المحاضرة (6): التربية على حقوق الإنسان: المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية

أهداف المحاضرة:

1-تمكين الطالب من معرفة حقوق الإنسان

2-تمكينه أيضا من معرفة المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية في هذا الإطار  

ترتبط حقوق الإنسان بذات الكائن البشري في وجوده الأصلي. كما أنها تعبر عن مختلف أبعاد شخصية الإنسان وتدخله في تنظيم قانوني واجتماعي يحدد الحقوق والواجبات، ويضمن ممارستها واستمرارها. ومن هنا أصبحت حقوق الإنسان موضوع توثيق من طرف الهيئات والمنظمات الدولية والقومية والوطنية، الحكومية أو غير الحكومية. كما غدت تلك الحقوق موضوع دفاع ونضال في المؤتمرات والملتقيات، سواء في صيغتها الموحدة والعامة المعبر عنها بـ"حقوق الإنسان"، أو في صيغتها المتعددة والخاصة المعبر عنها بـ"حقوق الطفل"، أو "حقوق المرأة"، أو "حقوق الشيوخ"، أو "الحقوق الثقافية"، أو "الحقوق السياسية"، أو "الحقوق الاجتماعية"، أو "الحقوق الاقتصادية"، أو "الحقوق البيولوجية" الخ.

وقد اعتبر التدريس، إلى جانب وسائل أخرى، جسرا رئيسيا يمكن أن تعبر منه تلك الحقوق لكي تشيد لها موقعا ثابتا في شخصية الفرد وفي النسق المجتمعي، إذ "لا يقل التدريس أهمية عن جميع الأعمال التي تقوم بها الجهات المهتمة بقضايا الإنسان، بل إن هذه الجهات نفسها تؤكد على أهمية التدريس في تعزيز حقوق الإنسان، وفي توسيع مجال التعريف بها ودعمها وترسيخ قيمها ومبادئها. ولنا في الأمثلة الآتية بيان على ذلك:

*الشرعة الدولية لحقوق الإنسان:  تتكون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)

والمعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966)

* "دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة، سنة 1968، إلى تدريس حقوق الإنسان بالتدريج في المقررات الدراسية للمرحلتين الابتدائية والثانوية. ودعت إلى اغتنام كل فرصة لاسترعاء اهتمام طلابهم إلى الدور المتزايد الذي تلعبه منظومة الأمم المتحدة من أجل تعزيز العدل الاجتماعي

*وفي مؤتمر طهران، سنة 1968، تقرر "أن تدعى جميع وسائل التعليم من أجل إتاحة الفرصة للشباب لأن يشب بروح احترام الكرامة الإنسانية والتساوي في الحقوق.

*وفي سنة 1978، تم تنظيم مؤتمر دولي في "فيينا"، من طرف اليونسكو، حول "تدريس حقوق الإنسان".

..هذه نماذج قليلة فقط من دعوات وقرارات كثيرة، صدرت عن جهات مختلفة، تتجه جميعها إلى تأكيد ضرورة تعزيز حقوق الإنسان ودعمها "من خلال برامج فعالة للتدريس والتربية والإعلام"، وذلك إيمانا بالدور الإيجابي الذي يمكن أن تقوم به التربية والتعليم في التوعية بحقوق الإنسان، مما يتطلب أن تصبح هذه الحقوق جزءا من المقررات الدراسية، وأن تدخل كعنصر أساسي في بنيتها.

* التربية على حقوق الإنسان: ماهيتها وخصائصها

إن هذا الاتجاه يهدف إلى تعزيز حقوق الإنسان من داخل العملية التعليمية، وفي إطار الممارسة التربوية، هو ما ينعت اليوم بـ"التربية على حقوق الإنسان"، وهو اتجاه لا يقصد تعليم معارف وتصورات حول حقوق الإنسان للأطفال والمتعلمين بقدر ما يرمي إلى تأسيس القيم التي ترتبط بتلك الحقوق.

ليست التربية على حقوق الإنسان "تربية معرفية"، بل هي "تربية قيمية" بالدرجة الأولى؛ فاهتمام هذه التربية "بالجانب المعرفي لا يعد قصدا نهائيا من هذه التربية، فهي تتوجه بالأساس إلى السلوك. وإذا ما تبين أحيانا أن هناك اهتماما بالمحتوى المعرفي، فإن مثل هذا الاهتمام لا يتجاوز كونه مدخلا أساسيا للمرور إلى قناعات الفرد وسلوكاته"

لا تكتفي هذه التربية الحقوقية بحشد الذهن بمعلومات حول الكرامة والحرية والمساواة والاختلاف، وغير ذلك من الحقوق؛ بل إنها تقوم أيضا على أساس أن يمارس المتعلم (الإنسان) تلك الحقوق، وأن يؤمن بها وجدانيا، وأن يعترف بها كحقوق للآخرين، وأن يحترمها كمبادئ ذات قيمة عليا. إنها ليست تربية معارف للتعلم فقط، وإنما هي تربية قيم للحياة والمعيش، انطلاقا من أن "التلاميذ لا يريدون أن يتعلموا حقوق الإنسان، فقط، وإنما أن يعيشوها في تعليمهم حتى تكون له أكبر فائدة عملية بالنسبة لهم"

يتعلق الأمر، إذن، بتكوين شخصية للطفل المتعلم تتأسس نظرتها إلى الحياة ووجدانها ومشاعرها على ما تقتضيه ثقافة حقوق الإنسان من ممارسات وعلاقات بين الأفراد، ثم بين الفرد والمجتمع. فالتربية على حقوق الإنسان تهدف "في مرحلة ما قبل المدرسة والسنوات الأولى من المرحلة الابتدائية إلى بناء مشاعر الثقة والتسامح الاجتماعي. فهذه المشاعر هي أساس كل الثقة المرتبطة بحقوق الإنسان. وهكذا جاز اعتبار حقوق الإنسان تربية عمل أكثر مما هي تربية نظر، وذلك من حيث إن الغرض المتوخى فيها "هو مساعدة الصغار على تفهم الحقوق والواجبات بغية تطبيق مبادئ حقوق الإنسان على أكمل نظام في وجودنا البشري. مما يتطلب من "المدرسين أن يفعلوا ما هو أكثر من مجرد ترديد درس محفوظ لكي تدب الحياة في هذه الأفكار.. عندئذ يمكن للمدرسين وللتلاميذ ممارسة هذه المبادئ بدلا من تدريسها بمجرد الفهم أو محاكاتها".

يتضح، إذن، أن تدريس حقوق الإنسان يعني تأسيس هذه الحقوق كقيم على مستوى الوعي والوجدان والمشاعر، وكسلوكات عملية على مستوى الممارسة. وينطلق هذا التعليم القيمي السلوكي من أقرب مجال له، وهو حجرة الدرس، والبيئة المدرسية، ومن ثمة يؤسس تعزيز موضوع اشتغاله، أي حقوق الإنسان، في الفضاء المجتمعي العام خارج المدرسة، في البيت، في الشارع، في مختلف المرافق، ومع مختلف الفئات الاجتماعية. ولعل ذلك ما يسمح باستنتاج أن التربية على حقوق الإنسان ترمي إلى "تكوين المواطن المتشبع بالقيم الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان، القادر على ممارستها في سلوكه اليومي من خلال تمسكه بحقوقه واحترامه لحقوق غيره، الحريص على حقوق ومصالح المجتمع بقدر حرصه على حقوقه ودفاعه عنها".



Modifié le: jeudi 26 février 2026, 08:26