أسباب الفساد:

 لقد  تعددت  اراء  الكتاب  والخبراء  في  تحديد  اسباب  الفساد ، لذى تنقسم   آرائهم إلى عدة مجاميع، حيث يمكن تقسيمها إلى:

I  - الأسباب السياسية: تعد هذه الأسباب من الأسباب الرئيسية للفساد خصوصا في الدول النامية، فهيمنة السياسية و السياسيين الفاسدين على مختلف نواحي الحياة هي السبب الكبير في انتشار حالات الفساد الثقيل.

 1-     1  عدم الاستقرار السياسي: و قد توصلت كثير من الأبحاث النظرية و الميدانية إلى تأكيد وجود علاقة ارتباطية مباشرة بين عدم الاستقرار السياسي و ظاهرة الفساد، لأن الوضع غير المستقر يشكل مناخا ملائما لنمو الفساد. فإذا كانت الرشوة و استغلال المنصب بشكل غير شرعي و غيرهما من الممارسات تتم في الظروف العادية، فإنها تصبح في الأوضاع غير المستقرة ممارسات طبيعية مادامت المؤسسات الرقابية و العقابية معطلة، خاصة أثناء الانقلابات العسكرية، انتشار العنف المسلح، و كذا في حالات الطوارئ و الفوضى، و عندئذ تصبح وضعية عدم الاستقرار فرصة مناسبة للإثراء و الكسب غير المشروع.

أما Samuel Huntington (1968) يفضل في بعض الحالات تغيرات الثورية الناجحة كونها تجلب معها النظام و الاستقرار. فمن وجهة نظره، اختبار لنظام جيد يكون بمدى كفاءته مقاسة  باستقراره و نجاحه في تسهيل و تحقيق التطورات و الأهداف الاجتماعية، بالإضافة إلى أن نظام الحكم يكون بشكل أفضل في البلدان الصناعية المتقدمة أكثر من أي مكان آخر و ذلك من خلال إتباع المعايير متعلقة بالنظام و الاستقرار. علاوة على ذلك يزعم Huntington أن هذه "الفجوة السياسية" تتسع بين البلدان الغنية و الفقيرة مثل اتساع "الفجوة الاقتصادية" (Sklar & Huntington, 1969)

1-2  ضعف الأحزاب السياسية و هشاشة مؤسسات المجتمع المدني: تتميز الدول التي يكثر فيها الفساد إما بضعف المجتمع المدني و ضعف قدرته في الرقابة على أفعال السلطة التنفيذية أو بالإضعاف المتعمد للمجتمع المدني من قبل السلطات الحاكمة حتى لا يتمكن من القيام بدوره في كشف الفساد و مراقبة أفعال المسؤولين المؤدية للفساد بدعوى تبعيته للخارج و عدم وطنيته، و تلقيه التمويل الخارجي و لتحقيق مآرب خاصة، و الطامة الكبرى هو عندما يصبح المجتمع المدني نفسه فاسد.

و ما يشجع الفساد داخل الأحزاب السياسية عادة هو عدم الانسجام بين أطرافها و الصراعات فيما بينهم. كما أن الحاجات المتداخلة للأحزاب السياسية و تكاليف العمل السياسي و الانتخابي تجعل موارد تمويل الاحزاب متداخلة، و هو ما يدفعها إلى اللجوء لطرق غير مشروعة للقيام بأنشطتها، و عندئذ تصبح عرضة للضغوطات فتفقد الصفة الأساسية في الحزب السياسي و هي الاستقلالية لأن صاحب التمويل هو صاحب القرار (ليمام، 2011).

1-3  ضعف الإرادة السياسية لمكافحة الفساد: يستبعد Huntington رؤية التطور الفعال تحت رعاية المؤسسات السياسية المصممة لإحباط الحكم (Sklar & Huntington, 1969) كعدم تفعيلها لإجراءات الرقابة على الفساد  و التي تعد الخط الأول للدفاع ضده، لأن القيادة السياسية هي القدوة و المَثل لباقي مسؤولي الدولة فلابد أن تكون هي السباقة في مكافحة الفساد، ، و تزداد الطامة عندما يشترك القادة أنفسهم في أعمال الفساد أو عندما يتغاضون عن مثل هذه الأعمال لأقاربهم أو أصدقائهم، و بالطبع لا يتوقع أن يفعل الموظفون الحكوميون ما لا يفعله رؤسائهم. فمن ناحية يسعى المسؤولون السياسيون الفاسدون إلى إعادة تنظيم الدولة لزيادة فرص الربح غير المشروع، و من ناحية أخرى دافعي الرشاوي الراضين بالوضعية ليس لديهم الحافز للتبليغ عن هذه الممارسات غير الشرعية (Ackerman, 2010).

2- عدم استقلالية القضاء: ترتبط درجة الفساد السياسي بدرجة جودة الجهاز القضائي و اختلال المؤسسة القضائية يؤدي مباشرة إلى فسادها و التأثير سلبا في كافة المؤسسات و الأنشطة الأخرى من حيث استقلالية القضاء و نزاهة القضاة و الأعوان في السلك القضائي. و يقع الاختلال عندما لا تكون المؤسسة القضائية مستقلة عن النفوذ السياسي  أي عدم الالتزام بمبدأ الفصل المتوازن بين السلطات الثلاثة (التنفيذية، التشريعية و القضائية) في النظام السياسي و طغيان السلطة التنفيذية على السلطات التشريعية و هو ما يؤدي إلى الإخلال بمبدأ الرقابة المتبادلة ، كما أن الحوافز الكامنة وراء السلطة القضائية شائعة في جميع أنحاء العالم و مع ذلك فإن انتشار و شدة المشكلة يختلفان على نطاق واسع. فلا يمكن للسياسة الفعالة أن تركز فقط على معاقبة "التفاح الفاسد"، بل أيضا على الشروط الأساسية التي تخلق حوافز فاسدة (Ackerman, 2010).

 3- غياب المشاركة السياسية:  يستخدم Samuel Huntington مصطلح "التحديث السياسي" بشكل رئيسي للإشارة إلى توسيع المشاركة السياسية، و يوضح أن تخلف المؤسسات السياسية في المجتمع سيؤدي إلى هدر إمكانات التطوير و التحديث (Sklar & Huntington, 1969). فالدول التي تكون فيها المشاركة فعالة و ذات قاعدة واسعة تعرف فسادا سياسيا محدودا (عرضيا) باعتبار أن المشاركة تهدف إلى التأثير في العملية السياسية، و تعد أداة رئيسية و حقيقية لممارسة الرقابة الشعبية على السلطة في إطار النظام الديمقراطي القائم على مبدأ الفصل بين السلطات و حكم القانون. أما في الأنظمة المغلقة، حيث تكون المشاركة السياسية ضعيفة و غير مؤثرة فإن ذلك يؤدي حتما إلى انتشار الفساد السياسي. فالدول التي تعرف أزمة مشاركة سياسية (ضعف القنوات الرسمية للمشاركة مثل الأحزاب السياسية و تقييد منظمات المجتمع المدني، التلاعب بنتائج الانتخاب و طغيان أعمال الاحتجاج الجماعي و العنف...) يسود فيها التلاعب بالموارد العامة، و تتداخل المصالح بين السياسة و رجال الأعمال، فما دامت المحاسبة غير فعالة فإن العقاب بدوره يختفي. (ليمام، 2011).

 4- التنافس على السلطة السياسية: و يقصد بها إساءة استخدام سلاح المال في الحصول على السلطة السياسية أو الحصانة البرلمانية أو المنصب الحزبي، إذ يتم التأثير في الرأي العام من خلال الرشوة الانتخابية من أجل الحصول على الأصوات و الفوز في الانتخابات و هزيمة المنافس الذي يكون غالبا هو الأصلح من الناحية الموضوعية. و قد يلجأ بعض المترشحين في الانتخابات إلى دفع تعويض مالي مناسب لإجبار الخصم على التنازل على الترشيح و الانسحاب قبل اجراء الانتخابات. و عادة ما تنشأ فئة من الوسطاء و السماسرة الذين يلجؤون إلى المضاربة للحصول على أعلى ثمن ممكن من المرشح الذي يكون لديه الاستعداد و القدرة المالية و الاصرار على الفوز، و يمكن أن يؤدي مثل هذا التنافس إلى ظهور جريمة تزوير الانتخابات.

 II-   الأسباب الاقتصادية:

يشكل الاقتصاد مدخلا لممارسة حالات الفساد بأشكاله المتنوعة، فالأزمات الاقتصادية و عدم وجود دراسة جدوى و تدني مستوى دخل الفرد و ارتفاع تكاليف المعيشة أو سوء التخطيط  قد تكون مدخلا يشجع الفساد بكل أشكاله.

1- انخفاض الأجور:كثيرا ما يشار إلى عدم كفاية الأجور و ضعف المرتبات كسبب رئيسي للفساد خاصة البيروقراطي (Besley & McLaren, 1993). حيث يعاني أكثر الموظفين خصوصا في الدول النامية من نقص كبير في الرواتب  بالمقارنة بمستوى التضخم الأمر الذي يجعل الدخل الحقيقي له غاية في التدني لدرجة يعجز معها اشباع احتياجاته المعيشية الضرورية فيلجأ إلى الرشوة للحصول على المال بطريقة غير مشروعة من مختلف الوسائل  .

 2- البطالة و الفقر: و يعتبران من أهم العوامل الاقتصادية التي تدفع إلى اللجوء إلى الجريمة و إيتان أفعال الفساد حيث أن البطالة تعني عدم وجود دخل مشروع من العمل و من ثم يمكن للشخص المنحرف أن يتجه إلى الوسائل غير المشروعة للحصول على مصدر دخل مثل السرقة و تجارة المخدرات ..

3- سوء توزيع الثروة: لعل من أهم أسباب الفساد هو عدم العدالة في توزيع الثروة في المجتمع و الذي من شأنه أن يولد فئات محرومة و أخرى ذات ثراء كبير  تستحوذ على نسبة كبيرة من الثروة و الدخل، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف الولاء للأهداف العامة و مصلحة المجتمع ، و هذا بدوره يفتح المجال لسلوكيات منحرفة فاسدة في أجهزة الدولة و منها الرشوة و الاختلاس و خيانة الأمانة و السرقة  .

 4-  تدخل القطاع العام في النشاط الاقتصادي: الفساد البيروقراطي أو الإداري هو جانب حتمي من تدخل الدولة في الاقتصاد، بغض النظر عن سبب وجوده و عن الفوائد الاجتماعية التي قد يمنحها (Ehrlich & Lui, 1999). فالقطاعات العامة البيروقراطية لا تهتم بعملية الإنتاج بقدر تركيزها على عملية التخطيط دون وجود دور لآليات السوق الحرة في تخصيص الموارد الاقتصادية الأمر الذي يفتح المجال واسعا أمام ممارسات الفساد المتعددة، و على النقيض من الرأي السابق يرى البعض أن التوجه من الاقتصاد الشمولي و المركزي و السيطرة الحكومية على الاقتصاد الحر و اتجاه الحكومات إلى تقليل القيود و الرقابة لتحفيز المستثمرين أو المنتجين و رجال الأعمال يجعل هناك شعورا عاما بضعف دور الدولة في الرقابة و الضوابط التي تحمي المجتمع من الممارسات الفاسدة من جانب المحتكرين و زيادة ضغوط التضخم و حجم الصفقات التجارية و المالية و من ثم ارتفاع قيمة عائدات الفساد، الأمر الذي يؤثر كثيرا على استعداد الموظفين للانحراف نحو الفساد في ظل الاغراءات المالية الكبيرة في العقود و الصفقات الدولية المتعلقة بالتجارة الدولية أو بإنشاء مشروعات البنية التحتية خاصة في الدول النامية بواسطة الشركات العملاقة متعددة الجنسيات و التي يكون لديها استعداد كبير لدفع مقابل مرتفع للحصول على الأعمال و الصفقات بطرق غير مشروعة.

 1)     تكاليف التحول الاقتصادي: لقد سيطر الاعتقاد القائل بأن الاصلاح الاقتصادي الذي يهدف إلى تقليص دور الدولة الاقتصادية و إطلاق الحرية للمشاريع الخاصة كفيل بالتقليل من حجم الفساد  ، لكن واقع كثير من البلدان أثبتت أن التنفيذ الناتج عن الخصخصة  و إلغاء القيود التنظيمية غالبا ما فشل بل و أدى إلى زيادة الفساد بدلا من تقليل حجمه (Lambsdroff, 2011). و مما يشجع ظهور ممارسات الفساد في فترات التحول الاقتصادي – التحول السريع و غير المخطط نحو تعظيم دور القطاع الخاص على حساب القطاع العام و بيع المؤسسات للشركات الأجنبية مما يسمح للسماسرة و الوسطاء و الوكلاء بعقد الصفقات و دفع العمولات لشراء الذمم و المساومة على الملكية العامة لصالح قلة من الرأسماليين


آخر تعديل: الاثنين، 17 أبريل 2023، 12:09 PM