أثار الفساد:
الآثار السلبية للفساد : لقد كان لدى الباحثين في الستينات وجهة رأي حول إيجابية ظاهرة الفساد. و لكن اليوم و بناءا على الدراسات الاقتصادية و التقديرات القياسية، توجد أدلة كثيرة على التكاليف العديدة للفساد حيث يشوه الفساد النظامي الحوافز و يضعف المؤسسات و يعيد توزيع الثروة و السلطة على غير المستحقين لها كما أنا الفساد يبطئ التقدم الاقتصادي (Klitgaard, 2010).
1-الآثار الاقتصادية للفساد: يلحق الفساد ضررا بكل من البلاد النامية و المتقدمة (السيسي، 2013) و له آثار اقتصادية كثيرة سواء على المستوى الكلي أو الجزئي، و لعل المظهر الأكثر بروزا في الآثار السلبية للفساد هو كلفته الاقتصادية العالية. و يدخل في إطار هذه الكلفة مجموعة كبيرة من العناصر التي يتحملها المجتمع و مؤسساته و الأفراد فيه، حيث أن هناك كلفة مادية تتجسد بمجمل اجراءات و آليات و طرق مكافحة الفساد لمنعه من الحدوث أو متابعته باستمرار و ملاحقته و اجتثاثه في حالة حدوثه. و هناك كلفة أخرى تتمثل بإجمالي تكلفة حالات ممارسة الفساد في مختلف مرافق الدولة. أما الكلفة الأخرى فهي كلفة معالجة الآثار السلبية المرافقة لحالات الفساد و ما يتلوها من تداعيات على مختلف الأصعدة في المجتمع (الغالبي و العامري، 2015).
أولا: أثر الفساد على النمو الاقتصادي
يطرح الباحثين تسائل حول ما إذا كانت العلاقة بين الفساد و النمو الاقتصادي سببية، أم أنها نتيجة عوامل أخرى بما في ذلك تدخل الدولة في الاقتصاد؟ (Ehrlich & Lui, 1999). كإجابة على هذا التساؤل تشير بعض الدراسات إلى أن قدر معين من الفساد يمكن أن يؤدي إلى زيادة الاستثمارات على المدى المتوسط، فإذا كانت بعض الدول التي تتسم بقدر من الفساد تحقق معدلات معينة من التنمية فإن ذلك يعد دليلا على أن الفساد لم يصل إلى المرحلة التي يؤدي فيها إلى هدم التنمية الاقتصادية من أساسها (السيسي، 2013) و في حالات معينة يكون النمو سببا في قيام الفساد حيث أن التنمية تخلق منافع و مكاسب يمكن تقاسمها بين المسؤولين الرسميين و بين المنفذين للتنمية في القطاع الخاص (السيسي، 2013).
طبقا للنظرية الاقتصادية التقليدية فإن الفساد يعيق النمو الاقتصادي من خلال استخلاص الريع (يوسف ي.، 2014) و زيادة فرص السعي للحصول على مزايا اقتصادية دون مراعاة مصلحة المجتمع مما يخلق جوا من عدم اليقين (السكارنة، 2011) مما يؤثر سلبا على النمو سواء بالنسبة لمنظمي المشروعات المحلية أو الأجنبية و هذا ما أثبتته مجموعة من الدراسات من بينها دراسة المقطعية لـ Adel & Di Tella (1996) التي تشير إلى تأثير السلبي للفساد على الاستثمار و النمو الاقتصادي، حيث أنه يزيد من تكاليف و التشوهات حتى في حالة تزامنها مع النمو الاقتصادي (Manion, 2001). و يقود الفساد إلى العديد من النتائج السلبية على التنمية الاقتصادية منها:
1- يزيد الفساد من تكاليف المشاريع القائمة و التي ستقام مجددا و بالتالي فإنه يضعف الأثر الإيجابي لحوافر استثمار المنظمات المحلية و الأجنبية خاصة إذا ما طُلبت رشاوي كبيرة من هذه المشاريع لغرض الترخيص لها في العمل و تسهيل اجراءات إقامتها و بالتالي فإن كلفة الفساد الاقتصادية تمثل عاملا سلبيا اتجاه تطوير العائد على الاستثمار في هذه المشاريع (الغالبي و العامري، 2015).
2- هدر الموارد بسبب تداخل المصالح الشخصية بالمشاريع التنموية العامة و الكلفة المادية الكبيرة للفساد على الخزينة العامة كنتيجة لإهدار الايرادات العامة (السكارنة، 2011) بمعنى تشويه سياسات الاستثمار و تضخيم التكاليف و تخفيض العائدات (الضمور، 2014) و تدمير الاقتصاد و حذف السياسات التنموية عن مسارها الطبيعي لخدمة المتنفذين بدل خدمة المواطنين (توق، 2014).
3- يتحمل المجتمع تكاليف اقتصادية باهظة جراء الفساد لكونه يؤثر على روح المبادرة و الابتكار (الغالبي و العامري، 2015) و يؤدي إلى هجرة الكفاءات الاقتصادية نظرا لغياب التقدير و بروز المحسوبية و المحاباة في توظيف المناصب العامة (السكارنة، 2011) و يضعف الجهود لإقامة الأعمال الصغيرة و متوسطة الحجم و التي تعتبر ضرورية جدا لتفعيل الاقتصاد و القضاء على البطالة و التكامل مع المنظمات كبيرة الحجم لغرض التطوير الاقتصادي (الغالبي و العامري، 2015).
4- الفساد يخفض من مستويات النمو لأنه يؤثر سلبا على المشاريع الصغيرة، لأن تحمل تكاليف الفساد المرتفعة المتمثلة في الوقت و المال تكون أشد بالنسبة للمشاريع الصغيرة منه على الشركات الكبرى، فالمشاريع الصغيرة تملك بوجه عام سلطات و نفوذ أقل لتجنب الفساد فهي لا تستطيع تحميل المستهلكين تكاليف الفساد، و هكذا تواجه المشاريع الصغيرة في البيئات الفاسدة ظروفا أصعب للبقاء (الطائي و راضي، 2015) و حتى إذا كانت هناك آلية للتغذية العكسية من النمو المنخفض إلى الفساد المرتفع و من النمو المرتفع إلى الفساد المنخفض، فإن عملية النمو لا يمكن أن تبدأ بدون مؤسسات تعمل بشك جيد (Ackerman, 2010).
5- نهب البنوك و العدوان على المال العام بواسطة بعض المسؤولين مثل سحب القروض من بنوك الحكومية بدون ضمانات أو بفوائد منخفضة جدا و ذلك مقابل حصول الموظفين على نسبة معينة من قيمة القروض التي تحصل عليها العميل و ذلك على سبيل الرشوة أو العمولة أو غيرها (عبد العظيم، 2008).
6- الذي يجعل الفساد مكلفا هو التشوهات التي تنطوي عليها السرية اللازمة للفساد حيث يمكن لهذه السرية أن تحول استثمارات الدولة بعيدا عن المشاريع الأهم كالتعليم و الصحة إلى مشاريع توفر فرصا أفضل للفساد السري كالدفاع و البنية التحتية (Shleifer & Vishny, 1993) و بالتالي يكون تصدير الرشاوي و الأموال غير المشروعة شكلا من أشكال هروب رؤوس الأموال المحلية إلى الخارج على حساب استثمارها في الداخل (توق، 2014) و تمثل تكلفة يتحملها مواطني الدولة و لا تنخفض تلك التكلفة إلى في حالة إحلال رؤوس أموال أجنبية للاستثمار في الداخل محل مدفوعات الفساد التي تم تحويلها إلى حسابات في مصارف أجنبية (السيسي، 2013).
7- يهدد الفساد حالات نقل التكنولوجيا للدول النامية و ما يتبع ذلك من حالات تخلف اقتصادي حيث يتم شراء تكنولوجيا بشكل منعزل عن ما يرافقها من معرفة متكاملة بأساليب استخدامها و صيانتها و تطويرها اللاحق و الإبداع في عمليات تكييفها بما يتماشى و متطلبات البيئة المحلية (الغالبي و العامري، 2015).
8- يؤدي الفساد إلى إضعاف جودة الخدمات و المنتجات لكونه يشكل عامل ضغط على البنية التحتية للمؤسسات المقدِمة لهذه الخدمات حيث تشكل طبقة من المنتفعين من خلال الربح غير المشروع كرشاوي و عمولات بدلا من مساهمة هذه الطبقة كمبدعين في النشاط الانتاجي. إن مجمل هذه الأمور تقلل من قدره الدولة ومؤسساتها على تقديم الخدمات الأساسية للمجتمع (الغالبي و العامري، 2015). وفيما يخص نوعيه الاستثمار فإن منح الصفقات لشركات ليست بالضرورة متحكمة في إدارة الإنتاج أو في أخلاقيات الاستثمار بل قادرة فقط على شراء ذمم المسؤولين غالبا ما يؤدي الى غش في المنتوج (يوسف ي.، 2014)Haut du formulaire
Bas du formulaire
ثانيا: أثر الفساد على القطاع الضريبي
يترتب على الفساد في مجال القطاع الضريبي آثار خطيرة تتمثل فيما يلي:
1- عندما يكون هناك فساد في القطاع الضريبي فإن هذا ما يدفع البعض إلى تقديم اقرارات ضريبية تُظهر وعاءا ضريبيا غير حقيقي لهؤلاء الأفراد وبهذه الطريقة يتمكنون وبطريقة زائفة من اظهار مقدرة منخفضة مقارنة بمقدرتهم الحقيقية، في حين لا يستطيع الممولون الأمناء من تخفيض هذه المقدرة بنفس الطريقة، فإن هذا يعني إخلال بمبدأ العدالة الأفقية التي تقوم على أساس معاملة ضريبية متماثلة للأفراد ذوي القدرة المتساوية على الدفع. و من جانب آخر فان هذا يعد اخلالا بمبدأ العدالة الرأسية التي تقتضي معاملة ضريبية مختلفة للأفراد ذوي القدرة المختلفة على الدفع مما يترتب عليه في النهاية اخلال بمبدأ العدالة الاجتماعية في توزيع الأعباء العامة (يوسف ي.، 2014).
2- أحد الآثار غير المباشرة للفساد هو إقناع الناس بأنه من المقبول عدم دفع الضرائب لأن الحكومة قد استوليت من طرف المسؤولين الفاسدين و الداعمين لهم. و بالتالي ففي هذه الحكومات تكون المشاريع الصغيرة باهظة التكلفة و غير منتجة (Ackerman, 2010)
-Haut du formulaire
Bas du formulaire
3- يترتب على الممارسات الفاسدة في القطاع الضريبي مَقْدِرة زائفة على الدفع. مما ينجم عن هذه الممارسات و انتشارها على نطاق واسع انخفاض في العلاقة الضريبية للمجتمع ككل. فإذا كان صانع السياسة المالية سيضم حجم الايرادات الحكومية و يخطط حجم الإنفاق الحكومي على أساس العلاقة الضريبية الزائفة، فإن السياسة الاقتصادية لن تستطيع تحقيق ما ينشده المجتمع من أهداف مختلفة سواء ما يتعلق منها بتحقيق النمو الاقتصادي أو تمويل الإنفاق العام، أو تمويل الخدمات الاجتماعية العامة و الجديرة بالإشباع التي لم يتم تغطيتها بالقدر المرغوب اجتماعيا. و أمام هذا الوضع تجد الدولة نفسها مضطرة إلى التخلي عن بعض الأهداف التي وعدت المجتمع بإشباعها له (يوسف ي.، 2014).
4- المعروف به أن أجور القطاع العام منخفضة في دول الأقل نموا، مما سيؤدي بمفتشين الفاسدين إلى تلقي الرشاوي من قبل دافعي الضرائب الراغبين في تجنب دفع ضرائب المستحقة عليهم (Besley & McLaren, 1993)، و إذا أضفنا التهرب عن دفع الرسوم الجمركية المترتبة على استيراد البضائع فإن ذلك سوف يزيد من خسارة ايرادات الحكومة (الشويات، 2015).
ثالثا: أثر الفساد على الإنفاق الحكومي
1- يترتب على الفساد الممتد و انتشاره في القطاع الحكومي آثار على تخصيص النفقات العامة، مما يؤدي إلى تحقيق أدنى نفع ممكن من هذا الانفاق و ليس أقصى نفع. و عليه يترتب على شيوع الفساد و انتشاره في مجتمع ما سوء تخصيص لموارد هذا المجتمع عامة، لأنها سوف تتجه صوب أوجه الإنفاق التي لا تحظى بأولوية الانفاق العام من وجهة نظر المجتمع. و من ثم ستحظى الأنشطة المظهرية كالأنشطة الرياضية و الأندية و نحو ذلك بإنفاق سخي و في مقابل ذلك سيتم اغفال الكثير من الأنشطة و القطاعات الاقتصادية العامة أو يكون الإنفاق عليها ليس بالدرجة الكافية كالإنفاق على القطاع الزراعي و الصناعي، أو الإنفاق على تحسين مستوى المناطق النائية. كما أن تنفيذ المشروعات العامة و المناقصات سيتميز بدرجة عالية من التميز و عليه سيتم استيراد المواد الخام و مواد البناء و الآلات من بلاد أجنبية معينة، في حين قد لا تكون هذه السلع المستوردة جيدة أو ذات نوعية سيئة مقارنة بغيرها من المصادر المتاحة كما أن المناقصات و المشروعات الهامة سَتَرْسُو على شركات معينة مملوكة لأصحاب النفوذ في المجتمع (يوسف ي.، 2014).
2- يغير الفساد تركيبة عناصر الانفاق الحكومي حيث يبدد المرتشون موارد عامة كثيرة بطرق متعددة و من هنا فإن المؤسسات الحكومية التي ينتشر فيها الفساد تنفق أقل على الخدمات الأساسية في حين يكثر الاتفاق على مجالات التي تكثر فيها الرشوة و العمولات مثل التسليح و الصفقات الكبيرة للتموين و مشاريع الكهرباء الضخمة و غيرها (الغالبي و العامري، 2015). و ذلك يسبب صعوبة كشفها من قبل هيئات المراقبة أو الحكم على مصداقيتها و ما توفره من فرص كبيرة للرشوة من خلال إدعاء السلطات ضرورية السرية في هذه المشتريات مثل الأسلحة (الشويات، 2015). و بالتالي فإن الفساد يقلل من الايرادات التي تحصل عليها الدولة من خلال مؤسساتها المختلفة، كالجهاز الضريبي و الجمركي و يزيد من النفقات التي تتحملها الدولة و بالتالي يؤثر على النمو الاقتصادي في الدولة (الغالبي و العامري، 2015).
3- تميل الدول الفاسدة إلى خفض الاستثمار في رأس المال البشري من خلال إنفاق أقل عن التعليم و الإفراط في الاستثمار في البنية التحتية العامة نسبة إلى الاستثمار الخاص و انخفاض مستويات الجودة (Ackerman, 2010)، كما ينخفض الحافز على العمل لدى أعضاء النخبة فيجعلهم يتوجهون نحو أنشطة غير منتجة و بالتالي ينشُط الفساد التنافسي عوض المنافسة السليمة في الأداء و الجودة (ليمام، 2011).