كانت العلاقة بين الجزائر وفرنسا خلال لفترة لعثمانيّة مبنيّة على طبيعة لنوّيا لحقيقيةّ لكلا لطّرفين، إذ أ نه بالرّغم من إبرام عدّة معاهدات فإنّ الوضع لم يكن مستقرّا تماما، وعلاقتهما كانت تتأرجح بين حالتي السّلم والحرب، ومن بين هذه المعاهدات معاهدة 19 ماي 1628[1]، ومعاهدة السّلم ولمعاهدة الخاصّة بالباستيون في 7 جويلية 1640، ومعاهدة 29 فبرير 1661. وعلى ضوء هذه المعاهدات فإن الجزائر قدّمت العديد من الامتيازات للطرف لفرنسي في استغلال موقع الباستيون في كل من القالة والقل وبونة في صيد المرجان والتبّادل التجّاري، والحفاظ على العلاقات الحسنة، إلا أ ن الجانب الفرنسي كان له أ طماع أ خرى اتجاه الجزائر وهذ بسبب موقعها الاستراتيجي الهام، إلى جانب العامل الديني المتمثل في الحقد الصليبي عليها.
1- حملة بوفورت على جيجل 1664م:
كانت لحملة على مدينة جيجل سنة 1664، أ ولى المحاولات العدوانية على الجزائر في فترة حكم لويس لربع عشر Louis 14 (1661–1715)[2]، تهدف إلىى احتلال الجزائر على عكس ما زعمت بأنها جاءت لتأديبهم وكبح جماح البحرية الجزائرية.[3] وهي في الأصل كانت تمارس حقها الشرعي في الدفاع عن نفسها في إطار الجهاد البحري، لعلمهم أن الإيالة كانت محل أطماع الدول الأوربية منذ انضوائها تحت لواء الدولة العثمانية سنة 1519 .
لقد سبق عملية الاحتلال إرسال الجاسوس كليرقيل في خريف 1661م لتعرف على أسهل واهم المناطق في سواحل الجزائر وتم الاتفاق على مدينة جيجل. انطلقت الحملة في شهر جويلية 1664م وتشكلت من 60 سفينة حملت 4650 مقاتل من قوات البرية مدعمة ب800 جندي من قوات البحرية إضافة إلى قوات أوروبية عدت بمئات المقاتلين، تمكنت هذه القوات من احتلال المدينة بعد معركة دامية كلفت 400 قتيل من الطرفين. وقد غمرت فرحة الانتصار العابر سكان وتجار مرسيليا. وقام الآغا شعبان في شهر أكتوبر بتجهيز عشرة ألاف من الجنود تمكنوا من اقتحام مدينة جيجل وفرت القوات الفرنسية تاركة ورائها مدافع وذخائر وحوالي 1400 أسير وكان لهذه الحملة والهزيمة أثرها على العلاقات العثمانية الفرنسية.
قامت فرنسا سنة 1665م بقصف مدينتي الجزائر وشرشال، وفي 17 ماي 1666م عمدت فرنسا الى إبرام معاهدة مع الجزائر هدفها تصفية المشاكل العالقة بين البلدين وتضمنت 12 بندا وهي أول معاهدة تتناول القضايا المتعلقة بالجالية الفرنسية في الجزائر ونتيجة لها تم فدي 1127 أسير فرنسي. ولتدعيم هذه الصداقة أرسل لويس 14 مع القنصل بستة ألا ف فرنك ليوزعها على الباشا وحاشيته لقطع العلاقات مع هولندا وإنكلترا التي أرسلت مساعدات قدرت ب30 سفينة الى الجزائر لتوثيق العلاقات معها .
وبعد وصول الدايات إلى الحكم في الجزائر أصيبت العلاقات الودية بين البلدين بتصدع، فقد وضعت الجزائر شروطا لإقامة سلام وصداقة دائمة بينهما ، وبالفعل بدأت البحرية في احتجاز عدد من الفرنسيين المخالفين للشروط المتفق عليها.
القطيعة واعلان الحرب:
كانت حادثة 1679م سببا مباشرا في ذلك عندما اعترضت سفينة فرنسية عدد من الجزائيين افلتوا من قبضة الأسر الاسباني ، واستخدموا في عملية السخرة داخل السفينة ولم يفرج عليهم ، وظلت المسألة عالقة مدة ثلاث سنوات قرر الديوان في 18 أكتوبر 1681م نقض السلام مع فرنسا واعلان الحرب ضدها وحققت البحرية الجزائرية غنائم معتبرة في مدة وجيزة. وكان أحد السفن تابعة للبحرية الفرنسية بيع قائدها في المزاد كانت حجة لفرنسا لمهاجمة مدينة الجزائر ، وقد تمكنت الجزائر من إبرام معاهدات مع هولندا 1680م وإنكلترا 1682م لتزويدها بالمدافع والأسلحة والذخائر والعتاد.
جهزت فرنسا حملة كبيرة قوامها 60 سفينة بقيادة دوكين انطلقت في 12 جويلية 1682م وقامت بقصف مدينتي شرشال والجزائر نجم عنها خسائر فادحة في الأرواح والعمران ، وقد تصدت القوات الجزائرية للحملة وألحقت بها خسائر كبيرة. وقام دوكين بحملة ثانية في جوان 1683م قوامها 21 سفينة تحمل أربعة ألاف مقاتل كبدت سكان المدينة خسائر معتبرة ، فقبل الداي بابا حسن التفاوض مع الفرنسيين وقبل بالشروط المجحفة التي فرضوها وكانت عاقبته الإطاحة به واستطاع الداي الجديد حاجي حسين "ميزو مورطو" مواصلة المعركة وكانت نتيجتها أكثر من 2000 مسكن مدمرة ، وتم قتل القنصل الفرنسي لوفشر وعدد من الرعايا الفرنسيين. ورغم الخسائر فان الحكومة الجزائرية لم تطلب الصلح .
إبارم الصلح :
اضطرت فرنسا الى عقد الصلح مع الجزائر بعد فشل حملتها وقام الأميرال دوترقيل بالتفاوض وتم ابرم معاهدة الصلح في 25 أفريل 1684م وقد تضمن 29 بندا نصت على أن يكون الصلح بين البلدين لمدة مائة عام. وأرسلت الجزائر بعثة وقابلت الملك لويس 14 وتبادلا الطرفان الهدايا ووثقا العلاقات بين البلدين.
2- حملة ديستري على مدينة الجزائر في 26 جوان 1688م:
تذرعت فرنسا لإعلان الحرب على الجزائر بسماح حكومتها بيع غنيمة فرنسية من طرف احد بحارة مدينة سلا المغربية فأمر الملك بمطاردة السفن الجزائرية، انطلق ديستري على أرس حملها قوامها 44 سفينة وبدأ في 01 جويلية بقصف مدينة الجزائر واستمر 26 يوما وتجاوزت الخسائر المادية 9200 مبنى وراح ضحيتها عدد كبير من القتلى جزائريين وفرنسيين. ورغم ذلك فقد اضطرت فرنسا الى تعويض سفينة أحد الرياس وتقديم العتاد الحربي للجزائر منها أربعة مدافع وأكثر من تسعة ألاف قنبلة. وأبرمت معاهدة صلح في 24 سبتمبر 1689م تضمنت 31 بندا تناولت مختلف النازعات القائمة وفداء الأسر ى ، ونظرا لأهميتها تم تجديدها عشرون مرة. وأوفد الداي شعبان مبعوثه محمد الأمين لتسوية الخلافات واسترداد الأسرى .
3- الحملة الفرنسية على الجزائر 1827- 1830م:
بعد حادثة المروحة الشهيرة التي وقعت يوم عيد الأضحى في 29 ابريل 1827 والتي أدت الى زيادة القطيعة بين البلدين ، أعلنت فرنسا فرض الحصار على الجزائر بداية الحصار في 16 جوان 1827م ، أما الداي حسين فقد أمر من جهته باي قسنطينة بالاستيلاء على المنشآت الفرنسية الواقعة في شرق البلاد .
في جلسة 30 جانفي 1830 قرر مجلس الوزارء الفرنسي القيام بحملة ضد الجزائر ، وفي 7 فيفري أقر الملك شارل العاشر وأصدر مرسوما ملكيا بتعيين الكونت دي بورمون قائدا عاما للحملة والأميرال دوبيري قائدا للاسطول ، وقد بدأت الاستعدادات الحثيثة لتنفيذ المشروع ، وقد تولى قيادة الجيش الجزائري بعد الأغا يحي صهر حسين باشا وهو الأغا ابرهيم في أوت 1829م، وقد كان عاجزا على أداء مهمته، فهو لم يكتف بعدم القيام بأية استعدادات لصد العدوان بل إنه عارض اقتراحات زملائه أمثال الحاج أحمد باي بوجوب مقاومة العدو في حرب مناوشات وليس في حرب مواجهة. وأخيار حدثت معركة السطاوالي في 19 جوان 1830م التي هزم فيها الطرف الجزائري ومع تراجع المقاومة الجزائرية وإصرار دي بورمون قبول اقتراح حسين باشا على الاستسلام وبعد التفاوض ومراجعة الباشا وقعت المعاهدة التالية يوم 5 جويلية 1830 :
- تسلم قلعة القصبة وكل القلاع الأخرى المتصلة بالمدينة والميناء للجيش الفرنسي على الساعة العاشرة.
- يتعهد القائد العام للجيش الفرنسي أمام سعادة باشا الجزائر أن يترك له الحرية وكل ثرواته الشخصية.
- سيكون الباشا حرا في أن يذهب هو وأسرته وثرواته الخاصة الى المكان الذي يقع عليه اختياره ، فإذا فضل هو وأسرته تحت حماية القائد العام للجيش الفرنسي وسيعين له حرس لضمان أمنه الشخصي وأمن أسرته.
- يتعهد القائد العام لكل الجنود الانكشاريين بنفس المعاملة ونفس الحماية.
- سيظل العمل بالدين الإسلامي حرا ، كما أن حرية السكان مهما كانت طبقتهم ودينهم وأملاكهم وتجارتهم وصناعتهم لن يلحقها أي ضرر ، وستكون نساؤهم محل احترام ، وقد التزم القائد العام على ذلك بشرفه.
[1] جمال قنان، العلاقات الفرنسية الجزائرية 1790-1830 ، منشوارت متحف المجاهد ، وازرة المجاهدين طبعة خاصة ، الجزائر ، 1997 ، ص 75 و 89.
[2] ولد في سان جيرمان في 05 سبتمبر 1638، وفي سن الخامسة، أصبح ملكا بعد وفاة أبيه في 14 ماي 1643.
[3] عائشة غطاس، العلاقات الجزائرية الفرنسية خلال القرن السابع عشر، (1619-1694)، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر 2، السنة الجامعية 1984-1985، ص 65.