1-مكانة قطاع الخدمات

  حسب النموذج الثلاثي القطاعات (Trisectoriel)، فان التنمية الاقتصادية تخضع لقانون يتدرج خلال ثلاث أزمنة، الفلاحة تهيمن في البداية من حيث الإنتاج والمبادلة، ونظرا لضعف انتاجيتها فانها تشغل أغلب أعضاء الأسرة. يأتي من بعد القطاع الصناعي أو الثانوي (الثاني) الذي نمى وتطور بسرعة بفضل اقتصاديات الحجم الكبير (الاقتصاد السلمي)، والذي أحدث نموا لقطاع ثالث أو قطاع الخدمات الذي يستخدم اليد العاملة المحررة. هذا القطاع الأخير انتشر بسرعة ليصبح في النهاية أهم القطاعات الثلاث[1].

   إن انتقال العمالة من الفلاحة نحو القطاع الثاني ثم الثالث مثل تحولا جذريا ميز عصرنا هذا ونجده في جميع دول العالم (أنظر الشكل الموالي).

 

  أهم ما يمكن استنتاجه من هذا الشكل هو أن المرور من القطاع الفلاحي ثم القطاع الصناعي إلى القطاع الخدمي هو أهم تغيير مس هذا القرن. حيث أنه فقط بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية أصبحت الخدمات تشغل أكثر من 77 %من السكان النشيطين ولن يبقى للقطاع الفلاحي سوى 2.5 .%

  حسب الاقتصاديين البريطانيين ريتشارد براون، ودي أن جوليوس (1993)، قطاعي الفلاحة والصناعة عرفا تطورا متشابها. والميزانية الخاصة بالأغدية والسلع الأخرى لن تعرف تراجعا، ولكن نصيب معتبر سيذهب الى الخدمات كالمطاعم، وبرمجيات الاعلام الآلي......الخ.

  في الشكل أدناه أخدنا كمثال الاقتصاد الفرنسي، وحسب معطيات المعهد الوطني للا حصاء والدراسات الاقتصادية لفرنسا سنة 2006، لنبين حجم العمالة في قطاع الخدمات وعلى اختلافها.

 

الشكل رقم 03: مكانة الخدمات في الاقتصاد الفرنسي.

Source : INSEE (Institut National de la Statistiques et des Etudes Economiques).

 

  ولتوضيح مدى تنامي قطاع الخدمات تقاس أهميتها بالنسبة للناتج المحلي الخام (أنظر الشكل 04).

 

   تعطينا المؤشرات العامة لتطور حجم قطاع الخدمات في الناتج الداخلي الخام بالأسعار الجارية (أسعار السوق) خلال الفترة الممتدة بين 200-2008 أن هذا القطاع يمثل الغالبية العظمي في الناتج العالمي، وهذا ما يوضحه الجدول أسفله.

 

  يتضح من خلال الجدول أن الناتج الداخلي العالمي الجاري في تزايد مستمر، حيث بلغ سنة 2008 أزيد من 60 تريليون دولار، وهذا ما تعكسه معدلات النمو الايجابية المسجلة خلال الفترة 2000-2008 ورغم هذا فإن هناك انخفاض مسجل خلال سنة 2001 يقدر ب 165 مليار دولار عن سنة2000 ، وهذا راجع إلى الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر 2001 ، والتي انعكست سلبيا على الاقتصاد الدولي.

 

  ومن خلال معدلات النمو للناتج الداخلي العالمي الحقيقي، نلاحظ أن أعلى معدل نمو كان سنة          2007 يقدر بــ %5.2، بينما انخفض في السنة الموالية (2008) إلى حدود 3 %، وهذا ناتج عن تداعيات الأزمة المالية العالمية التي حلت في أواخر سنة 2008، وقد ظهر ذلك بشكل واضح خلال سنة 2009 حيث سجل معدل نمو سلبي والمقدر ب -1.1 % [2]

 

 وفيما يلي نقدم بعض الاحصائيات المتعلقة بالجزائر والتي افرزها الإحصاء الاقتصادي الجزائري الأول سنة 2011 (الديوان الوطني للإحصاء، الجزائر، جويلية 2012).

 

 

 

 تطور الوحدات الاقتصادية (المؤسسات) خلال كل فترة يظهر تصاعد ملحوظ في وتيرة الانشاء أو التأسيس لهده الوحدات. بحيث نجد من أصل 934250 وحدة تم احصاؤها (معنوية أو مؤسسة طبيعية)، 2.2% تم إنشاؤها قبل 1980، و4.2% بين 1980و1989، 17% بين 1990و1999، وفي الأخير 76.6% أي 716026 بين 2000و2011.

 

 وفي الجدول والشكلين أدناه يتضح أنه من مجموع المؤسسات التي تم إنشاؤها بين 2000 و2011 716026، أي أكثر من 55% تتعلق ببقطاع التجارة. الخدمات تاتي في المرتبة الثانية بحوالي 34% من انشاء الوحدات خلال نفس الفترة. وفي المجموع فان القطاع الثالث يمثل 89%. وبعيدا في الترتيب نجد الصناعة والتي لا تمثل سوى 10.2%. هده التركيبة هي نسبيا نفسها بالنسبة لكل الفترات التي تاتي قبل 2000.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2-حدود التقسيم التقليدي للقطاعات.

  يعلم جميعنا اليوم ما أهمية نشاطات الخدمات في اقتصادياتنا عكس ما كان يعتقد سابقا في الفكر الاقتصادي من وجهة نظر أدم سميث وكارل ماركس مثلا، والاعتقاد بان الصناعة تتطلب مهارات أكثر من الخدمات وان الصورة الكاريكتورية لهده الأخيرة تتمثل في بائع الفريت أو المضحكون والبهلوانيون.

 وكما تبينه الاحصائيات، فان النصيب النسبي للصناعة بخصوص اليد العاملة والناتج المحلي الخام تستمر في النقصان في الدول المتقدمة بسبب ارتفاع الإنتاجية والأتمتة، والتنقل الى الخارج نحو الدول ذات العمالة الرخيصة.

 

 مع تطور السلع المادية المنتجة وبلوغها حدود الرغبات المرجوة لدى المستهلكين، يتوجه هؤلاء الأخرين نحو الخدمات بغرض تحسن مستوى معيشتهم وبلوغ مستويات أعلى من الإشباع.

 

ان قطاع الخدمات شاسع، ومتنوع، وغير معرف جيدا، وهو يتضمن نشاطات اقتصادية كثيرة، لدى يتم تقسيم وتصنيف داخل قطاع الخدمات نفسه.

 

  نجد تقسيم برونينق – سينقلمان الذي يميز بين خمسة قطاعات اقتصادية مختلفة، وهي:

 

1-الصناعات الاستخراجية.الفلاحة والمناجم.

2-الصناعات التحويلية.البناء، الصناعات الغدائية، صناعة السلع والمواد المختلفة.

3-التوزيع.الخدمات اللوجستية، الاتصالات، تجارة الجملة والتجزئة.

4-الخدمات الموجهة للممنتجين الوسطاء. البنوك، التامينات، العقار، الخدمات الموجهة للمؤسسات.

5-الخدمات الاجتماعية. الصحة، الإدارة، ...........الخ.

6-الخدمات للشخص.  في البيت، الفندق، التصليح، التسلية.... الخ.

 

الجدول ادناه يبين ويلخص تطور الشغل بالنسبة لكل قطاع في الولايات المتحدة الامريكية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجدول رقم 07: تطور عدد العمال بالنسبة لكل قطاع في الولايات المتحدة الامريكية.

  رأينا من خلال المقاربة الأولى أنه تم اقصاء النشاطات التي ليست في ميدان الخدمات ثم البحث عن النقاط المشتركة مما تبقى منها. يينما التصنيف الثاني المطور لا يسمح بالفهم الحسن لخصوصية الخدمات، وجدنا فقط فئات من النشاطات المتجانسة.

  ان التمييز بين الصناعة والخدمات في حقيقفة الأمر ليس دو أهمية حيث اننا نجد هدين القطاعين يتطوران معا وبتناغم. فالخدمات لا يمكنها ان تنمو وتزدهر في غياب قطاع صناعي قوي، والصناعة بدورها مرتبطة بالخدمات. انتاج السيارات بكثافة، وبناء المرافق التحتية للطرق أدت الت ثورة في النقل. كما ان توفير الطاقة الكهربائية والانتاج المستمر (بالسلسلة) لأجهزة التلفزيون سمحا بالانتشار الواسع لاستهلاك مختلف البرامج. فكلما تعقدت إجراءات وعمليات الإنتاج الصناعي وزادت المنافسة، تطلب دلك الاعتماد على دور الخدمات. وبنفس الشيء نجد ان الخدمات المبنية على معالجة وتبادل المعلومات دات صلة وثيقىة بالبنى التحتية للاتصالات.

 

 

  نستطيع القول أنه في عالمنا اليوم أصبح من الاصطناعي وبدون جدوى التمييز بين الخدمات والصناعة. رغم ان منتج المصاعد يقدم أيضا خدمات ما بعد البيع، فان غالبية نشاطه مصنفة في القطاع الثانوي، لكن عندما تقوم مؤسسة بنفس هده الخدمات لاصلاح المعدات بصفة خاصة يتم تصنيفها في القطاع الثالث.

  ان النشاط الصناعي يتضمن معالجة المعلومات، ونفس الحال بالنسبة للمواد الأولية. فالمعلومة ما هي الا مادة أولية خاصة.

3-نظريـة تعميـم الخدمـة (كلنا الآن في الخدمات): La Servicialisation" "

  حسب هذه النظرية كل أسلوب إنتاج صناعي أو خدمي يتطلب نشاطات ومهام تنقسم بين الواجهة الأمامية والخلفية. فلا يوجد دائما صناعة صافية وتامة للخدمة ولا صناعة صافية وتامة للمنتوج. طورت هذه الفكرة حسب Levitt.T سنة 1972 كما يلي:

    " لا توجد صناعة الخدمة. يوجد فقط صناعة يكون فيها بعد الخدمات أقل او أكثر أهمية. فكل العالم في الخدمات".

  ولم يتوقف Levitt.T عند هذا الحد، بل ذهب لأبعد من ذلك حينما أكد على أننا كلنا في الخدمات، وسنصبح أكثر في الخدمات في المستقبل القريب، لأننا نعيش في مجتمع خدمي يتطور في محيط يتسم بالتعقيد والمنافسة القوية والزيادة المستمرة لمتطلبات وشروط المستهلكين مع ارتفاع مستوى الحياة. ولذلك سيحتاج كل شيء للخدمات هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذه النظرية لا تعترف بالخدمة الصافية المطلقة. وترفض وجهة نظر النظرية السابقة بخصوص الواجهة الأمامية للخدمة والواجهة الخلفية للصناعة. إذ تؤكد على أن كل نشاط أو إنتاج خدمي يتطلب مهاما تنقسم بين الواجهة الأمامية والخلفية. فمثلا ينحصر نشاط المطعم في عنصرين: قاعة الأكل والمطبخ. قاعة الأكل هي الواجهة الأمامية للمطعم، وهي بالتالي منطقة الخدمة لأنها موجهة نحو الزبون وتتطلب اتصالا مباشرا وعلاقة تبادلية بين البائع والمشتري. أما المطبخ فهو الواجهة الخلفية للمطعم، وهو بالتالي منطقة المنتوج لأنه موجه نحو الإنتاج ويتم في معزل عن حضور الزبون ولا يتطلب اتصالا مباشرا ولا علاقة تبادلية معه، ويتلخص نشاطه في تحويل مادي (تحويل المادة الأولية إلى منتوج).

  وبنفس المنطق يتم تحليل كل الأنشطة الخدمية الأخرى:

 

-ففـي البنك مثلا: في مصلحة الشبابيك يجيب الموظف عن الاستعلامات ويؤدي تحويلات مالية ووظائف أخرى، ويكون له اتصال مباشر بالزبائن وتأثير متبادل معهم. ولذلك يصنف نشاطه ضمن الواجهة الأمامية (منطقة الخدمة). أما عندما يؤدي البنك بعض الخدمات بصفة غير مباشرة وغير آنية كتحويل طلب الزبون إلى وثيقة مكتوبة أو ملف في الإعلام الآلي، أي إلى الواجهة الخلفية (منطقة المصنع).

 

- فـي مجال النقل الجوي، في الواجهة الأمامية (منطقة الخدمة) يسافر الزبون داخل وسيلة الإنتاج (الطائرة)، ويستهلك السفر في نفس الفترة التي تنتج فيها شركة الطيران المنتوج. ولذلك فلا وجود لأي تفاوت بين الإنتاج والاستهلاك. أما في الواجهة الخلفية (منطقة المصنع) يشارك المسافر في أجزاء من عملية الإنتاج كزيارة وكالة السفر، الحجز، إجراءات الركوب، الأمتعة ... إلخ.

 

 

 

 

4-نظريات النمـو والـدور الاقتصـادي للخدمـات:

  مثلما كان هناك اختلاف في تعريف الخدمات، فإن هناك اختلافا وتعارضا كبيرا حول المكانة المخصصة للخدمات في الاقتصاد، وحول آثار وآفاق هذا النمو، وحتى أصلا على وجود مثل هذا النمو.

  وفيما يلي يتم التعرض لأهم النظريات وأهم المدارس التي تناولت هذا الموضوع. وسنخص بالتحليل:

 "التيار ما بعد الصناعي" (Post-industriel )  و"التيار الصناعي الجديد" (Néo-industriel) ،ثم بعد ذلك "نظرية الصناعيين الجدد حول الخدمة الحرة  L’économie du Self-Service وأخيرا نظرية التكامل .(théorie de complémentaire)      

-نظريـة المجتمـع مـا بعـد الصناعـي لـ  "Bell Danniel"

   تعتبر هذه النظرية أن نمو الخدمات أهم ظاهرة في التاريخ الاقتصادي الحديث، واعتمد صاحب النظرية  (  (Bell.Dعلى أعمال العديد من الاقتصاديين ,engel, clark, fuchs،Baumdl وارتكز في تحليله وبرهنته على نمو قطاع الخدمات وعلى المكانة البارزة المخصصة له في الاقتصاد على جانبين:

 · جانـب الاستهلاك النهائي؛

  • وجانـب الإنتاج.

أ-فمـن جانـب الاستهـلاك النهائـي: يعتبر قانون Engel أنه في وضعية تطور القدرة الشرائية للسكان فإن الطلب ينتقل بالتوالي من السلع الضرورية (Les biens primaires) (أي الاستجابة لرغبات الحاجات الأساسية)، إلى السلع الثانوية (Les biens secondaires) (أي الاستجابة لرغبات الاستهلاك الضخم المعتمد على الصناعة كالسكن التجهيز المنزلـي، السيارات ...) وأخيرا إلى السلع العليا (Les biens supérieurs) (والتي تتشكل في غالبيتها من الخدمات.

  واعتمادا على هذه النظرية استنتج Bell أن التطور الاقتصادي يتسبب في جعل الطلب النهائي خدمي.

 ب-ومـن جانـب الإنتـاج: اعتمد "Bell "على العديد من النظريات الاقتصادية التي تؤكد على أن وتيرة ومستوى تطور ونمو إنتاجية العمل هو في متوسطه أسرع في مجال الصناعة من مجال الخدمات.

   واعتمادا على ذلك استنتج "Bell "أنه حتى في حالة النمو المتوازي والمتساوي للطلب بين السلع والخدمات، فإن ذلك سيؤدي حتما إلى تطور ونمو التوظيف (التشغيل) في مجال الخدمات بصورة أكبر وأسرع من التشغيل في مجال الصناعة.

  وكخلاصة لنظرية "Bell "يمكن استنتاج ما يلي:

- أنـه من ناحية قانون الاستهلاك توصل إلى أن الطلب على الخدمات هو الذي سيتدعم أكثر مقارنة بالصناعة. وبالتالي فإن التشغيل في قطاع الخدمات هو الذي سينمو أكثر.

- ومـن ناحية قانون الإنتاجية استنتج أن الإنتاجية في مجال الخدمات ضعيفة مقارنة بالصناعة بالنظر إلى صعوبة الأتمتة في هذا القطاع واعتماده على الأيدي العاملـة، وبالتالي سيتراجع التشغيل في القطاع الصناعي ويتدعم في قطاع الخدمات.

  ويمكن توضيح ذلك من خلال الشكل التالي:

 

 

  من خلال الشكل يمكن استنتاج ما يلي:

-تتبع كل اقتصاديات الدول مسار هذا الشكل، لكن بشيء من التقدم أو التأخر في محور الزمن.

-ظل نمو قطاعي الصناعة والخدمات متوازنا خلال المرحلة الأولى للشكل إلى حد النقطة A .

- عند نقطة A تتوزع نسبة السكان النشيطين بالتساوي بين القطاعات الثلاثة خدمات، صناعة، فلاحة.

-. بعد النقطة A تتجه نسبة السكان النشطين نحو الخدمات وتتراجع عن الصناعة.

-ظل هذا الشكل لفترة طويلة ينطبق على المعطيات الاقتصادية للعديد من الدول، لكن بشيء من التقدم أو التأخر في محور الزمن، والجدول التالي يظهر ذلك:

 

المصدر: عبد القادر براينيس، التسويق في مؤسسات الخدمات العمومية، أطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر، 2007، ص43.

 

 يمكن ان نستنتج من الجدول أعلاه التطور المبكر لبريطانيا العظمى والمتأخر لليابان، وذلك يعود بالأساس إلى الثورة الصناعية المبكرة لبريطانيا وإلى التطور الصناعي المتأخر لليابان. ولذلك يصعب تطبيق معطيات ونتائج هذا الشكل على الدول السائرة في طريق النمو ودول العالم الثالث بالنظر إلى غياب ثورة صناعية حقيقية لهذه الدول وتباطئ مسيرتها نحو الاتجاه الخدمي.

 

  وبالنسبة للخدمات نفسها فلقد وضع Bell   تسلسل هرمي للطلب عليها خلال مراحل التطور الاقتصادي المختلفة:

- ففي البداية يتطور الطلب على الخدمات الملازمة للتطور الصناعي للقرنين التاسع عشر والعشرين (كقطاعات النقل، الماء، الكهرباء، الغاز...).

- ثم بعد ذلك يتجه الطلب بقوة نحو الخدمات الملازمة لتطور الاستهلاك الجماعي للتجهيز العائلي (خدمات التأمين، البنوك، التأمين، العقارات... .)

- ثم بعد ذلك يبدأ قطاع الخدمات في الانتشار في مجال الطلب على الخدمات الشخصية المرتبطة بالترقية، الثقافة، العروض ...

- وفي الأخير يتجه الطلب نحو الخدمات ذات الطابع الجماعي للتكوين والراحة (كالصحة والتعليم، المحيط، الخدمات العمومية والإدارية ....الخ).

 

 بعد هذا التحليل يعتبر Bell أنه حسب المعطيات الاقتصادية فإن النوعين الأخيرين من الخدمات هما اللذان يتمتعان بأقل وأضعف ربح في مجال الإنتاجية، وهذا ما يؤهلهما لأن يكسبا أكبر مكانة في التشغيل.

وتأكد Bell من ذلك من خلال إحصائيات التشغيل الخاصة بالولايات المتحدة الأمريكية للفترة الممتدة ما بين 1960-1975 في مجالي الصحة والتعليم، حيث بلغت نسب النمو % 70 و % 57 على التوالي، في حين لم تنم نسبة الطبقة الشغيلة من السكان إلا بنسبة 33 % فقط.

 

وهذا ما يفسر الانتشار الواسع في الآونة الأخيرة لأصحاب الشهادات الذين يشغلون المناصب العليا الخدمات (قطاعات الصحة، التعليم، الثقافة والإعلام، خدمات المؤسسات ......الخ) وذلك على حساب طبقة العمال الشغيلين.

 

التحليل والنتائج التي توصل إليها Bell أكدها العديد من الاختصاصيين الآخرين ومن أهمهم William Baumolسنة 1976 عبر تحليل اقتصادي كلي بسيط ومنطقي، مازال كمرجع   لحد الآن، مفاده ما يلي:[3]

 

  أن الاقتصاد ينقسم إلى قطاعين:

- قطاع متنامي، تسمح عملية إدماج التكنولوجيات الحديثة فيه بتحقيق الأرباح فيما يتعلق بإنتاجية العمل.

- قطاع غير متنامي مشبع، يكون فيه العمل المبذول هو أساس الإخراج النهائي، وهي الحالة التي تنطبق على أغلب الخدمات، حيث تكون الإنتاجية شبه متوقفة.

 

وبافتراض أن تكاليف الإنتاج هي فقط تكاليف الموظفين، استنتج Baumol ما يلي:

 

*أن أسعار السلع الصناعية للوحدة تبقى ثابتة بسبب التناسب بين معدلي زيادة،  الأجر ونمو الإنتاجية في حين تتزايد أسعار الخدمات بسبب زيادة معدلات الأجور دون نمو معدلات الإنتاجية.

 

 

*أن الطلب على الخدمات هو في عمومه غير مرن للسعر، ولذلك تنمو الخدمات مع تنامي مستوى الحياة حتى مع الزيادة النسبية للأسعار.

 

*كل طلب على شكل من أشكال الخدمات الذي لا تنطبق عليه خاصية عدم المرونة  للسعر، فإن هذا النوع من الخدمات سيؤول إلى الزوال، إلا إذا تدخل شكل من أشكال الدعم لتذليل الفارق.

 

- نظرية التيار الصناعي الجديد للاقتصاد الكلي[4]:

  هذه النظرية مستنبطة من المفاهيم الكلاسيكية الماركسية. وليس لها نفس منطق وعلمية النظرية السابقة لــBell إنها تحاول بحث الدور الاقتصادي للخدمات. وعكس النظرية السابقة تحاول هذه النظرية إظهار أهمية ودور القطاع الصناعي في الاقتصاد وإبراز عدم إنتاجية وأهمية الخدمات.

 

  ويجد المعارضون للدور الاقتصادي للخدمات في المجتمع، مصادر أفكارهم في أشهر الكتابات للاقتصاد السياسي وخصوصا في كتاب "ثروة الأمم" لآدم سميث سنة 1776حيث يعتبر آدم سميث أن النشاطات الخدمية غير منتجة لأنها تتلف بمجرد إنتاجها (ليست كالمنتوج المادي الذي هو نتيجة جهد العامل على المادة). فالخدمة لا تترك وراءها أي علامة أو أثر أو قيمة. وحسبه فإن ملموسية المنتوج مرتبطة تماما بفكرة إنتاج الثروة.

 

  ولم يأت تركيز آدم سميث على سلبية الخدمية صدفة، بل جاء وصفا لما كان يض مه المجتمع آنذاك من خدمات لا تتناسب مع الخدمات العصرية الحديثة كالخدمات البنكية، التأمين، التجارة، الاستشارة، الفندقة.... إلخ.

 

  لقد كان الأمر يتعلق بموظفي الدولة، العسكريين، الفنانين ... إلخ.

 

هذا التفريق بين العمل المنتج وغير المنتج الذي جاء به آدم سميث، استعمله أيضا كارل ماركس في نظرية القيمة والتراكم وذلك في كتابه "رأس المال" حيث اعتبر أن الخدمات غير منتجة للقيمة الزائدة، وحتى إن كانت بعض الخدمات تنتج أرباحا فإن ذلك حسب ماركس لن يتحقق سوى بفضل فائض الإنتاج المادي.

 

  لكن في منتصف القرن العشرين استخدم الاقتصاديون معيار المنفعة وإشباع الرغبات كمعيار لإنتاج القيمة. وأصبح بالإمكان اعتبار كل النشاطات الاقتصادية منتجة.

 

  ورغم ذلك اعتبر الماركسيون أن الخدمات بسبب إنتاجيتها الضعيفة هي السبب لبطئ النمو الاقتصادي وأن أزمة سنوات السبعينات ترجع إلى ذلك، واعتبروا قطاع الخدمات هو قطاع الأجور الضعيفة والقوانين الجائرة.

 

 

 

-نظرية الصناعيين الجدد حول الخدمة الحرة. (L’économie du Self-service)

أصحاب هذه النظرية كل منJonathan Gershuny،  Iam  أساسها مستنبط من اقتصاديات الوحدة للمستهلك (أعمال(Linder Lancaster Becker ومضمونها ما يلي:

 

  أمام المستهلك حرية الاختيار بين شراء سلعة أو شراء خدمة للحصول على الاشباع.

 

إن تحليل طلب المستهلكين للمنتوجات والخدمات لا يجب أن يرتكز على عائلات من السلع أو من الخدمات، وإنما على عائلات من الإشباعات للرغبات أو للوظائف.

أي بمعنى أن المستهلك لا يشتري سلعة أو خدمة لذاتها، وإنما لرغبة يشعر بها. فمثلا عندما يحس برغبة الانتقال من مكان إلى آخر فإن إشباع هذه الرغبة يتم عن طريقين:

 

- إما عن طريق شراء خدمة النقل (طاكسي، طائرة، حافلة ...) عارض الخدمة يتولى الأمر.

- إما عن طريق شراء منتوج (سيارة شخصية مثلا) وعندها يتم إشباع رغبة التنقل عن طريق منتوج مادي لا خدمة.

 

 وبنفس الأسلوب يجب تحليل الطلب النهائي للسلع والخدمات الأخرى، حيث تجري المفاضلة بين شراء منتوج أو شراء خدمة للحصول على الإشباع، وذلك تحت قيود الدخل والوقت المتاحين. والأمثلة على هذه المفاضلة كثيرة وفي كل مجال:

 

وجبة غذاء في البيت مقابل وجبة بالمطعم، غسل الملابس بالبيت مقابل غسلها عند المحلات، غسل الأواني وتوضيب البيت مقابل كراء خدمات عاملة للتنظيف، الاستماع للموسيقى في أجهزة التلفزيون والراديو مقابل الاستماع لذلك في قاعة السينما أو المسرح ...إلخ.

 

في كل هذه الأمثلة يتعلق الأمر بإشباع نفس الرغبة، لكن بأسلوبين مختلفين وبأداتين إحلاليتين:

 

- عائلة من الإشباعات من المنتوجات.

- أم عائلة من الإشباعات من الخدمات.

 

 ان تطور مستوى الحياة قد يؤدي إلى تطور سوق المنتوجات أو سوق الخدمات.

 

فارتفاع مستوى المعيشة يؤدي فعلا إلى أن تأخذ وظيفة" الثقافة والمهرجانات" مثلا مرتبة أرفع من وظيفة "التغذية"، لكن ذلك يمكن أن يترافق بتطور شراء السلع الثقافية (جهاز تلفازأو راديو أو كمبيوتر .... إلخ) ربما أكثر من شراء الخدمات الثقافية (المسرح، السينما ...الخ) وهذا ما يتم فعلا في الواقع.

 

   فالاتجاه الذي سيسود في المستقبل حسب الكاتب هو مفاضلة الخدمة الحرة (Le Self-service) (أي أن يخدم المستهلك نفسه بفضل السلع)، عن الخدمة (أي أن يلجأ المستهلك لمؤسسات خدمية مختصة لإشباع رغبته)، ويعود ذلك للسبب التالي:

 

* إن أساس المفاضلة والاختيار بين الحلين يعتمد على عاملين:

 

- تكاليف كل عنصر.

- فعاليته لإشباع الرغبة.

 وحسب الكاتب فإن العاملين يصبان في صالح الخدمة الحرة (أي اختيار عائلات السلع).

   لكن رغم هذا الاستنتاج يعترف الكاتب بأن مستوى معدلات التشغيل يبقى لصالح قطاع الخدمات رغم الاتجاه المتزايد لاستهلاك السلع، وذلك لسببين:

- بالنظر إلى ارتباط عدد هائل من الخدمات بالصناعة فإن نموها مرتبط بنمو وتطور القطاع الصناعي باعتبارها أداة لخدمته (خدمات التجارة، الاستشارة، التمويل، التأمين، الصيانة، الأمن ...إلخ).

- بالنظر إلى الفروق الكبيرة المسجلة في الإنتاجية بين القطاعين الصناعي والخدمي، فإن نمو الصناعة ذات الإنتاجية المتنامية يصاحبه انخفاض في مستوى التشغيل لصالح القطاع الخدمي ذو الإنتاجية الضعيفة.

 ويمكن اعتبار أنه بعد أكثر من ثلاثين سنة من صدور كتاب J.Gershuny فإن أطروحاته حول قطاع الخدمات ما تزال موضع نقاش وجدل كبيرين. وحتى عملية مراقبة نتائجها أصبحت إشكالية بحد ذاتها، ذلك أن العديد من الخدمات لا تستجيب لهذا التحليل، وخصوصا القطاعات الكبرى من الخدمات (كالصحة، التعليم، الإدارات العمومية.... ألخ). وقد برر J.Gershuny هذا التعارض بكون هذه القطاعات الكبرى من الخدمات في مراحلها الأولى من الخدمة الحرة، وأكد على أنه عندما يسمح تطور التكنولوجيا بخلق منتوجات تخدم هذا النوع من الحاجات فإن واقع هذه الخدمات سيتناسب حتما مع التحليل. وحسبه دائما فإن صور الأستاذ في الجامعة والطبيب في المستشفى ستتغير في المستقبل، وسيتم اعتماد أسلوب الاتصال عن بعد المرتكز على الإعلام الآلي ووسائل الاتصال الحديثة. وعندها سيعم سيادة أسلوب ومهام "الخدمة الحرة" حتى في مثل هذه القطاعات الكبرى.

-نظرية التعقد والتكامل.

  تعتبر هذه النظرية من النظريات القليلة التي تبتعد في تحليلها عن التعارض بين قطاع الخدمات وقطاع الصناعة، حيث حاول صاحب النظرية  Thomas stranback   تبريرظاهرة نمو وانتشار الخدمات من خلال التكامل الموجود بين الصناعة والخدمات.

  يعتمد تحليل هذه النظرية على فكرتين، الأولى متعلقة بالتعقد المتزايد للقطاع الصناعي، والثانية مرتبطة بضرورة تكامل القطاع الخدمي مع القطاع الصناعي لإزالة هذا التعقيد.

  فحسب الكاتب، يتسم عالم الصناعة بالتعقيد على مستوى الإنتاج وعلى مستوى التبادل. هذا التعقيد يتسبب في تنامي قطاع الخدمات (الحاجة للتكوين، الاستشارة، التسيير، التوزيع ...إلخ) وبالتالي يدعم تكامل الصناعة مع الخدمات. ولم يحدد الكاتب في إطار هذا التكامل من بين الاثنين يلعب دورا أكبر من الآخر.



[1]-James Téboul, Le Temps Des Services, Une nouvelle approche de management, Editions d’Organisation, Pris, 1999, p8.

[2] -صندوق النقد الدولي، أفاق الاقتصاد العالمي، الملحق الإحصائي، أكتوبر 2009، ص 169.

[3] -C. Lovelock, J. Wirtz, D. Lapert, « Marketing des services » pearson éducation, France 5ème éditions, 2004.

[4] -  Jean Gadrey, Socio-économie des services, La Découverte, Paris, 2003.

 

آخر تعديل: الاثنين، 20 أكتوبر 2025، 6:57 AM