جوهر الفساد:

  تعريف الفساد:

 -  الفساد  لغة: الفساد لغة هو البطلان فيقال فسد الشيء أي بطل و اضمحل و هو خروج الشيء عن الاعتدال قليل كان الخروج عنه أو كثيرا. و يضاده الصلاح و يستعمل ذلك في النفس و البدن و الأشياء الخارجة عن الاستقامة. قال تعالى : " ظهر الفساد في البر و البحر" الروم 41 (الشويات، 2015).

أما في المعجم الوسيط فالفساد يعني التلف أو الاضطراب و الخلل، و يعني ذلك الحاق الضرر بالأفراد و المجتمعات (طالب و العامري، 2015)

و قد وردت في المعاجم الأجنبية كلمة (cor-rupt) : يرشو – يفسد – يخرق، و تعني فاسد (خلقيا) أو مرتشي (العزاوي، 2015)

الفساد في القواميس الفرنسية و الانجليزية مذكور بمعاني مختلفة كالآتي :

-      بمعنى انحطاط أخلاقي، الانحراف و فقدان النزاهة و الأمانة و تجاهل الفضائل.

-      التحليل، فيقال تحلل الأجسام و المواد العضوية الأخرى.

-       استخدام ممارسات فاسدة، خاصة الرشوة أو الغش أو التأثير بها وفي الواقع كثيرا ما ترمز كلمة فساد في اللغات الأجنبية إلى الرشوة عطاء أو تلقيا. فيقال باللغة اللاتينية corrupteur للشخص الذي يدفع الرشوة (الراشي) و يقال corrumpu للشخص الذي يتلقاها (المرتشي)، و تطلق صفة corruptibilité على الشخص المتورط في الرشوة. هذا بالرغم من أن كلمة رشوة تعبر عنها bribery بالانجليزية و pots – de – vin بالفرنسية (ليمام، 2011).

و في اللغة الانجليزية ، كلمة فساد (corruption) مشتقة من الفعل اللاتيني corrumpere بمعنى الكسر أي أن شيئا تم كسره، و هذا الشيء قد يكون أخلاقيا أو اجتماعيا أو قاعدة إدارية، و الفساد كصفة للوضع الذي يتميز بالانحلال و التعفن و التلف فيقال فساد الذوق و الأخلاق و فساد الحكم (ليمام، 2011).

 II-  الفساد اصطلاحا:

تعتبر ظاهرة الفساد موجودة و منتشرة في كافة دول العالم فلا تقتصر على مجتمع دون غيره، أو ثقافة دون الأخرى، و مع ذلك فلا يوجد اتفاق بين الكتاب أو الباحثين على تعريف موحد لمفهوم الفساد، و من يمارس الفساد هم أفراد بمختلف الهياكل التنظيمية، و في هذا السياق هناك عدة تعريفات اقتصادية للفساد منها (الشويات، 2015).

1- تعريف البنك الدولي: بأنه : "إساءة استغلال الوظيفة العامة للكسب الخاص، فالفساد يحدث عندما يقوم موظف بقبول أو طلب أو ابتزاز رشوة لتسهيل عقد أو اجراء طرح لمناقصة عامة كما يتم عندما يقوم وكلاء أو وسطاء لشركات أو أعمال خاصة بتقديم رشوة للاستفادة من سياسات أو اجراءات عامة للتغلب على المنافسين و تحقيق أرباح خارج إطار القوانين كما يمكن للفساد أن يحدث عن طريق استغلال الوظيفة العامة دون اللجوء للرشوة و ذلك بتعيين الأقارب أو سرقة أموال الدولة مباشرة" (طالب و العامري، 2015).

2- تعريف صندوق النقد الدولي (FMI): هو"علاقة الأيدي الطويلة المعتمدة التي تهدف إلى استحصال الفوائد من هذا السلوك لشخص واحد أو مجموعة ذات علاقة بين الأفراد" (يوسف ي.، 2014).

3- تعريف منظمة الشفافية الدولية: فقد عرفته بـ "سوء استغلال المنصب العام لتحقيق مكاسب خاصة " (Kaufman & Gray, 1998).

4- تعريف موسوعة العلوم الاجتماعية: " الفساد هو سوء استخدام النفوذ العام لتحقيق أرباح خاصة " هذا التعريف يشمل رشاوي المسؤولين المحليين أو الوطنيين أو السياسيين مستبعدة رشاوي القطاع الخاص (السكارنة، 2011)

و عرفته كذلك: "هو خروج عن القانون و النظام العام و عدم الالتزام بهما من أجل تحقيق مصالح سياسية و اقتصادية و اجتماعية للفرد أو لجماعة معينة " (يوسف ي.، 2014).

5-  تعريف الأمم المتحدة العالمي لمكافحة الفساد:يعرف الفساد على أنه "إساءة استخدام القوة لمآرب شخصية" "Abuse of power for private gain". و هذا التعريف يغطي القطاعين العام و الخاص طالما أنه لا يربط القوة بالقطاع الذي يعمل فيه الفرد (توق، 2014).

و قد عرف الفساد أحد خبراء المركز الدولي لمكافحة الجريمة التابع لمكتب الأمم المتحدة المعنية بالمخدرات و الجريمة UNDOC على أنه "إساءة استخدام السلطة العامة لتحقيق منفعة شخصية" "Misuse of public power for private gain"، و على الرغم من شمولية هذا التعريف إلا أنه يقتصر على الفساد في القطاع العام و لايغطي بدرجة معقولة الفساد في القطاع الخاص، أو في المنظمات الدولية و الاقليمية، كما انه لا يغطي بعض أشكال الفساد الكبيرة من أجل الحصول على الامتيازات (توق، 2014).

6- تعريف الفساد في القانون الجزائري:

بمقتضى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والمعتمدة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك بتاريخ 31/10/2003 والتي تمت المصادقة عليها من قبل الجزائر بموجب المرسوم الرئاسي رقم 128-04المؤرخ في 19/04/2004  كان لزاما على الجزائر تكييف تشريعاتها  الداخلية بما يتلاءم وهذه الاتفاقية، وعليه فقد صدر قانون الوقاية من الفساد ومكافحته رقم  06-01  المؤرخ في 20/02/2006 المعدل والمتمم والذي جرم الفساد بمختلف مظاهره، والملاحظ في هذا القانون أن المشرع الجزائري لم يعطي تعريف محدد لمفهوم الفساد الإداري وإنما اكتفى فقط بالإشارة إلى صوره ومظاهره، وهذا ما تؤكده المادة 02/01 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، حيث حددت الجرائم المتعلقة بالفساد كما هو منصوص عليها في الباب الرابع من هذا القانون، فإنه يمكن تصنيف جرائم الفساد إلى أربعة أنواع هي :

           أ- اختلاس الممتلكات والإضرار بها؛

          ب-الرشوة وما في حكمها؛

          ج-الجرائم المتعلقة بالصفقات العمومية؛

          د-التستر على جرائم الفساد.

 

لقد نص  المشرع الجزائري  في المادة 2 من القانون  رقم 06-01 المؤرخ  في 20/02/2006 متعلق بالوقاية من الفساد  ومكافحته  لمفهوم الفساد بالجرائم  وهي :

-  رشوة الموظفين العموميي  

-  الامتيازات  غير المبررة  في مجال الصفقات العمومية

-   اختلاس الممتلكات من قبل الموظف العمومي

-   استغلال النفوذ

-  اساءة استغلال الوظيفة

 ان  الفساد  هو كل نشاط  يمارسه  شخص مادي او معنوي  يسئ استخدام  المنصب  او يستغل النفوذ او العلاقات  ليستفيد من امتيازات  غير مشروعة " رشوة ، ثراء فاحش  ويبقى بمنئ  عن  المراقبة  و المحاسبة.

هنالك تعدد واختلاف لأسباب ظاهرة  الفساد  نتيجة  للاختلاف  القيم والمعتقدات وثقافات المجتمعات وهذا بالرغم من وجود  اجماع بأنها ظاهرة كونية  لسلوك انساني  سلبي تحركه المصلحة الذاتية وهي تشكل منظومة الفساد  وتختلف اسبابها من مجتمع للآخر وهي في مجملها ما  يلي:

-  انتشار  الفقر  

- التباين  بالمعرفة بالحقوق الفردية والواجبات

- عدم الفصل بين السلطات الثلاث  التنفيذية  والتشريعية  والقضائية في النظام السياسي يؤدي بالإخلال بالرقابة وغياب الاستقلالية  وضعف الجهاز القضائي  يؤدي لزيادة  وتفشي ظاهرة   الفساد .

- عدم استقلالية  وضعف اجهزة الرقابة .

- اتساع الهوة بين كتلة الاجور والقدرة الشرائية .

ان اتفاقية مكافحة الفساد تمثل اطارا شاملا ومتماسكا للعمل المحلي  والإقليمي والدولي   لمكافحة الفساد  ويمكن  تضييق جوهر الاتفاقية  الى  اربع  ركائز  اساسية وهي :

     1-  المعايير  الوقائية : وذالك بتعزيز ومشاركة المجتمع  وتجسيد مبادئ سيادة القانون ، الادارة السلمية  لشؤون العامة والنزاهة والشفافية والمسائلة .

     2-  التجريم وتطبيق  القانون : تجرف افعال الرشوة  وسوء استخدام  الممتلكات ، سوء استعمال الوظائف  ، الاثراء الغير المشروع ، غسيل الاموال ، عائدات الجرائم  ......

    3- استرداد الاصول : يمكن تتبع  الاصول وتجميدها  ومصادرتها وإعادتها  لم  يطلبها من الدول او الافراد المتضررة  .

   4-  التعاون الدولي : على الدول الموقعة لهذه الاتفاقية  ان  تتعاون في  تحقيقات  والإجراءات الخاصة بالمسائلة  المدنية والإدارية  ذات الصلة بالفساد .

 رغم أن الفساد كثيرا ما يعتبر جريمة يرتكبها الموظفين في الدولة فإنه يتفشى في القطاع الخاص، بل إن هذا الأخير يتورط في معظم حالات الفساد الحكومي التي تنطوي على إساءة استعمال المال و التماس خدمات للكسب الشخصي، أو إخلال بالمصلحة العامة لاكتساب امتيازات شخصية خاصة (عبد العزيز، 2015)، غاية ما في الأمر أن الموظف العمومي أكثر عرضة للفساد من الموظف في القطاع الخاص لبعد الأول عن الرقابة بخلاف الثاني فهو أكثر تعرضا للمسائلة و الرقابة إما من قبل المدير المسؤول عنه مباشرة، أو من قبل المالك أو مجلس الإدارة و نحو ذلك و بالتالي فإنه أقل فسادا من الأول (الشويات، 2015).

كما يربط Robert Klitgaard بين الفساد و احتكارية التصرف و الذي يزيد عندما يكون لشخص ما سلطة احتكارية على سلعة أو خدمة أو لديه السلطة التقديرية و حيث تكون المسائلة ضعيفة، و يمكن التعبير عن ذلك بالعلاقة التالية: (Klitgaard, 2010)

الفساد= احتكار القرار + حرية التصرف - المسائلة

و يعرف Samuel Huntington الفساد بأنه أحد المعايير الدالة على غياب المؤسسة السياسية الفعالة خلال فترة التحديث الواسعة التي يشهدها العصر الحالي و من ثم فإنه لا يمكن اعتبار الفساد ناتجا عن السلوك المنحرف عن السلوك القويم فقط، بل يكون ناتجا عن انحراف الأعراف و القيم ذاتها عن أنماط السلوك القائمة (ليمام، 2011).

و يعبر عنه Mauro Paolo (1998) بأنه "سلوك منحرف للحصول على مكاسب مادية و اجتماعية أو مخالفات قانونية تحقيقا لمصالح ذاتية" (Mauro, 2004).

و يعرف Johann Graf Lambsdroff (2011) الفساد بأنه "مخالفة القواعد التي تحكم اللعبة بطريقة لا يتوقعها الآخرون، و يمكن أن يترتب على هذه المخالفة منافع لأكثر من طرف كما في حالة تقديم الرشوة للحصول على موافقة أو تراخيص أو منافع حيث يكون الفساد في هذه الحالة مرغوبا من الطرفين و يصعب تجنب حدوثه خاصة في حالات فرض قيود أو معوقات تجعل من الصعوبة الحصول على الحقوق أو المطالب بطريقة مشروعة" (Lambsdroff, 2011).

الجابري و القيسي (2005) يرونه "سوء استخدام السلطة العامة لتحقيق مكاسب خاصة مادية كانت أو معنوية". و يعبر عنه حجازي (2001) بأنه "الانحراف الأخلاقي لمسؤولين في الحكومة و الإدارة" (طالب و العامري، 2015).

كما يؤكد حسن (2006) وجوب التفرقة بين الفساد و الإفساد، فالفساد ظاهرة طبيعية طالما كانت في بدايتها، إذ يمكن مواجهتها إذا توفرت الإرادة السياسية و اتخذت الاجراءات لمواجهتها، أما الإفساد فهي سياسة تهدف إلى نشر الفساد بين أناس غير ملوثين به، بهدف تشويه المجتمع حتى يصبح فاسد (الضمور، 2014).

و مما سبق يتضح لنا أن لا يوجد اتفاق على وضع مفهوم موحد للفساد بصفة عامة نظرا لتعدد وسائله و أساليبه، غير أن التعاريف في مجملها لا تكاد تخرج عن كون الفساد هو انحراف و خروج عن طريق الحق و الصواب بمخالفة الشرائع و القوانين، بهدف تحقيق مصالح أو مطامع خاصة مادية أو معنوية بغض النظر عما يسبب ذلك الانحراف من ضرر بالصالح العام و الخاص (عبد العزيز، 2015).

1.   الجذور التاريخية للفساد:

قال Canet (1900) : " إن من نسيج الإنسان الفاسد أنه لم يصنع شيء مستقيم أبدا و لن يكون هناك شيء صالح مادام الانسان فاسد و ينطوي مسلكه بالخروج عن الاعتدال " (الشويات، 2015).

ترجع الجذور التاريخية للفساد إلى العهود القديمة جدا، و إن أول حالة فساد في تاريخ البشرية سجلت هي حادثة قتل قابيل لأخيه هابيل و هما أبناء نبي الله آدم عليه السلام و ذكرت في القرآن الكريم، إذ قال جلّ جلاله: "فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين" المائدة 30 (طالب و العامري، 2015).

و أيضا في أول حالة رشوة سجلت في التاريخ هي عندما أرادت بلقيس ملكة تَدْمُرْ أن تبعث بهدية إلى نبي الله سليمان عليه السلام لكي لا يدخل مدينتها بالقوة: "و إني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بما يرجع المرسلون، فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون" النمل 35-36 (طالب و العامري، 2015).

و قد عثر فريق الآثار الهولندي عام 1997 في منطقة (داكا) في سوريا  على ألواح لكتابات مسمارية تبين موقعا إداريا (بدرجة أرشيف درجة الرقابة حاليا) يكشف عن قضايا خاصة للفساد و قبول الرشاوي من قبل الموظفين العاملين في البلاط الملكي الأسطوري قبل آلاف السنين ... و ثمة لوح محفوظ عن الحضارة الهندية (حوالي 300 عام ق.م) كتب عليه العبارة الآتية: "يستحيل على المرء أن لا يذوق عسلا أو سما امتد إليه لسانه، و عليه فإنه يستحيل أيضا على من يدير أموال الحكومة أن لا يذوق من ثروة الملك و لو نزرا قليلا" (الشويات، 2015).

و تؤكد الشواهد التاريخية التي تعود إلى الألف الثالث (ق.م) أنه في العصر السومري كانت المحكمة الملكية آنذاك تنظر في قضايا الفساد، مثل استغلال النفوذ، استغلال الوظيفة العامة، قبول الرشوة و إنكار العدالة حتى أن قرارات الحكم في جرائم مثل هذه كانت تصل إلى حد الإعدام. و كما يلاحظ أن (حمو رابي) ملك بابل أصدر تشريعات عام 1780 (ق.م) تشدد على إحضار طالب الرشوة أمامه ليقاضيه بنفسه و يتولى أمر عقوبته (العزاوي، 2015).

و تطرق أفلاطون في كتابه (الجمهورية) إلى ظاهرة الفساد من خلال مناقشته لمشكلة العدالة الفردية و الجماعية، و يحدد في كتابه (القوانين) محاربة الفساد في جميع صوره. و نادى بوجود هيئة موظفين واجبها مراقبة تصرفات المواطن (العزاوي، 2015).

كما نجد في كتابات أرسطو (322-382 ق.م) ما يشير إلى ظاهرة الفساد بشكل أو بآخر حيث يقول: "بعض الناس يحولون كل سجية فن أو وسيلة للحصول على النقود فبذلك يتصورون أنه من أجل تحقيق الغاية يجب تحيز كل شيء" (طالب و العامري، 2015).

و في عصر الدولة الاسلامية فلقد أرسى الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم في صحيفة المدينة المنورة أول أسس التنظيم الإداري في الإسلام، ووثق القانون أو الدستور الإلهي الذي نزل بالقرآن لينظم حياة البشر و مجابهة الفساد الذي ساد عصر الجاهلية الأولى كما كان واضحا في نصوص القرآن الكريم، كما تدل عليه الآية الكريمة: "و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون" البقرة 30 و كذلك جريمة القتل في قوله تعالى: "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا" المائدة 32 (العزاوي، 2015).

 


آخر تعديل: الاثنين، 17 أبريل 2023، 12:06 PM