مقدمة:
ساهمت عالمية دبلوماسية الدولة الجزائرية مع الدول الأوروبية والأمريكية في العهد العثماني (1519 - 1830م) في إعطائها خصائص متميزة، وأكسبتها سمعة وهيبة دولية، كطرف فاعل في حجم العلاقات الدولية، وتطورها الاقتصادي والسياسي.
* فما هي خصائصها؟ وما هي أهميتها؟
أولا: خصائص الدبلوماسية الجزائرية في العهد العثماني:
2- تمثل البعثة الدبلوماسية عملا ظرفيا مرتبطا بتكليف بمهمة محددة من حيث مكانها، وزمانها، وموضوعها.
3- اعتمادها مبدأ "الحق والعدل"، واعتبارتطورها وتعدد معاهداتها مؤشرا لعظمة الجزائر وسمعتها وهيبتها.
4- اعتماد هؤلاء السفراء على القناصل والتجار الأجانب واليهود.
5- خضوع السفراء إلى برامج مضبوطة وفق ما ترسمه الدولة المضيفة.
6- رفض الخلط بين أمور سياسة الدولة والأمور التجارية، التي هي من اختصاص الرعية في البلدين، وأن الدولة الجزائرية ملزمة باحترام وحماية ممتلكات هؤلاء التجار حتى في حالة الحرب مع دولهم، وهو المبدأ الأساسي في الدبلوماسية الجزائرية بعبارة: " إننا لا نقر الخلط بين أمور التجارة وشؤون الدولة" .
7- التعاقد المباشر بين الجزائر وغيرها من الدول، وضبط العلاقات بينهما حسب مصالحهما الخاصة دون تدخل أي طرف ثالث بما في ذلك الدولة العثمانية منذ سنة 1604م حين رفضت الجزائر الالتزام بتنفيذ
أي معاهدة تبرمها الدولة العثمانية مع أطراف أخرى، وعدم التقيد إلا بالمعاهدات التي تبرمها هي بنفسها مباشرة .
8- تمسك الجزائر بالمبدأ الدبلوماسي العالمي "المعاملة بالمثل"، سواء ثم التأكيد عليها في مواد المعاهدة أم عدم ذكرها (هذا ما أثار الكثير من الصراعات مع بعض الدول التي تلتزم بمواد المعاهدات).
9- التزام الدبلوماسية الجزائرية باعتبار القناصل أعوانا وموظفين لدولهم، وعدم خلطهم بين علاقات الدول ومصالحهم الخاصة وخاصة التجارية.
10- تمسك الدبلوماسية الجزائرية بالسيادة الوطنية في كل علاقاتها (مثلا قضية المدفعين اللذين هربا من الجزائر إلى فرنسا، ربطت الجزائر التعاقد مع فرنسا بشرط إعادة المدفعين باعتبارهما رمز السيادة) .
11- حرص الدبلوماسية الجزائرية على مبدأ الحياد في الصراعات الأوروبية، ومحاولة منع كل تحالف أوروبي ضدها، عن طريق تنظيم العلاقات وتجديد المعاهدات وتوظيف التفوق البحري.
12- التزام مبدأ الوفاء بالعهود، والالتزام بشروط المعاهدات في كل الظروف، كما أكد ذلك مصدر غربي بقوله: « يعتبر الوفاء بالعهد من مبادئ الإيالة في علاقاتها الخارجية ... وعدم الاعتماد على القوة فقط هو من أهم المبادئ التي اعتمدتها في تنظيم علاقاتها مع الدول الأوروبية...» .
13- التزام مبدأ المساواة بين جميع الدول صغيرها وكبيرها بنفس الامتيازات والتعرفة الجمركية ووضع القناصل.
14/ الرفض التام لحق "اللجوء السياسي"، مقابل الالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
15/ كل دولة لا تعقد معاهدة صداقة وسلام تعتبر في وضع حرب مع الجزائر .
16/ لا يصادق على أي معاهدة لا تعترف بتفوق الجزائر .
17/ التزامها مع الدول المتفق معها بالسهر على ضمان أمن تجارتها وسفنها في الحوض الغربي للبحر المتوسط، واعتماد ممثليها الدبلوماسيين، الذين تضمن لهم الدولة الجزائرية كل الظروف للسهر على مصالح دولهم وجالياتهم، وحقوق رعاياهم القضائية والدينية، واحترام حرية الهيئة القنصلية (القنصل، نائبه، المترجم، رجل الدين، الخدم الخاص)، سواء في حال السلم أو الحرب بين الدولتين.
18/ إلزام الدول الصديقة بالمقابل بالتزامها وتعهدها بدفع إتاوات وهدايا حسب ما يتفق عليه، والذي رضخت كل الدول البحرية مضطرة بعد تأكدها من أن "شراء الحماية الجزائرية أرخص من فرضها بالقوة البحرية".
19/ حق الجزائر تفتيش السفن، وتحصيل إتاوات على كل السلع المحملة على ظهرها، التابعة للدول غير الصديقة للجزائر، وأسر كل من عليها من جنسيات غير صديقة للجزائر.
ثانيا: أهميتها
من خلال ملاحظة أسس ومبادئ وخصائص الدبلوماسية الجزائرية في العهد العثماني نلاحظ مدى قوتها والتزامها بأهم المبادئ الدبلوماسية المثالية، ومدى تنوعها مع مختلف الدول الأوروبية والأمريكية مما يمثل شهادة حية للسيادة الجزائرية، لكن هذا لا يغطي على نقائصها وسلبياته المختلفة أخطرها:
1/ اعتماد التجربة والممارسة فقط دون التكوين والتنظيم في اختيار السفراء.
2/ التزام مجموعة من المبادئ المثالية في الدبلوماسية ( الحق والعدل، والمساواة، والمعاملة بالمثل) مع دول أوروبية وأمريكية تؤمن بمبدأ "الدولة ليس لها أصدقاء دائمين، بل لها مصالح دائمة".
3/ التزام المواقف الدبلوماسية الدفاعية فقط، دون أخذ المبادرة لفرض أهدافها الدبلوماسية واستغلال الظروف الأوروبية لتمرير أهدافها وتحقيق مصالحها.
4/ التزام الأسلوب الدبلوماسي المباشر والصريح، أضعف من إمكانية إيجاد أحلاف عند الضرورة، بل أبعد حتى بينها وبين الدول الإقليمية المغاربية والأجنبية.
5/ عدم إعطاء الأهمية لبنود المعاهدات ولغة تحريرها، وهو ما ستستغله الدول الأجنبية لصالحها.
6/ كانت العلاقات الخارجية غالبا ما تتسبب في صراعات داخلية بين المعارضين من طائفة رياس البحر والخواص الذين يجهزون السفن، وبين المؤيدين من الداي والمسؤولين فيالديوان، الذين يستفيدون من هدايا قنصلية وحقوق رسو السفن وأسهم في تجارة الرقيق والغنائم .
7/ التسامح الديني في ديبلوماسية الجزائر العثمانية حيث سمحت للقناصل والقنصليات بتوفير خدمات كنسية لمختلف العقائد المسيحية، وهو ما كانت ترفضه الدول الأوروبية.
خلاصة:
لعل كل من يقرأ حكم المصادر الغربية على الدبلوماسية الجزائرية في العصر الحديث مثل:
« إن هؤلاء نهاب البحر مثلهم مثل الحيوانات المتوحشة، ينقضون على الغنائم وهم يصرخون بكل شراسة (...) حتى لو كانت السفينة لإحدى الدول المرتبطة بمعاهدة صداقة معهم» .
واستشهد الدكتور "طوماسشو" الرحالة الإنجليزي لمدينة الجزائر بين (1732-1720م) برد الداي على احتجاج القنصل الإنجليزي على البحارة الجزائريين بقوله: « إنهم يشكلون عصابة وأنا رئيسها» . ثم أضاف واصفا رياس الجزائر "مركز اللصوصية" بقوله:
« الذين ليسوا سوى قراصنة لا عهد لهم ولا صدق، ولا يتورعون لنقض المعاهدات المصادق عليها لأول فرصة حينما يتعلق الأمر بمصالحهم، بل إنهم يفتعلون الأسباب لنكثها » .
« الالتزام بالمعاهدات من قبل الجزائريين ضرب من الخيال، فهم لا يعرفون معنى احترام نصوص الاتفاقيات(...) فما يزعج الجزائريين لا يكتب له الدوام » .
« إن القارئ ليندهش حقا حينما يعلم أن حق عرقلة وإعاقة تجارة العالم، وفرض الضرائب قد تم تركه لهذه القوة التافهة والحقيرة في ذلك الوقت، وسماح أوروبا لها بالتمتع بأجمل بقعة في العالم... إن سياسة الجزائر بإلزام الدول الأوروبية بعقد معاهدات صداقة وسلام سياسة غطرسة وغير شرعية » .
واتهم الأسير "بانانتي" الجزائر باعتبارها مخترق ومنتهك حقوق العلاقات الدولية بقوله: «Alger violateur éffrenté des droits des nations»
« كانت الجزائر مصدر الرعب والملجأ المفضل للقراصنة البربريسك (...) إن سياسة القرصنة كانت أمرا حيويا لوجودها واستمراريتها، فهي دولة لا تتوفر لا على تجارة ولا على صناعة ولا زراعة ».
يستخلص كيف تحول ضعف وعجز الدول الأوروبية في مواجهة الجزائر إلى ازدراء واحتقار وحقد وكراهية في وسائل تعبيرها، وشهد شاهد من أهلها بقوله:
« ستغمرني سعادة إذا نجح كتابي هذا في القضاء على الادعاء غير العادل الناتج عن تعصب مبالغ فيه ضد كل ما هو تركي (...) إن أعمال القرصنة بالجزائر لا تمارس إلا ضد الأعداء، وإذا تضررت أحيانا بعض الدول الصديقة منها فهذا راجع إلى تصرفات بعض البحارة الخواص، ولا مسؤولية للحكومة في ذلك».
قائمة المصادؤ والمراجع
[1] علي تابليت ، العلاقات الجزائرية الأمريكية( 1776 – 1830م)، أطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر 2006-2007، ص89
[2] جمال قنان، معاهدات الجزائر مع فرنسا (1619-1830)، ط1، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1987، ص 258
-[3]جمال قنان، نصوص ووثائق في تاريخ الجزائر الحديث (1500-1830)، ط1، دار الرائد للكتاب،
الجزائر 2010، ص 14، والنص رقم 98، ص. ص 74 - 78.
[4]ـ ـــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ ، قضايا ودراسات في تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر، ط1، منشورات المتحف الوطني للمجاهد،
الجزائر 1994، ص. ص 48-49.
Venture De Paradis , Alger au 18è siècle(1788-1790), In Revue Africaine, Nº 40 , Année 1896, PP154-155[5].
[6]جمال قنان ، قضايا، مرجع سابق، ص53.
،[7] عائشة غطاس ، نظرة حول تقييم بعض المصادر الغربية لسياسة الجزائر الخارجية خلال العهد العماني،
مجلة الدراسات التاريخية، المجلد 3، رقم:5، الجزائر ، في 01 جوان 1988، ص. ص 116-127.
[8] أبو القاسمسعد الله، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، ج1، ط1، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، لجزائر 1978، ص205.
[9]جون بابتيست وولف، مرجع سابق،ص. ص: 262-263.
AlexanderDe Groot , Ottoman north Africa and the dutch republic in the seventeenthand eighteenth[10]
centuries In Revue de l’Occident Musulman et de la Méditérranée, N° : 39, Année 1985, P 139.
Thomas SHAW , Voyage dans la régence d’Alger , ou déscription géographique , Physique, Philologique,[11]
Traduit de l’anglais par Mac Carty, 1 Ed Marlin, Paris 1830,P P108 - 109.
Abdelhafid BENMANSOUR, Le regard du captif au 17ºsiècle ou le bestiaire algérien du Belg [12]
CRAMAYE Jean Baptiste (1589-1635), In Revue d’Histoire, Nº : 20, Année 1985, PP7-22.
Père Pierre DAN, Histoire de Barbarie et de ses corsaires des et des villes d’Alger, de Tunis, de Salé, de Tripoly,[14]
1Ed : Pierre Rocolet, Paris 1649, P121.
[16]وليام شالر، مذكرات وليم شالر، قنصل أمريكا في الجزائر، ترجمة: إسماعيل العربي ،
ط1، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1982، ص 103