تمهيد
إن موضوع العلاقات الجزائرية الفرنسية يكتسي أهمية بالغة بالنسبة للبلدين ليس من الناحية التاريخية حيث تمتد جذورها الأولى الى بدايات ظهور الدولة الحديثة في القرن 16م ، وخصوصية هذه العلاقات السياسية والتجارية وتميزها بخصائص منذ وقت مبكر وحتى سقوط الدولة الجزائرية في صيف 1830م ، بل كان لها أثرها العميق على علاقات البلدين بعد استعادة الجزائر لسيادتها في صيف 1962.
العلاقات الرسمية : إنشاء قنصلية فرنسة في الجزائر
رغم التقارب الذي شهدته العلاقات الجزائرية الفرنسية، فإن العلاقات بين البلدين لم تتخذ صبغة رسمية الا حوالي 1578 م بإنشاء القنصلية الفرنسية في الجزائر. وتعود اولى المحاولات في ذلك الصدد الى النصف الثاني من القرن 16 م حينما قام الملك شارل العاشر بتعيين أحد رعاياه ويدعى "بارتول" لمنصب القنصل في مدينة الجزائر في 15 سبتمير 1564 م، ولم تكلل المحاولة بالتوفيق نظرا للمعارضة الشديدة التي ابداها كل من الباشا والديوان لفكرة اقامة دائمة للمثل عن دولة مسيحية فرجع المرشح من حيث اتى. ويبدو ان مرسيليا تراجعت بعد هذا الرفض عن موقفها.
وفي عهد هنري الثالث الذي عزم على ايجاد تمثيل دبلوماسي في بلاد المغرب عموما جددت المحاولة ورغم فتح قنصليات في تونس والمغرب لكن حكومة الجزائر اصرت على معارضتها. أمام الرفض المتواصل تدخل الباب العالي، حيث ارسل مراد الثالث في اوائل 1578م أمرا بقبول "موريس سورون" قنصلا، لكن الباشا حسن فنزيانو رفض هذا التمثيل الدبلوماسي. لكن الباشا تراجع عن موقفه فخلال الفترة من افريل 1579 م الى سبتمبر 1582 م تعاقب ثلاثة نواب قناصل على المنصب. ويعود سبب اسرار فرنسا على التمثيل الدبلوماسي في الجزائر لتفادي الخسائر التي تتعرض لها السفن والتجار الفرنسيين حتى تحظى بمكانة في حوض البحر المتوسط، ففي خلال الفترة 1560م – 1565م تكبدت خسائر كبيرة قدرت ب أربع مائة ألف دورو.
اذا تفحصنا نصوص المعاهدات ابتداء بمعاهدة 19 مارس 1619م وهي أول معاهدة مبرمة بين البلدين نجد أن فكرة التمثيل الدبلوماسي للجزائر في فرنسا قد وردت غير أن هذه المعاهدة والمعاهدات التي تلتها 1628م ، 1641م ، 1666م وغيرها لم تحدد مهام هذا الموظف وتطلق عليه أحيانا تسمية الرهين ، وفي أوت 1628م قررت الجزائر تعيين ممثل لها في مرسيليا وكان ضابطا يدعى حمزة ولكنه تعرض للإهانة فرجع الى البلاد وهكذا
انتهت قضية التمثيل الدبلوماسي في فرنسا. وحظيت بذلك فرنسا بتمثيل دبلوماسي لعب دوار كبيار في سير العلاقات بين البلدين بينما ظلت الجزائر تعهد للبعثات الدبلوماسية كلما اقتضت الضرورة.
هنري الاربع واحياء التقارب: كان الملك هنري الرابع يدرك عدم قدرته على مواجهة الأخطار والأعداء في الداخل والخارج وكان يعلم بقوة الأسطول الجزائري مما جعله يعمل على احياء علاقات الصداقة بين البلدين . ووجه السلطان العثماني بآمر الى باشا وحكومة الجزائر بتقديم المساعدة لفرنسا متمثلة في القمح والخيول والقوات لمجابهة الخطر الاسباني والتمرد الداخلي خاصة في مرسيليا. وهكذا يمكن القول بان العلاقات الجزائرية الفرنسية عرفت منذ ثلاثينات القرن السادس عشر الى التسعينات منه فتارت خصبة من التعاون فكانت البحرية الجزائرية تقدم دعما نافعا لفرنسا لمواجهة الادعاء في الداخل والخارج.
وضع العلاقات قبل 1619م:
حادثة حصن فرنسا:
تصدعت العلاقات الجزائرية الفرنسية بعد مضي أيام قلائل على تاريخ تجديد وتأكيد فرنسا لامتياازتها لدى الدولة العثمانية بتاريخ 30 ماي 1604م بفضل مجهودات سفيرها شقاري دوبريق . كان تدمير مركز المؤسسات الفرنسية او الحصن من طرف الحكومة الجزائرية في جوان 1604م السبب المباشر لذلك، وكان الدافع الاساسي هو تذرع الجزائريين بمجاعة أصابت البلاد، فالشركة الفرنسية لم تحترم الاتفاقيات التي تنص على ان يقتصر نشاطها على صيد المرجان لمها قامت بشراء الحبوب بأسعار رخيصة لتصدرها الى مرسيليا متجاهلة اوضاع البلاد العصيبة. فعزمت حكومة الجزائر على وضع حد لهذه المبالغات وأوعزت الى الحامية المتواجدة في مدينة عنابة بتخريب الحصن وحجر موظفيه.
اعتبر ملك فرنسا هذا الحادث اهانة لشرف فرنسا واحتج لدى الباب العالي لإعادة بناء الحصن وتعويض خسائر التجار الفرنسيين. وجاء المبعوث الآغا محمد خوجة لتسوية الخلاف سنة 1605 لكن سفارته لم تسفلا عن أي نتيجة. فأوكلت فرنسا مهمة التفاوض لسفيرها في اسطنبول "سقاري دوبريق" مع مبعوث السلطان "الخوجة مصطفى" لكن المفاوضة فشلت في فداء الأسرى وإعادة بناء الحصن .
حادثة سيمون دونصا :
وهي حادثة سرقة قام بها أحد رعايا فرنسا يدعى "سيمون دونصا"، وهو بحار فرنسي من أصل فلامنكي (Flamands) دخل الجزائر سنة 1606م، ومارس نشاط القرصنة وحقق مكاسب وشهرة كبيرة، أعاره الباشا مدفعين من البرونز لتسليح سفينته لكنه فر فاحتج الباشا لدي هنري الاربع الذي آثر عدم الاكتراث والرد، وقام سيمون بتحريض فرنسا على احتلال مدينة الجزائر . فتصدعت العلاقات بين البلدين وقامت مرسيليا بتجهيز حملات فاشلة وبلغت خسائر فرنسا في ظرف خمس سنوات زهاء ثلاثة ملايين فرنك وعدد كبير من الأسرى.
إعادة العلاقات الحسنة : حاولت فرنسا إعادة السلام دون ان تتنازل عن قضية المدفعين فأرسلت بعثة من مرسيليا 1617م وأفرجت على بعض الأسرى الجزائيين حتى تسهل مهمة التفاوض، لكنها تعثرت وفشلت خاصة مع محاولة الفرنسيين الاستيلاء على الحصن بالقوة. ورغم أن الجزائر وافقت على احترام المعاهدات المبرمة بين فرنسا والباب العالي لكن هذه الهدنة لم تضع حدا للخلافات وحاولت فرنسا مع هولندا في 1618م ضرب مدينة الجزائر لكن إنكلترا اعترضت سبيل السفن الهولندية عند مضيق جبل طارق.
سفارة سنان آغا وروازن باي: هددت فرنسا بتوجيه حملة الى الجزائر وأرسل الباب العالي مبعوثه فاستجابت الجزائر لإتمام المفاوضات وارسلت بعثة يرأسها "سنان آغا" و"روازن باي"، وتم توقيع معاهدة بين الطرفين في 21 مارس 1619م ، وكانت أول معاهدة سياسية لإعادة السلام بين الدولتين . لكن أفارد البعثة مع عدد من الأسرى تعرضوا لعملية القتل من طرف سكان مدينة مرسيليا بعد وصول نبأ تعرض "الرايس رجب" لسفينة فرنسية محملة ببضائع ومواد ثمينة وقد تجاوز عدد الضحايا 60 شخصا. وتم محاكمة عدد من المتسببين في هذه المجزرة.
كان من الطبيعي أن يكون لهذه الحادثة أصداؤها في الجزائر وأن تثير ضجة كبيرة فثار الأهالي ضد الجالية الفرنسية وألقي القبض على القنصل الفرنسي.
وكانت هذه الحادثة سببا في تعكير العلاقات بين البلدين قرابة ثماني سنوات، ركز الجزائريون نشاطهم الحربي على جنوب فرنسا، تكبدت فرنسا خلالها خسائر مالية وبشرية كبيرة. وأمام ضعف البحرية الفرنسية اضطر الملك لويس 13 الى طلب المفاوضة وطلب من الباب العالي للتوسط لإعادة العلاقات بين فرنسا والجزائر، فأرسل سليمان شاوش للنظر في النازعات بين البلدين لكنه لم يوفق في مهمته جراء رفض حكومة الجزائر.
السلام العابر: لقد أدركت فرنسا أن مصالحها في الجزائر أصبحت مهددة من طرف دول منافسة لها فأوفدت في جوان ممثلا لها لتفاوض بشأن إعادة السلام وبعد أن مكث مدة في الجزائر رجع الى بلاده. وبذلت فرنسا ما في وسعها لتهيئة أرضية التصالح فأفرجت عن الأسرى الجزائريين وأطلقت سارح الرايس "شعبان" ورفاقه وسفينته المحملة بالبضائع.
وبعد تعثر للمفاوضات تمكن "سانسون نابليون" [1] الذي بذل مبالغ كبيرة قدرت ب 30 ألف ليفر من إبرام معاهدة سياسية وتجارية في 19 سبتمبر 1628م تضمنت 12 بندا، كما تمكن من إبرام اتفاقية بشأن المؤسسات الفرنسية. ورغم الامتيازات التي منحت لفرنسا جراء المعاهدة لكنها لم تكن في مستوى طموح فرنسا اذ حرمتها من مكاسب طالما تمتعت بها في السابق، ولذلك لم تمنع هذه المعاهدة النازع بين البلدين الا لفترة وجيزة وكانت فرنسا هي أول من نقض العهد.
بدأت أولى تعديات الفرنسيين في ربيع 1629م، فاعترضت سفينة من مرسيلسا سفينة جزائرية، واستمر المرسيليون في مهاجمة البحارة الجزائريين ، وكان رد البحارة الجزائريين مؤكدا ومؤثرا وبلغت قيمة الأموال الفرنسية المصادرة 4752000 ليفر وثمانية سفن وأسروا 1331 أسير خلال الفترة 1628 م – 1634م. وقد امتنعت فرنسا عن تعيين خليفة لسانسون نابولون بعد وفاته .
تسوية الخلاف:
مهمة سانسون لوباج ونتائجها:
كان هدفها إعادة العلاقات السياسية والتجارية بين البلدين، وحمل الحكومة الجزائرية على تعديل موقفها من قضية تفتيش السفن الفرنسية من طرف رياس البحر، وأيضا التطرق لمسألة فداء الأسرى منذ 1629م واسترجاع المؤسسات الفرنسية ووصلت البعثة الى الجزائر في 15 جويلية 1634م وشرعت في المفاوضة واستمرت فترة طويلة لكن الباشا يوسف رفض المطالب الفرنسية وتبادل الأسرى غير المتكافئ فلم تحقق المفاوضة أي نتيجة.
وزاد من تفاقم الوضع عندما أمر لويس 13 في شهر ماي 1636م ارسال اسطول الى البحر المتوسط لمطاردة البحارة الجزائريين، وتوجهت 12 سفينة تحت قيادة مائتان بصحبة لوجان نحو سواحل الجزائر للضغط على حكومة الجزائر لتحرير الأسرى الفرنسيين وتعديل معاهدة 1628م لكن غلبة الظروف المناخية حال دون تحقيق الهدف.
وتوترت العلاقات أكثر وتعطلت العلاقات التجارية بعد تحطيم علي بتشين الحصن.
مفاوضات كوكيال وصلح 1640م:
كوكيال هو أحد أسرى الحصن ومن أصحاب المصالح التجارية الذين رروا في تعطيل العلاقات خسارة كبيرة ، وسهلت الحكومة الجزائرية بقبول مفاوضته، توصل بعد سنتين من إبرام معاهدتين الأولى سياسية والثانية تخص المؤسسات الفرنسية. وقد رفضت فرنسا المصادقة عليها، وعزم الكاردنال ريشيليو على إرسال قوة بحرية إلى الجزائر وبعث برسالة الى الديوان بغية تعديل نصوص المعاهدة، لكنه أصر على عدم تعديل معاهدة 1640م ، رغم أن فرنسا حاولت مرارا بالقوة تعديلها كما قررت الحكومة الفرنسية رسميا عدم المصادقة عليها. واستمرت الحرب بين البلدين وحقق فيها الجزائريون غنائم كبيرة قدرت ب أربعة ملايين ، وقد انشغلت فرنسا داخل أوروبا.
وخلاصة القول تميزت العلاقات بين البلدين خلال الفترة 1619 م-1660م بالاضطراب والتناقض والاصطدام والتصالح واتسمت بالمرونة من الجانب الفرنسي تجلى في إرسال البعثات الدبلوماسية بهدف شراء السلم وتنشيط التجارة بين البلدين ويرجع ذلك لظروف فرنسا ومنافسة الدول الأخرى لها إضافة لقوة البحرية الجزائرية. وقد عمدت فرنسا خاصة منذ 1636م الضغط على الجزائر لتعديل معاهدة 1628م لكنها فشلت.
المراجع:
- يحي بوعزيز، علاقات الجزائر الخارجية مع دول وممالك أوروبا 1500-1830، ديوان المطبوعات الجامعية/ الجزائر، 1980، ص 64.
- عائشة غطاس، العلاقات الجزائرية الفرنسية خلال القرن السابع عشر، رسالة ماجستير في التاريخ الحديث، جامعة الجزائر، 1984-1985، ص 46.
- جمال قنان، معاهدات الجزائر مع فرنسا 1619-1830، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2010، ص 72.
- جون ب وولف، الجزائر وأوروبا 1500-1830، تر: أبو القاسم سعد الله، دار الرائد، عالم المعرفة، الجزائر، 2009، ص 2700
- H.D de Grammont, Relations entre La France et La Régence D’Alger au17siecle –La Mission De Sanson Napollon , R.A1879, P139.
[1] يعد سانسون نابولون من أهم الشخصيات التي أوكلت إليها فرنسا مهامًا بالجزائر، إذ لعب دورًا كبيرًا في إرساء السلم بين البلدين، ونجح في استرجاع امتياز صيد المرجان بعد انقطاع العلاقات بينهما إثر حادثة مذبحة الوفد الجزائري سنة 1620 في مرسيليا. كما قام بتوقيع معاهدة سنة 1628 مع حسين باشا حاكم الجزائر، واستطاع أن يقود الشركة الفرنسية إلى أزهى عصورها خلال فترة عمله