن تعوض القدیمة منها بشكل دائم، وهو ما یولد بطالة على المدى القصیر ، وصعوبات اقتصادیة أخرى، قبل أن تخلق بدورها مناصب شغل جدیدة بفضل تحسن مستوى تنافسیة الأنظمة. ویبدو في الوقت الحالي أن هذه الظاهرة تتجلى في شركات الخدمات والشركات الصناعیة على حد سواء 

  تتغیر طبیعة العمل بحد ذاته وعملیة الإنتاج بإدراج الإعلام الآلي إذ تظهر حلول مبتكرة في مجالات متعددة، مثل العمل عبر التلفاز، وعقد مؤتمرات بالفیدیو، والشبكة الداخلیة (إنترانات)...إلخ، والتي تساعد على تحسین أداء العملیات الداخلیة لشركات الخدمات وبالتالي درجة المنفعة التي تقدمها أو قیمتها بالنسبة للزبون.[5]

     بالإضافة إلى ذلك، فإن تكنولوجیا المعلومات كما یشیر إلیها، G. Hackett تساهم في ربط وتوطید علاقات الشركة بعملائها": تساعدنا التكنولوجیا على بناء علاقات مع العملاء وذلك من خلال تجمیع قواعد بیانات شاملة والتشارك بها "[6] ویسمح استخدام قاعدة البیانات العلاقاتیة (Base de données relationelles) بإقامة حوار مع العملاء لیس في إطار قطاعات " الأعمال التجاریة التي تجري بین مؤسسة تجاریة ومؤسسة تجاریة أخر ى" فحسب، وإ نما في قطاع السلع الاستهلاكیة (مثل نستلیه)، وفي الخدمات (مثل الفندقة).

 وهذا التطور، بحسب S. Grossmann يلمس بشكل خاص في الخدمات المالیة بالإضافة إلى مجالات خدمة ما بعد البیع، وتقدیم المشورة وأنشطة السمسرة.[7]

   یزداد أداء الخدمات المالیة الیوم تحت دفع التكنولوجیات الحدیثة. فقد أصبح استخدام النقود الإلكترونیة مثل بطاقة الائتمان، والدفع والسحب، بالإضافة إلى التحویلات المباشرة بین الحسابات، یحل بشكل واسع محل المعاملات النقدیة. إذ أصبحت هذه العملیات سواء التي تستخدم فیها العملة الوطنیة أو العملات الأجنبیة تتم بشكل متزاید بشكل إلكتروني وعن بعد. إذ حلت "العملیات المصرفیة المباشرة" عن طریق الهاتف، وشبكة البث النصي، وشبكة الإنترنت محل العملیات البطیئة والمعقدة التي تتم على الشباك. وبالإضافة إلى ذلك فإن هذه الخدمات تتمتع بامتیاز مهم جدا وهي أنها متاحة على مدار الساعة.

 جـ-تقديم منتجات جديدة: إن المؤسسات تقوم دائما بتجديد منتجاتها، حيث أثبتت الإحصائيات أن %50 من الأرباح تعود إلى منتجات جديدة لم تكن موجودة من قبل، والتي أدت إلى خلق خدمات جديدة.

  عموما فإن زيادة الاهتمام بقطاع الخدمات يعزى للعوامل التالية:

 حركة عصر المعلومات التي نشأت بفعل اختراع الحاسوب وتطور الاتصالات.

 زيادة أوقات الفراغ بسب استخدام ظاهرة التشغيل الآلي في المؤسسات.

 تنامي معدلات الرفاهية من خلال زيادة دخول الأفراد، تحسن المستوى المعيشي، وكذا اتساع دائرة عمل المرأة والتي أصبحت قوة عمل مؤثرة.

 زيادة تشكيلات المنتوجات التي تحتاج إلى خدمات بالإضافة إلى الزيادة في درجة تعقيد هذه المنتوجات تقنيا مما استدعى الحاجة إلى خدمات مثل الصيانة، التركيب.... الخ.

 والجدول التالي يلخص أهم أسباب نمو الخدمة بالنسبة لكل من:

 ü     المنتج (المؤسسة).

ü     المستهلك.

 الجدول رقم 09: أسباب نمو الخدمة.[8]

 

العوامل المحيطة المؤثرة مباشرة على الطلب على الخدمات

أمثلة

المستهلك    costumer

-         ارتفاع المستوى المعيشي.

-         التعقيدات المتزايدة للحياة.

-         ارتفاع درجة التكلفة في الإنتاج.

-         تنوع حافظة المنتجات الجديدة.

-         نظرة جديدة إلى قيمة الوقت.

-         تطلب النوعية على مستوى البيئة.

-         أمل حياة أطول.

-         تحسن نوعية الحياة.

-         خدمات التنظيف.

-         متخصص في ملأ الاستمارات المتعلقة بالضرائب.

-         شرح الاستعمال.

-         مراقبة الجودة.

-         مطاعم الأكل السريع.

-         مؤسسات طبية متخصصة.

-         التسلية والثقافة.

الـــمؤســســة         Factory

-         نمو وتطور المؤسسات والتنقل.

-         التعقيد المتزايد للأعمال وتكثيف المنافسة العامة.

-         ارتفاع درجة التعقد التكنولوجي.

-         تبعية تكنولوجية حادة.

-         تعدد مسارات وطرق التوزيع والاتصال.

-         نظرة جديدة إلى قيمة الوقت.

-         تطلب النوعية على مستوى البيئة.

-         سرعة التغيرات الاقتصادية.

-          إجراءات التصدير.

-          استشارت قانونية.

-         صيانة قطع الغيار.

-         مساعدة تكنولوجية.

 

-         شبكة اتصال وتوزيع.

-         مصالح نقل خاصة.

-         مراقبة تلويث المؤسسات للبيئة.

-         التأمين.

 

 4-احتياجات السكان إلى الخدمات:

 هناك بعض الاحتياجات-لا تعد مجرد حاجة فحسب، وإنما هي أيضاً شرط أساسي لبقاء الإنسان على قيد الحياة. وإن تلبية حاجة ما لا يعني بالضرورة إرضاء، الإنسان، بل تظهر لديه حاجة جديدة بحسب قانون (تزايد الحاجات أو المطالب) ويخص هذا الأمر الاحتياجات الكمالية -الراقية أكثر من الاحتياجات الأساسية الضرورية التي يطلبها الناس جميعهم لأنه من دونها تصعب أو تستحيل الحياة[9]. ويتمثل جوهر قانون تزايد الحاجات أو المطالب الخدمية في أن حاجات الإنسان ومتطلباته إلى الخدمات تزداد مع مرور الزمن نتيجة تطور مستواه المادي والمعيشي، وكذلك التقدم العلمي والتقني والحضاري الذي يشهده مجتمعه.

  وانطلاقاً من نوعية احتياجات السكان إلى الخدمات أظهرت مجموعة من الباحثين السوفييت (الروس)  هم الكسييف، كوفاليف، تكاتشينكو ثلاث عشرة مجموعة من الخدمات السكانية؛ وذلك بحسب الوظيفة  التي تؤديها كل خدمة في تأمين النشاط الحياتي للسكان، وهذه الفروع هي: خدمات السكن والمرافق، تجارة التجزئة، وخدمات التغذية العامة (أي محلات تقديم الطعام والشراب للعامة)، والخدمات المعيشية العامة والشخصية، وخدمات التربية والتعليم، وخدمات الرعاية الصحية، والخدمات الترويحية والسياحية،  خدمات الرعاية الاجتماعية والتأمين الاجتماعي، والخدمات الثقافية والروحية والرياضية، وخدمات حماية حياة الموطنين وممتلكاتهم وحقوقهم، وخدمات الاتصالات في جزئها الخادم للسكان، والخدمات المالية وخدمات الضمان الاجتماعي، وخدمات نقل الركاب). ويمكن أن نضيف إلى مجموعة الفروعالخدمية هذه خدمات الإدارة والبلديات أو الحكومات الالكترونية.

  تعتبر الخدمة ذات أهمية كبيرة في الحياة المعاصرة فهناك عدة مجالات تعتبر الخدمة فيها ذات أهمية بالغة، فالخدمة عموما تعني أي عمل أو جهد يبذل لتلبية وسد حاجيات الآخرين أو طلبا ما. وهي أنشطة غير ملموسة قد يرتبط استخدامها باستخدام سلع مادية ملموسة[10].



[1].  Ibid, P169.

[2] . حميد عبد النبي الطائي، بشير عباس العلاق، ص19.

[3] . هاني حامد الضمور، تسويق الخدمات، مرجع سبق ذكره، ص 15.

[4] - KOSTECKI M.: Marketing Strategies for Services, Globalisation, client-orientation, déregulation, Pergamon Press, UK, 1/ 1994.

[5] - GIARINI O. & ROULET J.-R.: L’Europe face à la nouvelle économie de services, Publications de l’Institut Universitaire d’Etudes Européennes, Presses Universitaires de France, Paris, 1988, pp. 23-26

[6] -- HACKETT G.: Investment in Technology: The Services Sector Sinkhole? Slow Management Review, Winter 1990, p. 98.

[7] -- GROSSMANN S.: Les réseaux globaux, utiliser les chances, Volkswirtschaft, 02. 1998, pp. 39-43.

[8]  . أحمد محمد فهمي البرزنجي، نزار البدواري، إستراتيجية التسويق، دار وائل للنشر الطبعة 1، 2004، ص 44.

[9] . المرجع نفسه، ص 152.

[10] . عبد الجبار منديل، أسس التسويق السياحي، الدار العلمية الدولية ودار الثقافة، عمان، 2002، ص 269.