مظاهر الفساد  :

أولا :  الانحرافات التنظيمية

 يقصد بها تلك المخالفات التي تصدر عن المواطن أثناء تأديته لمهمات وظيفته و التي تتعلق بصفة أساسية بالعمل، و منها :

1-  عدم احترام العمل:  العبرة من ذلك أنه لا يراد تواجد الموظف في مكان عمله لساعات معينة، بل الأهم من ذلك هو الخدمات التي تقدم إلى المواطنين خلال هذه الساعات، لأن الانحراف الوظيفي يظهر عندما يصبح وجود الموظف كافيا من أجل تحقيق هذه الغاية.

    و يندرج تغيب الموظف عن الدوام الرسمي ضمن هذا النوع من الانحراف التنظيمي، حيث يتخذ من الغياب أكثر من صورة واحدة و يتم لأكثر من سبب واحد، و في جميع المواقف فإن العمل المطلوب لا ينجز حسب الأهداف المرجوة، و يؤدي غياب بعض الموظفين في الأقسام الإدارية الحساسة إلى تراكم الأعمال شيئا فشيئا و يترتب على ذلك اختلال العلاقة الاجتماعية بين المواطن و الموظف حيث يشعر المواطن بأن أحدا لا يهتم بتقديم الخدمة المناسبة له و بالتالي يبحث بكل الوسائل المشروعة و غير المشروعة.

2- امتناع الموظف عن أداء العمل المطلوب منه: أي عدم قيام الموظف العام بواجباته و أدائه مهامه بصورة صحيحة مما يعني أنه سيكون عنصرا مؤثرا بشكل سلبي على أداء المؤسسة الإدارية لوظائفها سواء كان ذلك ناتجا من الامتناع عن أداء الأعمال أو أدائها و لكن بصورة غير صحيحة، و أن هذا الامتناع أو التقصير في العمل قد يأتي من عدد غير قليل من الموظفين مما يشكل معه ظاهرة يصعب معالجتها بعد مرور فترة من الزمن.

   و من أهم مظاهر امتناع الموظف عن أداء العمل المطلوب منه: رفضه أداء العمل المكلف به أو الامتناع عن القيام بأعمال وظيفته، أو مباشرتها على النحو غير صحيح و التأخير في أدائه، مما يؤدي إلى تعمده إحداث أضرار في الإنتاج الإداري أو الصناعي يجعله مسؤولا عن أعماله غير القانونية أو غير المشروعة، و ذلك من خلال خضوعه لأنواع الرقابة السياسية أو الإدارية أو القضائية.

3-  السلبية: و من صور ذلك اللامبالاة، عدم إبداء الرأي، عدم الميل إلى التجديد و التطوير و الابتكار، العزوف عن المشاركة في اتخاذ القرارات، عدم الرغبة في التعاون، عدم تشجيع العمل الجماعي، تجنب الاتصال بالأفراد....

4- إفشاء أسرار العمل: أي التصريح بمعلومات متعلقة بأمن المصلحة العامة من أجل المصلحة الشخصية ، و لقد أوجب القانون على الموظف الحرص و احترام المعلومات التي بحوزته، و عدم إفشائها و منع تسريبها، و ذلك لكي لا يسبب أي ضرر للأفراد أو الدولة، و ضرورة استمرار هذا الواجب حتى بعد إنتهاء علاقته بالوظيفة.

ثانيا  الانحرافات السلوكية:

5- و يقصد بها تلك المخالفات التي يرتكبها الموظف و تتعلق بمسلكه الشخصي و تصرفه، و من أهمها:

6-   سوء استغلال السلطة أو النفوذ: تعرف السلطة بأن لها الحق في اصدار الأوامر و متابعة تنفيذها و المحاسبة عليها و يوجد للسلطة جانبان، أولهما ضرورة امتلاك القوة من مصادر مختلفة و الأمر الآخر هو النفوذ أي قدرة التأثير على الآخرين  مما يمكن بعض الأحزاب من شراء عقود ملكية أو الحصول على فوائد حكومية من السياسييين البيروقراطين مقابل دفع رشاوي (Kaufman & Gray, 1998).

7- قد يترك للموظف شيء من الحرية في ممارسة سلطته ليقرر اختيار ما يراه محققا للصالح العام، و يسمى ذلك بالسلطة التقديرية فإذا انحرف الموظف عن ممارسة هذه السلطة عن غاية المصلحة العامة و قام بالعمل تحقيقا لغاية أخرى، كان تصرف مشوبا بانحرافه في استعمال سلطته  و على ضوء أهمية السلطة و دورها في تنظيم سير الأعمال، يفترض أن تمنح السلطات و الصلاحيات لأشخاص أكفاء و نزيهين و عادلين و بعكس ذلك فإنها إذا ما منحت لأشخاص غير مؤهلين فإنه يتوقع أن يساء استخدام هذه السلطات لتحقيق منافع شخصية تؤثر على الأداء للعمل الرسمي.

8-  المحسوبية: و هي ترجمة للكلمة الانجليزية Nepotism  و تعني قيام المسؤول التنفيذي في مؤسسة حكومية أو قيام شخص ذو نفوذ في إحدى الهيئات العامة أو مؤسسات القطاع الخاص بإعطاء الأفضلية و الأولوية للأقارب و الأصدقاء و المعارف في حالات الاختيار و التعيين و الترقية الوظيفية، و في حالات منح العطاءات و المناقصات و العمليات التجارية الأخرى سعيا وراء تحقيق مكاسب مادية أو معنوية أو سياسية أو اجتماعية دون التقيد بالقواعد و الشروط القانونية المعمول بها و دون النظر بالضرورة إلى اعتبارات الجدارة و المؤهلات و الاستحقاقات و تكافؤ الفرص  و يترتب على انتشار ظاهرة المحسوبية شغل الوظائف العامة بأشخاص غير مؤهلين مما يؤثر على انخفاض كفاءة الإدارة في تقديم الخدمات و زيادة الإنتاج.

9- المحاباة: و هي ترجمة للكلمة الانجليزية Favoritism  و هي تساهل الموظف مع أقاربه و معارفه على حساب الأنظمة و التعليمات التي تحكم سير عمله أو أن يعطيهم الأولوية في إنهاء معاملاتهم و الاستفادة من خدمات دائرته قبل غيرهم ، أي تفضيل جهة على أخرى بغير وجه حق كما في منح المقاولات أو عقود الاستئجار و الاستثمار  و قد يقلل البعض من عظمة بعض تصرفات المدير أو الموظف العام، فالمحاباة قد يعتبرها البعض مجرد مجاملة عادية و هي في الحقيقة تمنح الفرصة لفئة معينة و تحرم منها فئة أخرى كما أنها تميل لمعايير بخلاف المعايير المتعارف عليها مما يضر بشكل أو بآخر المصلحة العامة.

10-    الوساطة: تكثر الوساطة في الدول التي تحكمها أنظمة قَبَلِيَة و في الدول الريعية التي يكون حكم القانون و المساواة فيها ضعيفا  و هي مظهر شائع في الدول النامية بالذات و إن كانت الدول المتقدمة لا تخلو منه أيضا، و قد يكون مستمدا من مكانة الشخص الاجتماعية أو السياسية، فيصبح قادرا على توجيه قرارات الآخرين بشكل يتناسب مع مقاصده و أهدافه متجاوزا القوانين و الأنظمة ليعطي الحقوق لغير أصحابها و منع مزايا لفئات دون أخرى.

ثالثا  الانحرافات المالية: و هي التصرفات التي تفوت على الدولة حقا ماليا أو يكون شأنها ذلك، و بصفة عامة فإن المخالفة المالية تتمثل في كل إخلال بقاعدة مالية.

مخالفة القواعد و الاجراءات: الخاصة بتنفيذ الميزانية العامة للدولة و ضبط الرقابة على تنفيذها، و يحدث عند عدم موافاة جهاز الرقابة المالية بالحسابات و المستندات الخاصة بالمنطقة و عدم الرد على ملاحظاته أو ما يطلبه من بيانات من دون عذر مقبول، مما يعوق عمل هذا الجهاز و يأثر على فاعليته

1-  كل تصرف خاطئ: عن عمد أو إهمال أو تقصير يترتب عليه صرف مبلغ من أموال الدولة بغير حق من الحقوق المالية للدولة أو المؤسسة أو الهيئات العامة أو غيرها من الجهات الخاضعة لرقابة الجهاز أو المساس بمصلحة من مصالحها المالية

2-  الاسراف في استخدام المال العام: أي تبديد الموارد العامة، و كثيرا ما يرتبط هذا المصطلح بالمال فيسمى الهدر المالي، إلا أنه قد يكون أيضا على شكل هدر موجودات الدولة و من صوره : تبديد الأموال العامة في الانفاق على الأثاث، المبالغة في استخدام المقتنيات العامة في الأمور الشخصية، إقامة الحفلات و الدعاية و الإعلان و النشر في الصحف و المجلات في المناسبات و التهاني و التعازي و التأبين

3-  نهب المال العام: يتمثل هذا السلوك باستغلال الموقع الوظيفي للتصرف بأموال الدولة بشكل سري من غير وجه حق أو تمرير السلع عبر منافذ السوق السوداء أو تهريب الثروة النفطية أو الاحتيال باستخدام

رابعا الانحرافات الجنائية: يقصد بها تلك الممارسات الوظيفية غير القانونية التي تعرض مرتكبيها إلى المسائلة القانونية نظرا لما يترتب عنها من آثار و أضرار كبيرة بالمصلحة العامة، و من أبرز مظاهر الانحرافات الجنائية ما يلي :

1 - الرشوة:تعد الرشوة من أسوء أنواع جرائم الفساد نظرا للمخاطر التي تلحقها بالمجتمع من كافة جوانبه الاقتصادية، الاجتماعية و التربوية، فارتكاب هذه الجريمة يعد إساءة متعمدة للوظيفة العامة و هيبة الدولة لأن انتشارها يدل على تحلل المسؤولية الوظيفية لدى المؤتمنين و تحلل المسؤولية الاجتماعية لدى أفراد المجتمع حيال أموال الدولة و ممتلكاتها.

 2- التهرب الضريبي و الجمركي: و يقصد به محاولة المكلف التخلص من دفع الضريبة المستحقة عليه بموجب القانون الضريبي بشكل كلي أو جزئي و ذلك باستخدام الطرق غير المشروعة  كعدم التصريح بالأرباح (التي عادة ما تنجر عن النشاطات غير المصرح بها) أو بالتصريح الكاذب (و هو المظهر الأكثر شيوعا لدى القطاع الخاص) بهدف تقليل دخله الخاضع للضريبة و بالتالي محاولة التخلص من دفع الضريبة جزئيا أو كليا إلى جانب قيام مفتشي الضرائب بالمبالغة في تقدير الضريبة على المكلفين مما يؤدي إلى الشعور بالظلم مما قد يدفع بهم إلى إخفاء بعض مصادر الدخل الخاضع للضريبة.   كما يخفض الفساد من الإنتاجية و يقلل من فعالية السياسات الصناعية و يشجع الشركات على العمل في قطاع غير رسمي الذي يعد انتهاك للقوانين الضريبية و التنظيمية (Ackerman, 2010).

السبب الرئيسي لعدم الكفاءة، البيروقراطية في تحصيل الضرائب هو التواطؤ بين جامع الضرائب و دافعها للتهرب من دفع الضرائب و الذي من المحتمل أن يكون من الناحية الكمية أهم أشكال الفساد (Besley & McLaren, 1993) و تضع تقارير البنك العالمي مؤسسات الجمارك و إدارات الضريبة على رأس دوائر الفساد الكبير لما لها من انعكاسات على مستوى الأسعار و مداخيل الدولة و على المنافسة النزيهة.

3-  غسيل الأموال: و يعني "القيام بتصرفات مالية مشروعة لمال اكتُسب بطرق غير مشروعة عن طريق استخدامه و لمرات عديدة و في وجهات مختلفة و بأساليب عدة و في وقت قصير في الاستثمار في أعمال مشروعة" مثل الإيداع في البنوك الخارجية و إدخاله بطريقة مشروعة عن طريق التحويلات الخارجية أو تدويره في شراء عقارات، ثم رهنها و الاقتراض بضمانها، أو تداول المال في البورصات المحلية و العالمية، أو إنشاء شركات وهمية، و ذلك كله من أجل إخفاء المصدر غير المشروع للأموال و تضليل الأجهزة الرقابية و الأمنية للإفلات من العقوبات المقررة عن الجرائم الاقتصادية التي ارتكبها.

1-  التزوير: و هي جريمة مالية أو تجارية تتضمن قيام الموظف المسؤول في جهاز أو مؤسسة حكومية عامة بالتحريف و التلاعب بالمعلومات و الوقائع و الوثائق التي ائتمنه عليها رؤساؤه أو زملائه  و تغيير محتوياتها فضلا عن الحذف و تغيير الأرقام و تحريف الكلمات و تبديل الأسماء و تقليد الأختام الرسمية و التلاعب بالتواريخ و تقليد امضاءات المسؤولين أو خلق وثائق مشابهة للأوراق الرسمية، للمستندات الحكومية، و لأوراق الثبوتية و كذا للهويات الشخصية و الشهادات الجامعية...  مقابل الحصول على مكاسب مادية.

و في دراسة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNPD بينت فيه أهم أشكال الفساد كما هو مبين في الشكل التالي:


 


آخر تعديل: الاثنين، 17 أبريل 2023، 12:08 PM