تحركت العلاقات الجزائرية الفرنسية خلال القرن 18م في اطار المعاهدة التي ابرمت بين الطرفين ، بعد جهد كبير في عام 1689م ولقد أضيفت خلال هذا القرن وفي مناسبات مختلفة بعض الترتيبات التي أدمجت في صلب هذه المعاهدة وأصبحت جزءا لا يتجزأ منها ، والتي سوف ينتهي أجلها عند نهاية العشرية الثامنة من هذا القر ن. لقد حدثت عدة تواترت في العلاقات بين البلدين بسبب الانتهاكات التي تحدث لبعض ترتيباتها من حين لآخر .
كانت السلطات تعاقب بكل صارمة المسؤولين عن هذه التجاوزات إذا كانوا جزائريين ، لقد أكد القناصل الفرنسيون ذلك في التقارير التي كانوا يرسلونها لسلطات بلادهم بل نجد من كان منهم يتوسط لدى سلطات الجزائر لتلمس العفو عن الرايس المذنب والتي دون الوساطة لن ينجو من العقاب الشديد. إن التماس العفو عن المذنب كان عرفا جاريا لدى القناصل الفرنسيين المعنيين بالتجاوز ونادرا ما كانوا يتحللون من هذا التقليد ، وفي هذه الحالة لن ينجو من العقاب المتمثل غالبا في الإعدام .
ولكن الأمر ليس كذلك لدى الطرف الفرنسي لقد تأكد مرارا وبأدلة ثابتة تلاعب السلطات الفرنسية بمنح جوازات فرنسية لسفن بلدان معادية للجزائر، كما أن المصالح الشخصية التي يعمل القناصل على تثمينها اعتمادا على منصبهم والدوافع الذاتية التي تجعلهم يخلطون بين مصالحهم الشخصية ومصالح الدولة التي يمثلونها كثيار ما كانت السبب في التوترات.
ونتيجة للأحداث الكبرى التي عرفتها فرنسا في نهاية القرن 18م، تحركت وقائع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ان طبيعة هذه العلاقات وخصوصيات الدوافع المحركة لها تستوجب التمييز بين ثلاث مراحل:
· المرحلة الأولى تبدأ بتمديد معاهدة السلم المئوي لمائة سنة أخرى في شهر مارس 1790م ، لتنتهي عند إعلان الجزائر الحرب ضد فرنسا بسبب احتلالها لمصر عند نهاية شهر ديسمبر 1798م.
· المرحلة الثانية التي تنطلق من توقيع هدنة غير محدودة الأجل بين البلدين في شهر جويلية 1800 الى سقوط نابليون بونابرت في ربيع 1814م.
· المرحلة الثالثة والأخيرة التي تبدأ بعودة الملكية الى الحكم في فرنسا لتنتهي عند حدوث القطيعة بين البلدين ، وقارر فرنسا تجريد حملة عسكرية ضد الج زائر في مستهل سنة 1830م.
في نهاية القرن 18م كانت الجزائر دائما تسعى لتحقيق التوافق والانسجام بين البلدين، ففي ربيع 1786م كادت تؤدي حادثة الاستيلاء على سفينة جزائرية الى حدوث أزمة بين البلدين وبعد فترة تم الاتفاق على التعويض وتسوية المسالة، وفي يوم 29 مارس 1790 وقع الطرفان اتفاقا يكرس تسوية كل المسائل التي كانت محل خلاف . فبعد وقوع حادث ألم ببعض سفن مع سوء تصرف القنصل فالييير الذي تم تثبيته بعد هذه الأزمة حيث لم يجد أي صعوبة ولم يلاحظ أي مماطلة لدى المسؤولين للاعتراف بالنظام الجديد في فرنسا 1793م ولا في إقرار وتثبيت المعاهدات القائمة بين البلدين ، فقد سارع الداي حسن باشا الى إقرار تلك المعاهدات رغم مساعي الأطراف الأوروبية وخاصة إنجلترا لإقناع الجزائر على اتخاذ موقف آخر ، كما التزمت الجزائر بتقديم المساعدات الغذائية وغيرها لفرنسا .
وقد تطورت هذه العلاقات فكانت أفضل ما تكون في عهد الثورة الفرنسية ، فقد اعترفت الجزائر بالجمهورية الفرنسية الجديدة في وقت كانت فيه تحت حصار أوروبي محكم . وتكونت بين الدولتين علاقات ودية باستثناء فترة الحملة الفرنسية على مصر(1778م – 1801م) ، عندما قام نابليون بحملته على مصر خريف 1798م وأعلنت الدولة العثمانية الحرب على فرنسا وأوعزت للجزائر لقطع العلاقات معها وبعد مفاوضات استجابت الجزائر وأعلنت الحرب في ديسمبر 1798م على فرنسا وقدمت المساعدات وقامت بحجز رعايا فرنسا 23 شخصا موظفين وتجار وأعوان الوكالة الافريقية 95 شخص ولم تكن معاملتهم قاسية. وبعد فترة من القطيعة توجه القنصل الفرنسي تانفيل الى الجزائر في جوان 1800م للتفاوض من أجل التسوية وحل المشاكل وبعد مفاوضة متعثرة أقر الديوان المعاهدة في 28 سبتمبر 1800م التي ضمنت الشروط الجزائرية وأعادت العلاقات بين البلدين. وقد توترت العلاقات بعد ذلك وأدت الى قطعها من جديد بسبب التعنت الفرنسي وعدم جديته في التقييد ببنود المعاهدات السابقة.
في 1796م أقرضت الجزائر حكومة الثورة في فرنسا مليونا من الفرنكات بدون فائدة ، على تستعمل فرنسا هذا المبلغ في شراء الحبوب من الجزائر ، وفي 1794م أذنت الجزائر للحكومة الفرنسية أن تتمول في موانئ الجزائر عندما كانت الأسواق الأوروبية مغلقة في وجه التجارة الفرنسية . وفي أول الأمر كان شراء المواد الغذائية من الموانئ الجزائرية يتم بطريقة مباشرة ، فتدفع الشركة الملكية ثم خليفتها الوكالة الوطنية الفرنسية الثمن إلى الحكومة الجزائرية . ثم غيرت فرنسا طريقة الدفع أثناء حكومة المؤتمر فلجأت الى التاجرين اليهوديين الجزائريين بكري وبوشناق ليقوما بالدفع بدلها الى الحكومة الجزائرية.
وبينما كانت فرنسا مَدِينة لليهوديين الجزائريين ، كانا هما مدينين للدولة الجزائرية وفي سنة 1795م قدر دين فرنسا بمليونين فرنك، أما دين اليهوديين للجزائر فقد قدر ب300000 فرنك وقد عين هؤلاء التجار اليهود يعقوب بكري ممثلا لهم في مرسيليا ثم في باريس . في سنة 1819م عينت الحكومة الفرنسية لجنة رباعية لدارسة الدين الذي على فرنسا لرعايا الجزائر اليهود وقدرته ب42 مليون فرنك ولكن هذا المبلغ انخفض الى 7 ملايين فقط نتيجة مطالب أطارف أخرى بديونها التي على أسرة بكري وبوشناق ، ولكن المذكرة التي أصدرتها الحكومة الفرنسية في 28 أكتوبر 1819م قد أكدت أن ملك فرنسا عازم على إرضاء مطلب باشا الجزائر للمحافظة على العلاقات الودية بين الجزائر وفرنسا ، وقد أعلن رسميا في 12 افريل 1820م أنه ارض اذا سددت الحكومة الفرنسية الدين الذي عليها الى يعقوب بكري مباشرة. وفي 24 جويلية 1820م صدر قانون عن البرلمان الفرنسي بتخصيص 07 ملايين فرنك لتسديد الدين الى يعقوب بكري وبعد ذلك أحالت الحكومة الفرنسية القضية على المحاكم ومعنى ذلك أن الباشا لن يحصل من يعقوب بكري على الديون المتراكمة عليه.
وتعود مشاريع الحملة الفرنسية على الجزائر الى عهد نابليون فبعد عودة السلام بين الجزائر وفرنسا سنة 1801م رجعت فرنسا الى امتيازاتها في الجزائر لكن العلاقات ما لبثت أن توترت بين البلدين فقد احتجزت الجزائر سفينتين فرنسيتين وضربت أخرى فطالب نابليون بالتعويض ومعاقبة المذنبين. وبدأ يخطط للقيام بحملة عنيفة لكنه تخلى عنها وأرسل رسالة تهديد للباشا يطالبه بالتعويضات ويعلمه برفضه تسديد المبلغ الذي يطالب به 200000 فرنك . وفي سنة 1805م اضطرت فرنسا رغم تعنتها لدفع مبلغ 80000 فرنك للباشا أحمد حتى تم إطلاق سراح 231 أسير، وفي 1807م سحبت الجزائر الامتيازات الفرنسية السابقة ومنحتها لإنكلترا وكاد الحدث يؤدي الى حرب بين الدولتين ووصل الضابط بوتان في 24 ماي 1808م لدارسة خطة إنزال القوات الفرنسية في منطقة سيدي فرج غير المحصنة، ولكن انشغال نابليون بالحرب في أوروبا وهزيمته في 1814م جعل مشروع الحملة يتأخر لفترة.
وبعد مؤتمر فيينا عينت فرنسا قنصلا جديدا لها في الجزائر وهو بيير دوفال في 28 أوت 1815م وقد حمل الى الباشا هدايا ثمينة قدرت بـ 112924 فرنك وفي مقابل ذلك أعاد الباشا الى فرنسا في 17 مارس 1817م الامتيازات التي فقدتها وخفضت الضريبة السنوية المقررة من 300000 ألف الى 118000 فرنك. لكن بعد تولي الداي حسين الحكم طالب فرنسا بتسديد الدين له شخصيا واتهم القنصل دوفال بإخفاء رد حكومته وطلب منها بإرسال قنصل جديد، لكن رد فرنسا كان ارسال القطع الحربية الى الجزائر وبقرار من مجلس الوزارء في افريل 1827م تم فرض الحصار الذي انتهى بالحملة الفرنسية على الجزائر في 1830م .